طارق سامي خوري - نائب في البرلمان الأردني

 

محمّد علوش: تطابقت السياسة الأردنية تارةً، وافترقت تارةً أخرى عن مثيلاتها في مصر ودول الخليج. من التعامل مع الإخوان المسلمين في الداخل، فلهم أعداء ولهم مقرّبون، وبين التوتر والانفتاح، تراوحت العلاقة مع سوريا منذ بدء الأزمة، وكانت قمّة الغليان في الموقف الخليجي من صفقة القرن. محطاتٌ ثلاث تباين فيها الموقف الأردنيّ أو تمايز بعض الشيء، وكان المحرّك دوماً الخشية على مصالحه من التضرّر.

جاءت الأزمة الاقتصادية فأضعفت قدرة البلاد على المناورة. ومن بوابة الاقتصاد، تزايد الضغط الخليجيّ والأميركيّ على عمّان. فما هي قدرة الحكومة على مواجهة هذه الأزمات؟ وفي أيّ اتجاهٍ تسير السياسة الخارجية فيها، ولا سيما مع سوريا؟ وإلى أين تمضي العلاقة بين الديوان الملكي والإخوان المسلمين؟

للنقاش معنا طارق سامي خوري النائب في البرلمان الأردني.

 

(فاصل)

 

محمّد علوش: حيّاكم الله، وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا الأستاذ طارق سامي خوري نائب في البرلمان الأردني. صباح الخير سعادة النائب.

 

طارق سامي خوري: صباح النور. أهلاً وسهلاً.

 

محمّد علوش: حيّاكم الله. بدايةً، معبر نصيب عاد إلى طبيعته بين سوريا والأردن. تقديركم، ما التداعيات التي سيتركها على العلاقة بين البلدين شعباً وحكومةً؟

 

طارق سامي خوري: أولاً، جميل أنّك فصلت شعباً وحكومة. أولاً، فتح المعبر أنا برأيي أعاد الحياة إلى الأردن، ونحن إذا أردنا الحديث، امتدادنا الطبيعي والاستراتيجي كشعب وكدولة أيضاً، هي سوريا كامتداد طبيعي واستراتيجي وجغرافي للأردن.

دعنا نبدأ بالجانب الشعبي. في الجانب الشعبي، نحن رأينا أنّ الشعب الأردني جداً سعيد بهذا الافتتاح لهذا المعبر، ورأينا أن حركة الزيارات أو الذهاب إلى سوريا عبر هذا المعبر بشكل كثيف، ويومياً تزداد، يوماً بعد يوم يزيد العدد ولا يقلّ والسبب هو اشتياق الناس إلى سوريا وإلى الشعب السوري، وأيضاً أنا برأيي هناك حسّ كما قلنا في البداية، حسّ قومي يربط الشعب الأردني بالشعب السوري.

إذا جئنا إلى الدولة أو الدولتين، بالتأكيد هذا الموضوع سيكون إيجابياً للدولة الأردنية، وبالأخصّ من الناحية الاقتصادية، لأننا نعلم أنّ صناعة الاقتصاد الأردني الآن في أزمة حقيقية مع إغلاق معبر جابر، ومعبر نصيب، الحدود العراقية والحدود السورية. الآن جاء هذا كنوع من الانفراج للاقتصاد الأردني وللصناعة الأردنية، وأيضاً انفراج لميناء العقبة، ودعنا نقول، قطاع النقل في الأردن. فكدولة أردنية ستستفيد بشكل كبير من فتح هذا المعبر اقتصادياً، وبالأخصّ القطاع الخاص.

 

محمد علوش: طبعاً حضرتك تتكلّم في البعد الاقتصادي. ماذا عن البعد السياسي؟ أية دلالة يحمل هذا التطوّر في ملف العلاقة بين الحكومتين السورية والأردنية؟ هل هي إعادة تطبيع أو إعادة تصحيح العلاقة كما يقول البعض بعد أن كانت إلى حد ما تتراوح بين الانقطاع وبين الفتور؟

 

طارق سامي خوري: أنظر، أنا برأيي، دعنا نتكلم على مستوى حكومي كسياسة، أو مستوى حكومي سياسي، أنا برأيي أنّ الأردن وكنّا واضحين أننا أثناء الحرب على سوريا أخطأنا في العديد من الأمور، ويجوز أننا حاولنا في فترة ما الابتعاد عن هذا الخطأ أو تصويب هذا الخطأ، لكن أنا برأيي الآن الجانب الأردني هو المطلوب منه أن يقدّم الكثير إلى الجانب السوري، وأنا برأيي الحكومة السورية هي الآن مفروض أن تعيد التفكير بمشروعها القومي وتفكّر بإعادة علاقات مع الدول التي كان لها دور سلبي نسبي، لا نريد أن نقارنها بدول الخليج، لكن كان هناك بعض الدور السلبي أثناء الحرب على سوريا، وأنا برأيي مفروض، وأنا أتوقّع أن تكون الدولة السورية حكيمة في هذا الشأن، وأيضاً الدولة الأردنية بحكومتها الجديدة من المفترض أن تكون بداية صفحة جديدة أيضاً كحكومة، يرأسها شخص توجد فيها الصفات القومية ويوجد فيها عشق المنطقة الجغرافية المحيطة بالأردن.

 

محمد علوش: هل زملاؤكم في البرلمان يشاطرونكم نفس التوجّه لجهة إعادة تصحيح العلاقة مع سوريا؟

 

طارق سامي خوري: أنا أقول لك، كلما مضت الأيام الأمور تتحوّل إلى إيجابية أكثر. في السابق، عندما كنت أفكّر بالقيام بزيارة برلمانية إلى سوريا، كان عدد الزملاء الذين يرغبون بالمشاركة قليلاً جداً. الآن نرتّب زيارة رسمية برلمانية بين البرلمان السوري والبرلمان الأردني لزيارة سوريا، والزملاء الذين أبلغوني بأسمائهم حتى الآن يتجاوزون 20 نائباً، ولم أتصل بعد بأحد. فأنا برأيي الجو العام النيابي إيجابي، وأيضاً كان إيجابياً في فترة، عندما هدّدنا الحكومة بطرح الثقة مقابل أن توقف الأعمال على الحدود التي تحصل ضد سوريا من ناحية إدخال مقاتلين أو إرهابيين أو إدخال السلاح، والحكومة الأردنية استجابت في آخر سنتين بهذا الشأن، أو ثلاث سنوات. فالجو النيابي أنا برأيي منذ اليوم الأول، صحيح نختلف في بعض الأمور في الشأن السوري، لكن مجلس النواب الأردني بكافة أعضائه كان مع وحدة الأراضي السورية مهما حصل.

 

محمد علوش: طبعاً مع وحدة الأراضي السورية، كان البعض يفرّق بين الدولة وبين الحكومة في سوريا، لكن أنا أسأل لجهة الخارطة الحزبية داخل البرلمان. الآن هذا التطوّر النوعي كما تقول والانفتاح أو التحسّن على صعيد الأطروحة داخل البرلمان لجهة العلاقة مع سوريا، هل هي تمتدّ لكامل الخارطة السياسية أو الحزبية داخل البرلمان، أقصد من إسلاميين وغير إسلاميين، كقوى معارضة للحكومة أو مؤيّدة أيضاً للحكومة الأردنية؟

 

طارق سامي خوري: كإسلاميين، أنا برأيي الإسلاميون في مجلس النواب مواقفهم في الشأن السوري بالذات غير موحّدة، انسَ تنظيمياً، لكن شخصياً، هناك العديد من الزملاء موقفهم إيجابي جداً في شأن القضية السورية، حتى من اليوم الأول، أنا لديّ الكثير من الزملاء وأتناقش معهم من الإسلاميين، بالعكس هناك قسم جيّد منهم يختلف عن وجهة نظر التنظيم بشكل عام. لكن أنا برأيي الآن تنظيم الإخوان المسلمين أو نواب جبهة العمل الإسلامي في داخل مجلس النواب، بالتأكيد لن يكونوا سلبيين بحسب ما أتوقّع، لأنّ الأمور اتّضحت، وظهر الواقع وظهرت الحقيقة، فموقفهم سيكون ضعيفاً جداً في حال وقفوا ضدّ الدولة السورية بأيّ شكل من الأشكال، وكما ترى الآن، هناك هدوء في موقفهم تجاه الدولة السورية، وبالعكس، لا يوجد هجوم ولا توجد محاولة إثبات أنّ سوريا غير مستقرّة. بالعكس، الآن هدوء تام في تصريحاتهم وفي وجهات نظرهم، وأنا سأسعى إلى أن يكون معي بعض الزملاء الذين كان موقفهم إيجابياً منذ اليوم الأول من الإسلاميين في زيارتي القادمة إلى سوريا.

 

محمد علوش: أي تتوقّع أن يكون من ضمن وفد أردني برلماني إلى سوريا، نواب في جبهة العمل الإسلامي الحزب الذي يمثل كبرى قوى المعارضة في الداخل الأردني؟

 

طارق سامي خوري: أنا أتحدّث بشكل فردي، لأنني كما قلت لك، قرار جبهة العمل الإسلامي أو تنظيم الإخوان المسلمين الحزبي لا أدري ماذا سيكون، لكن أنا عندي العديد من الزملاء، وقلت لك، منذ اليوم الأول من الحرب على سوريا، كان موقفهم إيجابياً إلى يومنا هذا. هل سيخرج هؤلاء بعيداً عن القرار الحزبي، أم سيكون هناك قرار حزبي بالسماح لهم؟ الله أعلم، لكن سأسعى وأنا أعلم أنّ لديهم الرغبة، لكن كيف تنتهي المسألة وماذا سيكون القرار الداخلي، هذا يعود لهم، لكن أنا أقول لك إن هناك نسبة كبيرة من الإخوان المسلمين موقفهم إيجابي منذ اليوم الأول.

 

محمد علوش: طبعاً إعادة فتح الحدود بين البلدين أثارت النقاش على مصراعيه داخل الأردن. عن إعادة فتح الحدود، وكيف انعكس ذلك على طبيعة العلاقات بين البلدين، كتب فهد الخيطان في صحيفة الغد الأردنية. نشاهد معاً.

 

الغد الأردنية: الأردنيون قبل السوريين في دمشق!، فهد الخيطان

ما أن أعلنت السلطات الرسمية في الأردن وسوريا عن فتح معبر جابر الحدوديّ، حتى تدفّق المئات من الأردنيّين صوب الشام. طوابير من سيارات المسافرين اصطفّت عند بوابات المعبر لإتمام إجراءات المغادرة، وهو أمرٌ دفع بالسلطات الأردنيّة لإعلان إغلاق المعبر قبل ساعةٍ من الموعد المقرَّر، لمنح الأشقّاء على الجانب السوري الفرصة لتنظيم إجراءات الدخول.

لكن أكثر ما أثار الاهتمام في التعليقات هو المقارنة التي عقدها البعض حول رخص الأسعار في سوريا التي كانت غارقةً في حربٍ طاحنة، والأردن الذي ينعم بالاستقرار والأمن.

أغرت تلك المقاربة السطحيّة الكثيرين لاستخلاص استنتاجاتٍ تضفي مزيداً من السوداوية على نظرتهم للأوضاع في بلادهم.

سوريا بلد الخيرات، وفي غياب أسواق خارجية تهاوت أسعار المنتجات لمستويات قياسية.

صحيح أن الأحداث التي شهدتها سوريا أحدثت شرخاً كبيراً في نظرة الأردنيين، لكن مآلاتها، والشعور العام بالاختناق جرّاء الفوضى والحروب التي حاصرتنا طول تلك السنوات، فجَّرت الرغبة بكسر طوق اليأس من حولنا، واستعادة الرغبة بالحياة والتواصل مع الأشقّاء.

وبالنسبة للأردنيين، فإنّ زيارة سوريا فرصةٌ لمعاينة الآثار الكارثيّة لمخلفات الحرب والفوضى، وما جرّته على السوريّين من ويلاتٍ بفعل عبث الخارج بأمنهم واستقرارهم، وتجيير مطالبهم المشروعة بالحرية، لمصالح وأجنداتٍ خارجيّة.

أثناء تسوّقكم البضائع الرخيصة من سوريا، لا تنسوا تأمّل الحال هناك واستخلاص العِبَر، على أمل العودة بدروس أكثر قيمةً من "المكابيس" الشامية.

 

محمد علوش: نعود إليك سعادة النائب طبعاً لنسأل في ما يتعلق بقرار إعادة فتح المعبر كبداية لتصحيح العلاقة. طبعاً فهد الخيطان واضح في مقاله على أنّ هناك تغيّراً في المزاج العام الأردني الذي كان يقرأ قراءة مختلفة، والآن يجد أنّ الأمور مخالفة إلى حد ما كواقع عمّا كانت عليه، وفق ما كان يُنقَل له أو كان يصوَّر الوضع.

نريد أن نسأل هنا، هذا المزاج الآن المتغيّر في الحال الأردنية، إذا كان ممتداً من الحال الشعبية إلى الحال الحكومية أو الملكية تحديداً، ألا يؤثّر سلباً على العلاقة بين الأردن وبعض دول الخليج التي لا تزال تعتقد أنّ السيناريو، وهو إسقاط النظام في سوريا، هو ما زال قائماً؟

 

طارق سامي خوري: أولاً المزاج العام للكاتب تغيّر. أنا سعيد، قرأت هذا المقال صباحاً، لأنّ مزاج هذا الكاتب لم يكن هكذا.

 

محمد علوش: أنا تركت لحضرتك التعليق على فهد الخيطان. أنا أعلم موقفه. تفضّل.

 

طارق سامي خوري: موقفه لم يكن كذلك أبداً. بالعكس، كان في فترة سلبياً جداً، لكن أنا سعيد، هذا يعطيك مقياساً، كيف أنه بعد انتصار سوريا، كيف أنّ الرأي العام ورأي المؤثّرين في الرأي العام مثل الأستاذ فهد الخيطان قد تغيّر، وهناك العديد من الكتّاب والصحافيين تغيّر رأيهم، بقي الناس غير المُعتادين على النصر ومن يقهرهم شعور النصر في سوريا، مثل الأستاذ صالح القلاب، ما زالوا سلبيين للغاية في هذا الشأن، وحتى السموم التي تُبَثّ في كتاباتهم أنا برأيي ستنتهي في النهاية.

 

محمد علوش: هو وزير إعلام سابق وكاتب في صحيفة الشرق الأوسط، فقط للتوضيح للمشاهد. تفضّل.

 

طارق سامي خوري: بالتأكيد، هذا يدلّ على ميوله واتجاهاته، لكن أنا برأيي قصّة فهد الخيطان وكتاباته هي إشارة واضحة، وللجو العام الأردني، من الكتّاب الرئيسيين إلى الشعب الأردني، وأنا أقول لك، أنا منذ اليوم الأول من الحرب على سوريا، عندما كنت أدافع عن سوريا، كان عدد المهاجمين مثلاً على كتاباتي بالآلاف، الآن تقلّص إلى 40 أو 50 شخصاً ربما، فهذا مقياس لتعرف أنّ الرأي العام للشعب الأردني متغيّر.

الآن فتح الحدود وتأثيره على العلاقات في الخليج العربي، أنظر، أنا برأيي بالتأكيد كان هناك استشارة من الدولة أو من الحكومة الأردنية مع الخليج ومع الأميركان بخصوص فتح هذا المعبر، لأنهم كحلفاء يُعتبَرون بالنسبة للحكومة الأردنية أنهم حلفاء استراتيجيون، بالتأكيد، حتى تأخير فتح المعبر كان مبنياً على موضوع ربما إبلاغهم، ربما التشاور معهم، ربما أخذ موافقتهم. لكن تأكّد تماماً أنّ هذا المعبر فُتِح بالتأكيد بمباركة بالحد الأدنى، مباركة الحلفاء مثل السعودية وأميركا.

 

محمد علوش: هل هذا مبني على معلومات ومُعطيات بصفتك نائباً في البرلمان، أم هو تحليل وانطباع سياسي خاص؟

 

طارق سامي خوري: لا، أنا نسبياً أقول لك، لأنني من الأشخاص الذين عملوا منذ اليوم الأول على فتح الحدود، بعد انتهاء المعارك في المناطق المحيطة، وكنت أتابع مع كل أصحاب القرار في الدولة الأردنية بهذا الخصوص، وكنت أشعر، أو كانت تصلني رسائل بنوع أو بآخر، أنّنا نريد أن نصبر قليلاً حتى نرى ما هو رأي حلفائنا بهذا الموضوع أو ما هي وجهة نظرهم. فبالتأكيد أنه تمّ التشاور، وأنا متأكد أيضاً أنّه تمّ التشاور كذلك مع حلفاء سوريا في هذا الشأن وليس فقط مع حلفاء الأردن.

 

محمد علوش: مع حلفاء سوريا مثل مَن؟

 

طارق سامي خوري: أنا أتوقّع أنّه حصل أيضاً حديث مع الروس في هذا الشأن بشكل أو بآخر، لكن بخصوص حلفاء الأردن، أنا متأكّد أنه تمّ الحديث معهم في هذا الشأن. لا أدري بأيّة صيغة، لكن لأنّ التأخير الذي حصل في فترة من الفترات كان سببه انتظار رأي الحلفاء.

 

محمد علوش: سعادة النائب، طبعاً معروف أنّ الأردن يعيش أزمة اقتصادية عميقة وهي مزمنة إلى حد ما، لكن من فترة إلى أخرى تظهر إلى السطح وتسبّب بعض الاضطرابات أحياناً الشعبية، كما لاحظنا في الفترة الأخيرة في ما يتعلق بالتظاهرات، وكان هناك استثمار سياسي لها من بعض الدول، سنسأل عن ذلك بالتأكيد.

لكن هل هذا هو كان السبب الأساسي في إعادة فتح المعبر من الناحية الأردنية أو من الجهة الأردنية مع سوريا، أنّ السبب اقتصادي من الدرجة الأولى، طالما أنّ الأردن لا يستطيع أن يستمرّ طويلاً في هذه العزلة مع الضائقة الاقتصادية التي يعيشها؟

 

طارق سامي خوري: أنا لا أستطيع أن أقول لك إنه اقتصادي بحت. بالتأكيد له دور اقتصادي، مع أنّ الأمور لا تزال غير واضحة بالنسبة للاقتصاد، ليس معروفاً بعد هل سيقوم الأردن بالتصدير، هل هناك رغبة بالسلع الأردنية، هل السلع الأردنية منافسة، هل الشعب السوري أو الاقتصاد أو التجار أو الصناعيون السوريون سيستوردون من الأردن أو عبر ميناء العقبة. أنا برأيي هذا في عِلم الغيب. لكن سياسياً، أنا برأيي القرار الأردني اتُخِذ ليس فقط اقتصادياً، الاقتصاد كان عنصراً أساسياً، لكن كما قلت لك، الحكومة الجديدة تعمل بخطى مختلفة عن الحكومات السابقة، ومن كلام رئيس الوزراء في أكثر من موقع وفي الإعلام.

 

محمد علوش: ولكن الأمر ليس مرتبطاً بحكومة، تعرف حضرتك أنّ هكذا موقف هو موقف سيادي من الدرجة الأولى، أي هو مرتبط بقرار وبتوجّه من الملك مباشرةً.

 

طارق سامي خوري: لكن بالتأكيد هناك تأثير حكومي في هذا الشأن، يجوز أن يكون القرار من أعلى من الحكومة، لكن بالتأكيد أنّ قرار الحكومة وسياسة الحكومة تؤثر على مثل هذا القرار، وأنا لا أقول فقط الحدود مع سوريا، أنا أقول الحدود مع سوريا والحدود مع العراق، ما زالت الحدود مع العراق معلّقة، مفتوحة شكلاً، لكن تطبيق الاتفاقيات ما بين الدول العربية والأردن، الاتفاقيات الثنائية بخصوص الإعفاءات الجمركية غير مطبّقة، أي أنّ الحدود مغلقة في الواقع العملي، لكن الحدود مع سوريا، لأن الاتفاقية مطبّقة بين سوريا والأردن، بالتأكيد الحدود مفتوحة.

أنت كلامك صحيح، أنا لا أنكر أنه لا يوجد قرار أعلى من الحكومة بموضوع فتح الحدود، لكن أيضاً هناك بعض المُعطيات التي تسهّل في اتخاذ القرار، أو بشكل آخر تضغط لاتخاذ القرار. شعبياً، أنت رأيت، شعبياً كلّ الشعب الأردني سعيد بفتح الحدود، وهذا الشأن يخفف الضغط، يخفف الضغط عن الداخل الأردني في الشأن الاقتصادي وأيضاً في الشأن السياسي. الآن حصل انفراج، يعتبره الشعب الأردني، عندما فتحت الحدود السورية، انفراج اقتصادي، انفراج سياحي.

 

محمد علوش: فهمنا في ما يتعلق بالبُعد الاقتصادي، لا شكّ أنّه كان هناك تأثير كبير لقطع العلاقات، أو ليس قطع العلاقات، وإنما الفتور في العلاقة. ولكن سياسياً، ما الضرر الذي لحق بالشارع السياسي في الأردن كما أفهم من حضرتك، أنه كان هناك نوع من الضرر؟

 

طارق سامي خوري: نحن نتحدّث بشكل عام، مثلي ومثل أمثالي مثلاً، نحن كنا مستائين من الموقف الأردني تجاه سوريا، وكنا باستمرار نتحدّث، وحتى تحت قبة البرلمان كنت أتحدّث، فهذا الموضوع كان هناك استياء على المستوى السياسي، لا نريد القول إننا متمرّسون سياسياً، الشعب عندما يتحدّث في السياسة كان اتجاهه أو حبّه أو إرادته بفتح، وبإعادة العلاقات مع الجانب السوري. لا نستطيع أن نتحدّث من جانب سياسي بحت، لكن المواطنين يتحدّثون بالسياسة كباقي الشعوب، كانوا يرغبون بفتح الحدود مع سوريا، وكان هذا نوعاً ما يشكّل ضغطاً.

ثمّ هناك موضوع آخر مهم جداً، للعِلم، الذهاب إلى سوريا مع الظروف الاقتصادية على المواطن الأردني، أرخص له من أن يذهب إلى البحر الميت.

 

محمد علوش: داخل الأردن.

 

طارق سامي خوري: كسياحة، أن يذهب إلى سوريا أوفر له من أن يذهب إلى البحر الميت الذي يبعد عن عمّان حوالى 40 كيلومتراً، أو أن ينام في فندق، أو إلى مدينة العقبة الواقعة على الخليج العربي، أو ميناء العقبة، أوفر له أن يذهب إلى سوريا، وحتى كمشتريات، الشعب الأردني معتاد من السابق على البضائع السورية بشكل أو بآخر، كان هناك العديد من الأردنيين قبل الحرب على سوريا، يذهبون في نهاية الأسبوع للتسوّق وشراء المواد السورية والمنتجات السورية، فهناك رغبة كبيرة من قِبَل الشعب الأردني وحب للمنتجات السورية.

 

محمد علوش: حضرتك أشرت خلال حديثك إلى طبعاً تشاور حصل بين الأردن وجهات خليجية وحتى أميركية كما أسلفت، لجهة الانفتاح على سوريا، أو لجهة فتح الحدود.

ما هو الأفق الذي طبعاً استأنس به الأردن لرفع أفق العلاقة مع سوريا؟ وهل هذا مؤشّر ما لتحوّل أيضاً في الموقف الخليجي، كون الأردن هو يُعتبَر جزءاً من هذا المحور؟

 

طارق سامي خوري: أنا أقول لك، عِلم يقين بالتفاصيل ليس لديّ، لكن أنا كما تعلم أستطيع أن أستنتج من الأجوبة أنه كان هناك انتظار لهذه الموافقة، لكن نريد أن نأخذ حقيقة واقعية، أنّ انتصار سوريا في الحرب التي تمت على سوريا بالتأكيد، بالتأكيد غيّر اتجاهات هذه الدول، وأصبح الموضوع السوري أو العلاقة مع سوريا شأناً مفروضاً، ليس أمراً يستطيعون الاستغناء عنه أو الابتعاد عنه، فمصلحتهم في السعودية مثلاً وفي أميركا أن يكون هناك خط مفتوح مع الجانب السوري لأية مواضيع مستقبلية، فهذا الأمر فرضته سوريا، ولم تفرضه دول أعداء سوريا. هذا الموضوع بإعادة العلاقات أو فتح خطوط علاقات مع سوريا، فرضته الدولة السورية، وليس رغبة من الدول التي كانت معادية لسوريا.

 

محمد علوش: طبعاً صفقة القرن تُعتبَر من الأمور التي تقضّ مضجع الأردنيين كونها تهدّد الدولة، وأيضاً تهدّد وتفتّت حتى مشروع الدولة الوطنية في الأردن. رد الملك الأردني كان سقفه عالياً جداً مقارنة بمواقف أخرى كما يرى البعض.

هل اطمأنّ الأردن اليوم إلى أنّ هذه الصفقة قد أجهِضت في مهدها قبل أن تولد؟ وكيف سيُترجَم الأمر في ما يتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين؟

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة. ضيفنا طبعاً النائب في البرلمان الأردني طارق سامي خوري، نتحدّث عن الوضع الأردني الداخلي، وعن العلاقات السياسية بين الأردن ودول المنطقة.

قبل الفاصل، كنّا نسأل في ما يتعلق بصفقة القرن التي تقضّ وما زالت ربما المضجع الأردني لجهة طبعاً ما يهدّد الدولة الوطنية في الأردن. الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد كانت ورقة ضغط كما يرى البعض، للسيطرة أو لمحاولة توجيه الأردن تجاه مواقف محدّدة.

صحيفة الدستور اليوم تنشر مقالاً عن الأولويات التي ينبغي لرئيس الحكومة الأردنية عمر الرزاز التصدّي لها في حل أزمة البلاد قبل دعوته للتوجّه نحو الحكومات البرلمانية. نشاهد معاً.

 

الدستور الأردنية: الحكومة البرلمانية ليست الأولوية

علينا ألا نتفاءل كثيراً بالأطروحات حول الحكومة البرلمانيّة. هذا ما طرحه رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، ولا أعرف حقيقة هل هو تصريحٌ ضمن خطّةٍ أعدّتها الحكومة بالتعاون مع السلطة التشريعية والسلطات المختلفة، أم هو قرارٌ فرديٌ من دون الرجوع إلى واقع الأمر.

الأردن ما زال في بداية الطريق، وأحزابه بحاجةٍ إلى أرضيّةٍ خصبةٍ تمكّنها من تفعيل دورها، وعلى الحكومة قبل الدخول في معركة الوصول إلى الحكومة البرلمانية وتحقيقها، لا بدّ من إدراك التحديات والعقبات التي ستواجهها الحكومة والأحزاب ومجلس الأمّة بغرفتيه والبيئة السياسية العامة، للوصول إلى ما نطمح إليه جميعاً.

فالأولويات لا بدّ من أن تصب الآن وفي ظلّ هذا الانفتاح السياسي، والإرادة الحقيقية لمأسسة العمل البرلمانيّ واستعادة الثقة بمؤسّسات الدولة المختلفة ومؤسّسات المجتمع المدني لدى المواطنين، حتى تسهّل مهمّة الوصول إلى تقبّلٍ شعبيٍّ ونخبوي لفكرة الحكومة البرلمانيّة، وتجد لها الداعمين من الأطياف كافة.

ومن أجل التطوير على كلّ الأصعدة وإجراء الإصلاحات من دون اشتراط الحكومات البرلمانية، وعلى رأس تلك المطالبات يجب على الحكومة ومن خلال التشريعات الناظمة للحياة السياسيّة إلغاء كل القيود على الممارسة الحزبية حتى نتمكّن من الحصول على أحزابٍ برامجيّةٍ حقيقيّةٍ قادرةٍ على استلام زمام المبادرة. وأخيراً لا بدّ من تعديلاتٍ جوهريّة في قانون الانتخاب بحيث يتضمّن توسيع الدوائر الانتخابية بهدف تشكيل تكتّلاتٍ وطنيّةٍ قد تكون الأحزاب محورها الأساسيّ.

 

محمد علوش: ابتداءً من المشاكل الاقتصادية سعادة النائب، هل هي أزمة فساد، أزمة إدارة تعيشها البلاد، أم أنها أزمة موارد، بحيث أنّ البلاد تحتاج دائماً إلى مساعدات خارجية لإنقاذها من التفاقم في المشاكل الاقتصادية؟

 

طارق سامي خوري: لا أعلم، الصوت انقطع من عندي.

 

محمد علوش: صوتك واضح.

 

طارق سامي خوري: كنّا نتحدّث صفقة القرن، لا أعرف ماذا جرى حتى انتقلنا إلى هذا الموضوع.

 

محمد علوش: هو ضمن صفقة القرن، سنأتي على ذِكرها بالتفصيل، لكن أردنا انطلاقاً من التقرير أن نسلّط الضوء على آلية من آليات الضغط على الأردن كما يقول البعض، وهو من البوابة الاقتصادية، فنسأل هنا، هل هناك أزمة اقتصادية في البلاد أساساً؟ هل هي ناتجة من فساد إداري وسياسي داخلي، أم أنّ البلاد تفتقر إلى الموارد، ما يجعلها دائماً بحاجة إلى المساعدات التي تأتي غالباً مع إملاءات خارجية؟

 

طارق سامي خوري: بالتأكيد هذا الكلام صحيح. الإملاءات الخارجية مربوطة بالمساعدات، وهذا أمر واقعي للأسف الشديد، وحتى حلفاؤنا، نحن حلفاؤنا مع كل الخدمات التي يقدّمها لهم الأردن، وأخصّ بالذكر السعودية والأميركان، لكن ما زالت مديونية الأردن تتصاعد، وهذا بالتأكيد أمر يعجبهم، وأمر هم يسعون إليه، أن يبقى الأردن بحاجة إلى الحلفاء.

الآن بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي، هو سيّىء لأكثر من سبب، جزء منه الفساد، جزء بسيط، لكن الجزء الأهم أنّ الأردن دولة لا توجد فيها أيّة موارد رئيسية طبيعية لرفد ميزانية الدولة، فالموضوع الآن أصبح سيّئاً جداً، وأصبح هناك استياء شعبي من الحلفاء بشكل كبير جداً، أنّ حلفاء الأردن يضغطون علينا بزيادة وزيادة حتى نبقى محتاجين لهم، ونستمر بتنفيذ طلباتهم. والآن في الأردن هناك ضغوطات باتجاه الحكومة لفتح حدود أخرى مع حلفاء جدد، موضوع حلفاء سوريا في الحرب على سوريا، الإيرانيون والروس أعطوا مثلاً حياً ما معنى التحالفات وما معنى الحلفاء، وكيف يقف الحلفاء مع بعضهم بعضاً، فهذان المثلان، حلفاؤنا السعوديون والأميركان، وحلفاء سوريا الإيرانيون والروس، تركوا عند الشعب الأردني حالاً من الوعي، أنهم شاهدوا حلفاء هنا وحلفاء هناك، حلفاؤنا يضغطون علينا، ويزيدون وضعهم سوءاً، بينما حلفاء السوريين يريحونهم ويدافعون عنهم.

 

محمد علوش: سعادة النائب، نريد أن نفهم لأنّ الأمر يتردّد في الإعلام، لكن كيف يتمّ الضغط؟ ما الآليات؟ ما الأدلّة الملموسة التي تؤكّد بالفعل أنّ هناك ضغطاً سعودياً على سبيل المثال على الموقف الأردني لتوجيهه باتجاه معيّن في القضايا المصيرية، منها صفقة القرن، العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، العلاقة مع تركيا، العلاقة مع إسرائيل؟ هل هناك أدلّة ملموسة لديكم في البرلمان تؤكّد بالفعل أنّ ضغطاً سعودياً يُمارَس؟

 

طارق سامي خوري: الموضوع لا يحتاج إلى أدلّة ملموسة، التحليل واضح، والمشهد واضح، حتى في فترة من الفترات، حلفاء الأردن السياسيون كانوا يعملون ضدّ موضوع الوصاية الهاشمية على المقدّسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، في القدس، فواضح أنّ العلاقة يشوبها الخلل، وواضح أنّ الضغط على الأردن لأنّ المديونية التي وصلنا إليها، ولم نرَ أياً من هذه الدول تقف إلى جانب الأردن بشكل رئيسي أو قوي، حتى الدعم الأخير الذي جاء من السعودية ومن قطر ومن الإمارات ومن الكويت كان على شكل ودائع، وكان على شكل مساعدات، فالمشهد واضح جداً، بأنّ حلفاء الأردن، السعودية والأميركان، يضغطون على الأردن للقبول بالكثير من الأمور، وكما تفضّلت في بداية حديثك، موقف الملك وموقف الرئيس الفلسطيني كان متقدّماً في ما يتعلق بقضية صفقة القرن، وحتى قضية نقل السفارة الأميركية إلى القدس، هذا الموقف كان متقدّماً جداً في هذا الشأن، وهذا ربما أزعج الحلفاء الأميركان والسعوديين، لأنهم كما تعلم غايتهم هي التطبيع وغايتهم هي إنهاء هذا الخلاف أو حتى يوجد تطبيع، لكن زيادة التطبيع بالشكل الذي يُرضي الكيان الصهيوني ويُرضي السعودية ويُرضي الأميركان.

 

محمد علوش: طبعاً موقف الملك، خاصة في قمة إسطنبول، قمة التعاون الإسلامي التي كانت تناقش في إسطنبول، موضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وأيضاً ما يترتب على ذلك من بوادر لتطبيق صفقة القرن، الموقف الأردني كان سقفه عالياً بالفعل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل الشعور الأردني أنّ هذه الصفقة هي قد تلاشت الآن بعد فترة من طرحها، أم أنها ما زالت قائمة، والخطر بالنسبة للأردن، أقصد هنا حكومةً وبرلماناً باعتباركم جزءاً من البرلمان، مطروحة للنقاش داخلياً وكيفية مواجهتها؟

 

طارق سامي خوري: نحن صفقة القرن، أنا أقول لك، صفقة القرن تحتاج إلى أب، ولن يكون في صفقة القرن، هناك دولتان معنيتان هما الأردن وفلسطين، وغير ذلك هو وَهْم. إذا فكّرت السعودية أن تكون العرّاب لهذه الصفقة، أو مصر، فهذا أمر مستحيل، لأننا نتحدّث عن فلسطين وفلسطينيي الداخل، وعن الأردن الذي يضمّ أكبر عدد من الفلسطينيين في المنطقة المحيطة بفلسطين، وصفقة القرن أنا برأيي بدأت خطواتها. صفقة القرن هي ليست اتفاقية ينتظرون تطبيقها، لا. نقل السفارة الأميركية إلى القدس جزء من صفقة القرن، المستوطنات في داخل القدس وبناء المستوطنات بالأريحية التي تتمّ في الواقع الحالي جزء من صفقة القرن، الحدود والمعابر الحدودية مع الدول المحيطة أيضاً جزء من صفقة القرن. فصفقة القرن تطبَّق بشكل أو بآخر بتكتيك عالٍ، لكن الآن دورنا الوقوف ضدّ هذه الإجراءات.

موضوع نقل السفارة أنا برأيي جزء من صفقة القرن والوقوف ضدّه كان إيجابياً، موضوع المستوطنات في القدس وفي كل فلسطين، أيضاً هذا جزء من صفقة القرن، ويجب أن نقف ضدّ هذه المستوطنات. أنت لاحظ، مؤخّراً الكيان الصهيوني يبني المستوطنات ويتحدّث في المستوطنات ولم يعد هناك حتى ضجّة عالمية، كان العالم دائماً ضدّ بناء المستوطنات، كل العالم بشكل عام، لكن الآن هذه المستوطنات هي جزء من صفقة القرن وهي تُطبَّق. أنا برأيي صفقة القرن تسير بشكل أو بآخر، لكن دورنا كدول وكشعوب أن نقف ضدّ تطبيق هذه الصفقة بالشكل الذي يمارسه الكيان الصهيوني والأميركان. الأميركان يتحدّثون عنها بصوت عالٍ لكن هي في الحقيقة، أنا برأيي بدأت تسير.

 

محمد علوش: وجدنا إلى حد ما تمايزاً في الموقف الأردني عن الموقف الفلسطيني رغم أنّ الحال كانت موحّدة لجهة رفض صفقة القرن، وهو الأمر الذي كان مرتبطاً بموضوع الدولة الفلسطينية. كان المشروع المطروح أميركياً بحسب ما سرّبه الرئيس عباس وهو دمج الضفة الغربية مع الأردن ضمن كونفدرالية واحدة، كان الموقف الأردني إلى حد ما فيه نوع من الغضب، يظهر من خلال تصريح الملك آنذاك.

هل هذا تمّ النقاش بين الأردنيين والفلسطينيين في ما بعد؟ وأيضاً كيف يقارب الأردن هذه المسألة لجهة العلاقة مع الفلسطينيين من ناحية، ولجهة الضغط الأميركي من ناحية أخرى؟

 

طارق سامي خوري: موضوع الكونفدرالية أنا تحدّثت به شخصياً في جلسة بيني وبين الرئيس الفلسطيني لمدة ساعة ونصف الساعة، والرئيس الفلسطيني أعلن وأنا أعلنت بعد لقائي معه أنه لم يتحدّث عن كونفدرالية، هو قال إنّ الأميركان عرضوا عليه كونفدرالية، وكان جوابه واضحاً وصريحاً بأنّ الكونفدرالية بحاجة إلى دولتين، والآن لا يوجد اعتراف بالدولة الفلسطينية. الأردن دولة قائمة، فيجب الاعتراف بالدولة الفلسطينية بداية كي نتمكن أو كي يكون موضوع الكونفدرالية موضوعاً منطقياً للطرح، فهذا الموضوع أبداً لم يصدر من الرئيس الفلسطيني، وحتى على لسانه، قال لي، بلّغ وانشر الحديث الذي دار بيننا، أنني أنا لم أتحدّث عن كونفدرالية، لكن بعض الصحافيين الذين زاروني أخذوا جزءاً مجتزأ من الحديث، أنه طرح عليّ من الأميركان، لكن أنا حتى هذه اللحظة وسأبقى أقول، قبل وجود دولة فلسطينية من المبكر الحديث عن كونفدرالية مع الأردن، مع تأكيده على أنّ الشعبين شعب واحد، وأنه ليس لديه مشكلة في أيّ وقت من الأوقات، بعد الاعتراف بدولة فلسطين، أن تكون هناك فدرالية أو كونفدرالية مع الأردن، وهو حتى بحديثه قال أنا متنازل عن كل المناصب وتكون الأردن هي القائمة ونحن ليس لدينا مشكلة أن تكون الأردن هي القائمة على الأردن وعلى فلسطين.

 

محمد علوش: طبعاً ربطاً بصفقة القرن، وفي العلاقة بين إسرائيل والأردن، في صحيفة الرأي الأردنية يتحدّث فايز الفايز عن دعوة الشارع الأردني إلى عدم تجديد اتفاقية وادي عربة مع إسرائيل بسبب الإجحاف الذي ألحقته الاتفاقية بالأراضي الأردنية. نشاهد معاً.

 

الرأي الأردنية: الأرض أردنية والمالك يهودي، فايز الفايز

نقترب اليوم من نهاية الاتفاقية الخاصة بأراضي الباقورة في الملحق الأول من اتفاقية وادي عربة المؤشَّر عليها بالقسم الثاني ب، حيث أنها كانت موضع خلاف طويل ما بين الأردن والاحتلال الإسرائيلي منذ قيام دولة الكيان الإسرائيلي، فقد قامت قوات الجيش الأردني بالسيطرة على تلك الأرض البالغة مساحتها ستة آلاف دونم في آذار (مارس) 1948، وبقيت حتى عام 1950 حين احتلتها القوات الإسرائيلية، رغم أنها واقعة خلف خط الهدنة الذي تم الاتفاق عليه دولياً، وجعلته أمراً واقعاً، واليوم يطالب الشارع الأردني بعدم التجديد لاتفاقية وادي عربة التي وقّعها عبد السلام المجالي عام 1994.

المجالي الذي خرج خلال شهرين بتصريحاتٍ تصف الأرض بأنها مُباعة لليهود بحسب وثائق محكمة أربد، وهذا خبرٌ جيّدٌ يثبت أنّ الأرض أردنيّة، قبل قيام إسرائيل كدولة، ما يوجب أن تعاد سيادتنا على أرضنا حتى ولو كان مالكها غير أردني، وكذلك "الغمر" إذ لا تحتاج سوى إلى قرار سيادي لأنها غير مُباعة بل إنها مستوطنات زراعية منحت حق الزراعة والسكن المؤقت فقط.

فإسرائيل لا تريد أية مصالح لا تخدمها قرب حدودها، والفلسطينيون غير قادرين على إدارة شؤونهم العامة، والأردن عالق بين الصخور المتساقطة من جبال العرب، ولهذا علينا أن نستغلّ الفرصة لإعادة سيادة الدولة، فالأرض أردنية والمالك لا يزال يهودياً ميتاً لا إسرائيلياً محتلاً.

 

محمد علوش: سعادة النائب، ابتداءً، بصفتكم نائباً في البرلمان، هل أنتم مع تجديد هذه الاتفاقية، اتفاقية وادي عربة مع إسرائيل؟

 

طارق سامي خوري: تقصد ملحق اتفاقية وادي عربة حول الباقورة والغمر؟

 

محمد علوش: لا شكّ.

 

طارق سامي خوري: نعم، بالتأكيد، ضدّ، وكلّ الشعب الأردني ضدّ، وأنا برأيي الحكومة الأردنية ستأخذ قراراً، حسب مشاهدتي ومتابعتي للواقع، سيكون إيجابياً بعدم تمديد هذه الاتفاقية. هناك شيء يجب أن نميّزه بين الملكية والسيادة، أنت تعرف قصة هذه الأرض، أعطيت لروتنبرغ في كهرباء فلسطين عام 1926، حين كان الانتداب البريطاني موجوداً في الأردن، وهو الذي منح هذا الحق لشركة كهرباء فلسطين على أساس تركيب مولّدات لتزويد منطقة الغور الأردني والغور الفلسطيني بالكهرباء. الآن هذا الموضوع لا أريد الدخول بتفاصيله وحقيقته والمشهد بتفاصيله.

 

محمد علوش: لماذا؟ هو حسّاس سياسياً؟

 

طارق سامي خوري: لا، ليس حسّاساً، بالعكس، أنا لا يهمّني. أنا ما يهمّني أنها أرض أردنية، في النهاية السيادة يجب أن تكون عليها أردنية، أياً كان المالك. حتى في السنوات الـ 25 الماضية، ملحق اتفاقية وادي عربة، كان يجب أن تكون السيادة أردنية لأنها جزء من الأرض الأردنية، ومن المعيب أن نتنازل عن أرض أردنية وسيادة على أرض أردنية، لأنّ مالكها والله غير أردني. لا، السيادة يجب أن تكون أردنية وتابعة للأردن أمنياً وحتى في الجمارك وحتى في المياه.

 

محمد علوش: هل الإشكالية في بعض التفسيرات لهذه الاتفاقية؟ الاتفاقية موقّعة كمعاهدة سلام، لكن هل هناك تباين في التفسيرات، أقلّه لناحية الأردن، لأنه من فترة إلى أخرى نسمع أصواتاً أردنية ممتعِضة أساساً من تطبيقات هذه الاتفاقية أو من التزام إسرائيل بها؟

 

طارق سامي خوري: كل اتفاقية وادي عربة أنا برأيي هي اتفاقية ذلّ واتفاقية عار ولم تجلب إلا الويل للشعب الأردني، لم تفد الشعب الأردني ولا بواحد في المئة، ولا قدّمت للشعب كما وعدوا في ذلك الوقت الحكومة أو من وقّع هذه الاتفاقية للشعب الأردني. هي كذبة كبرى، والسلام أنا برأيي مع هذا العدو مستحيل، ولا يمكن أن يكون هناك، إلا إذا سلّم هذا العدو بحق هذه الأمّة في الحياة.

لكن الموضوع، ما أقوله إنّ اتفاقية وادي عربة بداية مرفوضة بالنسبة لي ولأغلبية الشعب الأردني، أو شعبياً جملة وتفصيلاً، كانت هناك ملحقات سرّية للاتفاقية لم تُنشَر في حينه. موضوع الباقورة والغمر كانت اتفاقية سرّية بين الجانب الأردني والكيان الصهيوني لهذه الأراضي، وتمديد إيجار هذه الأراضي، أو حتى عقد جديد للتأجير لمدة 25 سنة. الآن العقد بقيت له خمسة أو ستة أيام، والأردن أنا برأيي، وأنا متفائل أو متأكّد بنسبة 90 في المئة، أنه لن يمدّد هذ الاتفاقية، وستعود السيادة على هذه الأرض الأردنية إلى الأردن. الآن تفاصيل من المستأجر، من المالك، أنا في النهاية يهمني أن تعود هذه الأردن إلى السيادة الأردنية كخطوة أولى.

 

محمد علوش: عفواً سعادة النائب، لأنّ الموضوع هنا قانوني، لا أدري، نريد بعض المُعطيات حوله، تجديد هذه الملحقات هل هو منوط بالبرلمان أم بالحكومة أم بالملك؟

 

طارق سامي خوري: لا، هذه منوطة بالحكومة. تجديد الاتفاقية منوط بالحكومة، ولكن أنا برأيي وبالتأكيد سيكون القرار النهائي للملك، لجلالة الملك. لا يمكن اتخاذ قرار بشأن كهذا من دون العودة إليه، ولكن أنا أقول لك، لن تُمدَّد الاتفاقية حسب متابعتي وحسب تحليلي للمشهد.

 

محمد علوش: أليس من الغريب أن تكون هذه المعاهدة موقّعة من حوالى 25 سنة، وطبعاً نتحدّث عن اتفاق وادي عربة في التسعينات، لكن في ما يتعلق بالملاحق، لماذا كانت سرّية ولماذا غابت عن الشعب الأردني؟ ما الفائدة التي كانت ترجوها الحكومة الأردنية من وجود ملاحق سرّية في اتفاق كان يُعتبَر بمثابة احتفال دولي آنذاك؟

 

طارق سامي خوري: هو إخفاء على الشعب الأردني بالتأكيد وعلى البرلمان الأردني، لأنّ أيّة اتفاقية تؤثّر على الأردن أو على الاقتصاد الأردني يجب أن تُعرَض على مجلس النواب، واتفاقية وادي عربة في ذلك الوقت عُرِضت على مجلس النواب، بشكلها، من دون الملاحق. لذلك أنا برأيي كان هناك إخفاء للحقائق في ذلك الوقت، إخفاء لبعض الحقائق التي ظهر منها الآن اتفاقية الباقورة والغمر، ولا نعلم إذا كانت هناك اتفاقيات أخرى، لكن واضح جداً أنّ هذه الاتفاقية لم يكن يعلم بها الشعب الأردني إلا لاحقاً، أي بعد توقيع الاتفاقية بدأت تظهر هذه الحقائق. لكن أنا أؤكّد وأقول إنّ كل الشعب الأردني، واضح حتى إذا تابعت وسائل التواصل الاجتماعي الأردنية، الكل ضدّ التمديد لهذه الاتفاقية، والشعب الأردني أنا برأيي أدّى دوره الرئيسي في هذا الشأن، وسيكون الجواب من أصحاب القرار في الأردن إيجابياً.

 

محمد علوش: إذا كان المزاج الأردني الشعبي هو رافض لهذه الاتفاقية ويدعو إلى تعديلها أو حتى إلى إلغائها، ألا يُعتبَر ذلك بمثابة ورقة ضغط تملكها الحكومة أو يملكها الملك لمواجهة صفقة القرن، بمعنى أن يهدّد بالتوقف عن التعامل مع هذه الاتفاقية أو بإنهائها كلية إذا ما استمر طرح نقاش صفقة العصر باعتبارها مهدّدة لكيان الدولة الأردنية؟

 

طارق سامي خوري: أولاً اتفاقية وادي عربة لا تمثل الشعب الأردني نهائياً، لا تمثل على الأقلّ 95 في المئة من الشعب الأردني، لا أريد أن أقول 100 في المئة. هي اتفاقية حكومية أنا برأيي، بين حكومة الكيان الصهيوني والحكومة الأردنية، أو الدولة الأردنية والكيان الصهيوني، لكن بالتأكيد منذ ذلك الوقت، منذ عقد هذه الاتفاقية إلى اليوم، كل الشعب الأردني، 95 في المئة من الشعب الأردني غير راضٍ عنها. نحن كلنا نعلم هذه الأمور كيف تمّت، وكيف كان الضغط العالمي باتجاهها، وكيف حصل التطبيع في هذا الشأن، فموضوع الاتفاقية إذا ربطتها شعبياً، أنا برأيي ليس لها أيّة موافقة أو أيّ قبول شعبي.

لكن صحيح كلامك، أن الضغط الشعبي يؤثّر، والآن رأينا أنّ الضغط الشعبي سيؤثّر على موضوع الباقورة والغمر، وأنا أتمنّى أن تُلغى اتفاقية وادي عربة كلها. لكن أنا برأيي ليس بالسهل، تحتاج إلى عمل، تحتاج إلى عمل جماعي، تحتاج إلى عمل برلماني، ويجب أن نصل إلى يوم من الأيام نلغي. التهديد بهذه الاتفاقية، أنا برأيي الحكومة التي تريد العمل في السياسة وفي الضغط، وتعتبر أننا أصحاب القرار في الأردن ونحن الشعب يسير معنا، من المفترض أن تمارس الضغط بهذه الاتفاقية بما يتعلق بصفقة القرن، وحتى بما يتعلق بجزء من صفقة القرن وهو نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

 

محمد علوش: كلّ الشكر والتقدير لك سعادة النائب في البرلمان الأردني طارق سامي خوري.

كما نشكركم مشاهدينا لحُسن المتابعة، وإلى اللقاء.