حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

بهجت سليمان - سفير في وزارة الخارجية السورية

 

وفا سرايا: خلال سبع سنواتٍ مضت، لم يكن التاريخ يسير ببطءٍ في أحداث سوريا، وفي حربٍ كونيّة وصراعٍ وإرهابٍ وُظّفت كلّها لتفتيت المنطقة والدفع بها نحو مجهول.

فمن نقطة الثقل الجغرافية والاستراتيجية التي تمثلها سوريا، وبينما يُكتَب الفصل الأخير من أزمتها، تشكّل إدلب حلقة مفصلية في قراءة المستقبل.

فها هي المهلة المُخصّصة لانسحاب الفصائل المسلّحة قد انتهت، فيما لا تزال النصرة منتشرةً في معظم خطوط التماس، وتعلن رسمياً رفضها الخروج من المنطقة.

في المقابل، تستكمل سوريا ما حقّقته من إنجازاتٍ ميدانيّةٍ في معارك الجنوب والشرق، وهذه المرّة من بوابة فتح شرايين الحركة الاقتصادية، وعودة الحياة إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

وعلى خطٍ موازٍ، تفاهماتٌ ونقاشاتٌ عراقيةٌ سوريةٌ لفتح المعابر الحدودية المشتركة بين البلدين.

وفيما تُرسَم ملامح التسوية في سوريا بجهود الحلفاء وعلى رأسهم روسيا، تكثر التكهّنات حول المخططات الأميركية الإسرائيلية، في محاولةٍ سياسيةٍ لكسب أوراق عجزت واشنطن وتل أبيب عن الحصول عليها ميدانياً.

فمع تغيّر موازين القوى، هل بتنا في مرحلة إعادة التأهيل كما قال الرئيس الأسد، وعودة اللاجئين السوريين، فضلاً عن وجه سوريا المستقبلي، مع صوغ دستورٍ سوري جديد؟

إذاً هي أسئلة كثيرة تتعلق بالشأن السوري نطرحها اليوم على ضيفنا في حوار الساعة السفير في وزارة الخارجية السورية اللواء الدكتور بهجت سليمان.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير سيادة اللواء وأهلاً وسهلاً بك من جديد على شاشة الميادين عبر برنامج حوار الساعة هذه المرة.

سأبدأ من الحدث اليوم، عودة الحياة إلى معبر نصيب الحدودي ما بين الأردن وسوريا، بعد أن أغلق عام 2015. ما هي الانعكاسات السياسية والاستراتيجية لهذا الحدث، فضلاً عن الاقتصادية؟

 

بهجت سليمان: صباح الخيرات أخت وفا، وشكراً لقناة الميادين على هذا اللقاء.

طالما أنك بدأت بمعبر نصيب، في الحقيقة، إغلاق معبر نصيب كما تعرفون، جرى عام 2015، قامت العصابات الإرهابية بالسيطرة عليه وبإغلاقه، وبإشرافٍ من غرفة الموك التي كانت تعمل في الأردن وتشارك في الحرب الكونية الإرهابية على سوريا. وبعد ثلاث سنوات أو أكثر من إغلاقه، تبيّن لمن كانوا وراء إغلاقه أنه لم يعد يجدي فتيلاً فكان لا بد لهم من العمل على فتحه، وخاصة أنّ أشقاءنا في الأردن لديهم وضع اقتصادي ضاغط ووضع معيشي ضاغط، وهذا ما دفع بالحكومة الأردنية ولو كانت متأخّرة إلى الاستجابة إلى نزوع وطموحات ورغبة معظم الشعب الأردني في فتحه.

ولكنّ القول بأنّ له أبعاداً استراتيجية، أعتقد أنّ الكلمة مُضخّمة بعض الشيء، ففي سوريا 19 معبراً مع دول مجاورة، جرى إغلاق معظمها في هذه الحرب الكونية الإرهابية على سوريا، والآن تُفتَح تباعاً، وفتح هذا المعبر سوف تكون فائدته بالدرجة الأولى منعكسة على أشقائنا في الشعب الأردني، وعلى أشقائنا في الشعب اللبناني، وبدرجة ثالثة على سوريا، وهذا شيء يسعدنا لأنّ ما يسعد أشقاءنا في البلدان العربية المجاورة يسعدنا أيضاً.

 

وفا سرايا: مع الإشارة إلى فتح معبر القنيطرة أيضاً، والحديث عن مشاورات ونقاشات لفتح الحدود مع العراق.

 

بهجت سليمان: تماماً، في وقتٍ متزامن، لكن لا يجوز أن نعطيه هذا البُعد الاستراتيجي، وكأنه سوف يغيّر العملية القائمة الآن في المنطقة من حيث آثار الحرب الدائرة في سوريا.

 

وفا سرايا: ولكن هل ننكر سعادة السفير أنه كان هنالك حصار اقتصادي أيضاً يُراد، ليس فقط بالحرب الكونية والإرهاب الذي كان يوظَّف من قِبَل هذه الدول وغرفة الموك التي أشرت إليها، وكانت الأردن جزءاً لا بل لاعباً أساسياً بها، ايضاً محاولة محاصرة هذه الدولة التي كانت مكتفية اقتصادياً قبل العام 2011 بمحاولة لضرب سوريا؟

 

بهجت سليمان: بالتأكيد، هي كانت جزءاً من عملية الحصار الاقتصادي لسوريا، وأنا قلت إنّ المُتضرّر الأول من إغلاق المعبر كانوا أشقاءنا في الأردن، وقلت إن المُتضرّر الثاني هو لبنان، والمُتضرّر الثالث هو سوريا، لكن إغلاق معظم المعابر الـ 19 التي كانت تحيط بسوريا، بشكل أو بآخر هي جاءت ضمن هذه الحرب الإرهابية الكونية الموجودة على سوريا. وبعد سبع سنوات ونصف السنة من هذه الحرب وبدأت تداعيات الحرب تتساقط وتتهاوى أهدافهم التي كانوا قد وضعوها لترويع ودفع سوريا إلى الاستسلام، عندما أيقنوا أن ذلك بات مستحيلاً، فبدأوا بشكل أو بآخر يعيدون حساباتهم، ليس من أجلنا بل من أجل أنفسهم.

 

وفا سرايا: ولكن السؤال، هل بتنا أمام مرحلة جديدة، الكلّ يسأل، هل الوقت بات مناسباً لعودة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الأزمة وقبل الحرب، والكل يتوقع أن تكون أنت السفير، وهنا أسألك أستاذ بهجت، إن كنا سوف نشاهدك قريباً في عمّان ممثلاً للدولة السورية كسفير؟

 

بهجت سليمان: العلاقات قائمة ولم تنقطع بين الجمهورية العربية السورية وبين المملكة الأردنية.

 

وفا سرايا: عبر القائم بأعمال السفارة.

 

بهجت سليمان: هناك قائم بالأعمال وهو وزير مفوّض وهو دبلوماسي مخضرم ولا ينقصه شيء، وبالتالي هو يقوم بواجبه كاملاً، وبالتالي إذا كان هناك من تقصير فالتقصير ليس من الجانب السوري، ويستطيع هذا القائم بالأعمال أن يقوم بدور سفير بطبيعة الحال، ويحق له أن يكون سفيراً.

 

وفا سرايا: ولكن هنالك تصريح أمس تحديداً لفيصل الفايز رئيس مجلس الأعيان الأردني، وبالتأكيد أنت ضليع في الداخل الأردني، الشق الثاني كما يُعرَف للسلطة التشريعية، أنّ عمّان لا تمانع بوجود، تحديداً تسمية سفير سوري، ولم ترفض ذلك.

 

بهجت سليمان: الحقيقة، عدم ممانعتها بتسمية سفير ليست جديدة، واعتراضها في ذلك الحين كان على شخص محدّد، وهذا الشخص تعرفين مَن هو. وبالتالي هم منذ عدّة سنوات لم يكن لديهم مانع من تسمية سفير سوري هناك، ولكن لم تكن الظروف قد نضجت، بسبب السلوك الحكومي الرسمي في الأردن لدعم الفصائل الإرهابية في عدوانها على سوريا، لم تسمّ سوريا سفيراً في تلك الفترة الماضية لهذا السبب.

 

وفا سرايا: هل قلبت الصفحة سوريا في ما قامت به من دور في هذه الحرب الأردن، أم نحن بحاجة إلى مزيد من الوقت لتنضج وتعود هذه العلاقات إلى طبيعتها سيادة اللواء؟

 

بهجت سليمان: يا سيّدتي، سوريا وسوريا الأسد خاصة هي أمّ الصبي الأصلي، فسوريا نذرت نفسها عبر تاريخها، وخاصة عبر تاريخها الحديث، والمعاصر، في نصف القرن الماضي، نذرت نفسها للدفاع عن لبنان، ونذرت نفسها للدفاع عن القضية الفلسطينية، ونذرت نفسها للدفاع عن العراق عندما احتله الأميركان، ونذرت نفسها حتى للدفاع عن الأردن عندما رفضت أن يتحوّل الأردنيون في وطنهم إلى هنود حمر، وهم يتذكّرون ذلك جيّداً. وبالتالي قدرنا أن نكون كأمّ الصبي الأصلي، سوريا الأسد صدرها رحب وواسع، وتغفر كلّ الأخطاء للأشقاء، ولكنها لا تنسى.

 

وفا سرايا: لماذا طالبتم تحديداً الأردن وأسميتم وزير الخارجية أيمن الصفدي بتقديم اعتذار على مواقف الأردن طيلة السبع سنوات حتى قبل الحديث، هذا التصريح قبل الحديث عن فتح معبر نصيب. هل هذا أيضاً مطلوب من الأردن في المرحلة المقبلة سيادة اللواء؟

 

بهجت سليمان: أين قرأت ذلك؟

 

وفا سرايا: في مواقع كثيرة تمّ التناقل بهذا الخبر، وهذا الكلام عن لسانك. نريد تصويباً منك إن كان صحيحاً أم لا.

 

بهجت سليمان: الحقيقة، عندما يقتدي وزير خارجية الأردن بالملك الراحل حسين بن طلال، لا أعتقد أنّ ذلك يمكن أن ينال منه، فالملك الراحل حسين بن طلال اعتذر في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي علناً وعلى التلفزيون من سوريا لما قامت به حكومته من دعم لفصائل الإخوان المسلمين في ذلك الحين، والاعتذار والاعتراف بالخطأ ليس ضعفاً بل هو قوّة. نتمنى من الحكومة الأردنية الآن أن تقتدي بالملك الراحل حسين بن طلال، وأن تعتذر عمّا قامت به وعمّا لا يمكن أن تخفيه من أقوال يمكن أن تصدَّر بأننا نقف مع إخواننا السوريين، وأننا نستقبل اللاجئين منهم وأننا وأننا. على كل، من المعروف جيّداً أنّ غرفة الموك هي التي كانت تقود الكثير من العمليات الإرهابية الموجودة في سوريا، وغرفة الموك قامت بعملها خلال سنوات عديدة، وليس هناك من ضير أن تقوم الحكومة الأردنية، سواء من خلال رئيسها أو من خلال وزير خارجيتها، حتى من خلال مستوى أعلى، متقيدين بالملك حسين الراحل، أن يعتذروا من الأخطاء، لا بل من الخطايا التي ارتكبوها بحق الجمهورية العربية السورية وطناً وشعباً وقيادة.

 

وفا سرايا: لنبقى بنفس الإطار، إسمح لنا دكتور سليمان، سنبقى مع هذا المقتطف من المقال، ونحن نتحدّث عن فتح المعابر الحدودية، تحديداً بصحيفة رأي اليوم الإلكترونية تحت عنوان "هل تدبّ الحياة في معبر الموتى أخيراً؟" ونعود لمتابعة النقاش مع سيادة اللواء.

 

رأي اليوم: هل تدبّ الحياة في معبر الموتى أخيراً؟

يتزامن موعد فتح معبر نصيب/ جابر الأردني مع سوريا مع موعد فتح معبر القنيطرة في الجولان المحتل، وهو ما يشي بصفقة شاملة على مستوى الجنوب السوري تمّ إنضاجها بين مختلف الأطراف اللاعبين.

وفيما يبدو فيه الروس أكثر غضباً من الإسرائيليين، بدا تصريح لافروف وكأنه "تهديد" على مستوى الإعلان الأميركي الذي كان مرتقباً حول نزع صفة الاحتلال عن الجولان، وإلحاقه بالإسرائيليين كما حصل مع القدس المحتلة، وهو الأمر الذي بدا وكأنه لن يحصل بعد الإعلان الروسي.

إعلان نيكي هايلي بدا واضحاً منه أن الجولان اليوم بعيدٌ عن تغيير مكانته، فمعبر القنيطرة كان بانتظار اتفاق يعيده لسابق عهده في السابق حيث تنتقل عبره قوات حفظ السلام ومن يمكن تنقلهم من أبناء الطائفة الدرزية ورجال الدين والطلبة. في حسم هذا الملف فُتح المعبر وابتعدت احتمالات الاشتباك في الجنوب أكثر، وعلى أساسه بات من غير المعقول بالنسبة إلى عمّان أن يكون معبر القنيطرة مفتوحاً في حين يستمر إغلاق معبر نصيب.

في ملف اللاجئين، وخلال الفترة الماضية، بات اللاجئون يتحدّثون عن معبر نصيب باعتباره "معبر الموتى" حيث كان الأردن يسهّل فقط عمليات نقل جثامين اللاجئين التي أوصى أصحابها بدفنها في الجنوب السوري أو في الأراضي السورية، الأمر الذي لا يزال ينتظر الساعات المقبلة، لعلّ الحياة تدبّ فيه عملياً.

 

وفا سرايا: على أمل أن يتحوّل منذ اليوم معبر الموتى إلى معبر الحياة، ولكن هذا المقال فتح لنا أيضاً النقاش حول قضية اللاجئين التي يُقال بأنها ورقة تُمارَس كنوع من الضغط على الدولة السورية. تحديداً الأردن تقول بأنها دولة شحيحة الموارد، لا تقوى على القيام بأعباء اللاجئين.

ما هي الطُرُق والمخرجات لكيفية التعامل، دكتور بهجت، مع هذه المشكلة مستقبلاً؟

 

بهجت سليمان: الحقيقة يا أخت وفا، مشكلة النازحين أو اللاجئين بين قوسين هي مشكلة جرى اصطناعها واختراعها لكي تكون ورقة ضغط هائلة على سوريا. فمنذ البداية، جرى إعداد الخيم قبل 18 آذار (مارس) 2011 في كل من الأردن وتركيا، وإلى حد ما في لبنان، والغاية من ذلك كانت تشكيل ورقة ضغط كبيرة على الدولة السورية وعلى الشعب السوري.

وفي ما يخصّ الأردن، طبعاً يتحدّثون أحياناً عن أرقام مليونية، وأعتقد جازماً بأن رقم النازحين الموجودين في الأردن لا يتجاوز نصف مليون، ولكنهم أحياناً يتحدّثون عن مليون وأحياناً عن مليون ونصف مليون، والكثير من الأحيان كلّ سوري يمرّ في الأردن حتى ولو كان ترانزيت يجري تسجيله على أنه لاجئ.

والحقيقة هذه المسألة ليست فقط في الأردن وإنما حتى في لبنان. في لبنان، اللاجئون بين قوسين، ونحن نسمّيهم النازحين لأنهم سيعودون ومن المفترض أن يعودوا قريباً إلى وطنهم العربي السوري، لا يتجاوزون المليون، لا بل هم أقل من مليون، ومع ذلك يتحدّث البعض أحياناً بأنّهم يعادلون نصف سكان لبنان.

وفي تركيا التي يتحدّثون فيها عن ثلاثة ملايين ونصف مليون لاجئ سوري، من المؤكّد أنهم أقل من مليونين موجودون هناك، ولكنهم يفضّلون أن يضخّموا الأرقام لكي يشكّل ذلك الرقم عامل ضغط على سوريا، ولتشكّل من جهة أخرى باب رزقٍ للحكومة الأردنية وللحكومة التركية وللحكومة اللبنانية لكي تقبض بالمليارات، سواء من دول الخليج أو سواء من دول الاتحاد الأوروبي أو سواء من دول أخرى يمكن أن تمدّها بالمال تحت هذه الذريعة وتحت هذا العنوان.

 

وفا سرايا: مع أنه يؤخذ على الدولة السورية بأنّها كانت جداً مرنة بالتعاطي مع هذا الملفّ، تحديداً ضمن المبادرة الروسية لعودة النازحين كما ذكرت سيادة اللواء، وأيضاً في ما يتعلق بالعفو العام الأخير الذي أصدره الرئيس الأسد.

هل نحن بتنا بالفعل في مرحلة إعادة التأهيل؟

 

بهجت سليمان: إعادة التأهيل أمرٌ آخر. إعادة التأهيل تحدّث عنها أسد بلاد الشام الرئيس بشّار الأسد، عن البيئة الحاضنة التي احتضنت الإرهابيين وآوتهم، أو بشكل أو بآخر تهاونت معهم. هذا هو المقصود كان بإعادة التأهيل. أما النازحون الموجودون في الخارج، فأنا أؤكّد لك وحسب معرفتي منذ أن كنت في الأردن، بأنّ أكثر من نصفهم بكثير وليس بقليل ليسوا فقط ضدّ الدولة الوطنية السورية، وإنما هم مع الدولة الوطنية السورية، ولكن جرى نزوح البعض منهم لأسباب مادية، لأسباب أمنية، لأسباب نفسية، لأسباب إغرائية، لمجموعة من الأسباب.

ولذلك أنا أعتقد أنّ ثلاثة أرباع السوريين الموجودين في هذه الدول الثلاث المحيطة بنا جاهزون الآن للعودة إلى سوريا بمجرد أن تتعاون هذه الدول الثلاث، الأردن ولبنان وتركيا، بإعادتهم إلى وطنهم الأمّ سوريا.

 

وفا سرايا: وبما أننا نتحدّث عن دول الجوار بالنسبة لسوريا، هل برأيك سيادة اللواء، أيقنت دول المنطقة حقيقة الموقف السوري بأنّ ما حصل في سوريا وبأنّ الشعب السوري دفع ضريبة مواجهته للإرهاب نيابة عن كل هذه الدول وعن كل العالم حتى، نتيجة ما يجري، إن كان من محادثات ونقاشات عراقية، أو حتى مع الأردن ومحاولة عودة العلاقات إلى طبيعتها، حتى ما يُحكى عن إمكانية، هنا أسأل أيضاً، عن إمكانية متابعة الملف السوري من قِبَل دمشق تحديداً في ما يتعلق بالحدود والشمال السوري مع تركيا؟

 

بهجت سليمان: يا سيّدتي، يُقال أن تأتي متأخّراً خير من ألا تأتي أبداً. الحقيقة بالنسبة لنا في ما يخصّ الأردن وحتى في ما يخصّ لبنان وفي ما يخصّ العراق، فدول شقيقة لنا، ونحن وإياهم شعب عربي واحد، أو شعوب عربية واحدة في هذه البلدان الثلاثة. وبالتالي مهما كانت الخلافات ومهما امتدّت ومهما كبرت، فالعلاقات الروحية بين الشعب العربي أو الشعوب العربية في هذه البلدان الثلاثة أو هذه البلدان الأربعة بشكل أو بآخر يمكن حلها.

أما المشكلة العويصة فهي الحقيقة مع تركيا، المشكلة العويصة هي مع النظام التركي الحالي. هذا النظام هو يرى نفسه امتداداً للدولة العثمانية التي استعمرت الأمّة العربية لمدة 400 عام، وهو يعتقد أنه وريث لتلك الإمبراطورية العثمانية، وأنّ عليه أن يعود إلى حكم هذه الدول، وأنّ هذه الدول هي من ممتلكاته، ولا يستطيع أن يرى إلا ذلك، وخاصةً عندما ارتدى ستار الإخوان المسلمين أو خوان المسلمين في تركيا الذين يشكّلون الآن عصب الحكم في تركيا. وبالتالي هؤلاء بشكل أو بآخر كما تعرفين بدأوا منذ البداية، وتكلم أكثر من مرّة، إذا كنت تتذكرين عندما فاز في الانتخابات منذ خمس أو ست سنوات، فقال أردوغان إنّ هذا النصر هو نصر لسوريا وهو نصر لمصر وهو نصر لتونس، طبعاً من يسمع الحديث في البداية يعتقد أنه يقصد أنّ هذا النصر للشعب السوري وللشعب المصري وللشعب التونسي، هو يقصد أنه نصر لمن يريدون أن تكون هذه الدول تابعة له، وولايات تابعة له كما كانت أيام الدولة العثمانية، ومن يريدون ذلك هم خوّان المسلمين.

وبالتالي المشكلة الأساسية هي معهم. عبر 400 عام سيطروا على هذه المنطقة. الحقيقة دمّروا كلّ عوامل الحضارة في هذه المنطقة، ولم يبقوا صرحاً واحداً في هذه المنطقة، لا صرحاً حضارياً علمياً، ولا صرحاً حضارياً ثقافياً، لا بل بشكل أو بآخر، أخرجوا هذه المنطقة لمدة 400 عام وأردوغان الحقيقة هو جاء في إطار مشروعٍ، هذا المشروع هو مشروع صهيو أميركي للسيطرة على المنطقة، وكان المقصود بها عندما يضع خوّان المسلمين يدهم على هذه المنطقة، تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تتفرّغ لمعركتها الأساسية وتذهب إلى شرق آسيا مع الصين، وبالتالي هناك معركتها الأساسية لأنّ الصين كما هو مقدَّرٌ لها في عام 2030 سوف تكون أقوى من الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً وعسكرياً.

وبالتالي يرى الأميركان أنّ معركتهم المستقبلية خلال هذا القرن هي هناك في الصين، وبالتالي كانوا يظنّون أنّ هيمنة خوّان المسلمين من خلال أردوغان على هذه المنطقة تريحهم من هذه المنطقة، وأكبر دليل أنّ مرسي عندما استلم الحُكم في مصر في منتصف عام 2012، أول ما أعلن بشكل أو بآخر أخوّته وحبّه وشغفه وعشقه للإسرائيليين، وبالتالي لا مشكلة لديهم، الفتوى جاهزة دائماً لدى خوّان المسلمين وهم يستطيعون أن يفتوا الصبح أمراً ويفتوا بعد الظهر أمراً مناقضاً معه.

 

وفا سرايا: سنتحدّث بالتفصيل كيف استفادت إسرائيل من فترة حكم الإخوان، ولكن قبل أن أفتح أيضاً الباب على اتفاق إدلب تحديداً، وما جرى في اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا، والخيارات الحالية، إسمح لي ونحن نتحدّث عن العلاقات، وقبل أن نذهب إلى فاصل، بسؤال سريع، أيضاً على المقلب الآخر، هناك استفسارات عن المواقف الخليجية وإن كانت أدركت أنّ الدولة السورية هي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لأنّ اللقاء في أروقة الأمم المتحدة ما بين وزيري الخارجية البحريني وكذلك السوري، وأيضاً المقابلة التي أجراها الرئيس بشّار الأسد مع صحيفة كويتية، وكأنّها تفتح الباب على سؤال حول ما إذا كانت أيقنت هذه الدول الخليجية بأنّها خسرت الرهان، ولا بدّ من بداية التقارب مع سوريا.

 

بهجت سليمان: الحقيقة، أشقاؤنا في الخليج ليسوا جميعاً في سلّة واحدة كما تعرفون، فعُمان منذ البداية نأت بنفسها نأياً حقيقياً وليس على طريقة أشقائنا اللبنانيين، والكويت كموقف رسمي كان موقفاً مقبولاً ومعقولاً. أما بقية البلدان الأخرى بشكل أو بآخر فكان يقودها آل سعود، وكما تعرفون آل سعود هم بشكل أو بآخر وُجِدوا في هذه المنطقة منذ عام 1932 عندما أعلِنت المملكة السعودية في ذاك الحين، كان لهم الحقيقة دوران، وهذان الدوران قالهما روزفلت لعبد العزيز آل سعود مؤسّس المملكة العربية السعودية عندما التقى به في 14 شباط (فبراير) عام 1945 على كوينسي في قناة السويس، فالتقوا في ذلك الحين في مقصورة على المدمّرة، قال الرئيس روزفلت لعبد العزيز آل سعود إسمع، أشار له بيده وقال له، إسمع، سوف نبقيكم في الحُكم لكن عليكم أن تفهموا أمرين، النفط لنا وعليكم أن تجهّزوا الأمور لأنّ إسرائيل سوف تقوم في هذه المنطقة. فأجابه عبد العزيز آل سعود فقال له، والله يا فخامة الرئيس أنتم تفصّلون ونحن نلبس. ثمّ خرجوا من اللقاء، وعندما سألهم الصحافيون ماذا حدث في اللقاء، فقال الرئيس روزفلت لقد استمعت إلى نصائح جلالة الملك وحكمته وتعلّمت منها، وبالتالي لا خلاف بيننا على خدمة هذا العالم وعلى خدمة الولايات المتحدة الأميركية وخدمة المملكة العربية السعودية.

 

وفا سرايا: ولكن ألم يتغيّر المشهد الآن، لأنّ الحدث الذي يسيطر هذين اليومين مع قصة اختفاء الصحافي جمال خاشقجي هو التهديد المتبادل، لأول مرة بهذه النبرة، ما بين واشنطن والرياض؟ كيف نفسّر ذلك سيادة اللواء؟

 

بهجت سليمان: شكراً لك لأنّك سألتِني هذا السؤال، ولكن قد أستفيض شيئاً ما إذا سمح الوقت.

 

وفا سرايا: إسمح لي بما أنّك سوف تجيب بشكل مستفيض، أن نستمع إلى إجابتك، ولكن بعد هذا الفاصل القصير. إسمح لنا سيادة اللواء، ونعود لمتابعة الحوار مع سعادة السفير بهجت سليمان. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: من جديد أرحّب بكم مشاهدينا الكرام في الجزء الثاني من حلقة اليوم من حوار الساعة التي نستضيف فيها سعادة السفير بهجت سليمان.

كنّا نتحدّث عن إن كانت أيضاً السعودية سيادة اللواء فقدت هذا الدور الاستراتيجي الاقليمي والقوة التي تمتلكها بلعب الأدوار التاريخية، فدائماً سرّ هناك وراء تهديد ترامب المتكرّر برفع الحماية عمّا يسمّى العرش السعودي.

 

بهجت سليمان: السعودية لم تفقد دورها، لكن دورها ضمر خلال الفترة الماضية، فكما تعرفون عندما اكتُشِف النفط في السعودية في النصف الأول من القرن الماضي، في ذلك الحين قال كليمنصو كلمته الشهيرة، قال كلّ قطرة نفط بقطرة دم، بالنسبة لهم كان النفط هو دم الآلة الصناعية الغربية، سواء الصناعة العادية أو الصناعة الحربية، وبالتالي جرى بشكل أو بآخر دعم عائلة آل سعود من أجل النفط، ولكي يكون النفط ملكاً أميركياً، وهذا ما حدث. والسبب الثاني كما قلت هو أن تكون السعودية أو أن يكون آل سعود بالتحديد هم الجسر الأساسي الذي يجب أن تعبر من خلاله إسرائيل إلى المنطقة، وأن تجري شرعنتها في المنطقة، ولو بشكلٍ متدرّجٍ، ولو بشكلٍ غير رسمي في البداية إلى أن تصل إلى شكلٍ نهائي.

أما القول بأنّ السعودية ستتمرّد، الحقيقة هذا التصريح الذي سمعناه البارحة، يهدّدون بأنهم سوف لن يظلوا أداة، عملياً هم لم يقولوا ذلك، لكن هذا معنى ما قالوه، أنهم لن يظلوا أداة لتنفيذ المشروع الصهيو أميركي الاستعماري الجديد في المنطقة، بمعنى أنّهم لن يحاربوا المقاومة ولن يحاربوا الممانعة ولن يحاربوا إيران ولن يحاربوا سوريا ولن يضيّعوا القضية الفلسطينية. هم كان لهم دور أساسي في إيصال المنطقة إلى هذا الوضع البائس، وبالتالي إذا كانوا يعتقدون أنهم بمجرّد التلويح لأميركا بمثل هذا الشيء، فليتفضّلوا، نحن نتمنّى ذلك.

الحقيقة كل عربي شريف يتمنّى أن تنتقل السعودية من الخانة الصهيو أميركية إلى الخانة العربية الحقيقية، نتمنّى فعلاً أن يكونوا معينين للقضية الفلسطينية لا عاملين على تصفية القضية الفلسطينية.

 

وفا سرايا: ولكن التمنّي شيء والقدرة شيء آخر. هل هي قادرة على قلب الطاولة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؟

 

بهجت سليمان: هنا المشكلة، هنا المشكلة أنهم غير قادرين، ولذلك يتكلّمون كلاماً أكبر منهم بكثير. هم يظنّون أنهم بتكبير الحجر بهذا الشكل، أنهم سوف يخيفون الولايات المتحدة الأميركية، وبالأدق سوف يخيفون ترامب لكي يتوقف، مع أنّ ترامب في الحقيقة هو معهم، ليس ضدّهم، ترامب لا يريد أن يحدث أيّ خلاف، لكن هناك أحياناً أمور تخرج عن سيطرة حتى الإدارات الأميريكية أو غيرها، كما حدث، تتذكرون في ووترغيت، هناك أخطاء تكون قاتلة، هذا الخطأ القاتل في ذلك الحين أودى بنيكسون كما تتذكّرين، وبالتالي هذا الخطأ القاتل الذي قام به محمّد بن سلمان قد يودي برأسه، برأسه بمعنى أنه قد يودي به عن الحُكم، وبالتالي قد تعمل حسب ما أرى، سوف تعمل الولايات المتحدة الأميركية ممثلة بإدارتها الحالية على حماية محمّد بن سلمان وعلى إبقائه، ولكن إذا كان هناك رأي عام أميركي ورأي عام عالمي دفع بشكل أو بآخر إلى عدم القدرة على حماية محمّد بن سلمان، في ذلك الحين سوف يكون لكل حادث حديث.

 

وفا سرايا: ويمكن أن يلعب ترامب على التقدّم الواضح بالنقاط بالنسبة لتركيا تحديداً، عذراً على التوصيف، ولكن كقطب سنّي في المنطقة، يتفوّق على الدور السعودي، سيادة اللواء.

ولكن إسمح لنا أن نبقى بإطار تركيا، هذا الدور التركي، وخصوصاً مع انتهاء مهلة انسحاب المسلحين من المنطقة التي قيل بأنها سوف تكون منزوعة السلاح. سوف نتابع هذا المقال بمقتطف صغير من الوطن السورية، ونعود لاستكمال الحوار بهذه النقطة.

إذاً النصرة لن تنسحب من معظم المناطق منزوعة السلاح وتركيا تتعهّد بالحلّ. فلنتابع.

 

الوطن السورية: "النصرة" لن تنسحب من معظم المناطق "منزوعة السلاح" وتركيا تتعهد بالحل!

أكدت مصادر معارضة مقرّبة من الميليشيات المسلّحة التابعة لتركيا في إدلب أنّ تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابيّ ومظلّته "هيئة تحرير الشام" لن ينسحبا من معظم "المناطق منزوعة السلاح" في إطار المرحلة الثانية التي نصّ عليها اتفاق إدلب المعلن في مدينة سوتشي الروسية في 17 أيلول (سبتمبر) الماضي، وذلك مع حلول الموعد المحدّد لها اليوم الإثنين.

المصادر المقرّبة من ميليشيا "جبهة تحرير سوريا" التي تضمّ ميليشيا حركتي "أحرار الشام الإسلامية" و"نور الدين الزنكي" والمنضوية في صفوف "الجبهة الوطنية للتحرير" ذراع تركيا العسكرية في إدلب، كشفت للصحيفة أنّ أنقرة تعهّدت لموسكو بحل المشكلة التي سيثيرها رفض "النصرة" وباقي التنظيمات الإرهابية بالانسحاب من أغلبية المناطق منزوعة السلاح التي أقرّها اتفاق إدلب إذا ما أعطيت الوقت الكافي للحلّ.

وأشارت المصادر إلى أنّ الاستخبارات التركية فشلت حتى مساء أمس بثني قيادات "النصرة" و"تحرير الشام" عن التمسّك بمواقعها لوجود خلافاتٍ معها حول المناطق التي ستنسحب إليها، وطريقة إدارة ملف سيطرتها وإدارتها لمعظم المجالس المحلية عن طريق "حكومة الإنقاذ" التابعة لها.

اللافت أنّ جميع وسائل الإعلام التابعة للمسلّحين ونظيرتها التركية لم تعد تتطرّق في الأيام الأخيرة إلى تطبيق اتفاق إدلب، في مرحلته الأصعب والأخطر، والتي تتمثل في انسحاب التنظيمات الإرهابية من المنطقة منزوعة السلاح، وانتهت مهلتها اليوم.

 

وفا سرايا: سيادة اللواء، وزير الخارجية سيرغي لافروف يقول إن تأخير يوم أو عدّة أيام بتنفيذ بنود الاتفاق غير مؤثّر، لتصبّ الجهود على نوعية العمل المُنجَز، ولكن اليوم بالمقابل، الرئيس الأسد يقول إن الاتفاق مؤقت. ما هو مصير هذه الهدنة؟ وهل باتت إعادة الجبهات والعملية العسكرية خياراً مفتوحاً من جديد في معركة إدلب؟

 

بهجت سليمان: يا سيّدتي، عندما أيقن أردوغان بأن هناك قراراً سورياً لا رجعة فيه بتحرير إدلب، تراكض باتجاه سوتشي والتقى مع الرئيس بوتين، والتزم أمامه بأنه سوف يعمل وبقوّة على إيجاد منطقة عازلة من 15 إلى 20 كيلومتراً، وبالتالي سوف يعمل على سحب السلاح من أيدي الإرهابيين المتّفق عالمياً على أنّهم إرهابيون، وبالتالي ظناً منه بشكل أو بآخر أنه خلال هذه الأشهر الثلاثة قد تحدث أمورٌ أخرى تعيد سيطرته بشكل آخر، هو الحقيقة ما يريده أردوغان كما تعرفون، علينا أن نستطرد قليلاً لنعود إلى الماضي. أردوغان بدا أنه يريد أن يكون سلطاناً جديداً على هذا العالم الإسلامي والعالم العربي، ثمّ ضمر دوره بطروحاته بشكلٍ أو بآخر، كان يريد بشكل أو بآخر حلب كما تتذكرين ويريد الموصل.

الآن ما يريده هو بشكل أو بآخر، يريد أن يأتي خوّان المسلمين لكي يكونوا شركاء في السلطة في سوريا وفي الحكومة، أي أن يكونوا مسمار جحا، وأن يكونوا 14 آذار اللبناني، أو علاّوي العراقي، في داخل الحكومة السورية، وبالتالي يستطيعون بشكلٍ أو بآخر أن يؤثّروا أو يوجّهوا أو يحرفوا الحكومة السورية بالاتجاه الذي يريدونه. وإذا لم ينجح هذا لديهم، الخيار الثاني لديهم هو إقامة كانتون بشكلٍ أو بآخر في إدلب وما حولها يصل إلى شمال حلب وإلى شمال اللاذقية وإلى شمال حماه ومن خلال هذا الكانتون يعتمدون الكثير من زبانيتهم، سواء من التركمان الموجود هناك، أو من خوّان المسلمين، أو من المجاميع الإرهابية التي جرى تجميعها هناك، ويعملون لتكوين صيغةٍ ما، هذه الصيغة تنادي بشكلٍ أو بآخر بالانفصال. هذا ما يفكّر به أردوغان.

 

وفا سرايا: ولكن هذه الوسطية التي الآن تمارسها السياسة التركية، هي علمت بأنها غير قادرة على تحقيق ذلك فلجأت كما نعلم إلى المفاوضات والمشاورات وما حُكي بأنها ذهبت إلى المقلب الروسي، بمقابل أنها لا تزال لا يمكن إغفال ذلك، حليف أميركا بشكل كبير بكثير من السياسات، والدليل الأكبر ما يجري في شرق الفرات سيادة اللواء.

هل يمكن الآن للدولة السورية أن تتعامل مع تركيا التي تمسك العصا من النصف، يمكن القول؟

 

بهجت سليمان: تتعامل بأيّ شكل مثلاً تقصدين؟

 

وفا سرايا: هل تقبل بما سيتم تطبيقه من خطوات لاحقة وإعطاء المزيد من الوقت لاتفاق سوتشي وخطوات تالية غير المرحلة الأولى، أم أنها قد تذهب من جديد إلى خيار العملية العسكرية؟ وماذا سيكون موقف موسكو؟

 

بهجت سليمان: بطبيعة الحال من مصلحة سوريا بشكلٍ أو بآخر تضييق وتقليص مساحة وجود الإرهابيين. عندما تتقلّص هذه المساحة إلى النصف فهذا من مصلحة سوريا شعباً ودولة. وكما تتذكّرون في الأعوام الماضية، عندما كان يجري الحديث عن تخفيف وعن المناطق، تخفيف العنف في المناطق الموجودة، الكثيرون احتجوا واعتبروا أن هذا نوع من التراخي ونوع من التراجع أمام العصابات الإرهابية، وكانت النتيجة أنّ سوريا الدولة عادت سيطرتها إلى تلك المناطق. وبالتالي إذا نفذ كحد أقصى الآن، هو في الحقيقة طلب حوالى ثلاثة أشهر حتى نهاية هذا العام، إذا نفّذ ما قاله وما التزم به أمام الروس، وبالتالي انسحب الإرهابيون من حوالى نصف المساحة الموجودين فيها، وعادت الدولة إلى هناك، فهذا شيءٌ جيّد.

 

وفا سرايا: ولكن الجماعات المتشدّدة، نحن نتحدث ليس فقط عن جبهة النصرة المصنّفة إرهابية، أيضاً عن جماعات مثل الحزب التركستاني، المقاتلين الإيغور، حراس الدين، إلى أين سيذهبون؟ هم تركيا بالنسبة لهم، نحن نعلم بأنها ممر.

 

بهجت سليمان: هؤلاء سيذهبون إلى جهنّم وبئس المصير، سوف يذهبون، سوف يذهب قسم منهم إلى بلدانهم، سوف يذهب قسم منهم إلى تركيا، سوف يتوارى قسم منهم، والباقي سوف يواجَه بمعركة، لا بدّ، الحقيقة، الإرهاب بشكلٍ أو بآخر لا يمكن مواجهته إلا بالقوّة، مهما جرى، مجاملة الإرهاب، ومهما جرى التسويف مع الإرهاب، ومهما جرى إحناء الرأس للإرهاب، فالإرهاب ينمو ويكبر. طبعاً مع الإشارة إلى أن الكثيرين حتى ممّن تسمّيهم تركيا في إدلب وما حولها بأنهم معارضة معتدلة، هؤلاء إرهابيون، هم يسمّونهم معارضة معتدلة وهم إرهابيون، كل من يحمل السلاح ضد الدولة وضد الشعب هو إرهابي. وبالتالي سوريا بشكلٍ أو بآخر، ما يجري من تنفيذ اتفاق سوتشي فهذا جيد، وما لم يجر تنفيذ اتفاق سوتشي، فسوريا ليست عاجزة بالتعاون مع حلفائها وأصدقائها على أن تعيد تحرير إدلب كاملة وما حولها، كما حرّرت، تتذكّرين حلب، وكما حرّرت حمص، وكما حرّرت الغوطتين، وكما حرّرت درعا، وكما حرّرت كلّ هذه المدن.

 

وفا سرايا: سيادة اللواء، ولكن أليس هنالك من خوف أن تقول هذه المجموعات، تحديداً هيئة تحرير الشام، العمود الفقري النصرة، بأنها إذا ذهبت إلى هذا الخيار، مع أنها متمسّكة حتى الآن بعدم تسليم السلاح الثقيل والبقاء بهذه المنطقة منزوعة السلاح، لتتكوّن في ما بعد تحت مُسمّى آخر، هي أيديولوجيا واحدة يمكن أن تجمعها، ونحن نعلم، مع اشتداد الضغوط، قد تتوحّد وستّسمي أسماء أخرى، غير النصرة، غير هيئة تحرير الشام.

 

بهجت سليمان: وهذا ما حدث. الحقيقة كم مرّة غيّرت إسمها؟ هم في الأصل قاعدة كما تعرفين، ثمّ تغيّروا من قاعدة إلى نصرة ومن ثمّ تحرير الشام إلى آخره. في الحقيقة تغيير الإسم لا يغيّر شيئاً من المضمون. المضمون يبقى هو هو، طالما هناك جماعات إرهابية مسلّحة متمرّدة على الدولة تقتل الشعب، تستولي على الأراضي، فلا بدّ من مواجهتها. إذا كان هناك قدرة لدى أردوغان أو حكومته بشكلٍ أو بآخر أن يضعوا حداً لهؤلاء فشيء جيّد، وإذا لم يكن لديه قدرة، الحقيقة المسألة ليست مسألة رغبة عند أردوغان فقط، لنعد إلى أردوغان، أردوغان ليس مهماً ما يقوله وليس حتى مهماً ما يرغب به، المهمّ هو ما يستطيعه. هو قد يستطيع بشكلٍ أو بآخر أن يناور ويماطل لعدة أشهر أخرى، ولكن تحرير إدلب سوف يتم، إذا لم يتمّ بالاتفاق سوف يتم بالقوّة، مهما كان نوع هذه العصابات، وكائناً من كان وراءها، أردوغان أو غيره.

 

وفا سرايا: حتى دمشق قالتها بشكل علني بأن أيّ وجود أجنبي تتعامل معه كمحتلّ، ولكن ملفت التصويب التركي على شرق الفرات، يتقاطع أيضاً مع حديث الجانب الإيراني وكذلك الروسي. هنا نسأل، هل يمكن أن تلعب مرة جديدة أميركا ورقة خاصة بالكرد تحديداً، قسد، بشرق الفرات؟ وكيف ستتعامل سوريا مع الموضوع؟

 

بهجت سليمان: يا سيّدتي، في ما يخصّ أميركا، كما تعرفون هي غول هذا العالم، وهي الداعِم الأول والحاضِن الأساسي والأكبر لإسرائيل، العدو الأكبر للعرب وللمسلمين وللمسيحيين المشرقيين في هذه المنطقة. وبالتالي هي مهمّتها بشكلٍ أو بآخر أن تُدير الأزمات في العالم، وأن تخلق أزماتٍ حيث لا توجد أزمات لكي تُديرها وتوظّفها لمصلحتها. شرق الفرات، القوات الأميركية ومعها قوات بريطانية أو فرنسية أو غيرها، هي قوات محتلة.

وبالتالي إذا كانت سوريا انشغلت بتحرير أراضيها من المجاميع الإرهابية الموجودة حسب الخطط التي وضعتها القيادة السورية، فلا يعني أنها ستترك مناطق شرق الفرات نهباً للأميركان ولا لغيرهم. وبالتالي سوريا ليست عاجزة عن تحرير شرق الفرات وغرب الفرات، وما يجب أن يعرفه الأميركان والأتراك معاً في حين واحد، أنّ سوريا عندما تصل إلى مرحلة تتأكّد فيها أنهم يناورون، وأنّ أردوغان لن ينسحب من إدلب وأنّ الأميركان لن ينسحبوا من شرق الفرات، فإنّ سوريا قادرة على حشد مع أصدقائها وحلفائها، على حشد ما لا يقلّ عن مليون محارب، سوف تحرّر بها ليس شرق الفرات وغربه، بل كلّ متر من الأرض السورية المحتلة والمُغتصَبة، وهذا حقٌ لنا وواجبٌ علينا، ولا تستطيع قوّة في العالم أن تمنعنا من تنفيذ ذلك، مهما كانت التضحيات ومهما كانت الخسائر ومهما كانت التحديات.

 

وفا سرايا: دكتور بهجت، إسمح لي أن أنتقل، لأستفيد من الوقت المُتبقي، إلى نقطة أخرى، تحديداً المخاوف الإسرائيلية. طيلة السبع سنوات، كانت تتصدّى سوريا لكل الاعتداءات التي مارستها إسرائيل، إن كان بالدعم المباشر والضربات المباشرة للأراضي السورية، العدوان المباشر، وكذلك دعمها للجماعات الإرهابية.

ولكن اليوم، بعد امتلاك الجيش السوري لمنظومة أس 300، هل يمكن القول أصبحنا أيضاً أمام قوّة أكبر، واقع ميداني جديد، وقواعد اللعبة تتغيّر، والقرار هو سوري قبل أن يكون روسياً بالرد على أيّ عدوان؟

 

بهجت سليمان: الحقيقة لم يكن القرار السوري يوماً إلا قراراً سورياً. الأصدقاء يدعمون موقفنا، وبالتالي ليسوا بدلاء في مواقفهم عن مواقفنا. ما نقرّره نحن لمصلحتنا، نتناقش مع الأصدقاء ومع الحلفاء، لكن ما نقرّره في النتيجة هم يقفون معنا. قد يكون هناك تأخّر الحقيقة في تسليم الأس 300 إلى الدولة السورية، مع أنّ الأس 200 كان يقوم بالكثير ممّا يجب أن يقوم به، ولكنه لم يكن كافياً. وكما تعرفون، وكما قال وزير خارجيتنا في الأمم المتحدة، قال نحن نطمح لكي نأخذ الأس 400، السوريون بشكلٍ أو بآخر مع التقدير العالي والعميق جداً لإخلاص الحلفاء الروس، وبالتالي لا أقول الدولة السورية، وإنما الشعب السوري يتساءل كيف يمكن أن يُعرَض الأس 400 لمن يريد أن يشتري وبالتالي يكون هناك تردّد في تسليمه لسوريا. هذا تساؤل مشروع.

 

وفا سرايا: عتب سوري على روسيا؟

 

بهجت سليمان: عتب سوري شعبي وليس رسمياً. وبالتالي الأس 300 بالنسبة لنا لا يعني أنه سوف يغيّر موازين القوى، لأنّ القوى أيضاً لم تكن بشكلٍ أو بآخر، ما تعلّمناه خلال السنوات السبع الماضية بشكلٍ أو بآخر صلّب عودنا وعجن عيداننا وجعلنا في موقف نستطيع بشكلٍ أو بآخر أن نصمد فيه ونستكمل فيه مهمة الدفاع عن وطننا. وهناك نقطة لا بدّ من قولها وتأكيدها، وهي أنّ الجميع يعرف بأننا في عامي 2011 و2012 قاتلنا وحدنا، أي صمدنا عامين كاملين.

 

وفا سرايا: أي المواجهة على الساحة السورية كانت أقوى من التفوق الأمني والعسكري حتى، أمام كل الدول التي حاربت سوريا وكذلك إسرائيل.

 

بهجت سليمان: تماماً، سأذكر الآن لماذا. عندما يكون هناك قائد، هذا القائد نذر نفسه بشكلٍ أو بآخر لقيادة شعبه، وشعب حيّ، وقضية محقّة، وبالتالي قاتلنا وحدنا في عامي 2011 و2012 عندما كان الجميع يظنّون بأنّ سوريا ستسقط بين يوم وآخر، وأنها سوف تصبح لقمة سائغة ليس في فم إسرائيل، بل في فم أذنابها من نواطير الكاز والغاز أو من غيرهم. فعندما صمدت سوريا بقيادة الرئيس بشّار الأسد هذين العامين الكاملين، حينئذٍ تسابق أصدقاؤنا وحلفاؤنا لدعمنا، ووجدوا أنّ هذه الدولة الوطنية السورية التي هي سوريا الأسد جديرة بالتعامل معها وبالتعاون معها، وجديرة كما يقال بالمراهنة عليها، وأثبتت بشكلٍ أو بآخر.

 

وفا سرايا: للأسف اليوم يتمّ الحديث، حتى أيضاً العراق بدلاً من سوريا كساحة عدوان إسرائيلي، ولكن لم يتبق لي سوى وقت قليل جداً. سنتابع هذا المقال حول اللجنة الدستورية وملامح التسوية ما بعد الحرب، تحديداً في هذا المقال في الميادين نت، السِجال حول اللجنة الدستورية من إدلب إلى شرق الفرات.

 

الميادين نت: السِجال حول اللجنة الدستورية... من إدلب إلى شرق الفرات، عبد الله سليمان علي

تصاعدَ الخلافُ مؤخّراً بين روسيا والولايات المتحدة حول ضبْط إيقاع مسار تشكيل "اللجنة الدستورية" في سوريا، بين مطلب "الإسراع" الأميركي ومحاولة "التريّث" الروسية، فيما رفعت واشنطن من درجةِ حضورها في أجواء العملية السياسية عبر اتّخاذها عدّةَ خطواتٍ، أهمّها: العودة إلى المشاركة في نشاطات جنيف حول الحوار السوري، وتفعيل "المجموعة المُصغّرة" التي وضعت في بياناتها ووثائقها أسساً لحل الأزمة السورية، أقل ما يُقال فيها إنها تُعَدّ تحدياً لمساريّ أستانا وسوتشي. وأخيراً من خلال الضغط على المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا للإسراع في تشكيل اللجنة الدستورية ومطالبته بتقديم تقرير حول ذلك في نهاية هذا الشهر.

لعلّ الإطار الاستراتيجي الأوسع لفَهْمِ تحرّكات واشنطن هو رغبة الإدارة الأميركية في حَصْرِ الصراع مع روسيا ضمن النطاق السياسي والدبلوماسي، وبالتالي رفع أيّة صبغةٍ عسكريّةٍ عن هذا الصراع.

لكن هذه النظرة الاستراتيجية لتأطير الصراع مع روسيا، لا تلغي أن لدى واشنطن أهدافاً أخرى تريد تحقيقها قبل فوات الأوان، وأهمّها الدّفع نحو تشكيل اللجنة الدستورية وتحريك مسار العملية السياسية قبل أن يكتمل تنفيذ اتفاق سوتشي (بين تركيا وروسيا) بخصوص إدلب.

أما موسكو، فتكمن مصلحتها الحالية في تأجيل مقرّرات مؤتمر سوتشي بخصوص تشكيل اللجنة الدستورية، إلى ما بعد الانتهاء من تنفيذ اتفاق إدلب.

 

وفا سرايا: سيادة اللواء، لا يمكن أن ننكر أنّ وضع مسودّة الدستور يُعَدّ أصعب مراحل الحلّ السياسي للأزمة السورية، ولكن هل يمكن لهذه اللجنة الدستورية أن تكون محطة مهمة بالحل السياسي، في مقابل الخلاف ما بين الإسراع بوضع هذا الدستور من قِبَل أميركا، والتريّث بالموقف الروسي تحديداً تجاه هذه اللجنة لصوغ الدستور الجديد؟

 

بهجت سليمان: لا داعي لإشغال البال كثيراً بهذه المسألة، فدائماً موازين القوى هي التي في الساحات الميدانية، هي التي تعبّر عن نفسها على الورق. وعندما يقول البعض ممّن لا يدركون ألف باء السياسة، أو أنّهم عاجزون عن إدراك ألف باء السياسة، أنهم يريدون اتفاقية جنيف مثلاً عام 2012 أو 2013، في ذلك الحين عندما كانت معظم الأراضي السورية قد جرى اغتصابها من قِبَل القوى الإرهابية المدعومة أطلسياً وأعرابياً. فبالتالي الوضع الآن في سوريا، عندما تسيطر سوريا على 80 في المئة من أراضيها، وهي في طريقها لتحرير باقي الأراضي، لن تأتي لتكافئ أولئك الذين كانوا سيوفاً مسمومة وحراباً مسمومة ضدّ شعبها ووطنها خلال الفترة الماضية، لكي تسلّمهم النظام السياسي في الدولة. هؤلاء بشكلٍ أو بآخر عندما يثبتون وطنيّتهم ويعودون إلى وطنهم ويتخفّفون من أثقالهم الماضية، بشكلٍ أو بآخر يمكن أن يُنظَر إليهم، أما إذا كانوا يظنّون أنّ أحداً في الدنيا قادرٌ أن يفرضهم على الشعب السوري، لا تستطيع قوّة في الدنيا أن تفرضهم على الشعب السوري ولا تجعلهم شركاء في القرار السوريّ.

أما مسألة تطوير الدستور السوري، فالشعب السوري يطمح بتطوير الدستور باتجاه أكثر علمانيّة الحقيقة وأكثر قومية وأكثر عصرَنة. وإذا كان البعض يعتقد إننا جاهزون لكي نعيد مسألة دستور بريمر أو الدستور اللبناني عام 1943 فهو مخطئ. الدستور السوري يصنعه السوريون، أما أذناب الأجانب وأذناب من قاموا بالعدوان على سوريا، لا يمكن أن نقبل بهم، حتى لو كان الحلف الأطلسي بكامله وراءهم. نسمع صوتهم، نسمع آراءهم، لا بأس، في الاجتماعات وفي اللقاءات، لكن في النتيجة، ما يجري الاتفاق عليه يقرّره الشعب السوري، والشعب السوري سلفاً يرفض أن يشترك أعداء الوطن الذين كانوا مشاركين أساسيين وكانوا واجهات الحقيقة مسمومة لهذه الحرب الإرهابية الكونية على سوريا، لا يمكن أن يوافق الشعب السوري تحت أيّ ظرف أن يقرّر هؤلاء مصير الشعب السوري.

 

وفا سرايا: إذاً نفهم بأن الدستور السوري سوف يكون بتوقيع الشعب السوري بعد كل التضحيات التي قدّمها هو والجيش والقيادة.

 

بهجت سليمان: حصراً، ولا تستطيع قوّة في الدنيا أن تفرض غير ذلك.

 

وفا سرايا: نحن نشكرك جزيل الشكر. ملفات كثيرة ممكن أيضاً أن نناقشها، ولكن لضيق الوقت، هي ساعة فقط، في حلقة واحدة صعب أن تنتهي معك، بمجالات متعدّدة، لا أعلم إن كنت سأقول لك سيادة اللواء، أو سعادة السفير، أو الدكتور بهجت سليمان.

مرحَّب بك دائماً على شاشة الميادين، وشكراً لتواجدك سيادة اللواء السفير في وزارة الخارجية اللواء الدكتور بهجت سليمان.

 

بهجت سليمان: شكراً.

 

وفا سرايا: الشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة لحلقة اليوم من حوار الساعة. في أمان الله.