رهام الرشيدي - معلمة في الأنوثة

 

زاهي وهبي: مساء الخير. كلٌّ يشيخُ كما الماء وأنتِ كما أنتِ، جميلة في الستين، في السبعين، في عُمرٍ يطول وروحٍ لا تعرِف الذبول. جسمُكِ قليلٌ عليكِ، جسمُكِ قليلٌ عليكِ أنوثتكِ ليست شكلاً ولا فستان سهرة، أنوثتك قلبٌ يفيض وضحكةٌ تجري من تحتها الأنهار. أستعيد هذا المُقتطف من قصيدتي ترحيباً بسيّدةٍ عربيةٍ كويتيةٍ شابّة اختارت اللحاق بشغفها تارِكةً الهندسة التي تحملُ شهادةً بها لتتفرّغ من أجل تحقيق حلمها في أن تكون معلّمةً. لا، ليس في المدرسة ولا في الجامعة بل مُعلِّمة في الأُنوثة. نعم، في الأنوثة، فما هو هذا العِلم أو هذه النظريّة؟ أليست الأنوثة فِطرة طبيعية؟ وهلّ يُمكننا أن نُضيف شيئاً لما فطرنا الله عليه؟ تلك أسئِلةٌ نطرحها على ضيفتنا التي تحظى بمتابعة واحترام عشرات الآلاف من المُتابعين والمهتمّين على امتداد الوطن العربي، ويُقبِلُ على دوراتها التدريبيّة نساءٌ من مُختلَق الأجيال والشرائِح والطبقات. "بيتُ القصيد"، بيت المبدعين العرب الساعي دوماً لأن يكونَ منبراً ثقافياً جامعاً شاملاً ومتنوّعاً يُرحِّبُ بالمُعلِّمة في الأُنوثة السيّد "رِهام الرشيدي" أهلاً وسهلاً بكِ

رِهام الرشيدي: أهلاً وسهلاً أُستاذي الكريم "زاهي"، أنا أسمع مقدّمتك هذه وأشعُر بالفرح صراحة لأنني معك اليوم في "بيت القصيد"

زاهي وهبي: إن شاء الله تكونين دائِماً فرِحة، كلّ الحب وكلّ الفرح لحضرتكِ ومن خلالكِ لـ (الكويت) ولأهل (الكويت) الأعزّاء ولمشاهدينا في كلّ أنحاء الوطن العربي وفي كلّ العالم. سيّدتي، أوّل مُدرِّبة في الأنوثة في الوطن العربي حضرتكِ، ماذا يعني هذا

رِهام الرشيدي: القصّة من أين بدأت، ربما أنا لم أختَر أن أكون مُدرِّبة في الأُنوثة في التفكير أو في المنطق أو في التحليل، أنا دائِماً أقول إنّ الأُنوثة هي التي اختارتني لأن أكون مُعلِّمة لها. في بدايتي ربما شاركتها في مرّات عديدة سابقة كانت من خلال رحلة شخصيّة لي أنا سألت فيها مجموعة من الأسئِلة في ما يتعلّق بالأُنوثة، وعندما بدأت أجِد إجابات على هذه الأسئِلة وجدت أنّه من الجميل ومن الممتِع لي أن أُشارِك رحلتي مع البنات المُتابعات والمُحبّات لي

زاهي وهبي: أسئلة ذاتية، يعني تطرحينها على نفسكِ

رِهام الرشيدي: أي نعم

زاهي وهبي: تقرئين وتبحثين حول الأُنوثة ومفهوم الأُنوثة

رِهام الرشيدي: أتتني فترة نعم

زاهي وهبي: هلّ الأُنوثة، مثلما قلت في المُقدِّمة، هلّ الأُنوثة فِطرة؟ الأُنثى تولَد أُنثى، أم تولد أُنثى ولكن تكتسِب أيضاً

رِهام الرشيدي: الأبيات أولاً أُستاذ التي قرأتها "زاهي" من أجمل الأبيات التي تصف الأُنثى وأنا قرأتها قبلاً وأحياناً أستشهِد فيها في الأُمسيات التي أُقدِّمها. كلّ امرأة أو كلّ بنت تولَد أُنثى، هذا صحيح، ولكن بعد ذلك هناك بيئات ومُجتمعات تُبعِد البنت عن أُنوثتها، تُكرّهها في أنوثتها، تُبرمِجها على أنّ الأُنوثة إمّا عيب أو ضعف أو أنّ الأُنوثة هي كأنّها

زاهي وهبي: عار

رِهام الرشيدي: عار

زاهي وهبي: وإذا الموؤدة سُئِلت

رِهام الرشيدي: بأيّ ذنبٍ قُتِلت، والوأد هنا ليس فقط وأد الجسد، وأد الفِكر أحياناً ووأد النفس وأن تُحرَم البنت من أن تعيش الحياة التي تريدها فقط لأنها أُنثى، وتجد في الجانب الآخر أخوها الذَكَر يعيش حياته في الطول وفي العَرض. أحياناً تصل البنت إلى مرحلة تتمنّى فيها لو أنّها أتت إلى هذه الدنيا كولَد

زاهي وهبي: صحيح

رِهام الرشيدي: فهذا معناه أنّ هناك نوعاً من الاعتراض على الأُنوثة، اعتراض داخلي

زاهي وهبي: نعم، قبل أن نتوسّع أكثر في مفهومكِ للأُنوثة وما الذي تُقدّمينه للنساء اللاتي يُقبِلنَ على دوراتكِ وكتابك "كاريزما الأُنوثة" الذي طُبِعَ منه ثمانية عشر طبعة لغاية اليوم، دعينا نذهب في رفقة "سحر حامد" زميلتنا ورفقتكِ إلى "علامة فارِقة"

علامة فارِقة - رِهام الرشيدي:

- كلّنا عندنا ملفّات داخلية في حاجة لأن نفتحها وننظُر فيها. ربما الكثير من الناس يتوقّعون أنه لكي يبدأ الإنسان رحلته الخاصّة من اللازم أن يكون عنده مُصيبة كبيرة لكي يتحرّك، أنا لم يكن هذا دافعي الأساسي. أنا إنسانة طبيعية عاديّة أسلك حياتي، ربما من الخارِج ترينني وتقولين: "لا يوجد شيء، لا مشكلة"، ولكن أنا عندي قيمة السلام عالية. بدأت تقريباً في بداية عشرينات عُمري أنتبه إلى أنّ عندي إشكاليات داخلية تمنعني من أن أعيش في حال سلام، فكان عندي قرار اتخذته لنفسي من دون أن تكون هناك مُشكلة أو مُصيبة كبيرة عُظمى في الخارج، أنني أريد أن أبدأ رحلة التشافي الذاتي. أريد أن أفتح ملفّاتي الداخلية وأرى ما في داخلها

- أنا لم يكن عندي نيّة أن أبدأ رحلتي في الأنوثة لكي أنقلها للبنات، كانت نيّتي أن أعرِف أنا ما هي الأُنوثة. البداية كانت مشروعأ لي أنا مهتمّة به، يعني دافعي الشخصي وهو أنني أريد أن أفهم الأُنوثة، بعد ذلك وجدت أنّه والله حتّى البنات حولي يجالسونني ويسألونني، " ما هي الأنوثة"، وما هي تجربتكِ معها؟ فوجدت أنني أثناء جلوسي معهن أستفيد وأفيد البنات أيضاً في موضوع الأُنوثة

- الكثير من الناس يسألونني ويقولون لي، "لماذا اخترتِ أن تكوني مُدرِّبة في الأُنوثة؟"، وإجابتي هي بكلّ صدق،  أنا لم أختَر إنما هذا الطريق، طريق الأُنوثة اختارني، يعني أنا فقط اخترت البداية. بعد ذلك بحثي لنفسي عن الأُنوثة ومُشاركتي البنات حولي في موضوع الأُنوثة بدأ يأتي بالطلب على "رِهام" أكثر، فكان هذا مزيج بين فضولي ورغبتي في استكشاف هذا الجانب المجهول إلى حدٍّ كبير بالإضافة إلى أنّني أُساعِد البنات. اليوم الحمد لله، أنا اُقدِّم رؤية أصيلة يمكنني أن أقول من الصِفر عن الأنوثة والذكورة، حتّى لديّ نظريّة خاصة، أساعِد البنت في أن تعرِف ماهيّة نمطها في الأنوثة وما هو نمط شريك حياتها في العلاقة معها، في الذكورة

- عندما نقول عن أنّ الأُنوثة هي عِلم فهذا يعني أنها مثلا علمٌ مُعتمَد يُدرَّس في الجامعات وفي المدارِس؟ لا، على العكس، أنا أتمنّى لو يكون ذلك. الأُنوثة التي أتحدّث عنها هي قوّة لأنّها لا تأتي من داخلكِ في ضعف، هذه ليست الأُنوثة التي أتحدّث عنها. الأُنوثة التي أتحدّث عنها تأتي بعدها قوة ومن الممكن أن تُخيف الإنسان الذكوري الذي يُريد أن تبقى القوّة في يد الرجُل فقط وهو لا فكرة عنده أنّ المرأة عندما تكون قوية هو أيضاً يستفيد كرجُل في العلاقة

- قبل أن أكون مُدرِّبة للأُنوثة أنا إنسانة مهتمة في أن أعيش حياة مُرتّبة وحياة طيّبة وكريمة، وإذا استطعت خلال رحلتي الخاصّة أن أُلهِم الناس إلى نفس الشيء، فكرة الحياة الطيبة الكريمة، أكون جداً سعيدة

- لا أتخايل حياتي من دون رجُل، وإذا قلت رجُلاً أقصد ابتداءً من الأب، الأخّ، الزوج، إلى آخره. لكن هذا الرجُل هو يُحدّد أُنوثتي؟ لا، أنا مع أنّ المرأة هي التي تنظُر للداخل في كلّ صدق وترى هي أيمتى تكون أُنثويّة ومتى تكون ذكوريّة

- بعد تقريباً عشر سنوات، اليوم أنا أقف منذ بداية رحلتي في التشافي الذاتي، يُمكنني أن أقول لك في كلّ حُبّ وفي كلّ بهجة وكلّ سلام ليس عندي تلك المخاوِف أو ليس عندي ذاك الارتباك الداخلي. ملفّات قديمة؟ أي نعم موجودة لكن أغلبها أقفلتها والحمد لله

- لم ألتقِ في إنسان عنده رسالة يوصِلها وكلّ الناس مُحبّين ومُعجبين بها، طبيعي جداً أنّ هناك مُحبّين وهناك مؤيِّدون وهناك أشخاص ليسوا في الضرورة يرفضونني أنا كـ "رِهام" إنما يرفضون الفِكرة التي اُقدِّمها وأنا أحترِم هذا الرَفض تماماً

- أُقدِّر أنّ الشخص أحياناً يُمكن أن يرفُض الفِكرة لأنّها ليست واضحة. ربما أكون أنا قصّرت في أن أُوضِح فكرتي أكثر، فأُركِّز على الناس الذين يرغبون في الاستزادة وأُعطيهم، وإذا هناك أحد من المُعارضين أو المنتقدين غيّر رأيه في المستقبل فأهلاً وسهلاً به وإذا ظلّ معارِضاً للأفكار التي تطرحها "رِهام" فهذا حقّه الكامل وليس في إمكاني أن أفعل شيئاً  

- أنا جداّ محظوظة لأنني سألتقي بالإعلامي القدير "زاهي وهبي" لأنّه غوّاص يُحسِن الغوص، يعرِف كيف يغوص مع الشخص الذي يقابله، وأعتقد أنّ هذا الشيء سيُساعدني في توضيح رسالتي أكثر للمهتمّين في موضوع الأُنوثة

زاهي وهبي: نحن أيضاً سُعداء بوجودكِ وإن شاء الله نستطيع أن نُقدِّم هذه الليلة مادة ثقافيّة ومعرفيّة مُفيدة. ما هو تعريفكِ للأنوثة؟ هلّ وصلتِ لتعريف؟

رِهام الرشيدي: نعم وصلت إلى تعريف أعتقد. هذا من أصعب الأسئِلة على فِكرة، لكن وصلت إلى تعريف بالنسبة لمُنتهى الأنوثة، أن تعيش المرأة سلامها الداخلي. فإذا وصلت المرأة إلى سلام داخلي معي أو عن طريق أيّ طريق آخر أو مُعلِّم آخر تكون هي حققت الأُنوثة لنفسها لأن الأُنوثة قبل أن تكون شكلاً خارجياً أو مثلاً نبرة صوت أو لُغة جسد هي حال داخليّة، كينونة

زاهي وهبي: كثيراً ما تُربَط الأنوثة في الغواية، في الإغواء، في الغنج، في الدلال، أحياناً في الضعف بحجّة أنها رقيقة وهشّة. هلّ هذا الربط في رأيك، يعني ما أسبابه؟  

رِهام الرشيدي: صحيح. أنت لخصّت الآن أسوأ فكرتين تحوم حول الأُنوثة، أنّ الأنوثة غواية وإغراء، وهذا يدعو المرأة المُحترمة إلى أن تقول، "أنا لا أريد دائِماً أن أكون أُنثى الغواية والإغراء"، فتترُك الأنوثة. أو أنّ البعض قد يقولون لك، " لا، الأنوثة ضعف. حال البنت أن تكون ضعيفة ولا تتحدّث وصوتها لا يعلو"، كلا الحالين سببهما الوعي الذكوري الذي يريد أن تبقى القوّة في يد الذكَر فقط وليس المرأة. فأنا موجودة كي أُحاوِل أن أُعيد تعريف الأُنوثة. الغواية والإغراء هما جزء من الأُنوثة صحّ، لكنها ليست كلّ الحكاية، والضعف هو ليس الأُنوثة التي أتحدّث عنها، الأنوثة الحقيقية هي السلام الذي يأتي من بعد قوة حيث تكون المرأة فعلاً قويّة ولكن بنعومة

زاهي وهبي: تلاحظين حضرتكِ أنّ الثقافة اليوم الاستهلاكيّة في العالم تُكرِّس نموذجاً للأُنثى هو النموذج الشكلي، يعني الشكل الخارِجي، الجسد، الجمال، جمال الشكل أعني من الخارِج، وهذا يطغى ويُحدِث مُشكلة حتّى للنساء والفتيات اللواتي ربما الله لم يعطهنّ شكلاً رائِع الجمال، صحيح؟

رِهام الرشيدي: أولاً أنا أعتقد أنّ كلّ امرأة جميلة في طريقتها الخاصّة، وهذا الوعي الجديد في ما يتعلّق بالوعي الجمالي من اللازِم أن يُشرَح

زاهي وهبي: نعم، كيف كلّ امرأة جميلة؟

رِهام الرشيدي: كلّ امرأة جميلة. التي تفقد جمالها إمّا هي لا تهتمّ في نفسها فتُهمِل نفسها أو أنّها لا تعرِف مدرسة جمالها فلا تعرِف كيف تبرُزها. ولكن المُشكلة في الجمال اليوم أُستاذي الكريم أنه يتم تصدير نماذِج مُحدّدة للجمال ويقولون للبنات، " هذه هي المرأة الجميلة". لكن هي ليست مدرسة جمالية فتبدأ البنت تتخلّى عن جمالها الطبيعي مقابل أن تكون مثل هذه المرأة

زاهي وهبي: تعلمين حضرتك أنّ اليوم هناك عشرات وربما مئات وربما آلاف الفتيات يذهبن عند أطبّاء التجميل. تقول له أريد أنفاً مثل أنف فلانة

رِهام الرشيدي: نفس أنف فلانة

زاهي وهبي: المغنيّة الفلانية أو الممثلة أو شفتين مثل فلانة، صحيح؟

رِهام الرشيدي: صحيح. المرأة اليوم وحتّى الرجُل على فكرة، حتّى بعض الرجال يبحثون عن الشكل الخارِجي للجمال، لأنّ عندهم فراغ في الداخل، فهي حاجة لسدّ فراغاتهم الداخلية. الجمال، بما أننا الآن نتحدّث عن الجمال، هو حال داخليّة. إذا أنا لم أشعُر بالجمال كلّ المساعي الخارجيّة التي أبذلها قد لا توصلني إلى ذلك

زاهي وهبي: أليس هذا كلام نظريّ قليلاً؟

رِهام الرشيدي: كلام نظري ممكن للإنسان البعيد عنه ولكن الذي يعيشه سيشعُر فعلاً بذلك. عندك شرِكة من أكبر شركات مُستحضرات التجميل "Dove" أجرت دراسة ووجدت أنّ أربعة في المئة فقط من الناس يشعرون في الداخل أنّهم فعلاً جميلون. يعني من كلّ مئة شخص عندك أربعة يقولون لك، "أنا أشعر بالجمال" و96 % يقومون بعمليات تجميل ويضعون Make up، أزياء، شِعر، إلى آخره وهي في الداخل لا تشعُر في الجمال إنّما تشعُر بالقبح

زاهي وهبي: كيف نجعل المرأة أو الرجُل، لكن الآن لأنّنا نتحدّث في شكلٍ خاص عن النساء، عن الأنوثة، كيف نملأ هذا الفراغ؟ كيف يشعُر الكائِن سواء كان

رِهام الرشيدي: رجل أو امرأة

زاهي وهبي: كيف يشعُر أنّه جميل؟ كيف يُعزِّز ثقته بنفسه؟

رِهام الرشيدي: من ناحية الجمال

زاهي وهبي: نعم

رِهام الرشيدي: أو حتّى الأنوثة "زاهي". الإنسان اليوم دائِماً يُحاول قليلاً أن يُجسّد الأشياء. يعني تقول أنوثة هي تسألك: مثل مَن؟ تريد شكلاً. عندما تقول الجمال، يُريد شكلاً. أنا أعتقد أنّ علينا أن نتجاوز الأشكال والصُوَر إلى الروح، روح الجمال، روح الأنوثة التي هي حالتي أنا الداخليّة

زاهي وهبي: ما تعريفكِ لروح الجمال أو لروح الأنوثة؟

رِهام الرشيدي: روح الأنوثة هي السلام، أن أكون قادرة على أن أُحرِّك نفسي في قوّة ناعمة لطيفة، يعني لا أقسو على ذاتي لكي أتحرّك، لا أكره ذاتي كي أتحرّك. البعض يقول، " لا، أنا أُريد أن أعدّل نفسي، أريد أن أذهب إلى النادي أو أريد أن أمارس أي شيء من الرجيم أو غيره كرهاً في ذاتي. لا، نحن علينا

زاهي وهبي: كيف يصل إلى السلام؟ كما تعلمين مجتمعاتنا العربية فيها فقر، فيها أُميّة، فيها بطالة، فيها حروب، فيها مشاكل لا تُعدّ ولا تُحصى. كيف يُمكن لامرأة تعيش كلّ هذا الواقع أن تشعر بالسلام؟

رِهام الرشيدي: صحيح أنّ هناك تغييرات خارجية من اللازم أن تكون على مستوى الدول والحكومات والاقتصاد، هذا كلام مئة في المئة صحيح. ولكن في نفس الوقت من غير اللازم أن ننتظر أن يحصل التغيير في الخارِج كي نشعُر بالسلام، الحقيقة هي العكس. أنا أُحاول أن أصل إلى سلامي وسأبدأ مع الوقت أقيس انعكاس ذلك على الخارِج، نعكِس المُعادلة قليلاً، نشتغل على ما في الخارج ولكن أيضاً نشتغِل على ما في الداخل

زاهي وهبي: كيف تجدين المرأة العربية انطلاقاً من تجربتكِ واحتكاككِ ربما بآلاف الفتيات والنساء العربيات، ربما الخليجيات بشكلٍ خاص ولكن عربيات بشكلٍ عام؟ كيف تجدين علاقة المرأة العربيّة بأنوثتها؟

رِهام الرشيدي: أولاً هناك الكثير من علامات الاستفهام عمّا هي الأنوثة، ثانياً أحد الأخطاء أن تربط الأنوثة في الجمال، ثالث وهم أو خرافة أنّ الأنوثة طريق إلى الرجل فقط وهذه تحرِم المرأة متعة ولذّة أن تستشعِر أنوثتها أولاً في التعامل مع ذاتها

زاهي وهبي: يصير كلّ همها

رِهام الرشيدي: الرجُل

زاهي وهبي: إرضاء الرجُل سواء كان حبيباً أو زوجاً

رِهام الرشيدي: أو الزوج أو الأب، أيّ رجُل له سلطة في حياتها

زاهي وهبي: أو حتّى زميل ربما، لكن أن تكون في مظهرٍ مُعيّن أمامه

رِهام الرشيدي: نعم، وأنا أُحاول أن آخذ البنت إلى أنّ رحلة السلام، رحلة التشافي، الأنوثة والجمال قبل أن تكون لأيّ أحد في الخارِج هي لي أنا. أي ماذا لو كنت امرأة غير متزوّجة أو امرأة منفصلة أو توفّى زوجها؟ هلّ يعني ذلك أنها خلص تُحرَم من الأنوثة وتُقفل ملفّ الأنوثة؟ لا أعتقد أنّ هذا الشيء صحيح

زاهي وهبي: هي في رأيكِ من اللازم أن تشعر بأنوثتها وتعيش أنوثتها لأجل نفسها في الدرجة الأولى؟

رِهام الرشيدي: لنفسها، وتكون علاقاتها في النهاية تتأثّر بطريقة تلقائِيّة وحقيقية نتيجة علاقتها مع نفسها. يعني ليس لأنني والله سأتزوّج أضبِط الأنوثة عندي! وإذا لم يتمّ الزواج ألا يوجد دافع تجاه الأنوثة؟

زاهي وهبي: يعني هنا من اللازم أن يكون هناك نوع من حبّ الذات؟

رِهام الرشيدي: نعم مثلاً

زاهي وهبي: حسناً، الخيط الرفيع بين حبّ الذات وبين الأنا

رِهام الرشيدي: الأنانية

زاهي وهبي: الأنا الأنانية، بين النرجسيّة، يعني الإنسان الذي يُصبِح كثيراً مُعجب بنفسه. تعلمين أنّ "نرسيس" رأى صورته على صفحة المياه فانتحر غرقاً بحثاً عن صورته ولكثرة ما أعجِب بنفسه حين رأى صورته

رِهام الرشيدي: أعجب بذاته 

زاهي وهبي: ومن هنا أتت تسمية النرسسيّة أو النرجسيّة، فكيف يُمكن أن نُميِّز بين هاتين المسألتين؟

رِهام الرشيدي: على قدر ما يبدو أنّ الأنانيّة تُشبه حبّ الذات إلّا أنّهما في العُمق منفصلان تماماً. حبّ الذات يعني ألا أبخس الناس من حولي حقّهم ولا أُحاول أن أصغّر من الآخرين إنما كلّ ما في الموضوع أن أعطي نفسي حقّها. أنا محور كوني أنا وفي نفس الوقت أُحاول أن أعطي كلّ ذي حق حقّه. الأنانية تقول أنّني محور كوني ومحور كونك أنت كذلك، ومن أجل أن أنا أكبر من اللازم أن أُصغِّرك أنت الذي أمامي، فهو فرق بين الإثنين يعني لكن صحيح أنّ حبّ الذات قد يكون حالة أو قد يكون حاجة جوهرية قبل أن نبدأ في الأنوثة

زاهي وهبي: هناك نظريّات وأناس كُثُر يقولون أنّه لكي تُحبّ الآخر، لكي تُحبّ الوجود وتُحبّ الحياة من اللازم أولاً أن تُحبّ نفسك

رِهام الرشيدي: صحيح، فأنا دائِماً أقول للبنات، الموضوع هو ليس إن كنت أُحبّ زوجي أكثر مما أُحبّ ذاتي أو أبنائي أكثر، هو ليس أكثر إنما قبل، قبل أن أُحبّ زوجي عليّ أن أتأكّد أنني أُحبّ ذاتي. قبل أن أُحبّ أبنائي عليّ أن أتأكّد أنني أُحبّ ذاتي وذلك كي أتأكد حين أجالسهم أنني أعطيهم حبّاً وإذا ليس عندي حبّ سأُعطي حاجة، سأُعطي تعلُّقاً، سأُعطي خوفاً لكن لن أُعطي الحبّ  

زاهي وهبي: استعملتِ كلمة "تشافي" و "التشافي الذاتي" أكثر من مرّة في خلال فترة وجيزة، ما هو التشافي الذاتي؟

رِهام الرشيدي: الـ Self-Feeling هو التشافي الذاتي. لا يوجد أحد ليس عنده ملفّات داخليّة مفتوحة منذ فترة الطفولة، نحن في حاجة لأن ننظر لها، ننظر للداخل

زاهي وهبي: مفتوحة أمام من؟ أمام نفسه؟

رِهام الرشيدي: أمام نفسه طبعاً. من الصعب، ممكن أن يدركها البعض، إذا أنت مثلاً عندك غضب يُمكن للآخرين أن يقولوا لكّ أنّ لديك غضب، لكن هناك إشكاليّات أعمق الإنسان يعرِفها عن نفسه مثل الخوف، فقدان الثقة في النفس، الشكّ تجاه القادم، التشاؤم، هذه كلّها إشكاليات داخليّة نفسيّة

زاهي وهبي: أنا أُسميه "الصندوق الأسود"، مثل الصندوق الأسود الموجود في الطائِرة، يُسجِّل كلّ شيء

رِهام الرشيدي: كلّ شيء منذ الطفولة، على فكرة منذ أن كان الإنسان في بطن أُمّه، يعني منذ فترة الحمل في التسعة أشهُر الأولى. فإن لم تنظر في الداخل ستظلّ تتعرّض لنفس الإشكاليات طوال حياتك حتى تصل إلى الستّين والسبعين والثمانين من دون أن تعرِف كيف تخرُج من هذا المأزق. تنتظر دائِماً مُخلِّصاً خارِجياً يُحرّرك ولكن في الحقيقة أنت الذي تُحرّر نفسك عندما تنظُر إلى الداخل وتبدأ تقول، "حسناً أنا لدي"، أولاً تُقِرّ أنّ لديك هذه الإشكاليّة وبعد ذلك تبدأ تطرَح أسئِلة، "كيف أتجاوز الآن؟". فهذه هي رحلة التشافي

زاهي وهبي: في قدر ما كان في الموروث العربي من وقتٍ لوقت إلى يومنا هذا يقمع للأنوثة، كانت الأنوثة في نفس الوقت مصدر إلهام للشِعر، للفنّ، للموسيقى، لكلّ أشكال الإبداع الإنساني. لماذا الأنوثة مُلهِمة إلى هذا الحدّ؟ وهلّ الأمر معكوس؟ يعني هلّ الذكورة تُلهِم النساء كما الأنوثة تُلهِم الرجال؟

رِهام الرشيدي: الأنوثة تُلهِم الإنسان، الأنوثة هي جانب الإلهام للإنسان سواء رجل أو امرأة. من أجل هذا، كلّما اتصل الإنسان بالأنوثة الداخليّة في مشاعره وعواطفه يُصبِح حسّاساً، يُصبِح لديه قدرة شفافيّة، قدرة على استيعاب ما لا يُرى. يعني أنت كشاعِر مثلاً تأتيك لحظات إلهام كي تكتب القصيدة أو الملحن، ومن الممكن أن تقول، " أنا كيف كتبت ما كتبته؟" بعد أن تذهب الحال

زاهي وهبي: صحيح

رِهام الرشيدي: لأنّ هذا الإلهام لا يشعُر فيه إنسان سواء كان رجلاً أو امرأة ذكورية، ذكورية هي مثلاً

زاهي وهبي: إذاً هناك امرأة ذكوريّة

رِهام الرشيدي: هناك امرأة ذكوريّة طبعاً. الذكورية أن نكون نحن مغمورات ومنغمسات في العمل دائِماً من دون أن نُعطي أنفسنا فُسحة للروحانيات وغيرها التي هي جزء أصيل من الأنوثة

زاهي وهبي: يمكن أن نتوسّع قليلاً في موضوع الذكورة والأنوثة، يعني الأنوثة في الرجل والذكورة في المرأة. طبعاً لا نتحدّث هنا عن المثليّة الجنسية، لا نتحدّث عن الميول بل في المعنى النفسي الروحي الفِكري الإبداعي الموجود في كلّ إنسان ولكن بعدما نتوقف مع موجز إخباري سريع نتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني       

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نتابع "بيت القصيد" مع المُدرّبة أو المُعلِّمة بالأحرى في الأنوثة وفي الوعي الذاتي أليس كذلك يُمكننا أن نقول؟

رِهام الرشيدي: نعم

زاهي وهبي: "رِهام الرشيدي"، الكويتية "رِهام الرشيدي". "رِهام"، أشرنا قبلاً إلى مسألة الذكورة والأنوثة الموجودة. يُقال في كلّ رجل شيء من الأنوثة وفي كلّ امرأة شيء من الذكورة، لا بلّ بعض الأساطير والأفكار القديمة تقول أنّهما كانا شخصاً واحداً، كانا كائِناً واحداً، الرجل والمرأة كانا كائِناً واحداً ثمّ انفصلا، ولأجل هذا عندهما دائِماً رغبة في أن يعودا كائِناً واحداً. كيف هو فهمكِ لهذه المسألة؟

رِهام الرشيدي: الجميل في موضوع الأنوثة والذكورة، وهذا ربما يغيب عن الكثير من الناس، أنّ الأنوثة التي لديّ مثل الأنوثة التي لدى الرجل، والذكورة التي لديّ، مثل قوة الشخصية وغيرها، مثل الذكورة الموجودة لدى الرجل. الفرق في التركيبة، يعني الرجل ذكورته هي الظاهِرة وأنوثته هي الباطنة في حين المرأة أنوثتها هي الظاهرة وذكورتها، مثل قوة شخصيتها وقدرتها على حماية نفسها، هي الباطنة

زاهي وهبي: لكن لماذا تربطين الذكورة بالقوّة؟ بقوّة الشخصيّة مثلاً، وتعودين لتقعين في نفس المطبّ الذي فيه النظرة للأنوثة في اعتبارها أضعف أو أقلّ قوّة؟

رِهام الرشيدي: لأنك تعتبر أنّ الأنوثة للمرأة فقط. الأنوثة والذكورة للإنسان وهناك مواصفات. مثلاً عندما أقول لك "اللطف"، هي حال أنثويّة ولكن أنا لا أعني أنّ المرأة فقط هي اللطيفة في الموضوع، الرجُل لديه هذا الخصلة الأنثوية

زاهي وهبي: يعني عندما يكون لطيفاً يكون يعيش في هذه اللحظة

رِهام الرشيدي: تكون تتواصل مع جانبك الأنثوي، وعندما تكون قوياً سواء رجل أو امرأة تكون تتواصل مع الجانب الذكوري لديك، لأنّ الذكورة ليس لها علاقة بالرجُل فقط، لها علاقة بالإنسان. نعم

زاهي وهبي: يبدو أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الأنوثة والإبداع، ليس فقط في معنى الإلهام أو أن المبدِع يستلهِم من الأنثى ومن الأنوثة، لا، المُبدِع بمعنى الشاعر والموسيقي والرسّام إلى آخره، وكأنّ مستوى الأنوثة في داخله مُرتفِعاً أكثر من غيره سواءً أكان رجلاً أم امرأة

رِهام الرشيدي: صحيح، وهذا هو الشيء الذي أخاف المُجتمعات الذكوريّة ويجعلهم لا يريدون الأنوثة حتّى على طريقة الفنّ والجمال والشِعر والموسيقى والغناء، فيحاولون أن يمنعونها عن الناس لأنّ هذه المُجتمعات الذكورية تخاف من الأنوثة سواء أكانت في المرأة أو في الرجُل. لكن أنا أعتقد أنّ الفترة القادمة هي التي ستميل قليلاً الأمور وتعيدها إلى توازنها بحيث ترتفع من جديد ثقافة الأنوثة

زاهي وهبي: هلّ توافقين حضرتكِ على مقولة أننا مُجتمع ذكوري؟ سواء في عالمنا الشرقي في شكلٍ خاص أو في الكوكب كلّه رغم أنّ المرأة أخذت ربما مواقع متقدّمة في القرار وحقوق إلى آخره، ولكن في شكلٍ عام المُجتمع ذكوري

رِهام الرشيدي: العالم اليوم ووعي الإنسان ذكوري، حتّى في المُجتمعات على فِكرة التي أخذت فيها المرأة حقوقها والموضوع ليس أخذ الحقوق فقط بل هو كيف أخذت المرأة حقوقها؟ ربما أخذت حقوقها وتُحلِّق بذكوريّة وفي طريقة تكاد تكون فيها كأنها رجُل

زاهي وهبي: نعم

رِهام الرشيدي: العالم اليوم عنده ثلاث قِيَم ذكوريّة حاكمة، "أكبر وأكثر وأسرع". فنريد من كلّ شيء عدداً أكثر ونريد من كلّ شيء حجماً أكبر ونريده أسرع. هذا من نتائِج الوعي الذكوري في حين الوعي الأنثوي الذي يوازن الأمور يقول لك، "أهدأ وعلى مهل والتفاصيل التي هي الأمور الصغيرة والأقلّ"، هذه لها ميزاتها في الوعي الأنثوي. مُجتمعاتنا نحن العربية نعم، والمجتمعات على فكرة الغربيّة أيضاً فيها هذه القِيَم الذكوريّة

زاهي وهبي: مع أنّه يُقال إنّ المُجتمعات الشرقيّة هي مُجتمعات عاطفيّة، يعني مُجتمعات يُحرِّكها الإحساس أحياناً والعاطفة أكثر من العقل والفِكر. هلّ هذا الشيء يُخفّف من ذكوريّتها؟

رِهام الرشيدي: يُخفّف نعم ولكن مُشكلة مجتمعاتنا أنها تخجل من أن تُظهِر هذه الأنوثة، فعندما يحتاج الرجل أو يشعُر في حاجة لأن يُظهِر أنوثته يكتب الشعر مثلاً ولكن أن يمسك زوجته ويكون لطيفاً معها أمام الناس يخجل من هذا الشيء. يخجل الرجل من أن يبكي مثلاً، لأنه منذ الطفولة

زاهي وهبي: صحّ، وكأنّه في بعض التربية وكأنه عيب أن يبكي الرجُل

رِهام الرشيدي: عيب نعم لأنه منذ فترة الطفولة، وهذه أنا أقول أنّها من مُدمِّرات الرجولة، المجتمعات التي تحرِم الذكر من أن يكون رجلاً تحرِمه من أنوثته التي هي مشاعِره وإحساسه بالضعف أحياناً. فالولد إذا بكى مثلاً أو تألّم يقولون له "لا تبكي، ألست رجلاً؟ فيحرمونه بذلك من التواصل مع الجانب الأنثوي

زاهي وهبي: كيف نُرسِّخ في ذهن المرأة اليوم والرجل أنّ الأنوثة ليست شكلاً فقط، الأنوثة ليست جمالاً فقط، الأنوثة ليست غواية وإغراء إنّما الأنوثة شيء آخر. يعني إلى جانب ربما كلّ هذه المسائِل هناك شيء أعمق

رِهام الرشيدي: أنا أقول لكلّ امرأة تسمعني، أنظري إلى تجربتكِ. يعني هي تعتقد أنها إذا زادت جرعة الجمال ستُحقّق الأنوثة فنجدها في النهاية ستُقرِّب منها ليس فقط الرجُل، الرجُل والأبناء والأهل. الأنوثة حلوة في العلاقات الإنسانية، فأنتِ زدتِ من جهدِك تجاه الجمال لكن هلّ نجح الموضوع في النهاية؟ ليس في الضرورة، الجمال يفتح الباب. نحن نُحبّ الجميلة من النساء والوسيم من الرجال، ولكن بعد ذلك في استمرار العلاقة لا يُمكنك أن تستمرّ مع إنسان عنده غضب، عنده عنف داخلي. تحتاج هذه الرقّة الموجودة لدى الأنوثة

زاهي وهبي: نعم. نحن على عادة البرنامج سنستمع إلى عدّة آراء في تجربتكِ من أناس يعرفونكِ وتابعوا هذه التجربة. نبدأ مع الكاتبة للأطفال، الكويتية الأُستاذة "روان دشتي" نسمعها معاً

كلام يوصل

روان دشتي- كاتبة قصص أطفال: صداقتي مع "رِهام" صداقة جديدة، يعني أعتقد صار لنا ربما ثلاث سنوات نعرِف بعضنا لكن لم نتقابل إلّا ثلاث مرّات لأنني كنت أعيش خارِج (الكويت) مدّة طويلة. للأمانة تمارين الأنوثة فادتني أكثر في الحياة الشخصية خاصةً أنني كنت مغتربة وكنت أمرّ في ظروف هناك صعبة قليلاً لواحدة بعيدة عن أهلها. فادتني كثيراً من ناحية الصبر والتعامل مع الناس، وكوني عدت إلى (الكويت) وبدأت أشتغِل في شكلٍ رسمي أحاول أن أُدخِل رويداً رويداً من تمارين لكنني ما زلت أتعلّم I am still learning. القصة التي في ودّي أن أقول لكم عنها هي تخصّ لقاءنا الأول مع بعض. أنا كنت أعيش في الخارِج ولم أكن أعرِفها شخصياً، كنت أعرِفها فقط عن طريق شبكات التواصل وشغلها في التدريب، وفجأة جاءت في بالي وأردت أن أبعث لها القصة الجديدة التي كنت قد كتبتها وهي Thinking Girl. فأرسلت لها e-mail ورجع لي البريد كونها كانت قد أقفلت بريدها فيAuto Reply يقول أنّها لم تعد تستلم بريداً، She does not receive e-mail any more. فقلت "خلص، الله لم يكتب"، لكن بعدها بساعة ربما ردّت على الـ e-mail وتفاجأت لأن ذلك كان في وقتٍ متأخّر في توقيت (الكويت) وتبيّن أنه في نفس الوقت الذي أرسلت فيه الـ e-mail كانت هي في نفس المدينة التي كنت أنا فيها في (أميركا) واتفقنا أن نتقابل اليوم التالي، وكانت مناسبة حلوة كثيراً جداً. "رِهام"، أسألكِ سؤالاً ربما يبدو غريباً، لكن في حياة ثانية لستِ فيها "رِهام الرشيدي"، إذا خُيِّرتِ في أن تكوني ذكراً متّزناً أي Gentleman أو أنثى مفرطة الأنوثة، يعني قريبة قليلاً من الـ Deva، فماذا تختارين؟ ولماذا؟                                    

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذة "روان دشتي"، تفضّلي

رِهام الرشيدي: سؤال صعب. يعني ماذا سأختار؟ أن أكون رجلاً متّزناً يعني ما بين قوته الداخلية وحكمته، الجانبين، أو أكون أُنثى غير متزنة ومتطرّفة في اتجاه أنوثتها

زاهي وهبي: قالت مفرّطة الأنوثة ولم تقل غير متّزنة

رِهام الرشيدي: مفرطة الأنوثة لكن المهم أنها استخدمت كلمة Deva وهذا اللفظ نحن نستخدمه، المفرطة في الأنوثة نحن نقول عنها غير المتّزنة، يعني لديها إشكالياتها الداخلية. لا، أنا أختار حال الاتّزان أكيد، رجل كان أم امرأة على فكرة، حتّى لا يعتقد المُشاهد أنني أٌريد أن أكون رجلاً. أنا لا أُريد أن أكون رجلاً، أنا مرتاحة جداً وسعيدة في أنوثتي ولكنني أُحبّ الاتّزان

زاهي وهبي: نعم. لا تؤاخذينني، هناك نظرة عند البعض لمسائِل التدريب على الوعي أو تطوير الذات أو الآن اكتشفنا التدريب على الأنوثة. البعض ينظُر في نوع من السُخرية إلى هذه المسائِل، أنّه مثل كيف تُصبِح مليونيراً خلال أُسبوع، أو تعلّم الطيران في ثلاثة أيام. يعني لا يعتبرونها شيئاً جدّياً عميقاً يستنِد إلى فِكر أو إلى ثقافة أو إلى وعي

رِهام الرشيدي: السبب يعود إلى نقطتين. النقطة الأولى قد يكون هو كمتلقٍّ ليس مستعداً لتطوير نفسه. نحن في مجالنا أنت صحيح أتيت لتتعلّم من معلّمين أو تأخُذ دورات ولكن الجهد في أغلبه عليك أنت. فإذا لم تكن مستعداً قد لا تجني نتائِج وبعد ذلك قد تقول "والله لم يمشِ الحال". الجزء الثاني، وهذا صحيح، أنّ هناك بعض المُدرّبين أو غيرهم قد لا يكونون حقيقيين، مثلما في كلّ المجالات يعني

زاهي وهبي: نعم، يستخدمونها كتجارة يعني

رِهام الرشيدي: لا أعرِف ما هي الأسباب

زاهي وهبي: يستغلّون

رِهام الرشيدي: مثلاً شهرة أو أيّاً كانت الأسباب. أعتقد إن هذا موجود في كلّ المجالات، عندك في السياسة، عندك في الدين، عندك في الطبّ. فمسؤولية الشخص الذي يُريد أن يُساعِد نفسه فعلاً أن يبحث حتّى يجد الإنسان المناسب ويقول، "إي والله، أنا أستطيع أن أتعلّم منه"

زاهي وهبي: نعم. نحن ذكرنا في المقدّمة وربما في علامة فارِقة أنّ حضرتكِ خرّيجة كليّة الهندسة والبترول في (الكويت)

رِهام الرشيدي: صحيح

زاهي وهبي: أولاً إذا كان عندكِ كلّ هذه الأفكار، ما الذي أخذكِ إلى الهندسة والبترول؟ ثمّ، أيمتى أدركتِ أو قرّرتِ أنكِ تريدين أن تكوني مُختلِفة؟

رِهام الرشيدي: الذي أخذني إلى الهندسة الوعي الذكوري

زاهي وهبي: نعم

رِهام الرشيدي: لأننا مُجتمعات تحترم الطبّ والهندسة والمُحاماة. إذا كان عندك ولد أو بنت معدّلهما عال مثلي أنا يوجّهونهما إلى الطب أو الهندسة أو

زاهي وهبي: يعني كنتِ تلميذة

رِهام الرشيدي: كنت لا أدرُس كثيراً لكن أحصل على درجات حلوة ولم أنتبه لنفسي، لم أعرِف نفسي أثناء الدراسة. أنا عندي مادة واحدة فقط في الثانوي نلت فيها مئة في المئة كانت عِلم النفس. أنا متعتي أن أقرأ الناس، أقرأ الكتب، لكن لأنّ لم يكن عندي الوعي الذاتي أثناء الدراسة اتجهت إلى التخصّص الذي أعتقد أنه جدير في الاحترام

زاهي وهبي: كيف وجدتِ في نفسكِ الحاجة؟ أولاً كيف بدأتِ الاهتمام في موضوع الأنوثة وفهمكِ ومفهوم الأنوثة؟  والحاجة أن تكوني مُعلِّمة أو مُدرِّبة؟

رِهام الرشيدي: أنا بعد أن دخلت الهندسة وتخرّجت من الهندسة واشتغلت فعلاً مُهندسة في إحدى شركات النفط الكبيرة عندنا في (الكويت) بدأت تأتيني حال من الحزن والاكتئاب لأنّ شعوري أنني لم أُخلَق لكي أجلِس أمام آلة، أنا لست إنساناً في مقابل آلة، أنا إنسان في مقابل إنسان. بهجتي ومتعتي في الحياة عندما أجالِس إنساناً وأتحدث معه وأتحاور معه وأُساعده في أن يفهم نفسه أكثر، فعندي هذه المَلَكة، عندي هذه القُدرة بالإضافة إلى أنني كثيرة القراءة والاطّلاع لنفسي في الدرجة الأولى. ثمّ بعد ذلك كما أخبرتك رحلتي في التشافي الذاتي لنفسي أنا. بدأت أجني أو أُحقّق أو أقطع أشواطاً حلوة فيها ووجدت أنني قادرة، يعني عندي القُدرة لأن أُبسِّط المعلومة

زاهي وهبي: كم القراءة طوّرت من شخصيّتكِ؟ كم ساعدتكِ في هذا الاهتمام الذي حضرتكِ تحملينه؟ كم كانت مَعيناً بالنسبة لحضرتكِ؟

رِهام الرشيدي: القراءة مُهمّة. بدأت أقرأ من عمرٍ صغير ولكنّي لا أُريد أن أحصر المعرِفة وتطوير الذات في القراءة، تجارب الحياة الحقيقيّة، التطوّع، العمل، الالتقاء بالناس، هذه كلّها شكّلت عندي. القراءة تُعطيك جانباً نظرياً، بعد ذلك أنت تذهب وتلتقي وتختلِط بالناس. هنا، هذه هي التجربة الحقيقية

زاهي وهبي: اهتمامكِ بفهم أنوثتكِ أولاً كإنسان، ثمّ تطوّرتِ. هلّ جعلت حياتكِ الشخصية أسهل أم أكثر تعقيداً؟ علاقتكِ بزوجكِ، علاقتكِ ببناتكِ، حضرتكِ أُمّ لثلاث بنات الله يخلّيهنّ

رِهام الرشيدي: أنا دائِماً أُفكِّر، لو أنني لم أدخل في الأنوثة كيف ستكون حياتي اليوم؟ أعتقد أنّ إشكالياتي الداخليّة كانت من الممكن أن تقف في الطريق بيني وبين زوجي أو بيني وبين بناتي. الأنوثة ساعدتني كثيراً. يعني الأنوثة يسّرت، سهّلت، بسّطت الأمور. يعني على عكس الذكورة التي تجعلك تبذل جهداً كبيراً وفي النهاية يُمكن أن تحصل على نتائِج قليلة

زاهي وهبي: عندما نقول مُعلِّمة أو نقول مُدرِّبة يخطُر في بالنا، قبل أن نتعرّف، شكلاً معيّناً. فعندما نشاهدكِ نرى شابة لا تزال في مقتبل العُمر، جميلة الشكل. هلّ تتعاملين مع نفسكِ كامرأة جميلة؟

رِهام الرشيدي: لا أتعامل مع نفسي في أيّ حُكم، لا توجد عندي أحكام على نفسي، حتّى لا يوجد عندي حكم على نفسي في كوني معلِّمة لأنني إن وضعت أحكاماً على نفسي فمن اللازم أن أكون معلّمة طوال الوقت. لا، أنا معلِّمة وأنا زوجة وأنا أمّ وأنا أحياناً طفلة، فلا يوجد عندي حُكم على نفسي. أمّا الجمال مثلما قلت لك، أنا جميلة، أرى هذا الشيء في نفسي، وأرى الجمال في كلّ امرأة ورجُل يمرّ في حياتي، في كلّ إنسان يعني، ولا أعتبر أنّه ميزة إضافية ولا هو نقص هو صفة حالها حال بقيّة الصفات

زاهي وهبي: نعم، كيف هي علاقة زوجكِ مع اشتغالكِ على الوعي الأنثوي ومع فهمِك للأنوثة؟ لأن هذا الفهم الذي نتحدّث عنه غير موجود وغير شائِع عند كلّ النساء وكلّ الزوجات وكلّ البنات، فكيف يتعامل مع هذه المسألة كرجُل شرقي عربي كويتي؟

رِهام الرشيدي: هو صحيح شرقي وعربي وكويتي خليجي ولكن أنا دائِماً أقول للنساء، إبحثي عن الرجُل الذي لديه قبول، يعني هو يقبل ما تقومين به سواء أكان يوافق عليه أو لا يؤيّده 

زاهي وهبي: لا يقف عائِقاً 

رِهام الرشيدي: بالضبط، يعني يُعطيك مساحتك للعمل، طالما أنت لا تضرّين نفسكِ أو تضرّين أحداً انطلقي، ومع الوقت هو يرى النتائِج وبالتالي يأخُذ ويؤيِّد البعض منها

زاهي وهبي: نسأل كم هو مهمّ للمرأة أن تُحقّق ذاتها وبالتالي تكتشف أكثر هذه المكامن الأُنثويّة في نفسها، ولكن لو سمحتِ لي بعد استراحة سريعة نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث             

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع المُدرّبة في الأنوثة وفي الوعي الذاتي السيّدة "رِهام الرشيدي". كيف يكون وقع هذا التعبير، "مدرِّبة في الأنوثة"، على الذين يسمعونكِ للمرّة الأولى؟ خصوصاً أنّكِ أوّل مدرِّبة من نوعها في الوطن العربي مثلما قلنا في البداية

رِهام الرشيدي: ردّات الفعل مُختلفة، أحياناً أُلاحظ اهتماماً كبيراً سواء من المرأة أو حتّى من الرجُل

زاهي وهبي: ومن الأكثر اهتماماً؟

رِهام الرشيدي: النساء طبعاً، النساء

زاهي وهبي: النساء في طبيعة الحال

رِهام الرشيدي: ماذا يعني تعبير مدرّبة في الأنوثة؟ أحياناً لأنني لا أتبع دائِماً مواصفات الشكل الأنثوي، أنا ربما الآن وضعت Makeup، لكن أحياناً أظهر بشكلٍ عملي

زاهي وهبي: لضرورات الظهور على الشاشة أصلاً

رِهام الرشيدي: بالضبط، فأحيانا أُلاحِظ نظرة الناس لهذه الأنوثة لا تنطبق على المواصفات التي هم تعارفوا عليها، لكن حتّى في هذا الوقت يسعدني أن أكون أُساعِد المرأة في أن تعيد تعريف الأنوثة بعيداً عن الشكل

زاهي وهبي: نعم. هل هناك رجال يأتون إلى دوراتكِ التدريبية؟ يعني يريدون أن يعرِفوا أكثر عن مفهوم الأنوثة

رِهام الرشيدي: نعم هناك، ولكن قلّة قليلة. لذلك تجد حتّى خطابي، اللهجة التي استخدمها تكون للمرأة أكثر

زاهي وهبي: نعم، تُفضّلين أن يكونوا الذين يستمعون لحضرتكِ من النساء أكثر أو ماذا؟

رِهام الرشيدي: لا أُفضِّل بل على العكس. أتمنّى حتى أن ينضم إلينا الرجال، لكن المُشكلة أنّ الوعي الإنساني اليوم لا يُدرِك أنّ الأنوثة أيضاً هي للرجُل، فبالنسبة لي أسهل أن أقول للمرأة تعالي، دعينا نشتغل على الأنوثة والذكورة، من أن أُقنِع الرجُل بالانضمام

زاهي وهبي: هناك مسألة أشرنا إليها قبل الاستراحة، أن تُحقّق المرأة ذاتها، أو أن يُحقّق الإنسان ذاته ولكن نتحدّث عن المرأة كونها في مُجتمع ذكوري فغالباً ما تُقمَع في إمكانياتها وطاقاتها وكذا، أن تُحقّق ذاتها، أن يكون لديها عمل أو حلم تُحقّقه، وربما تختار أن تكون مُجرّد مُربيّة في البيت ولكن يكون هذا خيارها وهذا حلمها. كم يساعدها على فَهْم نفسها عندما تُحقّق ذاتها؟

رِهام الرشيدي: طبعاً، أنا لا أعتبر المربيّة مُجرّد مربّية، هي قد تكون مثلما قلت اختارت هذا الدور

زاهي وهبي: أنا هذا ما أقوله، ولكن هذا خيارها ويُحتَرَم، نعم

رِهام الرشيدي: هذا خيارها نعم. تحقيق الذات مُهمّ وبدايته، أول خطوة، أن تعرِف المرأة ذاتها وأن يعرِف الرجُل ذاته، أن تعرف من أنت وماذا تُريد في هذه الحياة، أين وجهتك وإلى أين أنت متّجه، ثمّ بعد ذلك تختار الأعمال والعلاقات التي تُساعدكَ في هذه الرحلة لكي تسعَد، يعني لكي تسعَد في هذه الرحلة، وإلّا ماذا ستفعل؟

زاهي وهبي: عالم اليوم أكثر فهماً للأنوثة أم أكثر تسليعاً للأنوثة؟ يعني تقديمها، نُشاهِد في الإعلانات، نُشاهِد في الكليبات، نشاهِد في الأفلام أحياناً، نشاهد المرأة وكأنها سلعة

رِهام الرشيدي: نعم، وهذا ليس شيئاً جديداً، عندك منذ أيام دعنا نقول "مارلين مونرو"، كانت تُقدَّم على أنها هذه هي الأنوثة وشكل جسدي مُعيّن والشعر الأشقر وثياب يعني وطلّة معيّنة. ولكن أنا سأقول، نحن اليوم أقرب إلى فهم الأنوثة أكثر. هذا الوعي الأخير يجعل الناس، حتّى البنت التي تُقبِل على عمليّات تجميل، تجدها بعد فترة تشعُر بالملل وتقول لا أريد أن أضع Extension، لا أُريد أن أضع مواداً، لماذا؟ لأنّ حبل الزيف قصير في هذا الزمن

زاهي وهبي: طبعاً

رِهام الرشيدي: لأنّ كلّ شيء في المتناول فهي ستذهب وتُجرِّب وسيتّضح لها خلال فترة قصيرة أنّ هذا ليس الطريق، فنحن أقرب إلى أن نسأل ونقول حسناً، ما هي الأنوثة؟ من جديد

زاهي وهبي: إسمحي لنا أيضاً أن نستمِع إلى رأي، نعود إلى (الكويت). المُهندسة والمُدرّبة في التربية هذه المرّة السيّدة "دعاء الإدريس" نستمع إليها في "كلام يوصل"

كلام يوصل

دعاء الإدريس – مدرّبة في التربية: "رِهام"، من الأشياء الحلوة كثيراً فيها أنّها تُقدِّم مادّة جداً عميقة وجدّاً فيها روحانيّة كبيرة، فيها مواضيع تنمية ذاتيّة في حدّ ذاتها. في الغالب تُقدِّم في طريقة اعتدنا عليها يعني حفظنا الكلام لكن "رِهام" تقدّمه في طريقة قريبة جداً. طريقة "رِهام" في عرض المعلومة عميقة جداً في مواضيعها التي كلّها روحانيّة ورُقيّ في الإنسان، يعني مواضيع جداً عميقة يُمكنها أن توصِلها للتي أمامها في طريقة جداً بسيطة، طريقة قريبة جداً للقلب، حتّى الإنسان العملي الذي ليس له في هذه المواضيع الروحانية يستطيع أن يستلمها وتصل إليه ويقتنع بها في كلّ بساطة وفي كلّ سلاسة. قوّة "رِهام" تكمن في أنّها حقيقيّة، أنّها فعلاً في حياتها تعيش حقيقتها، نرى شخصية "رِهام" نفسها خلف الشاشة في برامج التواصل الاجتماعي، نفسها عندما تجالسها وتتسامر معها كصديق، نفسها في بيتها، هي هي، فعندما تطرح أيّ موضوع تحسّ في هذا، تحسّ أنها جداً قريبة من القلب، تحسّ أنّها تخاطبك عن تجربة وعن شيء هي فعلاً عاشته وليس مجرّد مبادئ يُتغنّى فيها. سؤالي هو، في الوضع الذي نعيشه الآن في العالم، في الحركة النسويّة والـ Feminism، في المطالبة بالمساوات في الحقوق والواجبات بين الرجُل والمرأة، هذا التطرُّف وكأنّه يلغي كلّ الاختلافات الموجودة بين الرجُل والمرأة، هلّ هذا الشيء سيكون في صالِح المرأة على المدى البعيد؟ أم سيكون ضدّها؟ هلّ سينعكِس سلباً عليناً أم لا؟

زاهي وهبي: شكراً للسيّدة "دعاء الادريس"، تفضلي

رِهام الرشيدي: سؤال جميل. إذا أردنا أن نتحدّث عن النسوية علينا أن نتحدّث عن المرحلة التي سبقت النسوية، التي هي الوعي الذكوري الذي كان والذي لا تزال بعض المُجتمعات تُعاني منه. الوعي الذكوري الذي يمنع المرأة من أن تتعلّم، الذي يُزوِّج القاصرات من البنات، الذي يعتبر البنت كأنّها شيء كما الكُرسي ويعتبر محور الحياة هو الرجُل، وأنتِ أيتها المرأة خلِقتِ حتّى تؤانسينه في رِحلته. هذا الوعي الذكوري أنشأ عندكِ وأوجد كردّة فعل الحركة النسويّة التي تضرب في يد من حديد وتقول: أنا وأنت أيها الرجُل متساويان ومتشابهان. وقعوا في هذا الخطأ وهو التشابُه، لأننا لسنا متشابهين ولكن نعم نحن متساويين

زاهي وهبي: نعم، هلّ تعتبرين نفسكِ في اشتغالكِ على الوعي الأنثوي جزءاً من الحركة النسويّة في العالم؟ علماً أنّ الحركة النسويّة أيضاً تيّارات وحركات مُختلِفة وليست جسماً أو مفهوماً واحداً

رِهام الرشيدي: الحركة النسويّة تقوم على مبدأ إعطاء المرأة قوّتها في طريقة القوة الصلبة، في الصوت العالي وكذا. هذه مطلوبة ومهمّة في المُجتمعات الذكوريّة التي هضمت حقّ المرأة كثيراً، ولكن ما بعد النسويّة هي، أنا أقول دائماً كونوا إنسانيين، أن تكون مع الإنسان، يعني لا تكون لا مع الذكر الرجل لأنه رجُل ولا تكون مع المرأة دائِماً إنّما تكون مع الإنسان

زاهي وهبي: الإنسان أولاً

رِهام الرشيدي: الإنسان، وتنصف الإثنين. الرسالة التي أنا أُقدِّمها تقول أنّني أنا وأنت أيها الرجُل متساويان صحيح، من باب العدل، ولكن نحن مختلفون في تركيبنا وفي تكويننا

زاهي وهبي: هناك بعض النساء، وطبعاً لا أُعمِّم، في فهمِهم للتحرّر أو للمُساواة يذهبن إلى الحدّ الأقصى، يُصبِح في الشخصيّة نوع من الاسترجال أو تطرُّف في هذه المسألة، وكأنّهنّ يرفضن واقعهنّ كنساء، ويصرنَ يُرِدن التشبّه بالرجل

رِهام الرشيدي: وهذا أحد أسباب ارتفاع الذكورة عند المرأة، عندما ترى أنّ عندها إمكانيّات قوية عالية، ذكية وشخصيتها طموحة، فتجد أنّ مُجتمعها يُحبِطها فقط لأنّها أُنثى، لهذا أنا أقول إنّها في العُمق تكره أنوثتها لأنّها تعتقد أنّ الأنوثة هي السبب. فأنا رسالتي للمرأة: "لا تكوني ردّة فعل، ابحثي عن الطريق الصحيح واتّخذي القرارات الصحيحة. أن تكوني متّزنة ما بين أنوثتكِ وذكورتكِ هذا هو أحسن طريق"

زاهي وهبي: يعني نحن نريد المُساواة ولكن أن تبقى الأُنثى أُنثى وأن يبقى الذكر ذكراً

رِهام الرشيدي: لكلٍّ منهما دوره في النهاية، والمرأة التي ترفُض دور الرجل في حياتها هي مثل الرجل الذي يستحقر من المرأة. الإثنين وجهان لعملة واحدة. الصحيح أن أُقدِّر الرجل وأُعطيه مكانه وأُعطيه وقته وأسمع كلمته في أوقات معينة وأشاوره وأُحاوره، وأؤمن أنني كامرأة سأصل إلى قوّتي الداخليّة من خلال الرجُل كذلك. البنت التي عندها أب يسندها أو أخ أو زوج تشعُر بالقوّة بشكلٍ مُختلِف

زاهي وهبي: إذاً ليس الرجُل هو الخصم أو العدوّ، إنما الوعي الذكوري

رِهام الرشيدي: هو الذي نريد أن نوازنه. يعني ليست المرأة هي الخصم وليس الرجُل هو الخصم إنما في داخل كلّ منا الظُلمة والنور ونحن الذين نكون أقرب إلى نورنا ألا وهو اتزاننا

زاهي وهبي: لاحظت أنّ كلا السيّدتين الكريمتين اللتين أعطيتا شهادات في حضرتكِ محجّبات، وأنا لستُ من النوع الذي يُقسِّم المُجتمع النسائي إلى محجّبات وسافرات، الإنسان إنسان في خياراته. ما طبيعة الشرائِح النسائية التي تُقبِل على دوراتكِ؟ هلّ هنّ نساء مُتحرّرات مُحافظات؟ مثقّفات؟ غير ذلك؟ من أيّة شرائِح؟

رِهام الرشيدي: لأنّه ليس عندي أحكام مُسبقة على الناس من ناحية أشكالهم وصورهُم، لأنّ لدي القبول التام للإنسان في أيّ شكلٍ كان سواء أكانت ستأتيني مثلما قلت غير مُحجّبة أو كانت ستأتيني تلبس النقاب، أنا أقبل الإثنين، فالحمد لله كلّ فئات المُجتمع تقبل الكلام الذي أقوله لأنّه يؤكِّد على الروح "زاهي" وليس على الشكل والمظهر الخارجي

زاهي وهبي: نعم، حضرتكِ كنتِ مُحجّبة سابقاً

رِهام الرشيدي: نعم

زاهي وهبي: لماذا غيّرتِ فكرتكِ عن الحجاب؟

رِهام الرشيدي: ليس لديّ شهيّة لأن أتكلّم عن هذا الموضوع بشكلٍ دقيق لأنني أؤمن أنّ علاقة الإنسان في ربّه علاقة مُقدّسة وعلينا أن نحترِم هذه القُدسية في أننا لا نُقحِم أنفسنا في العلاقة بين الإنسان وربّه. ولكن لو كانت هناك رسالة يُمكنني أن أمرّرها أقول: فلنُعطِي المرأة حقها مثلما نُعطي الرجل حقّه في أن يختار شكل العلاقة مع الله. يعني الرجُل يُغيِّر شكله الخارجي من التديُّن إلى أيّ كانت الأشكال والصوَر ولا يتم الإشارة إليه، أمّا المرأة عندما تُقرّر وتتخِذ قراراً خاصاً بها في كلّ صدق مع ربها يُمكِن أن يُمارَس عليها شيء من الإرهاب النفسي في المُجتمعات الذكوريّة التي لا تريد للمرأة أن تكون حرّة في اتخاذ قراراتها

زاهي وهبي: أكيد أنا أحترِم خصوصيتكِ وعدم رغبتكِ في التوسّع في هذا الموضوع. عندكِ ثلاث بنات الله يخلّيهنّ وأريد أن أُمسّيهنّ بالخير هنّ ووالدهنّ، "هند"، "فرح"

رِهام الرشيدي: و"صبا"

زاهي وهبي: و"صبا". لا يزلن أطفالاً

رِهام الرشيدي: نعم، يعني ست سنوات سبعة وثماني سنوات

زاهي وهبي: نعم. نشاهد صورهنّ

رِهام الرشيدي: هذه "صبا" الآن على الشاشة، عندما كنت آتية لعندك قلنَ لي، "إلى أين تذهبين؟ إلى أين تسافرين؟"، فقلت لهنّ، " اليوم عندي مقابلة وسأظهر على التلفزيون، هذه "هند"، فقلنَ لي "تذهبين لكن بشرط، تتكلّمين عنّاّ". فأنا أحبّهنّ كثيراً

زاهي وهبي: وكأنّ الإنسان منذ طفولته

رِهام الرشيدي: وهذه "فرح"

زاهي وهبي: نعم. الله يخلّيهنّ لك كلّهنّ

رِهام الرشيدي: الله يخلّي لك أُسرتك

زاهي وهبي: منذ طفولته الإنسان عنده رغبة في أن يكون معروفاً أو أن يكون مشهوراً أو يُشار إليه بالبنان. كيف هي علاقتكِ بهنّ؟ نحن أولادنا منذ طفولتهم يُمكننا أن نُكوِّن معهم صداقة أو أن نكون سلطة صارمة أو نكون أهلاً

رِهام الرشيدي: أقرب إليهم

زاهي وهبي: نعم أقرب. كيف هي علاقتكِ بهنّ؟

رِهام الرشيدي: أنا متّزنة في علاقتي بين الأنوثة والذكورة معهنّ وأؤمن بأنّ التربية تحتاج إلى قول كلمة "لا" مثلاً وإلى وضع بعض الضوابط لحمايتهنّ، ولكنني في نفس الوقت لا أُحبّ أن أُمارِس دور السلطويّة والفوقيّة بمعنى أنا الأمّ وأنتنّ البنات، إنما القُرب. أعتقد أن أساليب التربية الحديثة هذه يمكن أن تكون أنفع للناس، فأسمعهنّ وأتسامر معهنّ وأعطيهنّ مجالهنّ وحرّيتهنّ أحياناً ولو خطأ لكي يتعلّمن منا. أعتقد أنني كأُمّ أو أيضاً زوجي كأبّ دورنا ومسؤوليتنا أن نُساعِدهنّ على فهم ذاتهنّ، حتّى قراراتهنّ مستقبلاً تكون صحيحة من البداية ولا يدخلن كليّة الهندسة وبعدها يذهبن

زاهي وهبي: نعم، يعني في الغد عنما يكبرن بإذن الله ستتركينهنّ يخترنَ المجال الذي يرِدنه يعني في الدراسة وفي العمل وفي هذه الأمور؟

رِهام الرشيدي: نعم، أساعدهنّ كي يتبصّرن ويتأمّلن حياتهنّ ويجدن الأقرب لهنّ والذي يشبههنّ أكثر، ولكن اتخاذ القرار يقيناً سيكون عندهنّ

زاهي وهبي: اليوم كلّنا نعاني مع الأطفال من مسألة التعلّق أو الإدمان على التكنولوجيا الحديثة، على "الآي باد" وهذه المسائِل، على الإنترنت، على هذا العالم الواسع الشاسع. كيف تُنظّمين هذا الأمر في علاقتكِ مع بناتكِ؟

رِهام الرشيدي: أُنظّمه في أن أُعطي لنفسي الحقّ كأُمّ ألّا أعطيهنّ الأجهزة طوال الوقت، ربما 45 دقيقة في الـ Weekend وليس في كلّ يوم أعطيهنّ الآي باد، وحتّى عندما أعطيه لهنّ أضع له الـ Security الأمان لأنك تدري أن هذه الأجهِزة الآن تُدخِل لك كلّ شيء، تُدخِل لك أموراً حتّى جنسيّة، تُدخّل لك أموراً خطرة فيها بعض الأفكار، فأنا أُعطي لنفسي الحقّ كأُمّ بأن أُقنّن والأب كذلك، نُقنّن ودائماً الرقابة، لا يوجد عندنا أن نشعِرهم بالنقص، النقص الحقيقي هو نقص الحبّ، فأنت أغمرهن حبّاً واغمرهن ثقة في أنفسهن وافتح لهن بعد، ربما نحن الآن الآباء نُقصِّر أحياناً في أن نُساعِد أبناءنا ليتواصلوا مع الطبيعة، أن نأخذهم إلى البحر أو نأخذهم إلى الحديقة، يعني هذه توازِن

زاهي وهبي: هناك نظريّات أصلاً تقول إنّ الإنسان المُعاصر والإنسان الحديث أحد أبرز أسباب مشاكله النفسيّة والضغوط التي يعيشها هي ابتعاده عن الطبيعة، ابتعاده عن التراب، عن الشجر، عن العُشب، عن ضوء الشمس 

رِهام الرشيدي: صحيح، أصبحنا مع الأجهِزة وفي الشوارِع وفي المباني وانفصلنا، وهذه ربما إحدى الممارسات الجميلة للتواصل مع الأنوثة، أن تُعيد تواصلك مع كلّ شيء طبيعي، كلّ الذي ذكرته

زاهي وهبي: هل ترين الطبيعة أُنثى أكثر أم فيها ذكورة أكثر؟

رِهام الرشيدي: فيها الإثنان، فيها عُنصر الذكورة والأنوثة، فيها النار وفيها الماء، فيها الليل وفيها النهار إلى آخره، يعني متّزنة، الكون متّزن، ولكن عندما تقول لي الطبيعة مُقابل الأجهِزة، الطبيعة هي عنصر الأنوثة مُقابل هذه الماكينات التي نحن طوال الوقت محفوفين ومُحاطين بها

زاهي وهبي: سأُتابع مع حضرتكِ "رِهام الرشيدي" ولكن بعد استراحة سريعة نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:         

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نتابع هذه الحلقة من "بيت القصيد" مع الكويتيّة "رِهام الرشيدي" المُدرِّبة في الأنوثة والوعي الذاتي. هناك انطباع أنّ هذه المسائِل، يعني الدورات التدريبيّة في تطوير الذات، في التفكير الإيجابي، في الوعي الأنثوي، يعني كأنّها أكثر شيوعاً في المُجتمعات التي فيها رخاء مادّي، مثل المُجتمعات الخليجيّة التي هي مرتاحة أكثر من بقيّة المُجتمعات العربيّة. هلّ هذا الأمر في رأيكِ صحيح؟ يعني أنّ التفكير في مثل هذه الأمور يحتاج ربّما ألّا تكون هموم الحياة والأعباء كثيرة على عاتِق الإنسان سواء كانت أمرأة أو رجلاً؟

رِهام الرشيدي: إلى حدٍّ كبير ربما من اللازم أن أقرّ في هذا الشيء وأنّ هذا صحيح، إلى حدٍّ كبير. وأنا أقول أنّ مسؤوليات الحكومات والمؤسّسات الدوليّة أن تُساعِد شعوبها في الوضع الاقتصادي للبلد، في الوضع الصحّي، حيتّ يستطيع الإنسان، لأنك لا تستطيع أن تأتي إلى إنسان وصل إلى مرحلة الدين والفقر أو المرض وتقول له، صعب! ممكن ولكن صعب أن يسمعك على عكس الذي يتمتع بصحة جيدة وبقدرة وهمّة. ولكن في نفس الوقت، أنا أقول للأفراد الذين يشعرون أنّ كلامي يضرب شيئاً في داخله، أنا أقول له لا تنتظر أن يتغيّر حال بلدك حتّى تبدأ رحلتك. حاول في الذي تقدر عليه، والميزة العظيمة في زمننا اليوم أنه يستطيع أن يحصل على عشرات ومئات وآلاف وملايين المواد بشكلٍ مجّاني من الإنترنت. استعمل Search يعني

زاهي وهبي: يعني هناك فرق بين إنسان يولَد مثلاً وفي فمه ملعقة من ذهب كما يُقال أو ملعقة كما أنا أُسميها، من تعب. فبالتالي تفكيره لن يتّجه نحو التطوير الذاتي والتفكير الإيجابي

رِهام الرشيدي: في شكلٍ عام صحيح ولكن أرجو ألّا يكون هذا عُذراً لمن يسمعنا. إذا هناك شخص يسمعنا ربما هو مُستعِدّ لأنّك إذا أنت قلبت المُعادلة ستجد إنساناً في فمه ملعقة من ذهب وتعيس ولا توجد عنده الهِمّة الداخليّة لأن يبدأ هذه الرِحلة. فأنا أعتقد أنّ هذا في شكلٍ عام صحيح لكن إرادة الإنسان من الممكن أن تغلب

زاهي وهبي: على كلّ حال، نجد في بعض المُجتمعات الأوروبيّة التي الكثير من الحقوق فيها وصلت إلى المواطنين، نجد مثلاً نسبة الانتحار أعلى من غيرها لأنّ هناك نوعاً آخر من المشاكِل التي تواجه الإنسان

رِهام الرشيدي: نفسية وضغوطات وغيرها

زاهي وهبي: نعم، فبالتالي ليس الفقر هو فقط المُشكلة الوحيدة التي يواجهها الإنسان. هلّ تشعرين أنّ الرجُل يخشى من المرأة أو من الأُنثى القويّة؟

رِهام الرشيدي: ليس الرجُل إنّما الذَكر

زاهي وهبي: الذَكر

رِهام الرشيدي: من الممكن أن يخاف من المرأة القويّة

زاهي وهبي: ما الفرق بين الرجُل والذكَر؟

رِهام الرشيدي: الرجُل متّزِن بالأنوثة وذكورته وهو آمِن في الداخل ومُطمئِنّ إلى أنه رجُل ليس في الصوت العالي أو في قوة الجسد في حين الذكر هو Unsecure، لا يشعُر بالأمان، وعدم إحساسه في الأمان يجعله يخاف من أن تأتي امرأة أضعف منه في بنيتها وتُربِك كيانه، ربما هذه هي قصّة الوعي الذكوري. الوعي الذكوري كيف نشأ؟ شاف الرجُل أنّ بنيته أو جسمه قوي، يستطيع أن يحرُث الأرض وأن يصنع ويعمل، لكن هذه المرأة الضعيفة في بنيتها عندما يقف أمامها إذا أحبّها، نحن نقول "تضيع علومه"، يعني يرتبِك، أو مثلما يقول "محمود درويش" في قصيدته "أبيات غزل"، يقول لها: كيف تخِرُّ بروقي لديكِ وتضعف ريحي على شفتيكِ؟"، يعني أنتِ هذه المخلوقة الضعيفة كيف تُفقدينني قوّتي أنا إلى هذا الحدّ؟ أو يُكمِل ويقول: " فأعرِف في لحظةٍ بأنّ القمر جميلٌ جميل والوردة.." فهذه المرأة تجعله بعدما كان يُركِّز على الحرب وعلى الإنتاج وعلى الصناعة، يبدأ ينظُر إلى أشياء صغيرة في الحياة وأشياء جميلة. الواعي والمُدرِك من الرجال سيفهم أنّه استطاع أن يتّصل بجانبه الأُنثوي من خلال امرأة، هذا دور عظيم للمرأة ولكن الذي لا يفهم الموضوع سيقول عنها " أربكتني، هذه ستتحكّم بي مُستقبلاً". فبمُحاولة منه لكي يُحرّر نفسه من تأثيرها ماذا يفعل؟ يقمعها، يُصغِّرها، يُكسِّر مجاذيفها، يُحاول أن يقنعها أنها أقلّ جمالاً أو أقلّ ذكاءً أو أنها لا تستطيع أن تعيش من دونه

زاهي وهبي: هذا نتيجة نقص

رِهام الرشيدي: نتيجة نقص يكون لديه

زاهي وهبي: لو كان الآن هناك رجُل ما في مكانٍ ما من هذا العالم يسمع حديثنا ويشاهد هذا الحوار، ربما يعتقد يعني أنّ امرأته سواء كانت زوجته أو حبيبته ليست في حال أُنثويّة كما ينبغي أو كما يطمح هو في الأحرى

رِهام الرشيدي: رسالتي إليه؟

زاهي وهبي: نعم

رِهام الرشيدي: رسالتي إليه أن يُردِّد الكلمات التالية على مسمع زوجته، يقول لها: أنتِ يا حبيبتي كفاية، أنتِ تكفيني مثلما أنتِ لأنّ المرأة في مجتمعاتنا

زاهي وهبي: المُشكلة عنده وليست عندها

رِهام الرشيدي: مثلما الرجُل لا يُحبّ أن تأتي المرأة وتقول له "رجولتك فيها مُشكلة"، المرأة كذلك لا تُحبّ أن يأتيها زوجها وهو من أهم الناس في حياتها ويقول لها "أنوثتكِ فيها مُشكلة". فلو هو كان يستطيع أن يُساعِد يقول لها، " أنت كفايةـ اهدئي وروقي، دعينا نجلس، دعينا نتسامر". لماذا هذه المرأة الذكوريّة التي مثلاً يُمكن أن يعلو صوتها ودائِماً تتحرّق هي في هذه الحال؟ لأنّ مُجتمعاتنا أوصلت الكثير من العبارات للمرأة مثل "أنت ناقِصة"، "أنتِ فيكِ مُشكلة"، أنتِ في عُمرِك لن تكوني كفاية". فهي تبذل الكثير من الجهد لأنها فقط تُريد كلمة شُكر أو كلمة لطف من الآخر معها. فهذه رسالتي ولن أقول لك أن الحق معك

زاهي وهبي: حسناً. نحن استمعنا إلى رأي سيّدتين في تجربتكِ، دعينا نستمع هذه المرّة إلى رأي رجُل هو صديق لحضرتكِ ومُطّلِع في نفس الوقت على تجربتكِ، المُخرِج الكويتي الأُستاذ "يُعرب أبو رحمه"، نسمعه في "كلام يوصل"

كلام يوصل

يُعرب أبو رحمه – مُخرِج: اليوم عن الأُخت "رِهام الرشيدي"، أعتقد أنّ تخصّصها في التنمية الذاتيّة والتخصّص في الذات الذي تبرَع فيه مهمّ جداً ويسدّ ثغرة عندنا في المُجتمع. أعتقِد أيضاً أنّ الكثير من الأشخاص الذين يتفاعلون في وسائِل التواصل الاجتماعي أو مباشرةً مع "رِهام" في الـ Location في موقع الدورة يستفيدون استفادة إيجابية، والأثر لهذه المعلومات سيؤثِّر على من يتعلّق بها وأيضاً سيؤثِّر على من سيقتدي في هؤلاء الذين سيتطوّرون منها

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "يُعرُب"، يعني هي تحيّة أكثر، لا يوجد سؤال طرحه على حضرتكِ، لكن ربما أنا أسأل يعني من الإشارة التي ذكرها، حضرتكِ تُجيدين الاستفادة من وسائِل التواصل ومن التكنولوجيا الحديثة، صحيح؟

رِهام الرشيدي: أما ممتنّة لوسائِل التواصل الاجتماعي لأنها ساعدتني في الوصول إلى الناس وساعدت كلّ إنسان لديه رسالة لكي يُسمِع رسالته، فممتنّة لهم كثيراً

زاهي وهبي: وعندكِ قناة تلفزيونية على الـ

رِهام الرشيدي: على "اليوتيوب"، Channel Riham T.V. يعني فيها مجموعة من المواضع

زاهي وهبي: ما هو "رِهام تي في"؟

رِهام الرشيدي: قناة على "اليوتيوب"

زاهي وهبي: تجرين حوارات أيضاً؟

رِهام الرشيدي: أُجري حوارات

زاهي وهبي: أيّة شخصيّات تختارين أكثر؟

رِهام الرشيدي: أية شخصيّة أشعُر أنّ لديها إضافة

زاهي وهبي: إضافة في هذا المجال؟

رِهام الرشيدي: إضافة في هذا المجال ولديها إضافة عمليّة وحقيقية أكثر من أنّها نظريّة، إلى جانب مواد أنا أقدّمها وأُنزِّلها للمهتمّين لأنّ ليس الجميع يستطيعون أن يشاهدوا، إمّا للمسافة أو لأسباب أُخرى

زاهي وهبي: لخّصي لي لو سمحتِ في بعض الجُمل كتابكِ "كاريزما الأُنوثة"، وما هي كاريزما الأنوثة في رأيكِ؟

رِهام الرشيدي: "كاريزما الأنوثة" قدّمت فيها رؤيتي في ما يتعلّق في الأنوثة، بأنّ الأنوثة من غير اللازم أن تكون منخفضة جداً، ولا تكون في الحال الذكوريّة المرتفِعة جداً، ألا وهي أنوثة ضعف الشخصيّة والانكسار وإلى الداخل دائِماً. مُجتمعاتنا تُحبّ هذا النمط من الأنوثة على فكرة ولا تُحبّ القوّة على المرأة

زاهي وهبي: لأنه من السهل السيطرة على هذا الأمر

رِهام الرشيدي: من السهل لك أن تُسيّرها وأن تتّخِذ قراراتها وأن تستفيد من وجودها في حياتك، فأنا أقول لها أنّ هذه ليست الأنوثة، ليست أجمل يعني حال أنثوية يُمكن أن تصلي إليها، وفي المقابل ليست الذكورة العالية جداً في أن تكون قوّة الشخصيّة في الصوت العالي أو بالعُنف أو التكبُّر، إنّما هناك حال من الاتّزان التي تصلين إليها عندما تتصالحين مع الجانب الذكوري والأنثوي عندكِ. أعتقد أنّ هذا مُلخّص جيّد للكتاب

زاهي وهبي: نعم، يعني تريدن أن توصلي رسالتكِ في ذكاء، في سلاسة، لا تريدين أن تستفزّي الوعي الذكوري إذا أردنا أن نقول

رِهام الرشيدي: الوعي الأنثوي لا يستفزّ. أنا إذا كنت مُعلِمة في الأنوثة واتجهت إلى استفزاز الآخر فهذا يعني أنني لم أتعلّم الدرس. الوعي الأنثوي يستبدل، يعني يمشي في تدرُّج، يعرِض ولا يفرِض، وفي النهاية الآخَر امرأة أو رجل يسمعونني وإذا لم يقتنعوا في رسالتي هم أحرار يعني

زاهي وهبي: لا بدّ من سؤال، من غير المعقول أن تكون ضيفتنا من (الكويت) ولا نسأل عن واقع المرأة الكويتية اليوم أو شخصيّة المرأة الكويتية قبل أن أتحدّث عن واقعها. أنا أشعُر من خلال حواراتي مع الكثير من فنّانات ومُثقفات كويتيات ومُبدِعات في مجالات مُختلفة أنّ المرأة الكويتية صاحبة شخصية قويّة، صحيح؟

رِهام الرشيدي: نعم صحيح، هذه وجهة نظر أو ملاحظة صحيحة. المرأة الكويتية أستطيع أن أقول أنّها محظوظة جداً، محظوظة يعني نحن سبّاقات وكانت لنا تجارب كثيرة حلوة كانت في محلّها ووقتها. محظوظات في الحكومة التي تُتيح لنا قدراً من الحريّة وقدراً من الدعم. طبعاً لا أقول أنّه ليس لدينا أيّة قضايا، أكيد هناك قوانين في حاجة لأن تُعدّل وهناك نساء وهناك حتّى رجال

زاهي وهبي: يعني المرأة الكويتية تُعطي الجنسيّة لأبنائِها؟

رِهام الرشيدي: هذه إحدى النقاط اليوم، لا، لا تُعطيها. ولكن في شكلٍ عام المرأة الكويتية قويّة

زاهي وهبي: هي خاضت نضالات لأجل أن صار عندها حقّ الانتخاب والترشّح إلى مجلِس الأمّة، واليوم حاضرة أكثر في المشهد السياسي الكويتي

رِهام الرشيدي: صحيح، لذلك أنا أقول لها إنّ الظروف كلّها بالإضافة إلى شخصيّتها وتكوينها، الرجل الكويتي هو رجُل أصيل داعم للمرأة. يعني أنا رحلتي الخاصّة دائِماً كانت

زاهي وهبي: مع أنّ الانطباع للذي لا يعرف، وأنا لحُسن الحظّ زرت (الكويت) ربما عشرات المرّات، وكما قلنا احتككت بمثقفين من مشارِب مُختلفة. البعيد عنده انطباع ربما أنه لا، أنا اليوم صديقة لي ستذهب قريباً إلى (الكويت) كانت تسألني عن مسألة المحظورات وغير المحظورات في المُجتمع الكويتي

رِهام الرشيدي: أكيد هناك سقف للأشياء في البلدان العربية ولكن في شكلٍ عام السقف الكويتي عالٍ قليلاً دعنا نقول. أنا عن نفسي، في كلّ محطّات حياتي كان هناك رجل داعِم، إمّا مُدير أو مسؤول أو كذا يُمثِّل المرأة، فأنا أعتقد أنّ المرأة الكويتية محظوظة، وحتّى لو كانت هناك تحدّيات تواجهها تستطيع أن تتجاوزها

زاهي وهبي: نعم، ما أكثر ما تُحبّينه في المرأة الكويتية؟

رِهام الرشيدي: أُحبّ قوّتها. أحبّ قوّة المرأة الكويتيّة وأحب أن تُجرّب أموراً جديدة

زاهي وهبي: والرجل الكويتي؟

رِهام الرشيدي: داعم للمرأة. أنا لا أقول في المُطلق، هناك أكيد رجال ذكوريون في وعيهم ولكن في شكلٍ عام ممكن أن تجد الرجُل الذي يُعجَب في المرأة القويّة وعلى العكس يساندها

زاهي وهبي: أجمل صفات الأُنثى في رأيكِ؟ في المُطلق؟

رِهام الرشيدي: في المطلق، أن تكون قويّة ولكن في نعومة، هذه من أجمل صفاتها. أن تكون Powerful، لديها قوّة ولكن قوّة ناعمة تُحرِّك الأشياء والأشخاص وذاتها من دون أن تُجهِد نفسها أو تؤذي نفسها أو تؤذي الآخرين

زاهي وهبي: ما أكثر ما يلفِت انتباهكِ في الرجُل؟

رِهام الرشيدي: الرجل المتّزن يلفت انتباهي في أن يكون متصلاً مع حكمته الداخليّة، متصل بقلبه، لا حُكم عنده على نفسه أنّ الرجولة هي شكل جسدي أو يعني هذه الذكورة الزائِدة، أعتقد هذا ما يلفت انتباهي

زاهي وهبي: بماذا تحلمين؟ ما هي مشاريعكِ المتبقّية؟ في بداية مشواركِ تركتِ الهندسة وسعيت وراء حلمكِ في أن تكوني معلّمة. اليوم حضرتكِ مُعلِّمة لآلاف أعتقد النساء، صحيح؟

رِهام الرشيدي: صحيح

زاهي وهبي: صاروا آلافاً من المقبلين على دوراتكِ؟

رِهام الرشيدي: آلاف المقبلين على دوراتي ومئات الآلاف من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي

زاهي وهبي: عندكِ مئات الآلاف، أنا قلت عشرات الآلاف في المقدِّمة    

رِهام الرشيدي: لا يخالف، على وسائِل التواصل الاجتماعي

زاهي وهبي: عشرات الآلاف يعني يكوّنون مئات الآلاف

رِهام الرشيدي: والله لو إنسان واحد سيسعدني هذا الشيء. ربما الجميل في مجالنا أنك دائِماً تستطيع أن تُعيد تقديم ذاتك من خلال كتاب، من خلال دورة، من خلال برنامج. أعتقد أنّ هذه رسالتي يعني

زاهي وهبي: نعم، في رأيكِ ما هو أكثر ما يشغُل بال المرأة في مُجتمعاتنا؟ من خلال ما يُطرَح عليكِ من أسئِلة ومن هموم وأفكار؟

رِهام الرشيدي: ما يشغُل بالها في شكلٍ كبير هو علاقتها مع الرجُل لأنّها تعتقد أنّ هذه العلاقة نجاحها أو فشلها ستُحدّد قيمتها، يعني مُجتمعاتنا لا زالت تنظر إلى الزوجة على أنها أفضل من الغير متزوّجة، وأنّ المتزوجة وزوجها يحبّها أفضل من المتزوّجة وزوجها لا يعرِف عنها. علماً أنّه ليس في الضرورة الخلل والعيب دائِماً في المرأة، من أجل هذا لو تسألني ما هي أكبر مُشكلة تواجه المرأة أقول علاقتها في ذاتها. يعني المرأة العربية لديها شكوك تجاه ذاتها، لديها حال من التوتّر، حال من التردّد. يمكن أن تأخذ عشر سنوات في اتخاذ قرار واحِد، في أن تسلك هذا الطريق أو ذاك الطريق، تسأل عشرات الناس وفي النهاية هي لا تجد صوتها الداخلي

زاهي وهبي: نعم. نتمنّى أن تجد كلّ امرأة في هذا العالم صوتها الداخلي، وكلّ رجُل في طبيعة الحال، كلّ إنسان أن يعيش، كلّ إنسان

رِهام الرشيدي: حقيقةً

زاهي وهبي: من مُشاهدينا ومن غير مُشاهدينا، أن يعيش سلامه الداخلي، وكان هذا الحوار فيه شيء من السلام وشيء من التشافي الذاتي. دعيني أقول سُعِدت في لقائكِ سيّدتي، أهلاً وسهلاً شرّفتِ "بيت القصيد"

رِهام الرشيدي: سُعدت في أن أجلِس أمامك، أنت إعلامي قدير جداً

زاهي وهبي: تسلمين

رِهام الرشيدي: أنا لا أقول أنّ لديّ فكر أو رسالة، عندي كلمتان أريد أن أوصلهما، وأُعاني أن أجد من هو مثلك، إنسان لا يهمّك أعداداً ونِسَب المُشاهدات في الطريقة التي نراها الآن في قدر ما يهمّك المُحتوى. فأنا تشرّفت في هذا اللقاء

زاهي وهبي: نتشرّف سيّدتي، أهلاً وسهلاً. نُحمّلكِ لـ (الكويت) كلّ التحيّات

رِهام الرشيدي: شكراً لك

زاهي وهبي: وتحيّات لمشاهدينا في كلّ الأمكنة. شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "علي حيدر"، المنتجة "غادة صالِح"، والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله