بيروت وجبل لبنان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين

العلاقات الاجتماعية والسياسية، المنتديات والجمعيات، الجامعات والإرساليات، علاقة الكنيسة بالعثمانيين ونظام الملل والأوقاف في بيروت وجبل لبنان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

 

غسان الشامي: مساء الخير، حفلت نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بتغييرات كثيرة في بيروت وجبل لبنان تناولها الباحثون والأكاديميون لكنها غابت عن الكثيرين ربما لأن شعوبنا تتعاطى مع الماضي والتاريخ من باب الحكايا والقصص. لقد كانت هذه الفترة تأسيسية في الشأن اللبناني إن على أسُس صوغ مجتمعه الأهلي والمدني ودور الدين والمؤسّسات الدينية بعد تكريس نظام المِلل العثماني ، أو بعد دخول الإرساليات الدينية ومدارسها وجامعاتها إلى صلب الحياة العامة في بيروت التي ارتفع عديد سكانها على نحو مضطرد ليبلغ 62 ألفاً عام 1908، وتصبح المركز الأساسي للنشاط التجاري والمالي والثقافي والعلمي قبل أن تحل الحرب العالمية الأولى وويلاتها فيما كان العثماني يرفع مستوى التنكيل قبل خروجه في نهاية هذه الحرب. بيروت وجبل لبنان في خواتيم القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين محور حوارنا مع الدكتورة سعاد سليم، قبل أن نبدأ نعرّفكم بها.

تقرير

وُلِدت الدكتورة سعاد سليم في بيروت عام 1952 وتابعت تعليمها فحازت الإجازة في التاريخ من المعهد العالي للآداب في جامعة ليون الثانية عام 1973، وشهادة الجدارة في التاريخ من الجامعة نفسها عام 1978، ثم شهادة الدراسات العليا المعمّقة في التاريخ من جامعة باريس الرابعة السوربون عام 1980، والدكتوراه الحلقة الثالثة في التاريخ من الجامعة ذاتها عام 1984، كما حصلت على دكتوراه في التاريخ من جامعة برمنغهام عام 2000.

عملت موثّقة وكاتبة في دار الصياد ومحاضرة في جامعة القديس يوسف بين عامي 1981- 1996 وباحثة ومحاضرة في جامعة البلمند بين عامي 1987- 1994، وأستاذة مشاركة ومديرة معهد التاريخ والتراث فيها بين عامي 1994- 2011، وأستاذة في البلمند عام 2014.

نشرت ثلاثة كتب هي "المُحاصصة والضرائب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر" باللغة الفرنسية و"البلمند تاريخ وتراث" بالفرنسية أيضاً و"أوقاف اليونان الأورثوذكس في لبنان خلال العهد العثماني" بالإنكليزية، وحرّرت الكتب الآتية: "تاريخ المسيحية في الشرق الأوسط" بالإنكليزية، "العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في بلاد الشام خلال الفترة العثمانية في القرنين السابع عشر والتاسع عشر" بالفرنسية، و"نحو تاريخ ثقافي في العصر المملوكي، نحو طريق ثقافي للمرحلة المملوكية".

شاركت في العديد من الندوات الجامعية والمؤتمرات والمحاضرات التي نُشرِت في دوريات ومجلات جامعية، ولها العديد من المقالات المنشورة في مجلات ودوريات متخصّصة باللغات الفرنسية والعربية والإنكليزية.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بكِ دكتورة سليم في أجراس المشرق، سيّدتي لبندأ بتوصيف الصفات العامة للمجتمع في بيروت خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

سعاد سليم: عندما نتحدّث عن بيروت والمجتمع البيروتي فإننا نتحدّث عن البرجوازية البيروتية الموجودة في هذه المدينة التي كانت متنوّعة من حيث الانتماءات الاجتماعية والاقتصادية ومن حيث الانتماءات الطائفية والمذهبية. صحيح أن البرجوازية كانت كبيرة جداً ومهمة وغنية ولديها تجارة متطوّرة مع كل دول العالم الأوروبية من جهة والدولة العثمانية من جهة أخرى، وكان معظم سكان الدولة العثمانية غير المسلمين من الأورثوذكس. 

غسان الشامي: تحديداً في بيروت.  

سعاد سليم: في بيروت كان لديهم مركز للتعامل الاقتصادي مع كل الدولة العثمانية أي أن الإنتاج كان ينتقل من بيروت إلى حمص إلى إزمير إلى القاهرة إلى لندن في عائلة واحدة، هذه العائلة الواحدة كانت تستطيع تسيير أعمالها بين معظم المدن العثمانية والأوروبية عبر أفراد العائلة الواحدة. صحيح أن هذه المجتمعات البرجوازية كانت مهمة جداً لكن كان هناك صغار التجار والعمال اليدويين خاصة الصحافة الناشئة التي كانت تتطوّر شيئاً فشيئاً، المِهَن الجديدة التي طرأت على المجتمع العثماني نتيجة تطوّر المدارس والإرساليات.

غسان الشامي: هل كانت بيروت ذات سِمة برجوازية في نهايات القرن التاسع عشر؟ ألم يكن هنالك عمّال؟ كيف كانت الحياة؟ ما هي صفات العمل في تلك الفترة؟

سعاد سليم: هناك اختلاط وهذا ما لا نشدّد عليه في الصورة التي نعطيها عن بيروت مثلاً اللاجئون الذين قدموا إلى بيروت والأرمن والحوارنة والآشوريين والسريان وفي ما بعد الفلسطينيين جميعهم اندمجوا في المجتمع البيروتي، اندمجوا عبر المدارس التي نشأت منذ القرن التاسع عشر وفي ما بعد.

غسان الشامي: كيف تبدّت العلاقات الاجتماعية في بيروت؟ هل كانت هذه العلائق تختلف عن العلائق في جبل لبنان؟

سعاد سليم: العلاقات الاجتماعية كانت مختلفة لأن بيروت مدينة مختلطة أولاً، ثانياً لأنها كانت منفتحة على العالم، كل القنصليات الأجنبية لها مراكز في بيروت، كان هناك تنافس بين الإرساليات على المدارس وعلى اجتذاب السكان، لم تكن هناك علاقات إقطاعية. صحيح أن في جبل لبنان تراجعت العائلات الإقطاعية في نهاية القرن التاسع عشر لكن الفقر استمر رغم عدم ظهوره دائماً في معرفتنا للتاريخ.

غسان الشامي: ما هو موقع السلطة العثمانية في المجتمع في تلك الفترة إن كان في بيروت أو في جبل لبنان؟ نحن نعلم أن السلطة العثمانية كانت في خواتيمها قبل سنوات.

سعاد سليم: جبل لبنان كان لديه استقلال ذاتي، صحيح أنه لم يكن استقلالاً كلياً كما ندّعي أحياناً.

غسان الشامي: تقصدين في نظام المتصرّفية؟

سعاد سليم: في إطار المتصرّفية كان هناك استقلال ذاتي وإعفاء من الخدمة العسكرية، أهالي جبل لبنان لم يشاركوا في الخدمة العسكرية ولا في أداء المال للخدمة العسكرية حتى الذين كانوا يسكنون في بيروت لم يدفعوا المال للخدمة العسكرية. أهالي بيروت كانوا يدفعون بدل الخدمة العسكرية لأنهم أصبحوا مواطنين، المسيحيون استناداً إلى إصلاحات وتنظيمات كلخاني عام 1839 وإصلاحات همايون عام 1856 أصبحوا مواطنين عثمانيين متساويين مع باقي المواطنين المسلمين، ولا يحق لأحد التفرقة بينهم وبين الآخرين أو الاعتداء على ممتلكاتهم إلى آخره، هذا ما أوجب فرض الخدمة العسكرية ولكن الدولة العثمانية لم تكن قادرة على استيعاب المسيحيين في صفوف الجيش العثماني لأسباب متعدّدة فطلبت منهم دفع البدل العسكري الذي كان أعلى بكثير من الجزية، أعفتهم من الجزية وفرضت بدل الخدمة العسكرية وهذا ما خلق التفاوت بين جبل لبنان وبيروت. عام 1908 حصلت ثورة الأتراك "تركيا الفتاة" دخل المسيحيون إلى الجيش العثماني وهناك إثباتات على أسماء العديد من اللبنانيين والبيارتة أي أهالي المتصرّفية وبيروت. بيروت لم تكن المدينة بل كانت تمتد من اللاذقية إلى عكا ونابلس في فلسطين، كل المدن الساحلية عكا وحيفا وطرطوس واللاذقية وطرابلس وصيدا كانوا ولاية بيروت مع بعض المناطق الزراعية شرق هذه المدن.

غسان الشامي: كيف يمكن وصف العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في تلك الفترة في بيروت أولاً وبعدها في جبل لبنان؟

سعاد سليم: استناداً إلى ما نجده في وثائق المحاكم الشرعية في طرابلس وبيروت وفي المدن العثمانية عامة أنه كان هنالك عيش مشترك قائم في الحياة اليومية، هذه الحياة اليومية كانت مبنية على الاختلاف وعلى العيش المشترك حسب الظروف وحسب الأوقات ، حتى أن المسيحيين كانوا يرفعون الدعاوى على المسلمين في المحاكم الشرعية في حال وجود سبب لذلك، حتى أنه كانت هنالك امتيازات معينة للطوائف المسيحية. نحن نكره الدولة العثمانية لأننا عرب ومسيحيون خاصة بعد المجزرة الأرمنية إنما نهاية الدولة العثمانية شهدت تطوّراً كبيراً في عدد السكان المسيحيين في كل الدولة العثمانية، في سوريا والأناضول وفي كل بلاد الشام كان عدد المسيحيين 26.5% من أهل البلاد بينما في نهاية العهد المملوكي كانوا 9 أو 7% على الأكثر.

غسان الشامي: في نهاية العهد المملوكي انهار العمران على طريقة إبن خلدون بمعنى أن كل سكان بلاد الشام ظلّوا مليوناً ومئتي ألف.

سعاد سليم: على الرغم من أن المرحلة المملوكية حسب الأبحاث الجديدة شهدت نهضة علمية كبيرة جداً على صعيد الفلك والطب والعلوم إلى آخره.

غسان الشامي: لفتني في كتاب المستشرق ليز عن بيروت وهو كان قنصلاً عام 1840 أن اللباس حتى بين المسلمين والمسيحيين كان مختلفاً وهنا نتحدّث عن أنتروبولوجيا.

سعاد سليم: حسب الشروط العمَرية كان هناك تفرقة، لم يكن بإمكان المسيحيين ارتداء اللون الأخضر كالمسلمين أو ركوب الحصان وهذا لم يكن موجوداً في جبل لبنان وفي مناطق كبعلبك، وكان المسيحيون لديهم حرية تصرّف أكثر من المدن، في المدن كان هنالك نوع من التفرقة، ما نعرفه أن هناك أحياء مسيحية وأحياء مسلمة وأحياء يهودية ، في الوقت الذي تبرهن فيه الأبحاث الجديدة أنه كان هناك اختلاط في الأحياء وكان الناس يعيشون سوياً في الأحياء والتخصّص في الأحياء وتكوين الأحياء المسيحية الصرفة والأحياء المسلمة الصرفة واليهودية الصرفة جاء نتيجة الخط الهامايوني حين أعطوا الحرية للمسيحيين لبناء الكنائس، فبنوا الكنائس خارج إطار المدن القديمة لأن المدن القديمة كانت مكتظّة ولا مكان للبناء فيها ، فانتقل السكان إلى هذه الأحياء الجديدة التي شهدت نوعاً من التخصّص في الأحياء، هذا الأمر حصل في مرحلة لاحقة وهنا أستند إلى أبحاث الدكتور خالد زيادة، عبد الكريم رافق، ستيفان كنوست والعديد من الباحثين.

غسان الشامي: ما هو دور الإرساليات التي حلّت في بيروت في صوغ العلاقات الاجتماعية بين البيارتة وما علاقة المسلمين أيضاً غير المسيحيين بهذه الإرساليات؟ 

سعاد سليم: الإرساليات أتت إلينا بالثقافة والعِلم الأوروبي وجعلت بيروت تتحوّل من مدينة شرقية إلى مدينة فيها الكثير من الغرب، إلى مدينة فيها الكثير من القِيَم الغربية وهذا لم يكن دائماً أمراً إيجابياً خاصة على صعيد العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية. أصبح هناك ثقافة أكبر وصحف ومكتبات وجامعتان كبيرتان هما الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية اللتان كانتا في حال تنافس في ما بينهما، ولكن تجد أن الناس الذين عاشوا في هذا الإطار تبنّوا العادات والتقاليد الخاصة بالمجتمعات الأوروبية ، أي أن البرجوازية البيروتية أصبحت تتصرّف بطريقة غربية كلياً، تبنّت كل العادات الغربية وهذا قد يكون مهماً على الصعيد الثقافي والعِلمي إنما كان سيّئاً على صعيد الانتماء.

غسان الشامي: نستطيع هنا أن نعتبر أن الجامعات والمدارس الإرسالية الغربية أعادت صوغ وقائع جديدة في الحياة اليومية لأهل بيروت؟

سعاد سليم: أعطيك مثالاً بسيطاً أنه تماهياً مع الغرب فالبرجوازية البيروتية حيث كانت العائلة متعدّدة الأولاد وفيها إنجاب مرتفع انتهى هذا الأمر، بالتماهي مع الغرب تبنّوا عادات الغرب بالاكتفاء بعددٍ محدّدٍ من الأولاد وهذا أثّر على عدد المسيحيين في الشرق.

غسان الشامي: أفرز الواقع السياسي والاجتماعي نوعاً من المنتديات والجمعيات الموجودة بشكل كبير في بيروت وجبل لبنان، ما سبب هذا الانتشار؟

سعاد سليم: الفضل في ذلك يعود بشكل أساسي إلى الخط الهمايوني الذي بتكريسه المساواة بين المسيحيين والمسلمين طلب من الأقليات غير المسلمة أن تنظم أوضاعها وأن تشرك العلمانيين في إدارة شؤون كنائسها، ومنذ ذلك الحين تأسّست المجالس الملّيّة في الكنائس المسيحية ، وهذا جعل العلمانيون يدخلون بقوّة في إدارة شؤون الطوائف المسيحية، وكان لهذا الأمر الوقع الإيجابي خاصة في بيروت التي طالبت قبل غيرها بمطران عربي من المناطق الأنطاكية. المطران العربي جاء إلى بيروت قبل مجيء البطريرك العربي إلى الشام ، وهذا كان له وقع إيجابي في تأسيس المجلس الملّي الذي أسّس جمعيات وهذه الجمعيات كانت عاملاً في تأمين الخدمات التربوية والاستشفائية والخيرية عامة، مساعدة الناس وتأمين المدارس إلى آخره. بخصوص الجمعيات فقد حلّت في مرحلة ما بالنسبة لتأمين الخدمات محل الدولة، الأستاذ أحمد بيضون يقول إن الدولة اللبنانية نشأت في مرحلة انسحاب الطوائف، تركوا الطوائف وانسحبوا لفترة وتركوا الدولة تنشأ. في تلك الفترة الطوائف طغت على الدولة عبر تأمين الخدمات للمواطنين التي لم تكن تقدّمها الدولة. 

غسان الشامي: سننتقل إلى المحور الثاني ولكن بعد فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتورة سعاد سليم عن بيروت وجبل لبنان في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّة لكم، تقريرعن بيروت في خواتيم القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين ثم نعود إلى الحوار مع الدكتورة سعاد سليم.

تقرير

ارتفع عدد سكان بيروت بعد هزيمة إبراهيم باشا عام 1841 إلى 15 ألف نسمة جرّاء هدم السور، وازداد عدد السكان بعد أحداث عام 1860 ولجوء المسيحيين من الجبل ودمشق إليها فيما وصلتها الإرساليات الغربية حيث تأسّست الكلية البروتستانتية السورية - الجامعة الأميركية لاحقاً عام 1866 ثم الجامعة اليسوعية عام 1875، فيما أنشأ المعلّم بطرس البستاني عام 1863 المدرسة الوطنية وأربع صحف منها "نفير سوريا" و"الجنان".

ارتفع عدد سكان بيروت إلى أكثر من 62 ألف نسمة عام 1908 بعدما كان نحو أربعين ألف نسمة عام 1901 وذلك مع ازدياد أعداد المسيحيين الآتين من الجبل والأرمن، ومثّل المسيحيون 59% من سكانها غالبيتهم من الروم الأورثوذكس والموارنة والمسلمون 36%، وارتفعت النسبة إلى 47% عام 1908.

نهضت المدينة بمرفأها وباتت مركزاً للفكر وصار فيها شركة مياه بريطانية وشركة غاز فرنسية، وازداد العمران ومُدّت سكة حديد مع دمشق وحلب ونشأت في المدينة  منتديات وجمعيات خيرية ورعوية وعائلية أمنت خدمات تربوية ودينية وخيرية وصحية، وبدأ ظهور المسرح والفنون وظهرت محافل ماسونية انضمت إليها نخب عثمانية ومسيحيون ومسلمون لبنانيون. كما انتشرت الصحف وعمّت نهضة فكرية سرعان ما هاجر الكثيرون من روّادها إلى مصر بعد تشديد القبضة العثمانية على حرية الرأي والفكر.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتورة سليم يتّضح من السياق التاريخي التزايد السريع لعدد سكان بيروت خلال سنوات قليلة تحديداً بين 1860 و1908 حتى وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى، ما سبب هذه الزيادات وما أثرها على العلاقات الاجتماعية؟  

سعاد سليم: التطوّر الذي حصل في بيروت أثّر كثيراً في الأحداث التي حصلت عام 1860 إنما أهمية وموقع بيروت كمرفأ على البحر المتوسّط أصبح مهماً جداً بعد حملة إبراهيم باشا ومحمّد علي على سوريا، حين احتل إبراهيم باشا المنطقة أي فترة الحُكم المصري هذا الأمر قلب كلياً مصير مدينة بيروت، بيروت كانت قرية صغيرة فيها عشرة آلاف نسمة وعدد قليل من الصيادين والتجّار يعيشون داخل السور ، والضواحي كانت عبارة عن مزارع مثلاً مزرعة الصيفي التي كان لها طابع ريفي وكل المناطق المجاورة. الناس كانوا يصطافون في الأشرفية أو في مار الياس أو في المصيطبة إلى آخره، الأمر المؤثّر هو تأسيس الكرنتينا على يد إبراهيم باشا حيث أصبحت جميع البواخر مضطرة إلى التوقّف في بيروت. 

غسان الشامي: هي مركز حَجْر صحي.

سعاد سليم: حَجْر صحي للتأكّد من عدم وجود أوبئة ستدخل إلى المدينة أو إلى المدينة الأخرى. إبراهيم باشا أسّس الثكنة في منطقة السراي، سراي بيروت الحالية هي مركز ثكنة إبراهيم باشا سابقاً وكان عدد الجيش الكبير يحتاج إلى أسواق وثياب وأحذية والعديد من البضائع، وهذا الذي جعل من مدينة بيروت توسّع أسواقها وتزدهر أكثر فأكثر وتجلب إليها السكان من باقي المناطق الجبلية في لبنان.

غسان الشامي: الشاعر الراحل عصام العبدلله يقول: "ما في مدينة إسمها بيروت، بيروت عنقود الضيع"، بمعنى أن الناس نزلت من القرى إلى بيروت، خارج الشعر هل هذا حقيقي دكتورة سليم؟

سعاد سليم: صحيح أن القرى جاءت إلى بيروت ولكن هناك نواة مدينة لبيروت، أهالي قرطبة والعاقورة سكنوا في الجعيتاوي، أهالي المتن سكنوا في الزلقا، أهالي ضهور الشوير وبحمدون سكنوا في الحمرا، الناس جذبت بعضها، أهالي القرى سكنوا مع أقاربهم وجيرانهم، إذاً هذه الناحية موجودة وهناك عناقيد من القرى موجودة في بيروت وهناك عقلية من الناس التي لا تزال محافظة على العادات والتقاليد، كانوا يربّون الدجاج على سطوح المنازل وكانوا في أوقات كثيرة يضعون الخروف في شرفة المنزل وكان هذا الأمر رائجاً. 

غسان الشامي: نقلوا عادات القرية إلى المدينة. في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تنامى ما سُمّي بالنهضة العربية، بواكيرها مع البساتنة واليازجيين إن في الأدب أو السياسة أو الفكر ما سبب هذا الانطلاق الكبير للنهضة العربية من مدينة بيروت سيّدتي؟

سعاد سليم: بيروت كانت مركزاً كبيراً للقناصل، كل القنصليات أسّست مراكز لها في مدينة بيروت نتيجة لتطوّر المدينة الاقتصادي والاجتماعي، وفي القرن التاسع عشر جاءت هذه الإرساليات التي تمركزت في مدينة بيروت وضواحيها، الأشرفية كانت ضاحية لمدينة بيروت وتأسّست فيها الأديار والمدارس التي استقطبت الناس وهذا الأمر خلق نهضة ثقافية كبيرة في مدينة بيروت. في نهاية العصر العثماني وأوائل مرحلة الانتداب كان هناك 400 مجلة تصدر من بيروت إلى جانب عدد كبير من المطابع والجمعيات، هذه الجمعيات التي نشأت على يد مدحت باشا الذي فشل في إرساء الدستور العثماني ونُفي والياً على سوريا دعم الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في بلاد الشام وشجّع الناس على تأسيس الجمعيات العلمية والسياسية إلى آخره. 

غسان الشامي: ألا يكون هذا نوع من الردّ على محاولة التتريك التي حصلت؟

سعاد سليم: محاولة التتريك حصلت في القرن العشرين في الأعوام 1908-1909-1910، في بادئ الأمر حين جاءت جماعة تركيا الفتاة تم الترحيب بهم على اعتبار أنهم جماعة جديدة وسيغيّرون الوضع ولكن الأوضاع ساءت وتحوّلت هذه الجماعات إلى تتريك السياسة، إلى تفضيل اللغة التركية على اللغة العربية، إلى فرض الخدمة العسكرية الإجبارية، كل هذه الأمور جعلت الناس تبتعد عن النظام الجديد حتى لو كان هذا النظام مؤهّلاً بالدستور، أعادوا وضع دستور للبلاد ومنعه عبد الحميد.

غسان الشامي: ما هو موقع الروم الأورثوذكس في بيروت؟ دائماً يقولون أن بيروت القديمة كانت في أغلبيتها أورثوذكسية، هل هذا أولاً صحيح وما هو الموقع الذي أمسك به الروم الأورثوذكس في هذه المدينة؟

سعاد سليم: مواقع الروم الأورثوذكس والمسيحيين عامة في كل المدن العثمانية منذ القرن الثامن عشر أنهم كانوا مستشاري الحكّام، كانوا يشغلون المناصب السياسية الأساسية في الولايات العثمانية، كل والٍ كان لديه مستشارون وهذا الأمر بدأ في عكا نتيجة نظام الالتزام الذي فرضه ظاهر العُمر الذي كان الصبّاغ مستشاره. في كل المدن كان هناك مسيحيون مستشارون مثلاً الدكتور عبد الغني عماد يعدّد 63 مستشاراً في موقع وزير في ذلك الوقت في المدن العثمانية الساحلية، إذاً 63 مستشاراً وكاتباً وأمين صندوق في موقع وزير حتى أن المسؤول عن حسابات قافلة الحجّ من مدينة طرابلس إلى مكّة كان يصل إلى التبوك يبيع ويشتري ويتعامل مع القبائل البدوية وكان مسيحياً. هنا تلاحظ الأهمية الكبرى للمسيحيين في العهد العثماني وهذا ما جعل الروم بارزين أكثر من بين المسيحيين، وكان هنالك ما يسمّونه بالعائلات السبع التي هي العائلات الغنية في كل مدينة والتي كانت في كثير من الأحيان تدفع الضريبة عن الأهالي قبل استردادها منهم وهذا ما أهّلهم ليكونوا وسطاء بين الشعب والحكّام، بين الإكليروس والحكّام.

غسان الشامي: نحن نعلم أن بيروت كما قلتِ كان فيها قناصل ولكن ماذا كانت علاقة الروم الأورثوذكس بروسيا في ذلك الوقت؟ هل كان لروسيا دور كبير مع أن البعض يقول إن روسيا قد انكفأت بعد انتهاء المسألة الشرقية عام 1860؟

سعاد سليم: المسألة الشرقية استمرت ولم تنتهِ عام 1860.    

غسان الشامي: بالمعنى السياسي للكلمة.

سعاد سليم: بقيت الدول الأوروبية تتنازع لتتقاسم أراضي الدولة العثمانية وقبل أن تدخل روسيا إلى المنطقة وتكتسب الأهمية عبر اتفاقية "كوتشوك كاينارجي" التي أنهت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية. لحُسن الحظ أن الأورثوذكس لم يستفيدوا كثيراً من الحماية الروسية لأن في المدن كان لديهم مواقع مهمة جداً، كانوا هم مترجمي القناصل وقبل بيروت كانت الأهمية لطرابلس وفي طرابلس كانت العائلات الأورثوذكسية هي ترجمان القناصل المختلفين الفرنسيين والألمان والبروسيين والنمساويين والبريطانيين ، وفي الوقت نفسه كانوا مستشاري الدولة العثمانية وكان موقعهم مميّزاً. في القرن التاسع عشر أصبحت السياسة الروسية مباشرة أكثر في الشرق وبدأت في فلسطين بعد خسارة حرب القرم، حين خسرت روسيا حرب القرم التي كانت ضد الدولة العثمانية ولكنها بالفعل كانت ضد فرنسا وبريطانيا، قررت إرسال الحجّاج إلى الأراضي المقدّسة ومنذ ذلك الحين الجمعية التي أصبحت تنظّم قضايا الحجّ أسّست المدارس في كل المناطق وهذه المدارس تختلف عن الإرساليات، صحيح أنها إرساليات روسية لكن لم يكن فيها إكليروس من جهة ومن جهة ثانية كانت تختلف عن بقيّة الإرساليات من ناحية عدم تعليم اللغة الروسية بل العربية وتعليم الفقراء جداً ، ويهمّها أن يحافظ الأورثوذكس على إيمانهم الأورثوذكسي القويم، لذلك نرى أن الأهمية كانت تُعطى أكثر للتعليم الديني والترتيل وقراءة الإنجيل أكثر من أهمية تدريس اللغة الروسية ، ولذا نرى أيضاً أن الكثير من هؤلاء في فلسطين وفي سوريا ولبنان شاركوا بقوّة في النهضة العربية لغوياً وأدبياً وصحفياً إلى آخره.  

غسان الشامي: إذا أخذنا جبل لبنان في تلك الفترة كيف يمكن أن نصف الحضور المسيحي فيه؟

سعاد سليم: الحاكم في جبل لبنان كان مسيحياً مع أنه لم يكن لبنانياً بل عثمانياً أو نمساوياً أو أرمنياً أو تركياً من الأناضول. لبنان استفاد من الإرساليات واستفاد بشكل أساسي من التنافس بين الإرساليات يعني مثلاً في قرية تحتوي على أربع مدارس فهذا أمر مهم بالنسبة لأهالي القرية ، ولكن ذلك أيضاً أدّى إلى هجرة أهالي القرية الذين تعلّموا إلى درجة أنهم كانوا غير قادرين على إيجاد عمل في البلد نفسه، مثلاً الشوير كان فيها أربع مدارس نتيجة التنافس بين الإرساليات والأمر نفسه في بقية المناطق. بالتأكيد أن الناس تعلّمت ولكن نقول "نيّال من لديه مرقد عنزة في لبنان"، الأراضي أصبحت كمرقد العنزة نتيجة تقسيم الملكية الزراعية وتشتّتها وهذا ما جعل الزراعة غير مُنتجة وغير قادرِة على تأمين قوت أهاليها.

غسان الشامي: يحضرني سؤال عن علاقة الكنيسة بالسلطات العثمانية كيف تبدّت في تلك الفترة؟ 

سعاد سليم: في الفترة المتأخّرة كانت العلاقات مميّزة، الروم الأورثوذكس كانوا يحظون بحماية مباشرة من الدولة العثمانية.

غسان الشامي: والموارنة؟

سعاد سليم: الموارنة لم يأخذوا أبداً فرماناً من الدولة العثمانية إلا في أواخر المرحلة، الوحيد الذي حصل على فرمان تعيين من الدولة العثمانية هو البطريرك عريضة في أواخر المرحلة حيث كانت الحرب قائمة. البطاركة والموارنة الروم كانوا يأخذون فرمانات على الدوام من الدولة العثمانية على اعتبار أنهم أكثرية. صحيح أن العلاقة كانت مميّزة لكنها ساءت مع استقلال اليونان، حين حصل اليونانيون على الاستقلال حصل نوع من الغضب من الدولة العثمانية على الرعايا الروم وبدأت بتعقيد أمورهم وبدأ الروم حينها التفكير بتعريب البطريركية، بدأوا بالتفكير لماذا نعادي الدولة العثمانية ولماذا نكون تحت سلطة اليونان.

غسان الشامي: ساعدهم الروس في ذلك.

سعاد سليم: لعب الروس دوراً كبيراً في تقوية اللغة والشعور القومي العربي وساعدوهم فعلياً، القنصل الروسي بذل جهداً في اسطنبول لإقناع السلطان بالقبول ببطريرك عربي في الوقت الذي كانت فيه هناك جماعات يونانية تحارب هذا الاتجاه.

غسان الشامي: بدأ الوقت يضيق لكن لديّ سؤالان، لديك كتاب هو دراسة دكتوراه عن الأوقاف الأورثوذكسية، ما دور الوقف في الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت؟   

سعاد سليم: الوقف هو مؤسّسة إسلامية وهذه المؤسّسة الإسلامية طُبّقت على المسيحيين ودعمت أوضاعهم ورفعت من مستوياتهم في الحياة الاقتصادية وفي ما بعد في الحياة الثقافية والعلمية. في بادئ الأمر توسّعت أراضي الأديار بسبب تحوّل الأراضي من أميرية إلى أوقاف ، فاستفادت الأوقاف المسيحية من هذا الاتجاه في الدولة العثمانية عامة واكتسبت لنفسها شراءً (وهية) أوقافاً واسعة، هذه الأوقاف كانت مجالاً لعمل الفلاحين، كانوا هم شركاء الأديار وقبل ذلك كان الأديار شركاء عند الإقطاعيين الذين أعطوهم الأراضي ، وفي ما بعد أصبح السكان شركاء الأديار وهذه الأديار تحوّلت إلى مراكز ثقافية كبيرة تُكتب فيها المخطوطات وتُترجم فيها الأعمال الدينية والتاريخية والأدبية، وفي الوقت نفسه ونتيجة الحاجة إلى المدارس في القرن التاسع عشر فإن العديد من هذه الأديار تحوّلت إلى مدارس.

غسان الشامي: هل ذلك الوقت الذي حصل فيه نظام المِلل والأوقاف هو الذي أسس للبنان الطائفي؟

سعاد سليم: بكل تأكيد أن نظام المِلل كان إيجابياً لنهضة الكنائس وتطوّر أوضاع الطوائف المسيحية في الشرق ، إنما ارتباط الخدمات بالطوائف جعل الناس مرتبطين مادياً ومعنوياً بالطوائف أكثر من ارتباطهم بالدولة، والدولة العثمانية أصلاً كانت إمبراطورية ريعيّة ولم تكن تسعى إلى بناء دولة وفي ما بعد جاء الفرنسيون واتّبعوا النظام نفسه رغم أنهم دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة.

غسان الشامي: هذا الشتاء من ذاك الغيم.

سعاد سليم: اتّبع الفرنسيون نفس النظام الطائفي، الكثيرون يقولون إن النظام اللبناني مميّز لأن الطائفية هي الرادع للاستبداد، هي الرادع للتفرّد بحُكم فئة على أخرى إنما أيضاً لديها سيّئاتها التي نعيشها حالياً.

غسان الشامي: والكثيرة، أشكركِ سيّدتي. هكذا كانت خواتيم القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بعد أكثر من مئة عام ماذا تغيّر؟ لم يتغيّر الكثير، ربما مظاهر اللباس وعادات الأكل ومقاربة منتجات المدنية بشكلها الخارجي أما تحاصص المِلل والنِحل في السياسة والتربية فقد تكرّس. شكراً للدكتورة سعاد سليم على إضاءاتها على هذه الحقبة وحضورها في أجراس المشرق، وللزملاء في البرنامج وقناة الميادين الذين يشاركونني في قرع هذه الأجراس، ولجميع من يشاهدنا سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.