سوريا تنتصر - الجزء الثاني

الحلقة الثانية: تدمر.. آثارها والدمار... ماذا أنقذ وكيف؟ علاّمتها الشهيد خالد الأسعد، وترميم رمزها أسد اللات.

 

غسان الشامي: مساء الخير، أن تقدّم حلقة عن تدمر بعد ما ارتكبه الهمج الداعش فيها أمر قاسٍ ومؤلم ومحزن، أن يفعل أوباش العالم المعاصر بالمدينة التي عرفت أعلى نسبة من احترام الحريات الدينية والتسامح عبر العصور وكانت واسطة عقد الجمال والتجارة في العالم القديم أمر يثير الغضب والأسئلة الممضّة. ما نوع هؤلاء الرعاع ومن أيّة مباءة أتوا؟ تحتار كيف تُعدّ حلقة عن تدمر مثلاً ولا تخبر عن شهيدها خالد الأسعد الذي أفنى عمره في نبش حضورها فتركه الرعاع معلقاً ومصلوباً. سنحاول في هذه الحلقة الإضاءة على تدمر والدمار الذي أحاق بها كيف استُنقذت بعض محتويات متحفها وعن ترميم أسد اللات رمز هذه المدينة الذي لم يوفّره القتلة، لذلك لا تستغربوا كثافة التقارير فيها لأنها فعلاً مدينة لا مثيل لها في هذه البوادي. ضيفنا في أجراس المشرق الدكتور أحمد ديب مدير المباني والتوثيق الأثري في المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية وكان مديراً لشؤون المتاحف بين 2013 و 2016، يحمل شهادة دكتوراه في آثار الشرق الأدنى القديم من جامعة أوديني في إيطاليا، له العديد من الأبحاث والدراسات وهو أحد الذين استنقذوا متحف تدمر. قبل الحوار سنذهب إلى تقرير عن المدينة الأبهى.  

تقرير:  

عُرفت تدمر منذ مطلع الألف الثاني قبل الملاد لكنها تضم آثاراً تعود إلى ما قبل التاريخ والعصر الحجري القديم والحديث وعصر البرونز. اختُلف على معنى إسمها فيما اشتُهرت باسم "بالميرا" المشتق من النخيل في اللغتين الإغريقية واللاتينية.

كانت تدمر مدينة هامة في العصر السلوقي أي بين عامي 312 قبل الميلاد و 64، ويذكر المؤرّخ بوليبيوس مناصرة أميرها للسلوقيين في حربهم على البطارسة. احتفظت باستقلالها وأهمية دورها التجاري بين الفرس والرومان بعد احتلالهم سوريا عام 64 قبل الميلاد، وبات لها دور فاعل في الإمبراطورية الرومانية فمُنحت وضع المدينة الحرة ما أهّلها لسنّ قوانينها وتحديد رسومها فنشطت وتوسّعت.

عندما تعثّرت روما أمام الفرس عام 228 للميلاد تقدّم الملك أذينة حاكم ولاية سوريا فردّ الفرس إلى عاصمتهم قطسيفون وحمل لقب ملك الملوك ومصلح الشرق، وتابعت زوجته زنوبيا حكم تدمر فأخذت مصر والأناضول ما جعل الإمبراطور أورليان يحتل تدمر ويأسرها عام 272.

ترسّخت المسيحية في تدمر خلال القرن الرابع الميلادي بعد تحريم الوثنية، وتحوّلت معابدها إلى كنائس ثم صارت مركزاً للغساسنة إلى أن استولى عليها خالد بن الوليد عام 634.

أسرت تدمر وقصة ملكتها الشجاعة ألباب المُستكشفين والأدباء والرحّالة منذ القرن السادس عشر، فزارها العشرات منهم وكتبوا عنها ورسموا فظهر إلى العالم الشارع المستقيم بأعمدته التي تمتد كيلومترات عدّة والمسرح والأغورا وقوس النصر ومعبد بعل شمسين ومعبد بِل والتترابليون وسبيل حوريات الماء ومدفن زنوبيا ووادي القبور والحمّامات ومعسكر ديوكلسيانوس ومجلس الشيوخ والسور وقلعة فخر الدين.

أسماء أهل تدمر وأسماء أربابها وآلاف النصوص المُكتشفة تدلّ على أنهم قبيلة عربية، كتابتهم كانت بالآرامية وشكّلت اللغة التدمرية فرعاً منها فيما كانت ديانتهم توفيقية حيث كان لديهم ستون معبوداً من مردوخ البابلي إلى نبّو وجوبيتير وبعل، ولأنهم تجّار تخطّوا الدين ومارسوا التسامح.

في أيار عام 2015 احتل همج داعش تدمر وارتكبوا فيها مجزرة ذهب ضحيتها 400 شخص معظمهم من النساء والأطفال، ودخلوا إلى متحفها الذي يتضمّن أقساماً عديدة تضمّ آثاراً قديمة وتماثيل ومنحوتات وأوانٍ كانت المديرية العامة للآثار قد نقلت الكثير منها إلى أماكن آمنة، فيما بقيت الآثار الكبيرة والثقيلة فحطّموا بعض المجسّمات. وفي حزيران فخّخوا المدينة ودمّروا رمزها أسد اللات وفجّروا الأضرحة الدينية ودمّروا معبد بعل شمسين الذي يبلغ عمره ألفي عام وقوس النصر وغير ذلك.

بعد حوالى عشرة أشهر استعاد الجيش السوري المدينة لكن داعش عاد واحتلها في منتصف كانون الأول من عام 2017 حيث دمّر التترابليون ولم يبق منه سوى أربعة أعمدة من أصل ستة، كما ألحقوا أضراراً كبيرة بواجهة المسرح الروماني غير أن القوات السورية والروسية والحلفاء استعادوها في مطلع آذار من عام 2017.

إن ما ارتُكب بحق تدمر هو إهانة للتراث الإنساني وللإنسانية لكنها ستبقى شاهداً على عظمة مدينة لم يرحمها التاريخ.

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق من دمشق من متحف دمشق الوطني، دكتور أحمد ديب أهلاً بك سيّدي ضيفاً عزيزاً.

أحمد ديب: أهلاً وسهلاً بكم. 

غسان الشامي: قبل أن نصف الدمار أو بعض الدمار الذي شهدناه عبر الكاميرا، أنتم كآثاريين سوريين ماذا تعني لكم تدمر؟ 

أحمد ديب: تدمر بالطبع غنيّة عن التعريف كما تفضّلت، حتى الآن نحن في عام 2018 التنقيبات الأثرية لم تكشف إلا جانباً صغيراً من تدمر القديمة، حتى الآن حوالى 30% من آثار تدمر القديمة والغابرة هي المكشتفة حتى تاريخ 2018، وبالتالي لدينا في تدمر عدد كبير من المعالم الأثرية الهامة التي ستكشف في المستقبل إن شاء الله عن تاريخ وأهمية وعَظَمة هذه المدينة. تدمر بالنسبة لنا جميعاً نعلم بأنها منذ القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن الثالث ميلادي هي من أهم الممالك في الشرق التي كانت في منطقة بادية تدمر تحديداً والتي تميّزت بمعالم أثرية فريدة من نوعها حملت طابعاً شرقياً مختلفاً ومتميّزاً، وكما تأثّرت هي بمدارس الغرب أيضاً أثّرت بمدارس الغرب ونهلت منها وأعطتها وبالتالي كان لها فن فريد وخاص معروف في كل أنحاء العالم.

غسان الشامي: أين تركّز الدمار في المدينة دكتور أحمد؟ 

أحمد ديب: الدمار كان على مرحلتين مع الأسف، الدمار الأول تركّز في ثلاثة معالم أثرية هامة جداً بالدرجة الأولى وهي السّيلا في معبد بِل بالإضافة إلى السيلا في معبد بعل شمين وقوس النصر كما نعرف جميعاً، بالإضافة إلى مجموعة بسيطة من الأضرار في القلعة العربية، قلعة فخر الدين المعني وأضرار المتحف التي نعرفها جميعاً من تخريب وتكسير للتماثيل الأثرية التي كانت متبقية في المتحف الوطني. في المرحلة الثانية بعد الاحتلال الثاني من قبل مجموعات داعش الإرهابية كانت هناك أضرار كما نعلم في المسرح الروماني بالإضافة إلى تدمير للأعمدة الأربعة أو التترابليون الموجودة في الساحة الرئيسة للشارع الطويل.  

غسان الشامي: هل هذه المناطق المدمّرة بالإمكان إعادة ترميم الأضرار التي حصلت فيها لأن صوَر معبد بل مثلاً صوَر مخيفة، ما نشهده في معبد بل مخيف.  

أحمد ديب: نعم، حقيقة قامت المديرية بكوادرها الهامة جداً والتي أثبتت جدارتها خلال فترة الأزمة بأعمال توثيق لجميع هذه الأضرار، وتبيّن من خلال التوثيق الأولي بأن حجم الأضرار الأكبر كان في معبد بل مع الأسف، حيث أن حجم التفجير الذي حصل كان كبيراً وأدّى إلى تفتت في العناصر المعمارية التي تم بناء المعبد بها وبالتالي كانت الأضرار كبيرة. لا يمكن إعادة بناء معبد بل بالشكل الذي نعرفه سابقاً، يمكن القيام بأعمال ترميم، ولكن حجم الأضرار الكبير وتفتُّت الأحجار يوحي بضرورة استخدام حجارة جديدة في حال كانت الخطة هي إعادة الشكل السابق لهذا المعبد ولكن هناك مدارس في هذا الشأن كما نعلم، هناك مدارس مع إعادة الهيكل كما كان ومدارس أخرى مع القيام بأعمال الترميم وفق المتوفر بين أيدينا.

غسان الشامي: هل رصدتم الأضرار في وادي الملوك في تلك المقابر الشهيرة؟  

أحمد ديب: نعم مع الأسف، هناك ثلاثة أنواع من المقابر تحت الأرضية والأرضية والبرجية، أغلب هذه المدافن تعرّض لأضرار منها نهب ومنها تخريب وتدمير. المدافن البرجية كما نعلم تم تدمير جانب كبير منها، المدافن تحت أرضية مع العلم أن المديرية قامت بإخفائها قبل دخول داعش إلى المدينة ولكن تمكنوا من حفر هذه المدافن من جديد وسرقة محتوياتها.   

غسان الشامي: سنذهب إلى تقرير عن زملائكم علماء الآثار الذين كانوا في تدمر خلال زيارتنا لها. أعزائي بعض علماء الآثار ماذا يقولون عن تدمر؟

تقرير:

خلال زيارة فريق أجراس المشرق في قناة الميادين كان في الرحلة عدد من علماء الآثار الذين شاهدوا باندهاش وأسى ما فعلته همجية داعش بإحدى أبهى مدن العالم القديم وهذه انطباعاتهم.

عبير عرقاوي: الحقيقة أن الأمر مؤلم جداً، أستطيع أن أقول أن الموضوع ممنهج لأنه تم الاختيار بدقّة لأهم العناصر المميّزة التي تميّز هذه المدينة فبدأوا ببل وقوس النصر. أستطيع أن أقول نقل رسالة لنشعر باليأس، لنشعر بأن ما كان يميّز هذه المدينة بدأ يضيع شيئاً فشيئاً. ألدّ أعداء البلد لا يمكنهم فعل ما فعلوه في هذه المدينة. يجب أن نوثّق ما حدث وأن نتبيّن ما حدث، يجب أن نحاول قدر الإمكان أن نعيد إحياء هذه المدينة. هي بصمة مميّزة لبلدنا سوريا فبالتالي أرادوا أن يمحوا هذه البصمة، وأتمنّى مع الفريق المرافق مع جميع الأكاديميين وجميع الخبراء أن نعمل ما في وسعنا، على الأقل أن نعمل لأنه يجب ألا نفقد الأمل.

جوزيف أنفرنوس: أنا أعمل في الآثار في سوريا منذ 25 عاماً وقد زرت تدمر أكثر من مرة وفي كل مرة كنت أنبهر بغنى هذا الموقع الأثري وجماله، ومن المؤسف والفظيع في آن واحد أن نراه اليوم بهذا الشكل ولكن لحُسن الحظ أنه تم استرجاعه من أيادي البربريين الذين دمّروا كل آثاره، وأتمنّى هنا أن تتضافر كل الجهود الدولية منها والمحلية لإعادة ترميم هذا المعلم لأن البشرية بأكملها كادت تخسر تاريخاً مهماً بخسارة هذا الموقع الذي كاد يُمحى من الوجود بسبب الهمجيين والبربريين.

إبتسام ديوب: نحن أمام موقف محزن ترك انطباعاً ليس فقط في أنفسنا كعلماء آثار جئنا لنرى ماذا حلّ بتدمر قبل الأزمة وبعدها. ما رأيته الآن أمام معبد بل يجعل العالم يحزن وأتمنّى أن يتضافر العالم من أجل إعادة بناء تدمر ليس أثرياً فقط وإنما كي نبني ذاتنا من خلال هذه الآثار، وهذا العمل الشنيع السيّىء بالنسبة لحضارتنا لن يمحو آثارنا ولا تراثنا وسنبقى صامدين.

عالية فارس: للأسف الأشخاص الذين آذوا هذا المكان كانوا على علم بالهدف وهو محو الحضارة التي بنت هذا الموقع. نحن وصلنا اليوم وانطباعنا أن الشعب السوري فعلاً متحمّس لإعادة ترميم كل شيء وإن شاء الله سيترمّم كل شيء بشكل يبيّن أهمية الموقع لأننا إذا فقدناه سنفقد التاريخ والمستقبل.

رغم كل هذا الخراب لا تزال تدمر تكتنز الكثير لتكشفه ولا يزال طريق الترميم في أوله.

غسان الشامي: دكتور ديب هل تُحدّثنا عن ليلة إخراج ما استطعتم إخراجه من متحف تدمر؟ مثل ليلة القبض على فاطمة.

أحمد ديب: أشكرك على هذا السؤال، طبعاً هذا كان إحساساً متكرراً ليس فقط في تدمر حيث قمنا في المديرية بنقل أغلب المقتنيات الأثرية في المتاحف السورية خصوصاً في دير الزور وحلب وفي جنوب سوريا السويداء وفي حماه.

غسان الشامي: نعم ولكن حلقتنا تحديداً عن تدمر، ماذا اعترضتكم من صعوبات في تدمر؟ كيف أنقذتم ما استطعتم إنقاذه وداعش على التخوم؟ 

أحمد ديب: التخوّف في تدمر كان كبيراً جداً بسبب وجود داعش على التخوم كما تفضّلت ، وكانت هناك محاولات عدّة بعد أن جهّزنا شحنة الآثار المفترض نقلها إلى دمشق، كان لدينا تخوّف دائم من الظروف الأمنية المحيطة بالمنطقة فتمّ تأخير الشحنة أكثر من مرة بسبب الظروف الأمنية المحيطة، وفي النهاية تم اتخاذ قرار بضرورة نقل هذه القطع. في الحقيقة لدى وصول القطع إلى دمشق كانت تدمر محتلة بالكامل من قبل داعش وكان ذلك في 20-05-2015 على ما أذكر، تم احتلال المدينة بشكل كامل ودخلت مجموعات داعش إلى المتحف. عملية الإنقاذ كانت تشمل حوالى 400 تمثال نصفي من أهم التماثيل النصفية من مقتنيات متحف تدمر ، بالإضافة إلى مئات القطع الأثرية المتنوّعة بين الفخّارية وغيرها. اعتبرنا أنفسنا بأننا نجحنا في عملية دقيقة وهامة جداً لحماية جانب فريد من التراث الثقافي السوري في تلك الفترة. 

غسان الشامي: ماذا سُرِق من المتحف؟

أحمد ديب: بعد التحرير الأول تم العمل على توثيق جميع الأضرار في المتحف، القطع الأثرية التي دُمّرت أكثر من التي سُرقت مع الأسف. هناك عدد كبير من القطع الأثرية التي لم نتمكّن من نقلها وخصوصاً القطع ذات الأحجام الكبيرة، كما نعلم بأن الفن التدمري متميّز، الأسرّة الجنائزية وغيرها تزن بالأطنان فلم نتمكّن من إنقاذها وبالتالي قاموا بتخريب وتكسير وتدمير عدد كبير منها. كانت مهمتنا الأولى توثيق أضرار هذه القطع الأثرية ومحاولة جمع الكِسَر الخاصة بهذه القطع بشكل علمي حرصاً على عدم فقدان أية كِسرة منها، حتى الكِسَر الصغيرة تم العمل على تجميعها خلال أعمال التوثيق والتجميع للقطع في المتحف.   

غسان الشامي: على مدى المراحل كم قطعة استطعتم استنقاذها من تدمر؟

أحمد ديب: أغلب مقتنيات المتحف الوطني في تدمر تم إنقاذها ونقلها ولكن هناك بعض القطع الثمينة بالنسبة لمجموعات تكفيرية كداعش مثل القطع الذهبية وبعض القطع الأخرى الخفيفة الوزن تمّت سرقتها من المتحف.

غسان الشامي: بقليل من الوقت ما أهمية متحف تدمر وهل من فكرة لإعادته؟   

أحمد ديب: متحف تدمر هو متحف متميّز بكل معنى الكلمة، له خصوصية من خلال مقتنياته الأثرية، من خلال الفن التدمري الموجود فيه. نعلم بأن تدمر تميّزت بكتاباتها من جهة وبفنونها وتماثيلها الفريدة في العالم ليس فقط في سوريا، وبالتالي تدمر لها خصوصية، متحف تدمر هو من المتاحف الأولى التي أُسّست في تاريخ سوريا مع أربعة متاحف أخرى هي متحف دمشق وحلب والسويداء. كان هناك متحف تدمر بالإضافة إلى متحف التقاليد الشعبية في دمشق، لذا نعتبر أن متحف تدمر هو من أهم خمسة متاحف كانت في سوريا ونعمل على إعادة المتحف برونقه السابق كون مقتنياته فريدة ومن المهم جداً إعادة عرضها على الجمهور من جديد. 

غسان الشامي: إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار عن تدمر مع الدكتور أحمد ديب، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، دكتور أحمد ديب سنقدّم نحن تقريراً عن الراحل الدكتور خالد الأسعد المدير التاريخي لمتحف تدمر، ولكن قبل التقرير أريد أن أسألك كيف تقيّمون دوره في حياة تدمر؟

أحمد ديب: هو في الحقيقة ركن من أركان تدمر الأستاذ خالد الأسعد رحمه الله، كان له دور كبير وهام جداً في أعمال التنقيب وأعمال الترميم التي جرت في تدمر خلال سنوات طوال. نشاهد الشارع الطويل، أغلب أعمدة الشارع الطويل أو الشارع المستقيم، المرحوم خالد الأسعد هو من قام بأعمال الترميم وإعادة التأهيل فيها، هناك معالم كثيرة في تدمر هو مَن قام بإنجازها بالفعل. بالإضافة إلى الجانب العلمي فالأستاذ خالد الأسعد يُعتبر من القلائل في العالم القارئين للغة التدمرية، وكانت له ترجمات هامة جداً في التاريخ التدمري من خلال الكتابات التي تم اكتشافها في المدافن وعلى التماثيل النصفية وعلى الأسرّة الجنائزية، وبالتالي هو خسارة للمديرية العامة للآثار والمتاحف بشكل خاص وخسارة للثقافة بشكل عام.

غسان الشامي: أعزائي تقرير من تدمر عن الدكتور خالد الأسعد ثم نتابع بعده الحوار مع الدكتور أحمد ديب.

تقرير:

خالد الأسعد: أيها الرومان، أيها اليونان، إن كل ما خلّفتموه من آثار في العالم لا يساوي زخرفة تدمر وبهاء تدمر وجمال تدمر.

في الثامن عشر من آب عام 2015 ذبح همش داعش عالم الآثار السوري التدمري خالد الأسعد وعلّقوا جثمانه على عمود في المدينة التي وهبها عُمره وعلمه وهو في الثانية والثمانين.

وُلِد الأسعد عام 1934 وحاز إجازة في التاريخ ودبلوماً في التربية، بدأ عمله في الآثار عام 1962 وتسلّم إدارة آثار تدمر والبعثة الوطنية للتنقيب فيها وإدارة متحفها الوطني بين عامي 1963 - 2003، واكتشف عام 1988 التمثال الشهير "حسناء تدمر" كما عثر على مدافن لأسر تدمرية منها مدفن بورفا وبولحا، وعمل على نصب نحو 400 عمود في الشارع المستقيم ومعبدي بعل شمين ولات وأعمدة المسرح وإعادة بناء التترابليون وترميم سور تدمر الشمالي وأبراجها وحتى ترميم القلعة وافتتاحها.

له العديد من المؤلّفات عن تدمر تشارك بعضها مع علماء آثار سوريين وأجانب. كان يتقن الآرامية التدمرية وله مخطوط في كيفية تعلّمها.

حاز أوسمة من سوريا وبولونيا وفرنسا وشارك في العديد من الندوات والمعارض الأثرية في سوريا وأنحاء العالم. ماذا يقول إبنه محمّد الأسعد؟  

محمّد الأسعد: استشهد والدي لأنه آمن بسوريا بشكل عام كأرض مقدّسة، عند بداية دخول تنظيم داعش الإرهابي واحتلاله لتدمر ألقى القبض على والدي من أجل الدلالة على كنوز ودفائن الملكة زنوبيا والملك أُذينة التي لا تزال تنتظر معاول المُنقّبين. رفض الدلالة على أيّ كنز أو أيّ إرث لا زال مدفوناً، لا يخاف من أحد حتى من الموت، رفض مبايعة الجهل والظلام، سلاحه هو فكره وكل ما كنزه من إرث هذا البلد العظيم. كل حجر في تدمر بالنسبة إليه له قيمة وله دلالة ومعنى، حتى ذرّة التراب مقدّسة فما بالك الآثار! كانوا يمارسون معه حرباً نفسية، حينما كانوا يعرضون عليه مشاهد تدمير قدس الأقداس معبد بل تكون سكتة قلبية مميتة له. من مقولاته: "صمت الصحراء هو كلامها وأن يصبح الصمت كلاماً فتلك المعجزة، وتدمر جمعت ما بين الأسطورة والمعجزة تحكي في هدأة الليل أو صخب النهار قصة مدينة تصنع الأنجم بكفّها، قبلة عشّاق الآثار من شتّى أنحاء العالم".

مدير متحف تدمر الدكتور خليل الحريري تحدّث أيضاً عن الدكتور خالد الأسعد. 

خليل الحريري: خالد الأسعد ترك بصماته وبصمات الإنسانية على أعمدة وجدران معابد تدمر ومدافنها ومسارحها. الحقيقة أن كل حجر في تدمر يروي قصة خالد الأسعد واهتمامه. عندما نذكر اليوم زنوبيا نذكر خالد الأسعد، عندما نذكر قوس النصر نذكر خالد الأسعد، عندما نذكر أيّ موقع أثري في تدمر نذكر خالد الأسعد. كان إرثاً حضارياً كبيراً جداً ونبعاً من ينابيع العطاء بلا انقطاع سواء من الناحية الاجتماعية أو من العلاقات الإنسانية أو من العلاقات الثقافية وكان منهلاً ثقافياً كبيراً. خالد الأسعد في نظري وبالنسبة لي هو الأساس، نحن جدرانه ومن دون الأساس لا نستطيع الوقوف. موت خالد الأسعد كان قطع أو بتر نبع الثقافة للأجيال القادمة. خالد الأسعد علم من أعلام تدمر وعلم من أعلام الثقافة سواء على مستوى سوريا أوعلى مستوى العالم. داعش كانت تستهدف البشر والحجر والشجر وكانت تستهدف العلماء من البشر أصحاب الثقافة، غايتهم طمس الثقافة وطمس الحضارة في هذا الوطن فكان الهدف الأول هو خالد الأسعد كونه إنساناً مليئاً بالثقافة والعلم، حاولوا قطع الجذور لكن الجيل الحالي والقادم سيستمر في رسالة خالد الأسعد إلى ما لا نهاية.

غسان الشامي: أهلاً بكم، دكتور أحمد ديب كيف تستعاد تدمر، هذه المدينة التي يعرفها العالم، لا أحد في الكون مهتم إلا ويعرف بالميرا، كيف يمكن أن تعود لؤلؤة الثقافة التراثية والسياحة السورية؟

أحمد ديب: سؤال هام جداً، تدمر ليست مسؤولية سورية فقط بل مسؤولية وطنية بالدرجة الأولى، نعلم بأن تدمر مسجّلة على لائحة التراث العالمي منذ 1980 وسُجّلت كونها مدينة فريدة ليس في سوريا أو في منطقة الشرق فقط بل في العالم، وبالتالي مسؤولية جميع المنظمات الدولية وجميع الجهات النظر إلى وضع تدمر الحالي والعمل على تقديم المساعدة والعون، المساعدة الفنية والمالية لأن المعالم الأثرية التي تم تدميرها في تدمر تحتاج إلى تمويل هائل جداً وتحتاج إلى خبراء علميين مهمين ليس في سوريا فقط بل في العالم. مع الأسف حتى الآن نحن في المديرية لدينا تخوّف بسبب عدم وجود اندفاع في هذا الاتجاه.

غسان الشامي: ولا أية جهة اقترحت أو قدّمت مالاً من الجهات الثقافية الكبرى في العالم من أجل تدمر؟

أحمد ديب: حتى الآن لا يوجد شيء فعلي، هناك أصوات كثيرة تتناول موضوع العمل على إعادة ترميم المعالم الأثرية في تدمر ولكن حتى الآن لا يوجد شيء جدّي على الأرض. في المقابل قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بالعمل على توثيق جميع الأضرار بشكل كامل وتقييمها والبدء بإعداد دراسات بحسب الإمكانيات المتوافرة لدينا.

غسان الشامي: عن كلفة إعادة الإعمار؟

أحمد ديب: عن كلفة بعض المعالم التي تم تدميرها. كما ذكرنا في بداية الحلقة معبد بل تضرّر بشكل كبير ولكن قوس النصر يمكن العمل على ترميمه بكلفة قليلة نسبياً ولا يحتاج إلى إمكانيات كبيرة، التترابيل لا يحتاج إلى إمكانيات كبيرة، 15 عموداً هي أعمدة غير أثرية أو غير أصلية، يوجد فقط عمود واحد وبالتالي يمكننا إعادة هذا المشهد. 

غسان الشامي: المدرج؟ المسرح؟

أحمد ديب: بخصوص المسرح فإن أعمال الترميم لم تكن بالحجم الكبير، هناك أعمال ترميم كثيرة في المسرح قام بها المرحوم خالد الأسعد وبالتالي نستطيع العمل على مشروع إعادة ترميم الأضرار التي طالت المسرح.

غسان الشامي: القلعة؟

أحمد ديب: بخصوص القلعة فقد قمنا بإجراء أعمال إسعافية في المديرية العامة للآثار والمتاحف من أجل تثبيت الجدران المتعرّضة للتهدّم والتخريب ودرء الخطر من انهيارات جديدة، ولكن الأضرار في القلعة قليلة نسبياً يمكن العمل على ترميمها.

غسان الشامي: معبد بعل شمين؟

أحمد ديب: معبد بعل شمين هو أفضل حال بكثير من معبد بِل.

غسان الشامي: معبد بِل أمر مأساوي.

أحمد ديب: أمر مأساوي حقيقة بالنسبة للجميع. اكتشفنا بأن عدد العناصر المعمارية القديمة أو الأثرية القديمة الموجودة في معبد بعل شمين ما تزال بحال جيدة. هناك بعض العناصر تم تدميرها يمكن العمل على ترميم بعضها ويمكن الاستغناء عن بعضها الآخر، بالإضافة إلى ذلك هناك مدارس كما ذكرت، يمكن الاستفادة من المقالع التي هي في الأساس مقالع لكل المعالم الأثرية الموجودة في تدمر في منطقة الطار. نعلم بأن أغلب الحجارة التدمرية هي من مقالع ضمن المنطقة في تدمر.

غسان الشامي: هناك رمز لمدينة تدمر هو أسد اللات، لديك حكاية طريفة عنه، قلت لي تحت الهواء أنه رفض أن يأتي من تدمر إلى دمشق ليخضع للترميم، نحن سنقوم بتقرير مع المرمّم البولوني الشهير له ولكن آمل أن تخبر الناس بهذه القصة إذا سمحت.

أحمد ديب: نعم، أسد اللات نذكر كيف تم تدميره مع دخول داعش بآليات ثقيلة كونه تمثالاً كبيراً يرتفع حوالى ثلاثة أمتار ويزن حوالى العشرين طناً وبالتالي كانت محاولة تدميره بآليات ثقيلة. عندما وصلنا إلى تدمر وجدنا أن التمثال بحال جيدة نوعاً ما ويمكن العمل على ترميمه كونه مرمّماً سابقاً من قبل البعثة البولونية العاملة في تدمر فاتخذنا القرار بنقله إلى دمشق للقيام بأعمال الترميم.  

غسان الشامي: رفض أن ينتقل.  

أحمد ديب: قمنا بأول محاولة وكانت فاشلة، لم نستطع وضعه على الحاملة التي ستنقله. بعد أسبوعين قمنا بمحاولة ثانية من أجل نقله إلى الحاملة فحدث عطل مفاجئ في الحاملة ولم نستطع نقله. في المرة الثالثة أخذنا احتياطات كاملة، أتينا بأكثر من آلية ثقيلة أو رافعة من أجل عملية الرفع والحمل وأكثر من مقطورة من أجل القطر ووضعناه بجهد جهيد بعد محاولة استمرت أكثر من ساعتين، تمكّنا من رفعه إلى الناقلة وبدأنا المسير إلى دمشق.

غسان الشامي: كم ساعة استغرق الطريق من تدمر إلى الشام؟

أحمد ديب: استمر النقل حوالى 13 ساعة كون الأعطال كانت متكرّرة في الناقلة التي كانت تنقل هذا التمثال. اكتشفنا بأن حامي معبد اللات في تدمر وحامي المتحف الوطني وحامي المدينة الأثرية لا يريد الابتعاد عن هذه المدينة. 

غسان الشامي: أعزاؤنا الفنان البولوني بارتوش ماركوفسكي هو مرمّم عالمي مختصّ بحفظ وترميم الحجر المنحوت، فنان يحمل إجازة في الفنون من جامعة وارسو قسم الحفظ والترميم ويعمل في المركز البولوني لآثار البحر الأبيض المتوسّط في جامعة وارسو، هو أيضاً من عشّاق تدمر وهو عضو البعثة الأثرية البولونية التي تعمل في موقع "حوّرتي" في جبل الزاوية في سوريا منذ عام 1999 وفي تدمر منذ عام 2003. خلال افتتاح المتحف شاهدناه يرمّم من جديد تمثال الأسد اللات بعد أن رمّمه سابقاً وبعد أن وُجدت قطعة هي أنف الأسد، القطعة الأصلية. قدّم بحثاً في المؤتمر عن الترميم، نشكره على إضاءاته وإليكم هذا الحوار القصير معه.

تقرير:

بارتوش ماركوفسكي: منذ يومين حصل حدث كبير في دمشق هو إعادة افتتاح المتحف الوطني بعد أن أُغلق لسنوات عديدة. نحن نعتقد أن إعادة افتتاح المتاحف تدلّ على عودة الحياة إلى طبيعتهان والإرث عموماً لديه القدرة على الجمع بين الناس بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية، فأيّ شخص سوري يتحدّث عن الإرث يقول إنه إرثه هو وبالتالي الإرث يجمع بين الناس وباعتمادنا لهذه الفكرة سيغدو العالم أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. هذا التمثال غاية في الأهمية وأنا أعمل عليه منذا العام 2003، وقد استغرق التحضير لمشروع الترميم وقتاً طويلاً بهدف التوصّل إلى أفضل طريقة لعرضه وتقديمه للناس وكان لا بدّ من أن يوضع أمام متحف تدمر. أما بالنسبة للمواد التي استُخدمت والمنهجية التي اتُبعت خلال الترميم فكله ناتج من العمل الذي قام بها المُرمّم الأول السيّد يوسف غازي ومن مكان عرضه الذي حددّه مدير متحف تدمر الأسبق السيّد خالد الأسعد. كان عليّ البناء على هذه القرارات للانطلاق بمشروع الترميم لأنه لم يكن من الممكن أن نعود إلى الوراء ونبدأ الترميم من الصفر، ودائماً ما ينطوي ترميم جسم بهذا الحجم على مساومة في مكان ما فما من حلول مثالية ويترتّب علينا الاختيار ما بين عدّة حلول، وكما أشرت لا نحقّق نتيجة مثالية أبداً. وفي حال هذه التمثال مثلاً أُخضع لعمليات إعادة بناء في عامي 1977 و2005، اضطررنا إلى إزالة ما وُضع خلال هذه العمليات في بعض المواضع وإعادة إجرائها في عملية الترميم الأخيرة عام 2017، وللأسف بعض الأجزاء فُقدت في الأزمة أو دُمّرت بشكل لا يمكن إصلاحه فاضطررنا إلى إعادة تشكيلها. فُقِد فكّ الأسد السفلي عام 2015 فأعيد بناؤه من جديد وكان هذا الجزء الأصلي من التمثال موجوداً قبل الأزمة غير أنه ما عاد كذلك الآن. كذلك أعيد بناء بعض أجزاء اللثة وقد أُجريت في إطار عمليات ترميم في عام 2005 واضطررنا إلى إعادة بناء هذا القسم جزئياً، فضلاً عن أن هذا الجزء كان مفقوداً لكنني أعدت تثبيته منذ يومين وأنا سعيد جداً بعودة هذا الجزء إلى مكانه الأصلي. يمكننا أن نرى أيضاً على التمثال آثاراً من النزاع الأخير وعادة ما تظهر عليه آثار عيارات نارية ونرى آثارها هنا، وهذه الأجزاء قمت أنا بترميمها منذ عام 2005 ولذلك يمكننا معرفة أن أحداً قد أطلق النار على التمثال، ما يشير إلى أساليب بربرية وإلى غباء وعدم فهم لقيمة الإرث التاريخي. يمثّل هذا التمثال أسداً يحمي ظبياً وعادة في الطبيعة الأسود تأكل الظباء أما في معبد اللات فكانت الصورة مغايرة إذ اجتمع هذان النوعان من الحيوانات، وحتى أنه نُقشت على قدم الأسد اليسرى عبارة "تبارك كل من لا يسفك الدماء في حرم المعبد"، وهي عبارة جامعة وسلمية جداً يمكننا مواءمتها مع الوضع الراهن في سوريا اليوم.

غسان الشامي: أهلاً بكم، دكتور أحمد ديب هل من بعثات تنقيب أثرية ستعود إلى تدمر؟ هل تفكّرون في ذلك؟ لأنك كما قلت فقط 30% من المدينة هو المكشوف.

أحمد ديب: حتى الآن لا يوجد أي توجّه في هذا الموضوع ولكن ربما ستقوم البعثات السورية في المرحلة اللاحقة باستكمال الأعمال. في حال عادت البعثات الأثرية وخصوصاً البعثة اليابانية التي عملت طويلاً في تدمر، هي لديها رغبة كبيرة بالعودة إلى تدمر ولكن الظروف حتى الآن بكافة أنواعها.

غسان الشامي: يعني حكومتها تمنعها؟

أحمد ديب: الظروف السياسية والوضع الأمني الموجود حتى الآن يبدو غير مناسب لهم للعودة إلى سوريا ، مع العِلم أنهم على تواصل دائم مع المديرية العامة للآثار والمتاحف بتفاصيل ما يحصل في المديرية والأضرار التي تحصل للآثار السورية. هناك تواصل علمي مباشر ودائم، شاركوا معنا في أكثر من مؤتمر دولي في سوريا ولبنان وفي اليابان عن سوريا ولديهم رغبة بالعودة الفورية ولكن حتى الآن لم يترتّب هذا الموضوع بشكل جيّد. ربما هناك بعثات أثرية أخرى تعود، ربما البعثة السويسرية، ربما بعثات روسية، ربما بعثات من أية دولة في العالم. نحن كنا نستقبل 120 بعثة أثرية خلال الفترة الماضية وبالتالي بلدنا مفتوح لجميع البعثات الأثرية من أجل التعاون العلمي مع المعاهد العلمية والجامعات.  

غسان الشامي: ألم يقم الروس بمبادرة؟ يعني مثلاً هم لديهم في الأرميتاج القانون المالي التدمري، هو أُخذ من نهاية القرن التاسع عشر، ألم يحاولوا تقديم المساعدة لإعادة الترميم أو لبعثة أثرية من جديد في تدمر؟

أحمد ديب: هناك أصوات في هذا الإطار ولكن حتى الآن لا يوجد شيء جدّي، قاموا ببعض أعمال التوثيق في تدمر وأرسلوا لنا نسخة من أعمال التوثيق التي قاموا بها في الفترة الماضية. 

غسان الشامي: توثيق الدمار؟

أحمد ديب: توثيق دمار المعالم الأثرية في تدمر. 

غسان الشامي: مَن من المنظمات الدولية يفكّر بالمساعدة أو ساعدكم؟ مثلاً علاقتكم مع اليونسكو وهي مسجّلة على لائحة التراث الإنساني.   

أحمد ديب: علاقتنا مع اليونسكو خلال فترة الأزمة كانت جيدة إلى حد ما خصوصاً عند إطلاق مشروع الصون العاجل للتراث الثقافي السوري. من خلال هذا المشروع تم تدريب عدد كبير من الكوادر السورية، كوادر المديرية العامة للآثار والمتاحف في بيروت، وتم التعاون من قبل اليونسكو في عدة عمليات إنقاذ تمت إحداها في تدمر وأيضاً تم تقديم دعم جزئي في أعمال التوثيق للأضرار التي طالت مدينة حلب. الحقيقة أن اليونسكو تتعاون مع المديرية بشكل جيد خلال الأزمة في عدد كبير من المفاصل التي كانت تعاني منها المديرية.

غسان الشامي: دكتور قبل أن يحبّنا العالم كيف نعيد تدمر إلى الذاكرة الشعبية الحديثة؟ بمعنى كيف نجعل الأجيال القادمة تعتبر أن هذا الصرح الحضاري هو ملك لها وللإنسانية ؟

أحمد ديب: تدمر رغم كل ما حصل، عندما تزور تدمر حتى هذه اللحظة تعود بالذاكرة إلى المشهد نفسه الذي كان سابقاً قبل تدمير بعض من معالمها. لا أحد يستطيع تدمير هذه المدينة بشكل كامل، حاول التكفيريون أن يفعلوا فعلتهم ولكن فشلوا في إخفاء هذا المشهد في ذاكرة عدد كبير من السواح والأجانب الذين كانوا يزورون سوريا. الآن نحن أمام وضع حرج، تدمر وعدد كبير من المواقع السورية وخصوصاً المسجلة على لائحة التراث العالمي بحاجة من الجميع التفكير في مستقبل هذه المعالم الأثرية. خسرنا الكثير في المواقع الأثرية والتدمير الذي حصل من خلال التنقيب غير الشرعي حتى في تدمر.

غسان الشامي: خلال فترة داعش هل أيضاً قاموا بتنقيب جائر وغير شرعي؟

أحمد ديب: نعم، هناك أعمال تنقيب غير شرعية حصلت في مدينة تدمر وأيضاً عمليات سرقة لبعض المدافن التي كانت مخبّأة من قبل المديرية. وهذا التنقيب موجود في عدد كبير من المواقع الأثرية التي كانت خارج سيطرة الدولة مع الأسف، هناك مئات المواقع الأثرية تم نبشها وتخريبها وتجريفها بالآليات الثقيلة وخسرنا ما خسرناه في هذه المواقع.

غسان الشامي: المجتمع المحلي التدمري دكتور أحمد ديب ما موقعه في حماية المدينة؟ 

أحمد ديب: تقع على عاتقه مسؤولية في ما حصل في تدمر، هناك جانب من الأهالي في تدمر كان يحاول حماية المدينة وكان يحاول إبلاغ السلطات الأمنية في المدينة بعمليات سرقة، ونجحت السلطات الأمنية في عمليات ضبط كانت هامة جداً لبعض التماثيل النصفية وتم تسليمها إلى المديرية. كان خطابنا مع المجتمع المحلي ليس فقط في تدمر بل في جميع المحافظات السورية وأغلبها كان هناك تجاوب مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في إبلاغها ومحاولة حماية بعض المواقع الأثرية.

غسان الشامي: ولكن قسماً منهم أيضاً كان مساهماً في الجور على الآثار.

أحمد ديب: لا شك، هناك ضعاف نفوس دائماً، نعلم ما حصل في أفاميا، نعلم ما حصل في بعض المواقع في ماري ودورا أوروبوس. بالتأكيد هناك ضعاف نفوس وهناك مافيات، مع الأسف خلال الأزمة جميع مافيات العالم كانت تعمل للتنقيب عن الآثار في سوريا وكان لهم من يساندهم من الداخل مع الأسف.    

غسان الشامي: شكراً سيّدي. في زمان مضى وقفت زنوبيا مثل أسد اللات بوجه روما وتركت مدينتها إرثاً للتاريخ الإنساني لكن جلاوزة اللاإنسانية وعبر العصور ينتقمون من الحجر والبشر معاً، مع ذلك لا بدّ من النور ولا شك أن هذا النور آت، سوريا تنتصر بالثقافة والتراث والحضارة وبنموذج أسد اللات. شكراً للدكتور أحمد ديب على حضوره في أجراس المشرق، للفنان بارتوش ماركوفسكي، لعلماء الآثار الذين كانوا معنا من تدمر وللسيّد مدير متحف تدمر، شكراً لزملائي في الميادين: مدير العمليات جهاد نخلة، المنتج هشام الهاشم، والشكر الكبير لزميلي المصوّر أحمد دغيم وجمال حيدر على تعبهم، شكراً لكم على متابعتنا. أيامكم انتصار على الهمج والهمجية، من دمشق سلام عليكم وسلام لكم.

أحمد ديب: شكراً.