الاختراق الصهيوني للخليج

 

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

تتنافس القيادات العربية الرسمية التي عجزت عن إذابة الخلافات في ما بينها على الجهر بحبها العذري والفاحش للدولة العبريّة التي لم تتغير قيد أنملةٍ، وما زالت محافِظةً قلباً وقالباً على ثوابتها كما مُتغيراتها.

وبدأ الرسميون الصهاينة يكشفون عن العلاقات السرّية والعلنية بينهم وبين مجمل العواصم العربية، وتحديداً مع عواصم الخليج التي صارت حجّاً لكبار المسؤولين الصهاينة.

وكانت الدول الخليجية تكذب على شعوبها صباحاً مساءً، ففي النهار تدّعي أنّها مع القضية الفلسطينية والقضايا العربية، وفي الليل مع الدولة العبرية صديقةً وحليفةً.

وفي الوقت الذي يبلّغ فيه الكيان الصهيوني شعبه اليهوديّ بحركته الدبلوماسية باتجاه العواصم العربيّة، فإنّ هذه الدول العربيّة كانت تخفي عن شعوبها، ليس هذه المعلومات فحسب، بل تُخفي عنها كل شيء، وتعتبر أنّ الحديث عن الطقس يندرج في سياق الأمن القومي.

وتتصوّر القيادات العربية الآيلة إلى السقوط أنّ الشعوب العربيّة لا تعرف شيئاً عن هذه العلاقات السرّية والودّية مع الكيان العبريّ، وهذه القيادات التي رفعت من سقف ودّها للكيان الصهيوني باتت في حكم المُتعرية.

والتطوّر البسيط الذي حدث في مشهد العلاقات العبريّة - العربية هو أنّ المُصافحات والقبل واللقاءات السرّية باتت تتمّ في العَلن، وقبالة مصوّرات الديجيتال الرقمية الدقيقة، والتي لا تبقي مجالاً للشكّ في أنّ هذا المسؤول العربي وذاك، وهو يبتسم للمسؤول الإسرائيلي، إنما يفعل ذلك من أعماق قلبه ونخاعه الشوكي، وكأنه بذلك قد حقّق نصراً لسياسة بلاده على الصعيد الدولي. كيف لا والرضا الأميركي يحاز عليه من بوابة تل أبيب التي أصبحت وبعد الإصرار العربي والخليجي على التطبيع مع الكيان الصهيوني، أصبحت تل أبيب تل حبيب.

والزحف الصهيوني باتجاه دول الخليج أعاد طرح الأسئلة حول توجّهات هذه الجغرافية النفطية التي كانت على الدوام في خدمة أميركا، وليس في خدمة القضية الفلسطينية. وهذه الدول التي كانت بعيدة عن جغرافية الصراع والسخونة ارتضت لنفسها أن تكون عرّاب صفقة العار وصفقة الشنار المعروفة بصفقة القرن، وكان الأولى أن تظل صامتة أقلاً ولا تتاجر في أرض لا تملكها.

إنّ وجود بنيامين نتانياهو في عواصم الخليج هو سقوطٌ مُريع للدول الخليجية، ففلسطين هي الشرف، ففلسطين هي الشرف، ومن باع فلسطين هو يقيناً بلا شرف، وبلا شرف، وبلا شرف. نقولها ثلاثةً حتى تظلّ راسخةً في جبين من ألقى السمع، وهو شهيد.

الاختراق الصهيوني للخليج عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة المفكّر العربي الدكتور رفعت سيّد أحمد رئيس مركز يافا للدراسات الفلسطينية، وأيضاً باحث في شؤون الجماعات الإسلامية، وله الكثير من الكتب والدراسات، ومن الجزائر الحبيبة الشيخ جلول حجيمي رئيس نقابة الأئمّة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب"اليهود في الخليج" للكاتب يوسف المطيري:

كتاب بقلم يوسف المطيري هو في الأصل رسالة علمية وأكاديمية نال عليها الباحث درجة الماجستير في جامعة الكويت في حزيران (يونيو) من عام 2011. ويمثل هذا الكتاب جزءاً من التاريخ المسكوت عنه والمتعلّق بتاريخ الأقلية اليهودية في منطقة الخليج في العصر الحديث، إما بشكل عفوي أو متعمّد.

ويتناول هذا الكتاب تاريخ استقرار الأقلية اليهودية في منطقة الخليج في العصر الحديث وأنشطتها الاقتصادية وحياتها الاجتماعية وعلاقتها بالسكان المحليين والسلطات المحلية والأجنبية، وبالحركة الصهيونية وبالكيان الصهيوني إسرائيل، يهدف من خلاله الكاتب إلى كشف بعض جوانب الغموض والقصور في تاريخ هذه المنطقة وفي تاريخ هذه الأقلية التي كانت وما زالت تُثير الكثير من التساؤلات.

يقدّم الباحث في هذا الكتاب عرضاً موثّقاً عن تاريخ اليهود في الخليج خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين. الكتاب مقسَّمٌ إلى عدّة أبواب وكل باب يتناول موضوعاً مُعيّناً، وتحت كل باب توجد تقسيمات فرعية لكل دولة من دول الخليج.

يتتبع الباحث وجود اليهود في الخليج، مُقدّماً نبذة مفصّلة عن أصولهم وأماكن وجودهم والمِهن التي امتهنوها، إضافة إلى توثيق بعض الأسماء البارزة من العوائل اليهودية التي لعبت دوراً في الخليج.

فوجئت ببعض المعلومات التي وثّقها الباحث في الكتاب كوجود مقبرة لليهود في الأحساء مثلاً. الكتاب إضافة ممتازة لأيّ قارئ مهتمّ بالتاريخ، فعلى عكس المعلومات الكثيرة عن المسيحية وحملات التبشير في المنطقة، فإن المعلومات عن تاريخ اليهود كما ذكر الباحث المطيري تكاد تكون معدومة لعدّة أسباب.

استقى الباحث معلوماته من مصادر عديدة من ضمنها مقابلات مع بعض اليهود الذين سكنوا المنطقة، ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رفعت، نبدأ معك. الدول الخليجية بعيدة جغرافياً عن الصراع، عن السخونة، هي ليست من دول الطوق، وقد حباها الله بغنى، قادرٌ هذا الغنى أن يجعلها مستقلّة، سيّدة، ذات قرار مكين.

لماذا تهرول باتجاه الصهاينة، والأسوأ من ذلك، أنها صارت تدعو نتانياهو لكي يحجّ إلى عواصم الخليج؟ ما الذي دهاها دكتور رفعت؟

 

رفعت سيّد أحمد: مساء الخير دكتور، وتحياتي لك ولضيفك العزيز وللسادة المشاهدين.

في تقديري، كما أشرت في مقدّمتك المعبّرة والقوية، ما كان تحت المنضدة الآن أصبح فوقها، وما كان تحت المنضدة الخليجية كان كثيراً، كان كثير من المياه يجري تحت هذه الأسقف أو هذه المنضدات، وكانت تجري منذ الخمسينات ومنذ الستينات وكتبنا كثيراً عنها وكتب غيرنا، ولكن لم تكن الأمور مقنعة للرأي العام العربي مثلما كانت الحجّة الأخيرة في هذا العام على وجه الخصوص لنتانياهو كما أسميتها، وكثير من الحجّات لوزيرة الرياضة ووزير الاتصالات وغيرهم من المسؤولين الصهاينة إلى الخليج.

فما كان تحت هذه المنضدة ظهر الآن، أما السبب، ففي تقديري، السبب الرئيس الذي يروّج له بعض الكُتّاب المحايدين أن إيران كعدو مشترك بات الآن العداء معها يحتاج إلى اصطفاف بلا خجل، واصطفاف خليجي إسرائيلي بلا خجل، هذا ما تطرحه وجهة نظر ربما مُحايدة، وربما تحاول أن تفسّر أو تجد تفسيراً، لكنني أضيف عليها أنّ جينات الخيانة وجينات التعامل مع الكيان الصهيوني مرتكزة وقوية ومشكّلة أساسية في شخصية كثير من حُكّام مشيخيات الخليج، منذ سنوات طويلة، ولم تكن تحتاج إلى عدو مشترك هو إيران. هؤلاء ليسوا مشغولين بفلسطين كما مشغول الدكتور يحيى أبو زكريا مثلاً ولا غيره من المُخلصين من كُتّابنا ومن إعلاميينا ومن مسؤولينا.

منذ البداية، كانت فلسطين لديهم وسيلة لاكتساب تعاطف شعبي، ووسيلة لاكتساب بعض الشرعية. الآن لم تعد تشغلهم القضية الفلسطينية كثيراً، وأصبحت هذه الوسيلة لا قيمة لها، لا أهمية لها بالنسبة إليهم، وأصبح الفُجر في التعبير عمّا يجيش في القلوب أو في جيناتهم الأصلية، أصبح هو المعبر الرئيسي. هؤلاء منذ البداية كان ملكهم بإرادة أميركية ومن ثم بإرادة إسرائيلية، ومن هنا عبّروا عن الحقيقة، وليس مجرد تعبير ظرفي مرتبط بصراعات ساخنة حدثت مع إيران أو ستحدث مع إيران بعد ذلك.

وفي تقديري الشخصي، أنّ التفسير المباشر أنّ هؤلاء منذ البداية، وكما سنُظهِر في الحلقة، منذ البداية هم يتعاونون مع إسرائيل، هناك علاقات دافئة مع الكيان الصهيوني منذ سنوات طويلة، الآن عبّروا عنها بوضوح، لماذا؟ لأن القلب امتلأ، امتلأت الأمور حتى آخرها فيعبّرون عن أنفسهم.

منذ البداية هؤلاء لا فلسطين لديهم أولا، الكيان الصهيوني هو الحاضر في عقولهم وعروشهم، أما الذي يسري في الرأي العام فهو أن هناك مُتغيّرات تتصل بصفقة القرن وما أدراك ما صفقة القرن، وبالطبع العداء مع إيران، ولكن في تقديري الشخصي أن السبب الرئيس هو سبب كامن في ركائز هذا المُلك الخليجي، هو كامن في أميركيتهم ومن ثم إسرئيليتهم، فلا جديد هنا في هذه الصدمة النفسية التي ظهرت عندما جاء نتانياهو أو جاء غيره من الوزراء الصهاينة.

 

يحيى أبو زكريا: وكأنّه من حُسن الحظّ أن ينتقل السيّد مكاوي إلى رحمته تعالى، لأنّه لو عاد لن يردّد نهائياً، الأرض تتكلّم عربي، سيقول الأرض تتكلّم عبري والخليج يتكلّم عبري.

شيخ جلول، في منظور الوطنية والعروبة، تكلّم مفصّلاً الدكتور رفعت. ماذا في منظور الشرع؟ لطالما كانت البلاطات الخليجية محاطة بفقهاء، فقهاء الريال، الدولار، الفتاوى الجاهزة على مقاس الحُكّام الذين استخدموا فتاواهم في تفجير الأوطان وتدمير الأوطان العربية وتحطيم الجيوش العربية، لا نراهم ينبسون ببنت شفة تجاه ذهاب اللص، المجرم، قاتل الأطفال وقاتل الشعب الفلسطيني واللبناني أيضاً بنيامين نتانياهو إلى عواصمهم.

هل صار بنيامين نتانياهو صحابياً جليلاً؟

 

جلول حجيمي: الحمد لله رب العالمين وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين جميعاً.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وشكراً لك، وشكراً لضيفك الأستاذ رفعت الدكتور المهتمّ بهذا الشأن والمتمكّن في دراساته وفي ما كتب في هذا الشأن.

المسألة وبعمومها من أدقّ المسائل، ومسألة حسّاسة في غاية الحساسية، وأنّ الوضع الذي صار إليه العالم الإسلامي الآن وضعٌ يُندى له الجبين ويتأثّر له الحليم ويبكي الطفل الصغير ونرى ثكالانا وموتانا وأبناءنا وبناتنا ممّا أثرناه بيننا من تكالبٍ وتآمرٍ وتذمّر وما إلى ذلك، وأنّ بلاد الإسلام هي بلاد واحدة، وأنّ بلاد الحجاز لا يقبل مسلم أياً كان أن تُمَسّ، كما لا يقبل في بلدان العالم الإسلامي، فهي بلدٌ واحدٌ، وأن القرآن الكريم أمرنا "وأن هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون وأنا ربّكم فاتقون"، ونحن أمّة سيّدها المصطفى عليه الصلاة والسلام  جاء بالأنوار والخيرات والبركات وأرسى دعائم المحبة والودّ والإخاء والاعتراف بالآخر مهما كان هذا الآخر، ما لم يتعدّ على أعراضنا ويسيء إلى أفهامنا وينتهك حرماتنا، فإذا وصل إلى هذا الحد فإن القرآن الكريم بيّنٌ واضح، وأنّ سقوط الخلافة الإسلامية في الدولة العثمانية وما جاءته من ويلات وانحطاطات على مستوى العالم الإسلامي ترك لنا آثاراً مُرّة ومدمّرة في حق الأمة الإسلامية، ولمّا أسّست الدول كما ترى وتسمع بعد الحرب العالمية الثانية أو في خلالها أو في تلك الآونة، صار كل واحد يحتمي بحمى وطنه الذي رسمه سايكس بيكو وغيره، وأصبح وطن الإسلام وطناً مُجزّأ، لا نرتاح حتى نرى الجمل يمر من دولة إلى أخرى بجواز سفر، وقد حقّقوا هذه المعاني وأصبحت لنا عقلياتٌ بغيضة نبغض بعضنا البعض ونتكالب على بعضنا البعض ونتعاون في دمار بعضنا البعض، وهذا ما ترك الفراغ جاهزاً لبني صهيون حتى يعبثوا بمقدّساتنا وبأوطاننا وبإخواننا وبغيرنا. لهذا، الذي وجدوا فيه من الخلافات، سواء بالمسائل المتعلّقة بالطائفية أو المذهبية أو قضايا أخرى مقابل النفط، أو مقابل أشياء من هذا النوع، وبهذا الإسلام أمرنا أن نكون كتلة واحدة على من عادانا، المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يحقّره ولا يخذله، حرام على المسلم دمه وماله وعرضه، فدعوة الإسلام دعوة أن نتحابب ونتعاون ونتآزر ونكون عوناً على من ظلمنا ومن اعتدى على أعراضنا، وبهذا كان جلّياً واضحاً أنّ شرعة الإسلام ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام تقبل هذا الخلاف الذي مع الآخر المخالف كما تقبل الخلاف الذي هو بيننا، وقد اختلف الصحابة ولم يفعلوا شيئاً من هذا حفاظاً على وحدة الأمّة وعلى كرامتها، وإن الوضع الذي أصبحنا نراه وضع مُريب، وضع لا يقبله عاقل، وإننا عندما نتحدّث نعطي وجهات نظر مبنية على أساس شرعي، سليم، وهو أن وحدة المسلمين واجبة وأخوّتهم "إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله"، فهذه الأخوّة الآن هي أصبحت أوجب الواجبات، أن نتعاون جميعاً بعيداً عن كل النعرات في أن نكون جبهة واحدة لا أن نفتح الباب على أعداء أمّتنا/ مَن دنّسوا الأقصى ومَن قتلوا أبناءنا.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ جلول، من فضلك، ما أجمل الإسلام في القراطيس وما أجمل الآيات في القرآن الكريم، لكن حدّثني عن واقع عربي خائِن.

بالأمس القريب، وليّ العهد السعودي قال لمجموعة من المحافظين الجُدد جمال عبد الناصر رحمة الله عليه والإمام الخميني رحمة الله عليه، هم مَن دمّر هذه الأمّة العربية.

هؤلاء الحُكّام يريدون شعوباً مُنبطحة، خائِنة، تبيع القدس في سوق النخاسة، حتى لا نقول أكثر. هذا واقعك العربي اليوم.

 

جلول حجيمي: نعم سيّدي الكريم، نحن تحدّثنا عن الوصف الحقيقي لمكانة هذه الأمّة وكيف ينبغي أن تكون، أما ما يحدث وما حدث ليس جديداً، لقد حدثت خيانات وخيانات وأوضاع وأوضاع، وقد حدث ما حدث للقدس والأقصى كما ترى وتسمع وتشاهد. نحن لا نذكر الأشخاص لأسمائهم ولا نتدخّل في سياساتهم، ولعلّ الجزائر الحبيبة جعلت من أمورها أنها تتحدّث في الشأن العام بسلوك حسن وبأسباب منطقية.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ جلول، أما يحيى أبو زكريا سيتدخّل في شؤون الدول، معذرة، هذه القدس تباع. تقول لي لا نتدخّل في شؤون الدول، أنا أتدخّل وأتدخّل في التفاصيل.

دعني أعود إلى مصر رجاءً. دكتور رفعت، أتصوّر أنه كما قال صديقنا الشاعر معن بسيسو، هي كلمة إن قلتها تموت وإن لم تقلها تموت إذاً قلها ومت.

اليوم حتى الطبقة المثقّفة في الخليج صارت تتكلم عبرياً. حمزة السالم يقول من السعودية، إذا عُقِد السلام مع إسرائيل فستصبح المحطة الأولى للسياحة السعودية. عبد الرحمن الراشد يقول، حان الوقت لإعادة النظر في كل مفهوم المعاملات مع فلسطين وإسرائيل. تركي الحمد يقول، لم تعد القدس هي القضية، أصبحت شرعية مزيّفة لتحرّكات البعض.

الذي تعرّى يقول لك أنا تعرّيت. لماذا أنا المقاوم أستحي أن أعرّيهم؟

 

رفعت سيّد أحمد: لا تستحِ، بالعكس، ما تقوم به هو الجهاد بعينه، بالكلمة، وهذا واجب وفرض، وعندما تكون فلسطين عُرضة للخيانة بعد طول تزييف وادّعاء أنهم يدافعون عنها، عندئذٍ لا مكان ولا مساحة للتفاهم مع منطق هؤلاء.

أما تلك النخبة المحيطة بهؤلاء الحكّام، فهي منذ البداية يا دكتور، هي نخبة مبرّرة، لا علاقة لهم لا بالثقافة ولا بالمُثقفين، هؤلاء يعملون بالأجر، ويعمل براتبه لدى شخصيات وأمراء، منذ البداية يوظّفون هؤلاء لصالح مشروعهم، المشروع الخليجي الآن هو مشروع متوائم أو متآخٍ بشكل كامل مع المشروع الصهيوني. هم سيستحضرون لاحقاً بعد هؤلاء الكُتّاب آلة الفتوى، هم استحضروها من قبل، "وإن جنحوا للسلم"، طبعاً لم يقولوا إنّ هذا الكيان الصهيوني أصلاً كيان استيطاني عدواني عنصري اقتلع الأرض بأهلها، ويسري عليه ما قاله ذات يوم العلاّمة السيّد محمّد حسين فضل الله، حتى لو دخل اليهود في الإسلام، حتى لو دخل اليهود في الإسلام سنقول لهم اخرجوا أولاً من فلسطين حتى نقبل إسلامكم، لأنه لا سلام ولا كلام مع مُغتصب.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رفعت، سأمضي إلى فاصل فقط وأترك لك المجال. ذكّرتني بأحدهم في السعودية، قال لا إشكال في إقامة علاقات مع اليهود فهم أجدادنا من خيبر، قلنا له يا سيّدي إذهب إلى أجدادك وردّوا لنا مكّة والمدينة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

"قطر وإسرائيل ملف العلاقات السرّية" لسامي ريفيل:

يقول سامي ريفيل إن إقبال قطر على التطبيع مع إسرائيل وتصدير الغاز إليها تحديداً كان يستهدف الترويج عالمياً للحقل الشمالي الموجود في قطر والذي يوصف بأنه أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم ويقدّر حجم الغاز الموجود فيه ما يزيد على 25 ترليون متر مكعب.

ويؤكّد ريفيل صعوبة نسج العلاقات القطرية الإسرائيلية التي شارك بها هو بنفسه لولا المساعدة التي حظي بها من مسؤولين كبار في قصر الأمير ووزارة الخارجية القطرية وشركات قطرية رئيسة.

ويقول "عملت خزائن قطر الممتلئة وعزيمة قادتها على تحويلها إلى لاعبٍ مهمٍ في منطقة الشرق الأوسط، ممّا يتعدى أبعادها الجغرافية وحجم سكانها".

ويقول الدبلوماسي الإسرائيلي "إن مؤتمر الدار البيضاء أدى إلى تطوّرات مهمة على صعيد العلاقات بين قطر وإسرائيل والتي شهدت دفعة كبيرة أخرى بعد نحو عامٍ من ذلك، عندما تمّ التوقيع على مذكّرة التفاهم للتفاوض على تصدير الغاز الطبيعي القطري إلى إسرائيل بحضورٍ إسرائيلي وقطري رسمي".

ويشير ريفيل إلى اتفاقٍ قطري إسرائيلي على إقامة مزرعةٍ حديثة تضمّ مصنعاً لإنتاج الألبان والأجبان اعتماداً على أبحاثٍ علميّة تم تطويرها في مزارع إسرائيلية بوادي عربة التي تسودها ظروف مناخية مشابهة لتلك الموجودة في قطر.

ويضيف الدبلوماسي الإسرائيلي أنّ الاهتمام القطري بهذا المشروع كان كبيراً، بسبب الرغبة في زيادة إنتاج المزارع القطرية وأرباحها. ولذلك بعد الحصول على الضوء الأخضر المطلوب، قام خبراء إسرائيليون بزيارة قطر والتقوا رجال أعمال هناك تبادلوا معهم المقترحات التي ضمّت جداول زمنية لتنفيذ المشروع.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "العلاقات الخليجية الإسرائيلية - النظام البحريني نموذجاً" لغسان عادل الأنيس:

العلاقات البحرينية والخليجية مع الكيان الصهيوني قديمة قِدم احتلال الأرض الفلسطينية، وتشتدّ وتضعف بتغيّرات الأوضاع الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

وتتلاعب أنظمة دول الخليج العربيّة التي تفتقد الشرعية بالمواطنين، إذ تقوم بعلاقاتٍ كبيرةٍ سرّية، وتتظاهر بالعداء الجزئي لإسرائيل، إلا أنّ تلك السياسة والخداع بدآ ينكشفان ويظهران إلى العَلن بعد أن انتشرت الوثائق ونمت العلاقات.

أما شعوب منطقة الخليج العربية، فهي ترزح تحت نيران تلك السياسات الظالمة لحُكّامها، وهي هادنت عدا الشعب البحريني وبعضها تحوّل إلى شياطين صامتة وكّلت حكّامها باللعب بمقدراتها وسياساتها وكرامتها، ما عدا القليل من النخبة ومجموعات شعبية ممّن رفضوا سرّاً أو علناً، وارتفعت أصواتهم تخرق الصمت وتفضح تلك الأنظمة الطاغوتية المتسلّطة تمهيداً لوضعها موضعها الحقيقي الذي تستحق أن تحل فيه.

وابتداءً، يرى المواطن العربي البسيط والمُستضعف أنّ هناك الكثير من التودّد إلى الدولة الإسرائيلية من قِبل حكّام العرب لا سيما في منطقة الخليج، ويرجع السبب إلى معرفة أولئك الحُكّام بنفوذ الإسرائيليين السياسي على العالم الغربي الذي يتحكّم في غالبية مفاتيح السياسة العالمية، فإذا ما تمّت رشوتهم أو التصالح معهم أو تحييدهم فستبقى هذه الأنظمة الفاقِدة للشرعية في مأمنٍ من السقوط المدوّي، وهذه نظرةٌ قاصرة حقيقة دينياً وسُنّة.

فالدين، أيّ دين وكذا السنن الإلهية، تخالف ذلك الاعتقاد، فإن البغيّ والظلم والاستقواء على المظلومين بقوى مُستكبرة وطاغية تؤدّي إلى السقوط وتسرّعه، والعدالة والإنصاف بحقّ الشعوب هما اللذان يُطيلان عهد الأنظمة أينما كانت وكيفما كانت.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الاختراق الصهيوني للخليج.

من الكتب المهمة التي تتحدّث عن التطبيع العَلني، كتاب "العلاقات الخليجية الإسرائيلية: النظام البحريني نموذجاً"، غسان عادل الأنيس. ومن الكتب المهمة أيضاً لممثل الكيان العبري في الدوحة في قطر سامي ريفيل "قطر وإسرائيل ملف العلاقات السرّية". ما شاء الله، العرب محبّون العار والشنار.

شيخ جلول، إذا عدنا إلى موضوع العلاقات العربية الخليجية الإسرائيلية، المعروف أنّ هنالك إجماعاً فقهياً إسلامياً على حُرمة التعامل مع الكيان العبري.

هب أنّ الدول الخليجية تحبّ نتانياهو وتحب الكيان العبري، لكن لماذا الشعوب الخليجية توافق حُكّامها على استباحتهم لفلسطين وتخلّيهم عن فلسطين، وأنت أشرت إلى أن الروابط الإسلامية هي التي تجمعنا؟

 

جلول حجيمي: نعم سيّدي، الموضوع هذا الذي تحدّثت عنه، لا بدّ يحتاج إلى دقّة وسنبيّن بالأساليب التالية.

أولاً لا بدّ من أن نتحدّث عن خطر الاستيطان والعدوان والظلم والطغيان بكل ما نملك من لسان ومن كتاب ومن كل الأساليب، لأنّ هذا النظام الصهيوني أو هذا الكيان الصهيوني هو ظالِمٌ ومستبدٌ وطاغية وفعل ويفعل، وما زال يفعل، هذه نقطة، لا بدّ من أن نكون على بيّنة ووضوح، ونحن كأهل بلاد المغرب والجزائر لنا اتصال منذ عهد صلاح الدين الأيوبي أنّ أبي مدين الغوث التلمساني الذي شارك في تحرير الأقصى، وكما تعلم سيّدي الدكتور أنه قطعت يده الشريفة، وما زالت إلى اليوم يده الشريفة مدفونة في باب المغاربة في الأقصى الشريف، ولقد ترك أوقافاً له إلى اليوم، إلى يوم الناس هذا، في القدس وفي ما جاورها، و كان هذا تعبيراً على تلك النظرة الإسلامية الصائبة العميقة على أننا لا نترك شبراً من أراضي المسلمين، وما فعله أجدادنا، ولعلّك إذا تصفّحنا في ثنايا الكتب من علماء وفقهاء وحُكّام ناضلوا لأجل القضية الفلسطينية وأعطوا لها من المدَد، وهذا التنوّع والأمر الذي نراه غير صائب وغير سليم في هذه العلاقات الأخيرة.

رحمة الله على الشيخ زايد الذي أعطى وكان رجلاً صالحاً، حكيماً للقضية الفلسطينية كما هو غيره من الملوك الذين ناضلوا لأجل هذه القضية، فنحن لا نبخس الناس أشياءهم، أما أن تدور الأمور ويصبح العدو الصهيوني صديقاً لنا ولأحبابنا ولإخواننا سواء في هذا البلد أو في ذاك، فهذه وصمة عار في جبين هذه الأمّة.

ولا يمكن لنا أن نسكت بأيّة حال من الأحوال، وسنستخدم كل قضايانا التي من خلالها أن يكون الوعي كاملاً لكلّ مسلمي العالم، أنّ ما يحدث إنما هو محاولة خطيرة لصهينة المنطقة، أو لصهينة العقول والأفكار لدى العرب والمسلمين، حتى يفعلوا ما فعل بنو صهيون، ولهذا نحن ربما قد نأخذ بعض المآخذ التي ربما نقول بأن ممكن إذا كانت هذه في العلاقات ويمكن أن تكون علاقات مع غيرنا، مع اليهود ومع النصارى، لكن في هذا الوضع المتردّي الذي يُحرق فيه أبناؤنا وأكبادنا ومساجدنا وقلاعنا وزوايانا وتكايانا وغير ذلك، فلا يقبل أي شيء مهما كان أن يرضى بهذا العار الذي يصيبنا، ونحن نفرح به على وسائل الإعلام أو غيرها. ولهذا لا بدّ لعلمائنا جميعاً أن يقدّموا النصيحة الشافية الكافية بكل ما تحمله هذه الكلمة من المخاطر التي تنجم عنها مثل هذه الأفعال، لأنها ضرر بالأمّة، سيّدها وقائدها المصطفى عليه الصلاة والسلام.

نحن لا نشير إلى أناس بعينهم أو إلى أنظمة بحدّ ذاتهم، لكن نشير إلى الكلّ، إلى الجميع، أنّ القدس خط أحمر، لا يمكن تجاوزه بأية حال من الأحوال، وأن نقوّي جبهتنا الداخلية ومجتمعاتنا العربية الإسلامية، وأن نوصل إلى مَن لم يصله هذا الفهم، أنّ هذا الأسلوب وهذا المنهج إنما هو يُصهين العقول والأفكار والأعمال والتكنولوجيا، ويجعلنا منبطحين، منسلخين عن قِيَمنا وعن أنصارنا وعن مجتمعاتنا، كما كان لهؤلاء أن يتحدثّوا، أن يقولوا أنّ ما يفعله إخواننا في فلسطين يخالف السنّة أو يخالف المنهج الصحيح، وأن ما يفعل اليوم في علاقات مشبوهة تضرّ بسمعة الإسلام والمسلمين، هل هذا جائز وهو من سنّة النبي عليه الصلاة والسلام؟

ينبغي للعلماء أن يكونوا كما كان الأوائل رضي الله تعالى عنهم، بهدوءٍ وحكمةٍ وقوّةٍ وقوّة الحجّة والبيّنة لإقامة أقلّ الحاجة أمام مرأى من الناس، نحن لسنا أمّة العداء ولا أمة الظلم ولا أمّة استكبار ولا أمّة دماء، نحن أمّة مُسالمة، لكن أن يُعتدى على أعراضنا وعلى أوطاننا وأن نرى مَن يستبيح ذلك أمامنا، فأقلّ القليل أن نقول الكلمة الشافية الوافية، ونستخدم كل الوسائل الصحيحة، السليمة، المنشودة. أنظر إلى هذا الشعب العظيم، إلى الجزائر الكريمة، الجزائر المِعطاءة المُجاهدة، كلّ ما فُعِل، لم تشارك في يوم من الأيام في التقليل في قضية القدس ولم تبع ولم تشترِ أبداً، ولن يكون ذلك لأرض الشهداء، لأننا عرفنا قيمة الشهادة وقيمة الجهاد وقيمة المقصد الأعلى ألا وهو أولى القبلتين وثاني الحَرمين.

 

يحيى أبو زكريا: ونحن نتذكّر، والدي كان من روّاد الثورة الجزائرية، السيّد علي أبو زكريا رحمة الله عليه، كان يوصيني بفلسطين أكثر ممّا يوصيني بالجزائر، وهكذا شهداء الجزائر كانوا يكافحون فرنسا المًجرمة لكن قِبلتهم كانت فلسطين.

دكتور رفعت، طبعاً ذكر الشيخ الفاضل جلول الشيخ زايد رحمه الله تعالى، نذكّر فقط أن وزيرة الشباب والرياضة والثقافة أيضاً لمّا دخلت إلى الإمارات العربية المتحدة، رُدّد النشيد الصهيوني، النشيد الصهيوني فحواه ما يلي: "أيها الصهاينة إننا ذوو روحٍ توّاقة إلى الشرق إلى الأمام لنسترجع مجد الأجداد بدءاً من أورشليم القدس". هذا نشيد الصهاينة الذي تُلي للأسف الشديد في أراضي العرب.

السؤال دكتور رفعت، الدول الخليجية بينها حراب وتنافر وكل دولة خليجية تتآمر على الأخرى. هل استدعاء نتانياهو إلى مسقط، استدعاء وزيرة الشؤون الثقافية والرياضة إلى أبي ظبي، ذهاب محمّد بن سلمان إلى تل أبيب في زيارةٍ سرّية، هو نوع من الاحتماء بالكيان العبري، نوع من تكريس الشرعية، أليست شرعية هذه الدول من أميركا؟ لماذا إذاً يريدون أن يضيفوا إلى رصيد شرعيتهم الرصيد الصهيوني؟

 

رفعت سيّد أحمد: اترك لي قليلاً من الوقت فقط.

 

يحيى أبو زكريا: لك كل الوقت.

 

رفعت سيّد أحمد: سنتحدّث بالحقائق، العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج مجتمعة وبين الكيان الصهيوني أكثر من مجمل العلاقات الاقتصادية بين الكيان الصهيوني وبين روسيا واليابان، تصل العلاقات الاقتصادية الخليجية الإسرائيلية إلى حوالى مليار دولار سنوياً.

عندما بلد مُطبّع ونحن ضدّ التطبيع، وأصدرنا موسوعة كبيرة ضدّ التطبيع مع مصر، يصل التبادل أو التعاون التجاري حوالى 120، 130 مليون دولار، بين الكيان الصهيوني والنظام المصري قبل صفقات الغاز الأخيرة، لكن هذه الدول التي لا تفتتح سفارة ولا تنشئ علاقات دبلوماسية مثلما حصل في كامب دايفيد، تقيم علاقات أشدّ وثوقاً بدءاً من بيع الخمور الإسرائيلية وانتهاءً ببيع الأغذية الإسرائيلية والنفط عبر إسرائيل وغيرها، إلى الرياضة، ووزيرة الرياضة، وتلويث وتدنيس مسجد الشيخ زايد، وأستغرب كيف بأبنائه لم يشعروا بهذا التدنيس اليهودي لمسجد والدهم.

سؤال برسم الغيب لأنه لم تأتِ إجابة عليه، لأنّ الذي نسي دم المبحوح عندما اختُرِقت الإمارات سنة 2011 في أمنها القوميّ، باعتراف وزير داخليتها الذي كلّ حين يطنطن بتغريداتٍ في كلّ المجالات، لم يترك مجالاً، لكن صمت عندما دُنّس هذا المسجد بهذا الشكل وغيره من العلاقات.

إذاً العلاقات الاقتصادية والتجارية بين هذه الدول وثيقة للغاية. بدأت العلاقات تُغطى بغطاء سياسي منذ زيارة رابين إلى مسقط عام 1994، مروراً بإنشاء مكتب لرعاية المصالح في قطر، ثمّ مكتب في مسقط، ثمّ زيارة وفد من جمعية إسمها "هنا البحرين" في ديسمبر 2017 إلى تل أبيب، ولكي يقيم السلام أو ينشئ علاقات سلامية، وثمّ زيارات من السعودية لأنور عشقي، آخرها أنور عشقي، لكن جمال أدهم أسّس العلاقات في السبعينات، يجب أن نأخذ بالنا يا جماعة أنّ هذا هو التاريخ، قاتل فيصل عبد الناصر في اليمن بأسلحة إسرائيلية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

رفعت سيّد أحمد: هذا هو التاريخ، الجد الأكبر كان أكثر المتخلّين عن ثورة 36، أقصد هنا بسعود منذ البدايات، فهؤلاء جينات التخلّي ولا أريد أن أسمّي تسميات أخرى فضفاضة، لكن منذ البداية هؤلاء ليس هناك في جيناتهم لا أولى قبلتين ولا ثانية ولا ثالثة، لا أولى قبلتين ولا المسجد الأقصى.

غطّوها بعلاقات سياسية. الاندفاعة الأخيرة في تقديري لها علاقة بما يجري في اليمن ولها علاقة بما يجري في إيران، ولها علاقة بما يجري في ترتيبات ما سمّي بصفقة القرن، ولها علاقة وهذا هو الأهم، لها علاقة بالهزائم المتتالية لوكلاء هذا الكيان في أكثر من مركز عربي مُنتفض أو مقاوِم كسوريا والعراق وغيرهما، فالالتفافة الكبيرة هذه بعلاقات مع إسرائيل، سواء لحماية العروش ممّا هو آتٍ أو لتنفيذ أوامر أميركية لترتيبات صفقة القرن، كل هذا جاء ليؤكّد واقع الواقع الاقتصادي والتجاري والسياسي الإسرائيلي الخليجي قوّي إلى درجة كبيرة، لكن لم يُكشَف النقاب عنه بشكل واضح إلا مؤخراً، ونحن هنا لنكشف النقاب، نكشف أمام الرأي العام الخليجي وأظن أنه ما زال هناك نخبة ومثقّفون ليسوا مثل هؤلاء الذين يطبّلون لحكّامهم أو مثل رجال دين يقدّمون الدين في خدمة الأمير أو الملك، ما زال بالتأكيد هناك شُرفاء في أرض الجزيرة العربيّة وفي الخليج، نحن نخاطب هؤلاء. ما يجري في بلادكم هو خيانة لأبسط قِيَم الإسلام وقِيَم العروبة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

رفعت سيّد أحمد: ما يجري في بلادكم يحتاج إلى موقف، والموقف كلمة، بالكلمة يبدأ الموقف، فلا بدّ من هنا أن يبدأ الموقف، ولا بدّ من أن تُستحضَر الفتوى المضادّة للفتوى التي تبرّر التطبيع، لا بدّ من علماء دين مثل أستاذنا شيخنا العزيز جلول وغيره أن يقدّموا سواء في مغرب بلادنا أو في مشرقها وبالتحديد في بلاد الخليج وبلاد الجزيرة العربية، هؤلاء يسيطرون بدعوى الإشراف على مقدّسات المسلمين في الحجاز، فيكتسبون من خلالها شرعية، وشرعيّة تعطيهم مكاسب اقتصادية قبل المكاسب السياسية، وأهمّ من النفط، فعلى العلماء في تلك البلاد، على الأقل الجانب المُحترم من هؤلاء العلماء، أن يبدو رأياً فورياً في هكذا علاقات، سواء تمّت بين بلادهم وأميرهم المُندفع هذا، أو بين تلك المشيخيات وبين الكيان الصهيوني. هنا دور الفتوى ودور الكُتّاب والنخبة المُحترمة في تقديم الرأي الآخر.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور رفعت، صديقنا الأستاذ الشهيد ناصر السعيد رحمة الله عليه في كتابه "تاريخ آل سعود" يشير إلى أنّ أصول بعض العوائل الحاكمة في الخليج يهودية، وأيضاً يوسف علي المطيري الكويتي في كتابه "اليهود في الخليج" يشير إلى أنّ اليهود كانوا ينتمون إلى الأفخاذ العربية، وتستّروا إلى أن أصبحوا صُنّاع قرار كما هم يهود الدونمة في تركيا.

هل هذه مسألة قريبة إلى الواقع العِلمي الأكاديمي؟

 

رفعت سيّد أحمد: أنظر، دكتور، أنا أصدرت كتاباً عن ناصر السعيد منذ سنوات طويلة، منذ 1990، تحت عنوان قدّيس الصحراء، وهو صادر عن دار رياض الريس وصودِر عدّة مرات، ناصر السعيد الشهيد الذي ألقي بجثمانه في الربع الخالي من على ارتفاع 17000 قدم من الطائرة، واختُطِف من بيروت ولم يكن موته الدرامي أقلّ قسوة من موت خاشقجي، لكنّ الدنيا لم تقف على قدم وساق مثلما قامت على خاشقجي، مع تقديرنا وتقديسنا لأية نقطة دم أياً كان شكل ورأي المعارض حتى لو اختلفنا معه.

ما قدّمه ناصر السعيد في كتابه المرجع، كتابه "تاريخ آل سعود" وهو كتاب مرجع وأصبح الآن في متناول الجميع على الأنترنت، وعودته إلى جذور الأسرة السعودية باعتبارها جذوراً يهودية وغيرها، أنا أختلف معه قليلاً، ليس في النَسب، لا، ربما أتفق معه في دقّة النَسب، ربما، لكن يا سيّدي العبرة في السلوكيات والسياسات أكثر من العبرة بالانتساب إلى عائلة يهودية أو غيرها. بعض كبار الصحابة كانوا في قبل الإسلام من أشدّ المقاتلين لدعوة الإسلام، ولكنّهم بعد أن دخلوا الإسلام، كانوا أقوى عوامل رفع راية هذا الدين، وفتحه في كثير من البلاد الإسلامية، فالعِبرة بالسياسات هنا في هذا الموضوع على وجه الخصوص، وسياسات آل سعود وغيرها من بعض أسر ومشيخيات الخليج للأسف تصبّ في خانة المشروع الإسرائيلي، في النهاية تصبّ في خانة المشروع الإسرائيلي.

إقرأ مبادرة الأمير عبد الله، عندما كان أميراً، قبل أن يصبح ملكاً، وتتضمّن الاعتراف بالكيان الصهيوني وتحت دعوى حدود 67، لكن الذي ينطلق من قناعة إسلامية حقيقية تشرف على المُقدّسات، يرى فلسطين من البحر إلى النهر. أصبح التطبيع إذاً سياسات يثبت يهوديتهم أكثر من نَسبهم الوراثي العائلي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رفعت، أشرت إلى مسألة أيضاً شرعيّة، وهنا أنتقل إلى الشيخ جلول.

شيخ جلول، في المباني الفقهية والأصولية والقواعد الشرعية، الناس مُسلّطون على أموالهم، سواء كانت هذه الأموال عقاراً، أرضاً، أو كانت محلاً، أو كانت بيتاً، أو داراً، أو جغرافية.

الفلسطينيون مُلّاك أرضهم، أي الذي يملك فلسطين هم الفلسطينيون الأحرار، هم أبناء الحجارة والحضارة. تحيّة لهم، تحيّة إكبار وإعزاز هؤلاء الرجال الذين غيّبهم إعلام الفتنة والغناء.

علام يأتي أمير خليجي أو شيخ خليجي ويبيع في أرضهم؟ يا أخي الأرض ليس أرضك ولا الدار دارك ولا الجغرافية جغرافيتك، أنت بعت أرضك للأميركان، في كل دولة خليجية قاعدة أميركية، بريطانية، فرنسية، صهيونية، أنت لماذا تتصرّف في أرض فلسطين وتبيعها في سوق النخاسة؟

هل يجوز شرعاً أولاً هذا؟

 

جلول حجيمي: مسألة الذي مُتّفَق عليه أنه لا يجوز شرعاً التنازل عن أيّ شبرٍ من أراضي المسلمين أياً كان وبالأخصّ إذا كان القدس الحبيب ومسجد الصخرة وما قاربها وما جاورها، ولعلّي كما أشرت، إن هذه حتى هي أوقاف، جُعِلت وقفاً لله تعالى للمسجد الأقصى، فلا يمكن لنا بأية حال من الأحوال أن نمسّ أرضاً أوقفت لله ورسوله وجعلت لهذا المسجد العتيق، هذا المسجد المبارك الذي أشار إليه الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، كما أنه لا يمكن لنا بأيّة حال من الأحوال أن نتنازل على أراضي المسلمين ولو كانت في السوفيات أو في آسيا أو في المغرب أو في المشرق أو في غير ذلك.

ومن هنا، قال أجدادنا رحمهم الله لمّا دافعوا عن هذه الأرض الفتيّة، على أرض الجزائر التي عاشت ثورة أو ثورات متعدّدة طيلة 132 سنة، أنّ هذه أرض لأهل الإسلام ولأهل ديار المسلمين، ولهذا لا يمكن بأية حال من الأحوال أن نتنازل أو أن نبيع أو أن نشتري، لأنّ هذه أوقاف لأهلها، من جُعِلت وقفاً فهي لله ورسوله، ومن هي لأصحابها فهذا عدوان وظلم ولا يمكن أن يكون بأية حال من الأحوال، سواء بمفهوم الشرع أو بمفهوم الواقع المَعيش والمُعاش، الذي لا يمكن أن نتعدّى على أرض ليست هي بأرضنا، ولهذا لا بدّ أقل ما يمكن أن يقال أن نتركهم على أحوالهم يصابرون ويجاهدون ويدافعون ويقاتلون على أرضهم، إذا استطعنا أن نعينهم أو أن نكون سبباً في إعانتهم فذاك شأننا، وإذا لم نستطع أقل حاجة ألا نكون سبباً في بيع هذه الأرض التي ليست هي ملكاً لنا، ولأن هذا الفهم الذي كان يفهمه الأوائل، والملك فيصل رحمة الله عليه كما هو مذكور في الأدبيات وفي مقولاته الموجودة على صفحات الجرائد ومَن يؤرّخ لذلك أن هذا الرجل كان يأخذ القضية الفلسطينية قضية هامة ومهمة، وعدا ما فعله أثناء وجوده، لا يمكن لنا أن نترك هذا الجانب المهم من قضايانا، على أنه من انقلب على وضع أمّة ينبغي أن يُرجَع إلى نصابه الصحيح.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ جلول، ذكرت الملك فيصل رحمه الله، كنت أتمنّى أن تذكر هواري بومدين رحمة الله عليه الذي قال "فلسطين هي الإسمنت الذي يجمعنا والديناميت الذي يفجّرنا، من دنا من فلسطين على الرّحب والسِعة، ومن باع فلسطين فعليه لعائِن الله والسلف الصالح والأنبياء والرسل جميعاً".

دكتور رفعت سيّد أحمد من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، شيخ جلول حجيمي انتهى الوقت، بقي وقت فلسطين إن شاء الله، شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

موقف الإسلام من الاحتكار

في بلادنا العربية والإسلامية فيض ظلم وفساد وإنحطاط الأخلاق وفيض إحتكار مغطى أحيانا برجالات القرار والنفوذ, بحيث تحتار من أين تبدأ في ترقيع الفتق العربي والإسلامي.. وكله بما كسبت أيدينا.. الاحتكار جريمة دينية واقتصادية واجتماعية وهو ثمرة من ثمرات الانحراف عن منهج الله وقد تنوعت صورة، وتعددت أساليبه و هو لا يكون في الأقوات فحسب، وإنما يكون في كل ما يحتاج إليه الناس من مال وأعمال ومنافع, وقد أبتلي العالم العربي والإسلامي بمرض الإحتكار الذي أضر بالناس إلى أبعد الحدود، والدولة يجب أن تتدخل لحماية الأفراد من عبث العابثين يتفق العلماء على أنه إذا امتلك الإنسان أشياء يحتاجها الناس بشدة، ولا يستطيعون العثور، يجب عليه بيعها لتقليل الضرر وإزالة الصعوبة من الناس..

المزيد