فقهاء التزوير

من الذنوب الكبيرة التي نهى عنها الشرع الإسلامي تجيير الفتاوى و الأحكام الشرعية للطغاة و الظلمة , و إقحام الإسلام بما يمثله من طهر و نقاء و صفاء في معادلة خدمة السياسة و الأسوء منها على وجه التحديد ..و فقهاء الدم و التزوير الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ليسوا حالة راهنة اليوم فقط رأيناهم و قرأنا فتاويهم مع حركة التدمير الممنهج للبلاد العربية.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

من الذنوب الكبيرة التي نهى عنها الشرع الإسلامي تجيير الفتاوى والأحكام الشرعية للطغاة والظلَمة، وإقحام الإسلام بما يمثله من طهرٍ ونقاءٍ وصفاءٍ في معادلة خدمة السياسة، والأسوأ منها على وجه التحديد.

وفقهاء الدم والتزوير الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنّهم يُحسنون صنعاً، ليسوا حالة راهنة اليوم فقط، رأيناهم وقرأنا فتاويهم مع حركة التدمير المُمنهج للبلاد العربية، بل هم حال في التاريخ أيضاً، حيث كانوا أحصنة ومطايا بني أميّة وبني العباس، وكثير من المُجرمين الذين حكموا باسم الإسلام في التاريخ.

فقهاء التزوير أبطال التديّن المغشوش صنّاع الفتاوى حسب الدنانير والذهب والفضة والعقارات والأراضي. أكبر جنايةٍ اقترفوها أنّهم حرّفوا الدين عن مساره وجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، بل سيّروا الملاك شيطاناً والشيطان ملاكاً. قال تعالى "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا".

بالأمس القريب، أفتى علماء السعودية وغيرهم بكفر الحُكّام العرب، ودعوا من خلال منابر يوم الحجّ الأكبر والجمعة عليهم بالهلاك والتدمير، ودعوا على جيوشهم ودولهم وأنظمتهم، والحمد لله أننا أحياءُ، وسمعنا خطبهم، وشهدنا وسمعنا فتاواهم في فضائيّات الفتن والتكفير، وهم نفس الفقهاء الذين أثنوا على وليّ أمرهم، واعتبروه متخلّقاً ومجدِّداً وربّانياً وصائناً للملّة، وقد اتّهمه العالم كله بتقطيع أوصال صحافيٍ دخل إلى حرمٍ دبلوماسيّ من أجل أمرٍ يتعلق بإخراج وثائق.

وأحد الذين كفّروا سابقاً حكّام العرب إلا دونالد ترامب طبعاً، والذي اعتبره داعية سلامٍ عالميّ، قال بعد الفضيحة المدوّية بقتل الصحافي السعودي، إنّ أيّة محاولاتٍ للتهديد وإجهاض التجديد هي محاولاتٌ يائسة وستنعكس سلباً على الأمن والسلام والاستقرار، وبلادنا المباركة ستظلّ رائدةً، شامخةً، وترديد الاتهامات والشائعات والحملات الإعلامية المُغرضة لن يثنيها عن التمسّك بمبادئها وثوابتها، مُعتمدةً في ذلك على الله وحده ثم على حكمة قادتها وتلاحم أبنائها، فهي الكفيلة بإذن الله لمواجهة المزاعم الباطلة والمحاولات الفاشلة والتاريخ خير شاهد على ذلك، كما قال صاحب القول.

فقهاء التزوير عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور محمود سعيد ممدوح الباحث والمُحقّق الكبير، ومن الأردن الحبيب الشيخ والعالم الفاضل مصطفى أبو رمان.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاُ.

 

كتاب "الدولة والدين في الاجتماع العربي والإسلامي" تأليف الدكتور عبد الإله بلقزيز:

يقول الكاتب في الصفحة 40، يختلف الأمر في المملكة العربية السعودية كثيراً. ليس الملك فيها إماماً يمتلك سلطة دينية، لكن الدولة السعودية قامت منذ النشأة على التحالف بين الأمير والشيخ، بين السيف والدعوة، وبين الأسرة السعودية والحركة الوهّابية.

لقد تبادلا التسويغ والتمكين حيث مكّنت الدعوة الوهّابية المشروع السعودي التوحيدي في الجزيرة من شرعيته الدينية، ومكّنت الدولة المؤسّسة الوهّابية من السيرورة مؤسّسة رسمية ذات السلطان في الشؤون العامة.

وكان على الدولة أن تراعي باستمرار هذا التحالف الذي هو في صلب تكوينها، فتكيّف سياساتها مع مطالب المؤسّسة الدينية ومعاييرها، ولم يتغيّر الأمر حتى حينما دخلت الدولة طور التحديث الاقتصادي والاجتماعي منذ منتصف القرن الماضي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، دعني أتوقّف قليلاً عند ولاة الأمور، وهو المُصطلح الذي تردّد كثيراً في تاريخ فكرنا الإسلاميّ وفقهنا وأصولنا، واشتبه علينا الأمر، قد يكون وليّ الأمر فاسقاً، زنديقاً، يبيع الأمّة برمّتها للكيان العبري والولايات المتحدة الأميركية، ويظلّ ولّياً صالحاً.

حبذا لو نحدّد مَن هم ولاة الأمور الذين عناهم الله في قرآنه، "أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم"، قال منكم، يعني من جنس صلاحكم، من سنخ فلاحكم.

ماذا تقول في ذلك سماحة الدكتور محمود؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الأكرمين ورضي الله عن أصحابه وعن التابعين وبعد.

فإن أولياء الأمور في الشريعة الإسلامية لهم شروطٌ وضوابط، وهذه الشروط والضوابط مبيّنة ولله الحمد في كتب الفقه الإسلامي جميعاً، باختلاف المذاهب، ما بين سنّة وشيعة وغير ذلك، وهي تدور حول أن وليّ الأمر ينبغي أن يكون عدلاً، لا يرتكب الكبائر ولا يصرّ على الصغائر.

الأمر الثاني أن يكون عالماً قد وصل إلى مرتبة الاجتهاد، الأمر الثالث أن يكون قائماً، أو يستطيع أن يقوم بأمور الدنيا مع أمور الدين فهذه الأمور في غاية الأهمية، وهي شروط، شروط ينبغي أن يعتني بها المسلمون، وهي مدوّنة في كتب الفقه جميعاً.

فلا ينبغي أن يتولّى على المسلمين إنسانٌ تختلف فيه هذه الشروط، ثمّ بعد ذلك المذاهب الإسلاميّة تختلف، فمنهم من يشترط أن يكون الإمام من آل البيت، ومنهم من يشترط أن يكون قرشياً، ومنهم لا يشترط ذلك، ولكنّهم يجتمعون عند هذه الثلاث، أن يكون عدلاً، عالِماً وصل إلى مرتبة الاجتهاد، أن يستطيع أن يُدير أمور المسلمين على معرفةٍ وعلى بصيرة، وبمصطلح أهل العصر، يكون عالِماً بعلوم العصر. هذا هو الذي يستطيع أن يقود الأمّة الإسلامية، وهو يأتي عن طريق الشورى، وإذا وقع أو انتفى أي شرط من هذه الشروط ينبغي عليه أن يرحل، لأنّ هذه المعاهدة تكون بين المسلمين وبين الذي يقوم بأمرهم.

والحقيقة هذا الأمر، أمرٌ رعاه المسلمون إلى حدٍ ما، إلى حدٍ ما، خاصة بعض المذاهب الإسلامية رعت ذلك مراعاة كبيرة جداً، ومذاهب أخرى تفاوتت فيها هذه الأمور، ولكن في ضعف المسلمين الذي حدث في القرنين الأخيرين، حدث تحوّل كبير في حياة المسلمين الفكريّة، فإذا سلّطنا الأمور باعتبار نحن نتكلم على الأحداث السريعة المعاصرة الآن، نجد ما حصل بين الشيخ محمّد بن عبد الوهاب وبين محمّد ابن سعود الكبير، الذي كان في الدرعية، وحصل بينهما اتفاق سنة 1157. بموجب هذا الاتفاق، كان محمّد ابن سعود مسيطراً على هذه البلاد ويقوم بالسيطرة عليها ويأخذ أموالاً من الناس أو نحو ذلك، وجاءه محمّد ابن عبد الوهاب، وقال له، أنا أمكّنك من الناس الذين حولك بطريقةٍ، قال ما هي، قال تنصر دعوتي وأمكّن لك هذا الأمر.

فمحمّد ابن عبد الوهاب تنازل له، تنازل لمحمّد ابن سعود، ومحمّد ابن سعود لم يكن من العلماء، وكان يُعتبَر في حُكم الخارجين عن الدولة العثمانية الإسلامية. ففي ذلك الوقت محمّد ابن عبد الوهاب قال له، أنت تحكم، والأمور الشرعية تكون معي، فهنا حدثت مشكلة كبيرة جداً، هي مشكلة ماذا؟ ليس فصل السلطة أو فصل الإمامة أو الخلافة أو الرئاسة أو الزعامة عن الأمور الدينية فقط، أو عن الأمور الشرعية فقط، لا، ولكن جعل الأمور الشرعية في المرتبة الثانية، بحيث أصبح الحُكم في المرتبة الأولى، ثمّ بعد ذلك الأمور الشرعيّة في المرتبة الثانية. هنا أصبح العلماء تابعين للحُكّام، وهذا استمرّ إلى وقتنا هذا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، نعم، وما ذكرته أورده أيضاً الدكتور عبد الإله بلقزيز في كتابه "الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي"، إذ يقول في الصفحة 40 "يختلف الأمر في المملكة العربية السعودية كثيراً، ليس الملك فيها إماماً يمتلك سلطة دينية لكن الدولة السعودية قامت منذ النشأة على التحالف بين الأمير والشيخ، بين السيف والدعوة، الأسرة السعودية والحركة الوهّابية، لقد تبادلا التسويغ والتمكين تماماً". هذا يلخّص ما ذكرته.

دعني أمضي إلى الأردن الحبيب من فضلك. سماحة الشيخ مصطفى أبو رمّان، في الوقت القريب، كنّا نرى أئمة الحرمين يصعدون المنابر، فيدعون على حُكّامٍ عرب، اللّهم اهلك نسلهم وحرثهم وزنّم نساءهم ورمّل نساءهم ويتّم أولادهم، وتُذكَر مجموعة من الدول ومجموعة من الحكّام العرب. لكن عندما تعلّق الأمر بوليّ أمر السعودية، واتهمه العالم كله بإصدار فتوى لذبح صحافي في قنصليةٍ دبلوماسيّةٍ في تركيا، كلّ هؤلاء العلماء الذين كفّروا الحكام برأوا وليّ الأمر واعتبروه مجدِّداً، حكيماً، رائداً، بريئاً وما إلى ذلك.

أليس هذا تزويراً وقع أمام مرأى عيوننا؟ إن التاريخ وقع فيه تزوير كثير ولم نكُ شهوداً عليه، لكن التزوير اليوم يقع أمام أبصارنا وأسماعنا وحواسنا المئة وليس الخمس؟

 

مصطفى أبو رمان: نعم يا سيّدي، أولاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيّدنا ومولانا محمّد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيّبين الطاهرين وأصحابه المتّقين المنتجبين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله سيّدي الدكتور يحيى، وشكراً لك للاستضافة، وحيا الله شيخنا الدكتور محمود، ومرحباً بكم. الله يعطيك الصحة والعافية شيخنا.

مولاي إذا سمحت لي بمقدّمة عن التزوير الذي نراه اليوم وعلى مرّ التاريخ. التزوير اصطلاحاً هو تصوير الشيء أو تزينه على غير حقيقته، وهو من باب الكذب، واصطلاحاً هو تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والله عزّ وجل ذكر الزور في كتابه، فقال سبحانه وتعالى "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور".

ومن صفات المؤمنين، والذين لا يشهدون الزور، والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم جعل الزور من أكبر الكبائر، إذ قال عليه الصلاة والسلام "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"، قالوا "بلى يا رسول الله"، قال "الشرك بالله وعقوق الوالدين"، ثم جلس وكان متكئاً، "ألا وقول الزور ألا وقول الزور حتى قلنا يا ليته سكت". فكما لا تُقبَل شهادة شاهد الزور والكاذب فكيف بمَن يكذب على الله عزّ وجل، ويكذب على رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والنبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر، قال "من قال عليّ ما لم أقل"، وفي رواية "من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار".

لماذا هؤلاء يدعون على حكّام العرب، وهذه أيضاً من أعظم شهادات الافتراء بدعائهم أو بأحكامهم أو بفتاويهم على حكّام العرب أنهم كفرة، زندقة، خارجون، ملحدون، إلى غير ذلك من أوصاف، فيدعون عليهم فيوغرون صدور المؤمنين على حكّامهم، ولكن حُكّامهم مبرَّؤون من هذه الاتهامات، لماذا؟ لأن هناك غاية ومقصداً، يريدون تفتيت هذه الدول العربية فيبدأون بقادتها ثم بجيوشها ثم بمذاهبها، فيكفّرون مذاهبهم ويكفّرون جيوشهم ويكفّرون قادتهم، والدعاء على حُكّام العرب، كما سمعتم وكما قلتم دكتورنا العزيز، في خطبهم وفي الحج خاصة، يدعون على هؤلاء الحكّام، لفقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، وعندما نصل إلى هذه الدرجة في الدول العربية، رأينا ماذا حدث في ليبيا، واليمن، وسوريا، ولكن سوريا صمدت أمام هذه الفتاوى، وبقي التلاحم ما بين القيادة والشعب والجيش، حتى اندحر الإرهاب وانتصرت سوريا، ولكن في بلاد أخرى نرى إلى الآن ما هي النتائج التي حدثت من وراء تكفير الحُكّام حتى كان إما مقتلهم أو نفيهم أو إلى غير ذلك.

إذاً هذا المنهج الذي ينتهجونه في الدعاء والأحكام والفتاوى هو مصلحة صهيونية أميركية، من لم يفهم هذا فهو بعيدٌ كلّ البُعد عن فهم مقاصد هؤلاء العلماء الذي كما قال فضيلة الشيخ محمود جزاه الله خيراً، أنّه اتفاقٌ سياسيٌ ديني، سياسيٌ سعودي وديني وهّابي لإضفاء الشرعية على هذه السياسة، وذلك لغرس ما نراه من نتائج، من تفتيت وتشتيت وتمزيق للأمّة، وفقد الثقة بين قيادتها، بين القيادة والشعب والمجتمعات، وإضفاء الشرعية على دولتهم وحجبها عن غيرهم، ثمّ لزجّ الشباب في أتون الحروب ضدّ حكامهم وجيوشهم، وهذه قد حصلت بدءاً بأفغانستان ثم انتقلنا إلى الدول العربية بما يُسمّى بالربيع، كذلك إضعاف جيوش هذه الدول العربيّة، بحيث أنها لا تستطيع أن تقاوم عدوها الأول، وتنشغل بالداخل حتى لا تنشغل بعدونا الأول الذي هو اغتصب فلسطين واغتصب القدس الشريف واغتصب المُقدّسات التي هي الآن في أيدي أعدائنا الأوائل، وهي قضيتنا الأولى قبل أن تكون قضيتنا في داخل الدول العربيّة.

لهذا سيّدي، الدعاء لوليّ أمرهم وإضفاء الشرعية على جرائمهم هو اتفاقٌ قديم بين عبد الوهاب وآل سعود كما ذكر الدكتور، فلا يستمرّ الحُكم إلا بهذه الحال، سياسة سعودية بدينٍ وهّابي، فقادتهم وأمراؤهم كما وصف إمام الحرم محدثون، ملهمون، طموح، مجددون إلى غير ذلك من أوصاف، وغيرهم زنادقة، كفرة، ملحدون، فهل يعي الآن المجتمع العربي في خارج السعودية، على الأقل في دولنا، في الأردن، في سوريا، في لبنان، في العراق، هل يعي هذا المخطط الذي أرادوا منه إضعاف وتفتيت وتشتيت الدول العربية وتمزيقها حتى لا تكون قوّةً أمام العدو الأول المتربّص بنا، ونحن أمامنا الآن، من هذا الجانب يا سيّدي نحن بحاجة إلى أن نعود إلى الفهم في دين الله عزّ وجلّ، في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى لا نبقى مع هذا الاتجاه.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى، شكراً جزيلاً لك على هذا التوضيح كما أشكر الدكتور محمود، ولعلّ الدكتور علي الوردي في كتابه "وُعّاظ السلاطين" كان دقيقاً في تشخيص ماهية وُعّاظ السلاطين الذين كانوا بالفعل حصان طروادة لكل الانهيارات الكبرى في تاريخنا العربي والإسلاميّ.

مشاهدينا فاصل قصير ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

كتاب "وعّاظ السلاطين" للدكتور علي الوردي:

تناول الوردي في عمله هذا نقداً بيّناً لوُعّاظ السلاطين الذين يقولون ما لا يفعلون، مستنداً بذلك إلى أن الطغاة والحُكّام المُستبدّين وجدوا ما يبحثون عنه في كيفية إلهاء رعاياهم وتخويفهم، حيث أن دولة الظلم هي الدولة الحاكمة والسائدة، وقد كان انتقاد الوردي في منأى بعيد عن نقد الدين، لكنه كان يستهدف بهذا النقد الذين تستّروا بلباس الدين وتاجروا به كسلاحٍ لتحقيق مطامعهم ومصالح الطبقات الحاكمة.

ويسرد الوردي أنّ الشعوب القديمة تترسّخ في أذهانهم معتقدات خاطئة تدور حول أن الإنسان عاقل وحر ويجب إتباع المنطق المجرّد حتى يسير في الطريق الصحيح.

ومن هذا المنطلق بدأ الوعّاظ بالإكثار من النصائح الإرشادية اعتقاداً منهم بدورها الفعّال في تغيير الطبيعة البشرية، ولكنها أتت بنتائج عديمة الجدوى والفائدة والأهم من ذلك نفاقهم البيّن في منهج الوعظ المُتبّع، حيث اعتادوا تقديم الوعظ والنصح للمظلومين وترك الظالمين ومن هذا المنطلق اتخذهم الحكّام والمُستبدون كسلاحٍ لتحقيق مطامعهم ومصالح الطبقات الحاكمة.

ويسرد الوردي أن الشعوب القديمة تترسّخ في أذهانهم معتقدات خاطئة تدور حول أن الإنسان عاقل وحر ويجب اتّباع المنطق المجرّد حتى يسير في الطريق الصحيح.

ومن هذا المنطلق، بدأ الوُعّاظ بالإكثار من النصائح الإرشادية، اعتقاداً منهم بدورها الفعّال في تغيير الطبيعة البشرية، ولكنها أتت بنتائج عديمة الجدوى والفائدة، والأهمّ من ذلك نفاقهم البيّن في منهج الوعظ المتبّع، حيث اعتادوا تقديم الوعظ والنُصح للمظلومين وترك الظالمين. ومن هذا المنطلق، اتّخذهم الحكّام والمُستبدّون كسلاحٍ ووسيلة ضد البشرية لإنذارهم من عذاب الآخرة.

وطبقاً للعديد من الأبحاث التي أجراها الوردي في هذا المجال، تبيّن له أنّ العرب هم من أكثر الشعوب حباً وإيماناً بالوعظ والنصائح، وأنّ الوُعّاظ والشعراء والكتّاب الذين تقع على عواتقهم مسؤولية تنظيف نفوس البشرية من عوامل الحقد والأنانية والنفاق، هم أنفسهم بحاجةٍ إلى التخلّص من هذه الأمراض والضغينة، لأنهم أكثر أنانية ونفاقاً، وعليهم التغيير بدءاً بأنفسهم أولاً، حيث أنّ طبيعة الإنسان في مجملها لا تتغيّر إلا بتغيير الظروف المحيطة، محاولات العِلم الحديث للتعرّف على الظروف والدوافع التي تؤثّر في تفكير الأشخاص، العِلم الحديث يحاول جاهداً التعرّف على العوامل الرئيسية، والظروف التي تكمن وتؤثر في تفكير الأشخاص والعمل على إصلاحها.

وعلى الجانب الآخر يستمر الوعّاظ في الجدل في مسائل تاريخية عقيمة ومواضيع لا علاقة لها بممارسات الإنسان اليومية والتي عفا الزمن عليها، حيث اعتاد وُعّاظ السلاطين إسناد التفسّخ الاجتماعي الذي تعاني منه الأمّة إلى سوء الأخلاق، ويعتبرون الإصلاح الخلقيّ أمراً ميسوراً.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "دولة الفقهاء" لنبيل فاسيو:

إن الناظر في مؤلفات فقهاء السياسة الشرعية وفي التراث السنّي على وجه التخصيص كالموردي في كتابه "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، والجويني في مؤلفه "غياث الأمم في اتياس الظلم"، وأبي على الفراء المعاصر للموردي وابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" يجدهم يبتدرون في مطلع مؤلفاتهم إلى تعريف الإمامة بما هي منصب الغاية منه حفظ الدين والذّب عنه.

يُعرّف الموردي الإمامة قائلاً "الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمّة واجب بالإجماع، وإن شذّ عنهم الأعصب". ويُعرّفها الجويني بما هي "رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا".

إن القاسم المشترك ين التعريفين تشديدهما على الإمامة باعتبارها منصباً دينياً بدليل إجماع السلف الصالح، إذ يجب على الخليفة أو الإمام حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمّة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحُجّة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل والأمّة ممنوعة من زلل لا مريا.

إذاً إنّ مفتتح الخلافة ومختتمها هما صون الدين من الواقع ومتغيراته الطارئة التي لم يعرف الدين الإسلاميّ لها نظيراً. بهذا المعنى على الخليفة أو من يحل محله من الفقهاء عند الاقتضاء أن يستعيد لحظة البدء العظيمة كما تجلّت مع النبي والخلفاء الراشدين، مجتهداً في النوازل وما استُحدِث من ظواهر. غير أنّ الاجتهاد ها هنا لا يخرج عن المنظومة الحاكمة للنص، أي القواطع الشرعية الثلاثة، نصٌ في كتاب الله تعالى لا يتطرّق إليه التأويل، وخبرٌ متواترٌ عن الرسول الأكرم لا يعارض إمكان الزلل روايته ونقله.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديدٍ. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع فقهاء التزوير، وما أكثرهم قديماً وراهناً ويقيناً مستقبلاً.

سماحة الدكتور محمود، التظاهر في بلادنا محرَّمٌ شرعا، وفي سوريا جائز، في الجزائر ما شاء الله يوصل إلى الجنّة، في الأردن الله الله يرضي الله ورسوله، في مصر إنه الدرب الموصل إلى الفردوس الأعلى.

العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة محرَّمة شرعاً، لكن ضد الجيش العربي السوري، الجيش الأردني، الجيش اللبناني، الجيش المصري، الجيش الجزائري، فهو من الأسباب التي تقرّب إلى الله زُلفى وهكذا دواليك. حاكمنا جليلٌ، صحابيٌ، مقدامٌ، امتدادٌ لله وللصحابة والرسول والتابعين، وحُكّام العرب كُفّارٌ، زنادقة، يجوز قطع أوصالهم.

إلى متى يظلّ الإسلام في الأسر؟

 

محمود ممدوح: أولاً يا سيّدي، الإسلام ليس في الأسر، الإسلام في دين الله، ولكنّ المسلمين هم المستضعَفون. أما الإسلام دين الله سبحانه وتعالى، فهو الدين الكامل، "اليوم أكملت لكم دينكم"، فالإسلام ليس في الأسر أبداً.

موضوع العلماء المزوّرين أو الوعّاظ أو جُلساء السلطان، هذا أمر قديم ومعروف ومذكور في تاريخنا. كانوا حول يزيد وحول أبو جعفر المنصور وحول الحجّاج بن يوسف الثقفي، ومعروف عندنا، الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما كان في اليمن، كان مع الإمام يحيى ابن عبد الله الكامل ابن الحسن المثنى، ابن الحسن السبط عليهم السلام، ثمّ نُقِل بتهمة التشيع للعلويين، إلى هارون الرشيد، وقُتِل كلّ أصحاب الشافعي الذين كان معهم، وكان رجلٌ هناك عند هارون الرشيد هو محمّد ابن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، وتشفّع للشافعي وحصلت مناقشة بين الشافعي وهارون الرشيد، فعفا هارون الرشيد عن الشافعي، وعاش الشافعي في بغداد، تاريخ طويل فهؤلاء العلماء في مجالس السلطان، هذا أمر طويل، وللأسف هناك عددٌ كبيرٌ من العلماء الذين أكبرناهم وأكرمناهم، وأنزلنا عليهم صفات وألقاباً عظيمة جداً، وهم قاموا بأدوار كبيرة، مع الحجّاج ابن يوسف وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد، في وقت المذابح الكبرى التي أقيمت لآل البيت، كان هناك في مجالس هؤلاء الناس وعّاظ وعلماء وشيوخ وجُلساء، مع المتوكل الذي حرث قبر الإمام الحسين، وثم الدولة الإسلامية عندما حصل لها ضعف كبير، الدولة العثمانية، حصل هناك تغيّر، الشريعة الإسلامية كانت هي الأولى، كانت الرقم واحد، ثم بعد ذلك نزلت وجاء الحُكّام. كما قلنا في علاقة محمّد ابن سعود بمحمّد ابن عبد الوهاب، وعلاقة محمّد علي وأولاده بالأزهر الشريف وهم الذين تولّوا الإنفاق والإشراف وتعيين شيخ الأزهر، وكذلك في المغرب عندما تنازل السلطان العلوي عبد الحفيظ الفاسي للحماية الفرنسية سنة 1912، كل هذا ساعد على رجوع الشريعة الإسلامية وتقدّم غير الشريعة الإسلامية إلى المركز الأول.

إذا كان كذلك، فهؤلاء الحُكّام يحتاجون للسيطرة، فكيف يسيطرون؟ يسيطرون بقوّةٍ ومن ضمن هذه القوّة السيطرة العقلية على الناس، والسيطرة العقلية على الناس تأتي غالباً من هؤلاء العلماء، ما بقي هؤلاء، بقي العلماء هؤلاء والمشايخ عند هذه السلطة، فهم لن يتغيّروا، بل بالعكس هم يغيّرونهم ويطوّرونهم في مؤسّسات جديدة، ويستغنون عن مؤسّساتنا العظيمة الجليلة التي لها قرون طويلة في تاريخنا الإسلامي، هؤلاء العلماء طوّروهم رغم أن هؤلاء كانوا معهم في حروب، ووقفوا. إذا أتينا بمثل صغير، كان عبد العزيز آل سعود والد حكام الآن كان عنده جماعة من البدو الغطغط والأرتواية وهؤلاء يقفون معه ويحاربون معه، وهو أرسل شيخاً من شيوخه العلماء إلى كل جماعة من هؤلاء، وكان هؤلاء يحثّونهم على قتال المسلمين وضرب المسلمين إلى آخر ما أخذوا جداً وانتصر عبد العزيز على دولة الأشراف.

كان من أكابر الذين ساعدوا عبد العزيز الشيخ الفقيه الحنبلي محمّد ابن إبراهيم آل الشيخ، هو مفتي المملكة، فماذا نتصوّر من إنسان مثل هذا ومن أشكاله ومن أمثاله، أن يقفوا مع المسلمين؟ هو يقف مع الدولة التي هو وقف معها، وساعدها، وأنشأها، وهكذا.

فهؤلاء القوم موجودون ولن يتغيّروا، لماذا؟ لأنّ هناك مؤسّسات أنشئت لكي تنشئ هذا الجيل من العلماء، الجامعات تخرّج أناساً على هذه الصفة، مجمع فقهي هنا يخرّج أناساً على هذه الصفة، وهؤلاء مرتبطون ارتباطاً كبيراً بالوظيفة، لأنّ هناك ليس أوقاف مسلمين ولا يوجد الخُمس الذي يحمي علماء المسلمين، فالعالِم مرتبط بالحاكم عن طريق الوظيفة، وعن طريق المرتب، وعن طريق الأعطيات، وعن طريق هذه الأشياء، فماذا سيفعل؟ لن يستطيع أن يخرج من هذه البوتقة، بالإضافة إلى أنّ هناك أخطاء في مناهجنا العلمية. من هذه الأخطاء دخول أو إدخال الفروع في الأصول. نحن الآن مثلا في مذهب المتكلّمين عندنا العقائد مرتكزة على ثلاث: الإلهيات، والنبوات، والسمعيات، أدخلوا فيها فروعاً، من هذه الفروع فضل مكّة، فضل المدينة، الصلاة خلف كل بار وفاجِر ومسائل الصحابة والصحبة وهكذا، ومنها عدم الخروج على الحكام وطاعة الحكام وهذه الأشياء، فالذي يدرس هذه المناهج يظنّ أنّ هذه من العقائد ويسير خلفها، ويقف مع الظالمين ويؤيّدهم وينصرهم، ويظنّ أنّ هذه عقيدة، وهذا خلاف المنهج الإسلامي الصحيح.

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور محمود، من فضلك، في هذه النقطة فقط، دعني أدخِل حيويّة على النقاش من خلال الشيخ مصطفى أيضاً.

شيخ مصطفى، كما ذكر الدكتور محمود، هنالك منطلقات أو ما نسميه نحن المباني الفقهية والأصولية. أنا أعرف أنّ المباني الفقهية والأصولية هي واحدة، مثلما تُسقِطها على هذه الجغرافية تُسقِطها على هذه الجغرافية. لماذا التزم علماء الحجاز بأنّ حُكّامهم، ولاة أمورهم عدول، أئمة، خدمة للإسلام والمسلمين، فيما الحكام الآخرون كفرة. لماذا لا يستخدمون نفس المقاييس ويسقطونها على الآخرين؟

هل الشرع مجزّأ؟ هل دين الله صار أدياناً؟ هل الإسلام صار إسلامات؟

على أيّ الأسس يعتمدون؟

 

مصطفى أبو رمان: نعم يا سيّدي جزاك الله خيراً، وكما قال الشيخ محمود في كلامه، آل الشيخ إلى اليوم هم حماة الإسلام وحراس العقيدة، وغيرهم حُكّاماً وعلماءً وصوفية وشيعة وكل الفرق، هي فرقٌ ضالّة، منحرفة، بعضها وصل إلى الزندقة وإلى الإلحاد أو الشرك أو غير ذلك من المسمّيات، ولهذا عندما نتكلم عن علماء السعودية خصوصاً، هم يتبنّون مذهباً أسِّس لهذه الغاية يا سيّدي، أسِّس لهذه الغاية. الآن لو جئنا نقول حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم "الدين النصيحة"، قالوا لمَن يا رسول الله، قال "لأئمة المسلمين وعامّتهم". هل يقبلون النصيحة؟ من اعتاد على الظلم وقسا قلبه ورأى أنه والرب وهو السيّد وهو الحاكِم أنى له أن يقبل النصيحة أو يقبل الآخر؟ هم يصادرون الآخر، يلغون الآخر، الآخر لا وجود له عندهم. لهذا عندما نذهب، الآن الشباب بين ما ذهب إليه السلف، يقول نريد فهم السلف، وآخرون يقولون التأصيل في اتباع الكتاب والسنّة وبعض بين التأصيل والولاية السياسية، الحاكمية لله، الطامة الكبرى كانت بمدرسة دُعاة السلفية هؤلاء، طاعة وليّ الأمر، وتجاوزوا ذلك بإصدار هذه الفتاوى السلطانيّة، ومدح وليّ الأمر على أنه معصوم، كما قلنا قبل قليل أنه شابٌ طموحٌ، محدَّثٌ، ملهم، لهذا على مدى 14 قرناً، وُجِدت هذه الفتاوى ولكن اليوم نعاصرها ونراها ونسمعها وهذا هو الذي أسِّس له ليكون كذلك.

لهذا يا سيّدي، حول هذه النقطة بالذات، عندما يكون وليّ الأمر إلى هذه الدرجة من العصمة، وهذا العالِم لا يرى عِلم غيره، ولا يرى فقه غيره، ولا شريعة غيره، ولا منهج غير ولا مذهب غيره.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى، فلنبقَ في المصداق الأخير. ما جرى في تركيا حيث اغتيال صحافي، اختلفنا معه أم توافقنا، نحن ضدّ اغتيال الكلمة بالمُطلق، نحن مع حرية التعبير بالمُطلق، لكن هي أول عملية أمنية في التاريخ تتمّ على الهواء مباشرة، والقاصي والداني قالا إنّ وليّ العهد متورّط في قتل هذا الرجل الذي يُسمّى جمال خاشقجي، والعالم كله اعترف، فيأتي شيخٌ أو فقيه من الحَرَمين ويقول لا، وليّ الأمر ملهم، محدّثٌ، باسلٌ، وما إلى ذلك.

على أي أساس شرعي؟ كيف يلقى الله تعالى؟ إن لم يتمكّن، إن لم يكُ شجاعاً، يصمت، أحسن له، أما أن يبرّئ القاتل ويقول له لا، أحسنت، حتى يوغِل في القتل أكثر، فتلك لعمر ثالثة الأثافي.

 

مصطفى أبو رمان: هذه الطامّة الكبرى يا سيّدي، لو سمحت لي، يقول ربيعة بن عبد الرحمن "في جامع بيان العِلم لابن عبد البر"، يقول ولبعض مَن يفتي ها هنا أحق بالسجن من السرّاق، هذا المشوّه لهذه الصورة أحق بالقتل والقصاص، هذا العالم الذي يعطيك هذه الصورة التزينية لقاتل، مثلاً سواء كان هذا أو غيره، نتكلّم بشكل عام، لا يجوز لنا أن نكون شهداء زور، ولا أهلاً لمثل هذه الفتوى ولا لهذا التزيين، ولا لهذا التحسين أمام القبح الذي نراه. لهذا لا يجوز لا شرعاً ولا عقلاً ولا منطقاً ولا بأيّة حال من الأحوال أن تجعل من إنسان هو متهَم، أن تجعله بريئاً، وأكثر من ذلك، أن تجعله طموحاً ومجدّداً ومحدّثاً كما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إن في أمّتي لمحدثين فإن يكن منهم محدث فعُمر.

للأسف الشديد جداً، هل وصل هذا إلى درجة عُمر ابن الخطاب أو علي ابن أبي طالب الذي هو باب مدينة العِلم؟ يجعلونهم كالأنبياء والأولياء والأوصياء وإلى غير ذلك، لهذا على العالِم أن يتّقي الله عزّ وجل، فكلمته تضلّ العالم، تضلّ البشرية وتضلّ الأمّة، ولهذا أصبحت هذه الفتاوى هي التي أساءت إلى الإسلام والمسلمين، أصبح هذا الدين بهذه الفتاوى وبهذا التزوير الذي نراه اليوم، أطلق عليه لقب الإرهاب المتشدّد إلى غير ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى، حتى لا يقولوا لنا، أنتم مثلنا، نحن وأمام الله تعالى لا نخشى في الله لومة لائِم، وأنا شخصياً أوجّه نصيحة لكل حُكّام العرب في المغرب العربي والمشرق العربي وخط طنجة جاكرتا، اتّقوا الله في شعوبكم، اتّقوا الله في عباد الله، إياكم أن تلوذوا بالظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، ولا نحابي أحداً، كائناً من كان.

فليقفوا هذا الموقف، يقولون للجميع، لا أن يكفّروا حاكماً ويقولون وليّ أمرنا ملاك، معصوم، لا يقترف الجريرة، فذلك لعمري تزوير كبير.

من هنا دكتور محمود، نحن زورنا التاريخ للأسف الشديد، أهل البيت على سبيل المثال ذُبحوا تذبيحاً، قُطّعوا تقطيعاً، أحرِقت خيامهم، جالوا في الأوطان من وطن إلى وطن بحثاً عن وطن، ويأتي من المؤرّخين، من الفقهاء ومنهم ابن تيمية، أنّ يزيد إبن معاوية اجتهد وأخطأ له أجر واحد، مثلما وليّ الأمر في السعودية اجتهد في تقطيع الخاشقجي إلى 15 قطعة، له أجر واحد، لو أنه لم يقطّعه ربما له أجران، ولو كانت العملية غير مكشوفة لكان له ثلاثة أجور. هذا تزوير، من الحسين إلى يومنا هذا ونحن نلقّن الجماهير الإسلامية تاريخاً مزوّراً.

 

محمود ممدوح: يا سيّدي الحقيقة، ليس كل التاريخ مزوّراً، ولكن هناك شخصيات ووقائع حصل فيها أخطاء، هي ليست مزوّرة، هي مكتوبة ولكننا لُقنّا ألا نقرأها قراءة صحيحة. مثلاً، أيّ كتابٍ في التاريخ هو يذكر أنّ أبا جعفر المنصور الدوانيقي أدخل عبد الله الكامل، الإمام ابن الإمام ابن الإمام ابن الإمام أدخله السجن، ومات هو وكثيرون من آل الحسن في السجن، كان معاصراً للإمام مالك ابن أنس، وهو الذي ذبح محمّد النفس الزكية، وهشام ابن مروان ابن الحكم هو الذي ذبح زيد ابن علي ابن الحسين، وهكذا، فكلّ كتب التاريخ، ولكن لنا في قراءتنا لا ننتبه لهذا ولا ننتبه لذاك.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

محمود ممدوح: أبو جعفر المنصور الذي فعل هذه الأفاعيل، التاريخ شاهدٌ عليه، وهناك من أهل العِلم من كتب قصائد كثيرة في مدحه، وهو الذي ذبح آل البيت، والذي قتل الحسن، بل مروان ابن الحكم، أحاديثه في كتب الصحاح، ابنه عبد الملك ابن مروان، عبد الملك بن مروان كان شديداً، من سيّئاته الحجّاج ابن يوسف الثقفي، حديثه موجود أو قضاؤه، قضاء عبد الملك ابن مروان ابن الحكم موجود في كتاب هو أقدم كتاب من كتب السنّة بين أيدينا.

هذا كله موجود، ولكن يحتاج إلى شيء من التعقّل وإلى شيء من الفَهم. أنا لا أرى أنّ التاريخ قد زُوّر، ولكن في توجيه للناس، وجّهوا الناس لكي يقرأوا التاريخ بطريقة معينة ويتركوا طرقاً أخرى صحيحة وربما هي أصحّ. نحن نريد أن نقرأ التاريخ كاملاً، ونطّلع عليه بنفسيات طيبة وننفتح على جميع المسلمين، بعيداً عن العصبية، بعيداً عن المذهبية، بعيداً عن الطائفية، بعيداً عن كل ما يمنع المسلم من أخيه المسلم.

إذا قرأنا هذا سنعرف من هذا الذي جاء لكي يتسلّط على المسلمين، من جاء بهذا الرجل الذي يدّعون أنه صحابي جليل وكذا وكذا، وأبطل الشورى، وأبطل الخلافة الراشدة، وجاء بها، وهكذا. التاريخ موجود، أنا رأيي أنه لم يزوَّر، ولكن استُبعِدت بعض الحوادث ولكن موجودة في كتب أخرى، ونحن لو نظرنا سنجد هذا.

هناك ملاحظة صغيرة يا سيّدي الدكتور يحيى، أنتم قلتم علماء الحجاز، الذين يصدرون هذه الفتاوى ليسوا هم علماء الحجاز، الذين يصدرون هذه الفتاوى التكفيرية هم علماء وسط الجزيرة العربية وهم معروفون، أما علماء الحجاز أنا الحقيقة كنت هناك وجلست فترة طويلة وترجمت لأكثرهم، هم علماءٌ صوفيّون، محبّون، مستسلمون، بعيدون كل البُعد عن فتاوى التكفير وأسال الله أن يهدي المسلمين جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، لله ذرّك، لله ذرّك، صدقاً هنالك العديد من العلماء المتصوّفة العارفين، الشوافعة أيضاً، علماء الشافعية، ما أرقاهم فكراً، ما أعلاهم أصولاً، ما أدّقهم في المباني الفقهية والأصولية، والمصيبة أن التيار النجدي غطّى عليهم وحال دون.

 

محمود ممدوح: غطّى عليهم، هم أعلم منهم، علماء.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أعلم منهم بكثير، وأحفظ لكتاب الله وأدقّ، لكن سبحان الله، البضاعة النجدية هكذا، وهنا أسأل شيخ مصطفى أبو رمان.

شيخ مصطفى، درج المسلمون أيام الحجّ الأكبر مساكين والله، المسلمون يقترضون، يبيعون أثاثهم للحج،ّ يذهبون إلى الحجّ لأداء الشعائر، ثم يسمعون الخطيب يوم عرفة اللّهم عليك بالرافضة، اللّهم عليك بالمتصوّفة، اللّهم عليك بهؤلاء، اللّهم. متى تنتهي هذه اللهجة القاسية الباغية البغيضة؟ متى يدعون إلى الحبّ، إلى التلاقي بين المسلمين؟

حتى اليوم، وليّ أمرهم قتل مواطناً سعودياً ويقولون الفرس المجوس وراء العملية، كيف؟ ربّك أعلم.

 

محمود ممدوح: لا إله إلا الله، هذا لا ينبغي إطلاقاً، إنسان أخطأ يعترف بخطئه، وإذا اعترف بخطئه فالشريعة الإسلامية فوق الجميع وسيف الشريعة فوق الجميع، وهذا أمر واجب لكن الإنسان من أجل مركزه ومن أجل وضعه يستثنى ويضر قسم كبير من المسلمين من أجله، هذا لا ينبغي، يتوب إلى الله ويستغفر الله، ويقول أنا أخطأت.

 

يحيى أبو زكريا: هذا لا ينبغي، يجب أن يرفع المسلمون أصواتهم، هذا لا ينبغي. شيخ مصطفى أبو رمّان، طبعاً يقيناً ستوافق الدكتور محمود على ما ذهب إليه، يهمّني اختصاراً الشيخ حسن فرحان المالكي واحد من كبار المُحققين.

 

مصطفى أبو رمان: الذي كنت أودّ أن أتحدّث عنه.

 

يحيى أبو زكريا: موجود في السجن في السعودية، أنا أدعو الملك سلمان إلى إطلاق سراحه، هذا مواطن، تفضّل، اعتبر يا ملك السعودية، هذا إبلاغ من يحيى أبو زكريا بوجود الشيخ حسن فرحان المالكي في السجن قبل أن يُقطَّع. ماذا تقول شيخ مصطفى؟

 

مصطفى أبو رمان: نعم يا سيّدي، الشيخ حسن فرحان المالكي وكما ذكر الشيخ محمود قبل قليل إن علماء الحجاز هم هؤلاء الشافعية والصوفية وأتباع المذاهب الأربعة وغيرهم أيضاً، جميعهم رجالٌ عدولٌ مسلمون بالغون عاقلون سالمون من ارتكاب الكبائر، غير مصرّين على الصغائر، هؤلاء يُتّهَمون بالشرك والكفر والزندقة فيُزجّ بهم في السجون، ومنهم فرج الله كربه وفك أسره وأحسن خلاصه الشيخ حسن فرحان المالكي، وتذكرون كان رحمه الله تعالى السيّد محمد علو المالكي قد حُكِم عليه بالإعدام في فترة من الفترات رحمه الله تعالى، ولولا أنّ الله عزّ وجل أنقذه من ذلك رحمه الله تعالى، وكثير من العلماء، رأينا كما أعدم الشيخ نمر وغيره.

 

يحيى أبو زكريا: الشيخ مصطفى أبو رمان انتهى الوقت، إلى حلقات مقبلة إذا أطال الله في أعمارنا. شيوخنا الأفاضل، أساتذتنا الأعزّاء.

 

مصطفى أبو رمان: ثوانٍ يا سيّدي، ثوانٍ فقط.

 

يحي أبو زكريا: تفضّل شيخ مصطفى.

 

مصطفى أبو رمان: لنواجه فقه التزوير بالتنوير، لنواجه فقه التزوير بالتنوير، بالعِلم، باليقين، بالعقل، ترك الصنميّة والتقليد، للعودة لكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة الحبيب المصطفى وطريق الأولياء والصالحين والأئمة المعصومين، والسلام عليكم. شكراً لكم سيّدي.

 

يحيى أبو زكريا: جزاكما الله خير الجزاء وبارك الله في عِلمكما وتقواكما وما أحوج الأمّة إلى عمائم مثل عمائمكم، أطال الله أعماركم الشريفة وكل الأحرار والشرفاء.

الشيخ مصطفى أبو رمان من الأردن الحبيب شكراً جزيلاً لك. الدكتور محمود سعيد ممدوح من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

التمكين للاختراق الفكري

وقع الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى عقد تدشين شراكة استثنائية بين رابطة العالم الإسلامي ومعهد توني بلير للتغيير العالمي. وسيكون هذا التعاون موجها لجيل الشباب في خط طنجة – جاكرتا وفي غير العالم العربي والإسلامي, وسيقوم معهد توني بلير للتغيير العالمي بتقديم برنامج تعليمي عالمي لتزويد أكثر من 100 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا في أكثر من 18 دولة حول العالم بمهارات التفكير الناقد والحوار الّذي سيمكّنُهم من مواجهة تحديات فرص المستقبل، إضافة إلى ذلك سيعمل البرنامج من خلال شبكات المدارس وشركاء التعليم حول العالم لتدريب أكثر من 2400 معلم على مهارات الحوار مثل: التفكير الناقد، والاستماع النشط، والتّواصل العالمي والسؤال: كيف تعتمد رابطة العالم الإسلامي على برمجة عقول الشباب بالإستعانة بتوني بلير الذي دمر العراق وأساء إلى فلسطين ولعب أكبر الأدوار في العالم الإسلامي لصناعة الأكاذيب التي مهدت للغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان وغيرهما.

المزيد