الكاتب والصحفي طلال شتوي

 

زاهي وهبي: مساء الخير. ما أصعب أن تُقدِّم من تُحبّه وأن تبقى مهنياً وموضوعياً في انتقاء مفرداتك وعباراتك فلا تغمس قلمك كثيراً في محبرة القلب ولا تغبن ضيفك حقّه تجنّباً لشُبهة الودّ والإيثار، فمع ضيفنا الموقّر عرفتُ معنى الصداقة من بُعد. لم ننشأ معاً، لم نعمل معاً، لا غاية لواحدنا مع الآخر لا حتّى لقاءاتٍ إلّا نادراً، لكننا صديقان. صديقا حرفٍ وكلمةٍ وشغفٍ عارم في مهنةٍ لا تجلب عادةً غير العداوة والخصومة، ولا غضاضة في قولي أنّ "الشتويّ" هذا عاش فصوله كلّها في ثوبٍ رقيقٍ شفّاف، ثوب لا يقي حرّ صيفٍ ولا قرّ شتاء، هو ثوب النزاهة والاستقامة والمهنية التي صارت من عجائِب هذا الزمن الأغبر. كاتب شاعرٌ صحافيّ ومؤسس لنمطٍ جديدٍ ومُعاصر في الصحافة الثقافية الفنيّة والاجتماعية، مكتوبةً ومسموعةً ومرئية، وصاحب تجربة ثريّة على تماسٍ مع مبدعين وعمالقة فنٍّ وأدبٍ وصحافة في "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب لنستعرِض حصاد الحبر والورق وخُلاصات الأضواء والبريق وما الذي جعله يبتعِد في أوج النجاح ومواسم الحصاد، أهو سرطان الجسد أم سرطان البلد؟ معاً نُرحِّب في الكاتب والصحافي المرموق الأُستاذ "طلال شتوي"، أهلاً وسهلاً بك

طلال شتوي: أهلاً بك "زاهي"، أخجلتني وتكاد تُسكتني

زاهي وهبي: لا، يعني محبتك تعرِفها وليس جديداً هذا الشيء

طلال شتوي: نحن فعلاً صديقان من بُعد. من اللازم أن يتعلّم الناس كيف يُمكن أن تنشأ مثل هذه الصداقة من دون أغراض ون دون غايات، حتّى المفارقة أنّ المصادفات لم تجمعنا في عمل واحد

زاهي وهبي: صحّ

طلال شتوي: وفي نمط عيش متكرّر في مكانٍ واحد ولكن دائِماً كنّا في خاطر بعضنا البعض

زاهي وهبي: صحّ. على كلّ حال، سنستعيد أبرز مفاصل رحلتك الطويلة والحافلة في الإنجازات، حافلة في المتاعب، حافلة في تعدّد المؤسّسات التي حضرتك أيضاً اشتغلت فيها، لكن قبلاً، إذا طلبت منك أن تضع عنواناً أو مدخلاً لهذه التجربة وهذه الرِحلة، ماذا ستضع لها عنواناً؟ ما هو المفتاح أو الباب الأرحب أو الأفضل لندخل منه؟

طلال شتوي: ليس كلمة واحدة، جملة: كنت أظنّ أنني في صدد اكتشاف الحياة فاكتشفت بعد مضيّ بعض الوقت أنني كنت دائِماً في صدد اكتشاف ذاتي

زاهي وهبي: صحيح. على كلّ حال سنكتشفك أكثر من خلال الأسئِلة ومن خلال أيضاً "علامة فارِقة" في هذه الرِحلة إلى (طرابلس) برفقة صديقتنا وزميلتنا "يارا أبي حيدر" 

طلال شتوي: وأنا أشكر "يارا" كثيراً لأنّنا للحقيقة أمضينا يوماً جميلاً

علامة فارِقة

طلال شتوي: لا يعني لي البحر ما يعنيه لباقي الناس، يُذكِّركِ دائماً أن الحياة مستمرّة كما هي في مشهدها الواحد مهما حدث في هذه الدنيا، مياه ومدى وسماء وكورنيش يمرّ عليه عابرون. هذا مشهد كلّ يوم هو نفسه  

- أجل، هذا بيتي. في فترة من الفترات ربما دامت حوالى أربع أو خمس سنوات لم أكن أفعل فيها شيء أبداً. كنت أتسلّى، كان عندي هواية في ترتيب البيت

- نعم، عزيزون عليّ هؤلاء في الصُوَر، خصوصاً هذه. من جهة مع كبير في العُمر ومن جهة ثانية واضح كم كان عُمري، تحت العشرين، واضح

- كان السكوب غريب عجيب، وسرقة. لكي تمكّنت من أخذ المقابلة منه (من ياسر عرفات) قلت له عندك حلّ من إثنين، إمّا تُعطيني المقابلة أو تطلق عليّ النار من هذه البندقية وراءك، فصار يضحك. قال لي، "أوكي"، أنت تفقس زرّ المُقابلة وأنا أفقس زرّ الـ Finale

- في عُمري لم أُفكِّر أن أحتفِظ بصورة، تجمّعت هذه الصوَر من أصحاب أرسلوها لي عبر "الفيس بوك"

- أنا لا أستوحي لا من الأشياء ولا من الطبيعة. مركز الوحي داخلي

- لا، ذاكرتي ليست قويّة الآن، ليست كما كانت قبل ستّ أو سبع سنوات      

- لا أهرب من ذكريات ليست حلوة ولا أستعيدها في ندم أو في شعور بالظلم أو الحزن، لا لا، أنا مؤمن بشكلٍ قاطع يعني، وهذا حقيقي، بأنه لا نعرِف الحكمة من الأشياء التي تحدُث. لا نحكُم على الأشياء السلبية في أنها سلبية من دون أن نُفكِّر أنّ ربما هذه السلبية هي نجاة من مآزِق أكبر

- هذه زواريب (الميناء) العتيقة وهي زواريب حلوة جداً، أنا أُحبّ البساطة ورائِحة الأشياء العتيقة التي فيها. هذا مزاج في الآخِر

- ميّال للأزرق في كلّ شيء يعني وليس في الملابس فقط، في كلّ شيء. أُحبّ الأشياء الزرقاء يعني، لكن الألوان حياة في الآخِر، وهذا اللون تعبير قوي عن الحياة لأنّ الحياة ليست لوناً واحداً

- ذهبت إلى التلفزيون كتجربة، ورحت ضيفاً رغم أنني اشتغلت بحرفيّة عالية، ولكن اعتبرت نفسي دائِماً ضيفاً، ودعني أُسمّيها بوضوح، "هاوي"، وسررت جداً وأحببت التلفزيون

- توقّعاتي سقفها ليس عالياً، فمن أجل هذا مشاكلي قليلة مع الناس ولا أزعل من الناس. مُتطلِّب من الحياة، والترجمة الحقيقة لكلمة متطلب من الحياة هي أنني متطلِّب من نفسي يعني سواء على مستوى العمل لأنني اشتغلت في عمرٍ صغير أو على مستوى لاحقاً تحدياتي التي تعرّت لها في وعكاتي الصحيّة الكبيرة التي عشتها والكثير من القصص. أنا دائِماً أقول أنّ الذي كان يُقاتل معي كلّ الوقت هو تفاؤلي الغريب

- لا، الكتابة مُتعة، والذي يقول إنّ الكتابة وجع من الأفضلّ ألّا يتوجّع. بالنسبة لي الكتابة كانت فعل خلاص وكان كتابي الأول هو كتاب بوح

- نعم هناك أمل ونحن محكومون بالأمل، أمل يخرج من ملل أو من وجع أو من هبل أو من أي شيءٍ كان، لكن هناك أمل

زاهي وهبي: في بعض المرات من المريح أكثر حين يخرج من هبل، لأن الذي لا يُشغِّل عقله كثيراً في هذه البلاد يرتاح أكثر

طلال شتوي: في هذه البلاد وفي الحياة كلّها، على المرء ألّا يترك القلق يغلبه

زاهي وهبي: نعم. ودائِماً يأخذ الأمور، يحمِل خفيف كما يقول المثل

طلال شتوي: حمله خفيف

زاهي وهبي: ولكن هناك سؤال يشغل بالي، حضرتك "طلال" ابتعدت في مرحلة كنت لا تزال في خِضمّ معمعة التلفزيون والصحافة. ما الذي جعلك تبتعِد؟ تركت (بيروت)، تركت المهنة تقريباً وذهبت إلى (طرابلس). هلّ المرض، سلامة قلبك، هو الذي أبعَدك؟

طلال شتوي: الله يُسلِّمك

زاهي وهبي: إصابتك بالسرطان والحمد لله على سلامتك؟ هلّ هو القرف من واقع حال البلد؟ هلّ هو خيبة أمل من المهنة؟ ما هو السبب؟

طلال شتوي: تغيّرت المهنة سريعاً، نحن عشنا القصص نفسها ولو لم نكن مع بعضنا البعض، يعني عشت المرحلة في تفاصيلها. صار هناك متغيّرات دعنا نقول لا تشبهنا، لا تشبه كيف كنّا نُفكِّر في القصص. للحقيقة بقيت المهنة صامدة، تشبه السبعينات والستّينات والخمسينات لعند

زاهي وهبي: نهاية الحرب تقريباً

طلال شتوي: لعند نهاية الحرب

زاهي وهبي: مفارقة هذا الشيء

طلال شتوي: أجل غريب. في أوائِل التسعينات بدأت تتدهور وبعدها حدث تدهور فظيع. لا أحد يجرؤ، رغم كلّ ادعائي في أيّ جرأة أو شجاعة، لا أحد يجرؤ ويقول " أنا أُريد أن أترُك من دون أن يجد سبباً مباشراً ومقنعاً ليس له بل للآخرين. فكان السبب المُباشر المقنِع للآخرين هو المرض

زاهي وهبي: الحال الصحيّة

طلال شتوي: الذي أُصبت به، وهكذا كان تركي مبرراً بالتالي

زاهي وهبي: في كتابك الجميل والممتع في الحقيقة الذي إسمه "بعدك على بالي"

طلال شتوي: الله يخلّيك

زاهي وهبي: هو الكتاب الأول الذي صدر ولاحقاً "زمن زياد" وكُتب الشِعر. يعني تحكي تجربتك ولكن في نفس الوقت تحكي أيضاً إنجازاتك، الأشياء التي حضرتك حقّقتها. هلّ عندك شعور بعدم الإنصاف؟ يعني أنّك لم تُنصَف؟ أنّ تجربتك لم تُنصَف فبالتالي أحببت أن تضعها بين أيدي الآخرين؟

طلال شتوي: هناك شيء من هذا

زاهي وهبي: ونحن في بلاد لا تُنصِف أحداً، يعني دعنا نقول أنّ هذا الشعور ليس غريباً

طلال شتوي: لا يُمكنني أن أنكُر

زاهي وهبي: ما هو الإنجاز الأهمّ؟ "طلال شتوي" حضرتك اشتغلت وكانت لك تجارب رائِدة في الإذاعة، في الصحافة المكتوبة، في الصحافة المرئيّة، في التلفزيون ويكفي أن نقول "الليل المفتوح"، البرنامج الذي كان نقلة في برامج المنوّعات الحواريّة على مُستوى الشاشة العربيّة. ما هو الإنجاز الأهمّ في حياتك المهنيّة؟

طلال شتوي: أن أحصرهم في إنجازٍ واحد صعب عليّ، أنا أقول دائِماً أنّ ربما الإنجاز الأهم ليس من الضروري أن يكون الذي نُحبّه أكثر، هو الذي يكون مؤثراً أكثر

زاهي وهبي: ما هو؟

طلال شتوي: هما إنجازان أعتقد أثّرت فيهما، أحدثتُ تغييراً في اتجاه الصحافة الاجتماعية، والإنجاز الآخر هو أيضاً ليس لأنه حبّاً

زاهي وهبي: لا، أنا أسال

طلال شتوي: أعتقد أنه أحدث تأثيراً وهو عملي في التلفزيون

زاهي وهبي: نعم، "تلفزيون المستقبل"؟

طلال شتوي: نعم، رغم قصر الوقت. أنا أقول، يمكنني أن أقول أنّني أدّعي وأتّكل على آخرين يصدقون هذا الكلام وراقبوه، أنني كسرت نمطاً وفتحتُ نمطاً جديداً تطوّر كثيراً من بعدي ولكن أنا الذي فتحته

زاهي وهبي: وقُلِّد، يعني تطوّر من ناحية وقُلِّد من ناحية أُخرى. كلّ هذه القضايا سنرجع إليها، لكن حضرتك أجريت حوارات كثيرة مع شخصيّات في مجالات مختلفة

طلال شتوي: صحيح

زاهي وهبي: يعني فنّية ثقافية سياسية. ما هي الحوارات الأمتع كانت بالنسبة لك؟ أكثر حوارات استمتعت بها كـ "طلال"؟

طلال شتوي: هناك حوارات أحدثت لي متعة كمُراسل مثلاً، يعني ليس مضمون الحوار في حدّ ذاته. هناك حوارات، لا المضمون 

زاهي وهبي: ما قلته عن "ياسر عرفات" مثلاً، الرئيس الفلسطيني الله يرحمه، قلت له أن عنده خيارين إما المقابلة معك أو إطلاق النار عليك

طلال شتوي: كان على يمينه "كلاشينكوف"، لم يظهر في الصورة للأسف، كان "حسن أبو ريّا" معي

زاهي وهبي: كم كان عُمرك؟

طلال شتوي: أكيد تحت العشرين

زاهي وهبي: تحت العشرين؟

طلال شتوي: أجل كنت تحت العشرين، هذه بدايات البدايات

زاهي وهبي: أين كنت في مجلّة "الأفكار"؟

طلال شتوي: نعم مجلّة "الأفكار". وهذه المقابلة تُوثَّق لأنّ هذه كانت آخر صورة لـ "أبو عمّار" في (لبنان)، الصورة الأخيرة له ولم يطأ أرض (لبنان) من بعدها. كان ذلك قبل أن يُسافر بحوالى ثلاث ساعات، قبل أن يركب البحر

زاهي وهبي: ما أبرز ما قاله في تلك المقابلة؟

طلال شتوي: العنوان الذي وضعته للمقابلة "انتظروني في موقعٍ نضالي جديد"، لكن أبرز ما قاله لي جملة لا أنساها، "أنني أُحارَب من (إسرائيل) ومن العرب". كان عنده أسى. أنا سألته إن كان قد بكى لأنّ أُناساً أخبروني أنه بكى، فزجرني، ز ج ر ني. غضب يعني

زاهي وهبي: بكى حينما خرج من (بيروت) أعتقد أم أثناء المعارِك؟

طلال شتوي: لا، أثناء المعارِك

زاهي وهبي: على كلّ حال

طلال شتوي: غضب وقال لي " القائِد لا يبكي"، لا تضع السؤال

زاهي وهبي: حضرتك فيروزي في الجينات إذا جاز التعبير، يعني مثل الكثير من أولاد جيلنا، وتربطك علاقة طيّبة بالسيّدة "فيروز"، والتقيت فيها مراراً وتكراراً ربّما. لماذا لم تُحاول أن تجعلها ضيفة حوار على الملأ؟

طلال شتوي: أنا مرّة واحدة طلبت من السيّدة "فيروز"

زاهي وهبي: هذا الحوار؟

طلال شتوي: حوار تلفزيوني

زاهي وهبي: ماذا كان ردّها؟

طلال شتوي: قالت لي، قدِّم لي الفِكرة، أوكي، نشتغل على الفِكرة. تريد أن تضحك؟ لم أُقدّم فِكرة

زاهي وهبي: خفت ربما؟

طلال شتوي: لم أنجز الفكرة، أنا تراجعت وليس هي

زاهي وهبي: على الرغم من أنك مغامر ومُجازِف في شغلك الصحافي؟

طلال شتوي: خفت

زاهي وهبي: لربما نرجع ونشتغِل عليها

طلال شتوي: يا ليت

زاهي وهبي: بين "فيروز" طبعاً مع حِفظ الألقاب، "فيروز" "عاصي" "منصور" "زياد"، لمن أنت أقرب؟

طلال شتوي: إذا القرب الفنّي؟

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: "فيروز"

زاهي وهبي: والقرب الإنساني؟

طلال شتوي: أحببت "منصور" كثيراً

زاهي وهبي: ما الذي أحببته في "منصور"؟

طلال شتوي: جبليّته، بساطته، انفتاحه، تواضعه

زاهي وهبي: أشهد أنا على هذا الشيء أيضاً

طلال شتوي: وهناك أُناس إذا اقتربوا منه كثيراً وأنت ربما رأيتهم، طفل كبير

زاهي وهبي: صحّ. ما الذي يُميِّز السيّدة "فيروز" على المستوى الشخصي وعلى المستوى الإنساني، أبرز صفاتها؟ صاحبة نكتة أنا أعرِف

طلال شتوي: مهضومة السيّدة "فيروز"، طبعاً، تعليقاتها تأتي

زاهي وهبي: أنا تشرّفت في أنني التقيتها في إحدى الزيارات

طلال شتوي: أعرِف ذلك، وأنت لك حوار معها

زاهي وهبي: نعم، ما يُشبه الحوار، صحيح

طلال شتوي: في الـ

زاهي وهبي: في "النهار"، نعم

طلال شتوي: "فيروز" سيّدة مهضومة، سيّدة لمّاحة يعني. أنا أعتقد أنّ هضامة "زياد" أخذها من "فيروز"، يعني عندها شيء يشبه "زياد"، ولاحقاً تكتشف أنّ "زياد" يشبه "فيروز" وليس العكس

زاهي وهبي: نعم، أخذ خفّة الدم من أُمّه

طلال شتوي: طبعاً من أميَز صفاتها البساطة وعندها رقيّ في مقاربة الأشياء، وأيضاً صمتها

زاهي وهبي: "زمن زياد" يعني اخترت حضرتك أن تكتب كتاباً لا عن "عاصي" ولا عن "منصور"، يعني لا عن الأخوين الرحباني ولا عن السيّدة "فيروز" إنّما عن "زباد". أولاً أخبرني، كم أثّرَ فيك "زياد الرحباني"؟ يعني في تكوينك الثقافي الفكري؟

طلال شتوي: ربما أثّر بي "زياد الرحباني" بقدر ما أثَّر في جيلي، لا أكثر ولا أقلّ. يعني لا أستطيع أن أدّعي أنّني "زيادي"، أنا لست هكذا

زاهي وهبي: أنت فيروزي

طلال شتوي: أنا فيروزي للحقيقة ولكن أنا انتبهت في وقتٍ مُبكر، انتبهت كم "زياد" مهمّ، وحاولت أن أُظهِر صورة، يعني أنا لم أكن أُحبّ الانطباع السائِد عن "زياد" لدى الجميع تقريباً، بأنّه لا مُبال ومزاجي، حتّى أحياناً صاروا يتّهمونني في معرِض تشبيهي بـ "زياد" أنّ هذا مثل "زياد الرحباني" مزاجي ولا يُعاشَر وهذا الكلام

زاهي وهبي: عندما بدأ شغل "زياد" المنفرِد مع "فيروز" كثيرون اتّهموه أنّه يُخرِّب الإرث "الرحباني" الفيروزي العظيم، أنت كنت من المبشّرين بأنّ هذه تجربة جديدة، هذه تجربة ناجحة، هذه تجربة قرّبت "فيروز" من أجيال

طلال شتوي: لم يكن ليحدُث هذا الاستمرار العصري والمُجدِّد لـ "فيروز" لولا "زياد". أنا أُشبِّه صدفة "زياد – فيروز" أو "فيروز – زياد" مثل صدفة "فيروز – الأخوين الرحباني"

زاهي وهبي: لهذه الدرجة

طلال شتوي: أجل، في نفس القيمة المُصادفتين. "فيروز" ليست أحداً عادياً، كانت في حاجة دائِماً لأحسن شيء. صادف في بداياتها أنه كان أحسن شيء هما "الأخوين الرحباني"، وصادف في استمرارية مسيرتها أنّ أحسن شيء كان "زياد الرحباني" بغضّ النظر عن علاقة الأُمّ والإبن 

زاهي وهبي: استوقفني أيضاً في علاقتك بالسيّدة "فيروز" وفي "الأخوين الرحباني" كنِتاج فنّي وإبداعي أنّك لم تذهب إلى مكان بعد وفاة "عاصي" لتميِّز أو تحاول أن تكتشف إلّا مرّة ربما في حوار، وقالها لك "عاصي" أنه هو كان المعلِّم، "منصور" قال لك عن "عاصي" أنه كان المعلِّم، لكن أنت قبلت مثلما أنا قبلت يوماً ما وكتبت أنهما يا أخي هما ارتضيا أن يكونا "الأخوين رحباني"

طلال شتوي: طبعاً

زاهي وهبي: وكأنهما شخص واحد "عاصي" و"منصور"

طلال شتوي: طبعاً، ولا يحقّ لأحد أن يُفرِّق بينهما

زاهي وهبي: لماذا نريد أن نأتي الآن نحن ونقول، "هذه هنا لعاصي وهذه لمنصور؟"

طلال شتوي: ممنوع، ممنوع حتّى عندما كان "منصور" على قيد الحياة. الآن بعد أن كلاهما مات ممنوع بشكلٍ قاطع وجازِم. لا يوجد شيء إسمه "عاصي" و"منصور". لم يُقدّما نفسيهما، على الأقل لا يوجد شيء إسمه "عاصي الرحباني"

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: هناك "الأخوين رحباني" وهناك "منصور الرحباني" الذي قام بتجربة مكتملة لوحده. أمّا تجربة "الأخوين الرحباني" لا يجوز التفريق فيها ولا يفيد

زاهي وهبي: نعم. أعود إلى كتاب "زمن زياد". اخترت أن تكتب عن "زياد الرحباني"، عن أثر "زياد الرحباني"، عن الشيء الذي تركه في الناس، في جيلٍ كامل من خلال آخرين. كيف وُلِدت هذه الفِكرة عندك؟

طلال شتوي: كنت من زمان أودّ أن أكتب كتاباً عن "زياد" ولا أعرِف ما هو الكتاب. وطبعاً أنا لم أكن في وارِد أبداً أن أكتب قصّة حياة "زياد الرحباني"، ولا في وارِد أن أكتب توثيقاً أو إلى آخره. أعترف، أنا غير مؤهّل لتقييمه فنياً، أنا أعرف أين حدودي. كان الخيار الوحيد أن أكتُب عن "زياد" الظاهرة. "زياد" الظاهرة ملتصق ولصيق بالأحداث التي عاصرها وعايشها في مراهقته وفي تجربته في أوج التجربة التي هي التجربة المسرحية الكبيرة، ومن هنا أخذت وقتاً طويلاً والفكرة بقيت لكن أنا لا أعلم ماذا سأكتُب إلى أن وجدت المفتاح

زاهي وهبي: ما هو المفتاح؟

طلال شتوي: المفتاح جملة قالها لي "جوزيف حرب" الله يرحمه، قال حينها حرفياً: " زياد الرحباني يلتقي مع كلّ إنسان جاء إلى هذه الأرض"

زاهي وهبي: إلى هذا الحد! يعني هناك إنسان. هذه الجملة تقول لك كم "زياد الرحباني" فيه إنسان

طلال شتوي: ولهذا ذهبت أنا إلى البشر. أنت سألتني عن الكتاب

زاهي وهبي: كيف اخترت هذه الشخصيات؟ الذين يروون لا يعرِفون "زياد"، معظمهم لا يعرِفون "زياد الرحباني" شخصياً

طلال شتوي: تعمّدت ألّا يكون من البشر أيّ أحد قريب من "زياد" قرباً كبيراً، ولا أحد من أصدقائه، ولا أحد من العاملين معه. تعمّدت لسبب بسيط، لأنهم لن يضيفوا لي شيئاً، يعني ما سيقولونه معروف والأفضل أن يقولونه هم في منابرهم لأنه يثري الحديث. أنا ذهبت عند البشر العاديين ومن بينهم أناس لم يروا "زياد" أبداً

زاهي وهبي: هذا ما أقوله. حسناً، غير "زياد الرحباني"، ما الذي يجمع هذه الشخصيّات في بعضها البعض؟

طلال شتوي: فيهم خيط يجمعهم جميعاً معاً

زاهي وهبي: غير أثر "زياد" بهم، هل هم جيل مثلاً، يمكننا أن نقول جيل الحلم، جيل الشغف، وهل هو جيل الانكسار؟

طلال شتوي: هم جيل الأحلام المنكسرة لكنّهم نهضوا وقاوموا

زاهي وهبي: على كلّ حال، تبين أن الكتاب من الكتب الأكثر مبيعاً في "معرض الكتاب العربي والدولي" في (بيروت) وهذا الكتاب صدر عن "دار الفارابي" وصرنا في الطبعة الرابعة؟ أو

طلال شتوي: نحن في الطبعة الرابعة

زاهي وهبي: الطبعة الرابعة الآن وأنا أنصح بقراءته

طلال شتوي: شكراً        

زاهي وهبي: ولكن هناك مُلاحظة أنا لاحظتها وأعتقد أنها كُتبت، راح عن بالي من كتبها، أنّه يغيب عن هذا الكتاب شخص محوري في تجربة "زياد الرحباني"، عامود فقري في التجربة الموسيقية الغنائية وهو "جوزيف صقر" الفنان العظيم، لماذا؟

طلال شتوي: قيلت لي هذه المُلاحظة في الحقيقة بعَتَب

زاهي وهبي: وأنا أسألك بعتب أيضاً

طلال شتوي: جوابي قلته حينها وأعاود تكراره، في الكتاب كثيرون غابوا، كثيرون من الذين كانوا لصيقين في التجربة غائبين، لم يكن الكتاب يؤرِّخ لأعمال "زياد" لأنّ في أيّ تأريخ لأعمال "زياد" حكماً سيحضر "جوزيف صقر" الله يرحمه. لا أدري إذا كان من اللازم أن أعتذر لمُحبّي "جوزيف صقر"

زاهي وهبي: أعتقد لازم

طلال شتوي: نعم لازم، على كلّ حال "أبو ليلى" أساسي في تجربة "زياد"

زاهي وهبي: يستأهل كتاباً في تجربته

طلال شتوي: ونقص في كتابي أنّ "أبو ليلى" غير موجود

زاهي وهبي: إن شاء الله يُستدرَك الأمر ولو في إطار آخر أو في كتاب آخر لأنّه فعلاً "جوزيف صقر" مثل "جوزيف حرب" في تجربة "فيروز" و"زياد" معاً، لأنه مفتاح من مفاتيح هذه التجربة، على الأقلّ أعطاك المفتاح، صبّ لك نسخة عنه. هل قرأ "زياد" الكتاب؟

طلال شتوي: أنا أتخايل، لكن ليس عندي معلومة دقيقة

زاهي وهبي: لا ترى "زياد"، لا توجد علاقة مُباشرة؟

طلال شتوي: لا، لا توجد علاقة مُباشرة

زاهي وهبي: أبداً؟

طلال شتوي: لا، توجد سلامات متبادلة عبر أصدقاء لكن لا تتجاوز ذلك، يقولون لي، " يُسلِّم عليك" وأنا أقول لهم " سلّموا لي عليه"، تقف هنا العلاقة

زاهي وهبي: لا أُريد أن أظهر وكأنني أُجامل، لكن ما من شكّ أنه أحد أمتع الكتب

طلال شتوي: الله يخليك يا رب

زاهي وهبي: والأشياء التي كتبت عن "زياد الرحباني"

طلال شتوي: لا، هذه شهادة لي

زاهي وهبي: وأنا أتمنّى أن نسمع رأي "زياد" إذا قرأ هذا الكتاب، يوماً ما يعني، في لقاء، في مناسبة. وإذا لم يقرأه "زياد" أنا أقول أنّه يفوته مسألة حلوة جداً كتبت في حقه. سنتوقف لحظات سريعة ثمّ نتابع هذا الجزء من "بيت القصيد" مع الكاتب والشاعر والصحافي الأُستاذ "طلال شتوي"

الجزء الثاني:

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نتابع مع الكاتب والشاعر والصحافي اللبناني الأُستاذ "طلال شتوي". "طلال"، الكتاب الأوّل لحضرتك، نحن تحدّثنا منذ قليل عن الكتاب الثاني الذي هو "زمن زياد". الكتاب الأول هو بعنوان "بعدك على بالي"، طبعاً يُذكّرنا فوراً بأُغنية السيّدة "فيروز"

طلال شتوي: هو مأخوذ من أُغنية "فيروز"

زاهي وهبي: نعم، بعدك على بالي يا قمر

طلال شتوي: "بعدك على بالي يا قمر الحلوين"

زاهي وهبي: يعني الأشياء التي في البال كثيرة لكن في كتابك توجد مكاشفة ومُصارحة

طلال شتوي: هو كتاب بوح

زاهي وهبي: في نفس الوقت أنت تكشُف ما يدور في كواليس مهنة الصحافة والإعلام. أشياء عادةً أهل المهنة عندما يكتبون، أولاد الكار" إذا جاز التعبير، لا يقولونها، لا يبوحون فيها

طلال شتوي: أنا انتبهت إلى أن الزملاء عندما يصدرون كُتباً ينشرون المقابلات التي كتبوها أو المقالات التي نشروها ويبغون جمعها. أنا لا، ولا حرف من المنشور أعدت نشره، أنا كتبت كواليس ما عشته

زاهي وهبي: وصلت إلى حدّ يعني الجرأة، تحرّرت من الرسميات ومن المُجاملات، من التحفّظ إذا أردنا أن نقول. يعني هناك نقد لاذع في الكتاب في طريقة ذكيّة لـ "نضال أشقر"، لـ "مارسيل خليفة"، لـ "علويّة صبح" في مكان من الأمكنة، لـ "حسين فهمي"

طلال شتوي: صحيح

زاهي وهبي: حسناً

طلال شتوي: ولكن أنا أخالفك أنه ليس نقداً

زاهي وهبي: ما هو إذاً؟

طلال شتوي: بدات في قولك "الأرواح تتلاقى"، لم ننسجم، لا توجد كيمياء، مع هذه الشخصيات لا توجد كيمياء

زاهي وهبي: لـ "علي جابر" مثلاً مدير

طلال شتوي: بالنسبة لـ "علي جابر" خلافات مهنيّة في الآخر

زاهي وهبي: نعم. أنا قبل قليل سألتك عن أهمّ الحوارات التي حضرتك أجريتها. ذكرنا الرئيس "ياسر عرفات" الله يرحمه

طلال شتوي: لا، الحوار الأهم مضموناً كان مع الشهيد "رشيد كرامي"

زاهي وهبي: نعم، ربما الرئيس "عرفات" في الشكل الذي تمكّنت فيه من انتزاع المقابلة. حسناً، في "الليل المفتوح" من أهمّ الضيوف الذين مرّوا في رأيك، أو الأمتع بالنسبة لك كمُحاور، كمُعِدّ، كصاحب فكرة هذا البرنامج؟

طلال شتوي: أحب حلقات مُحددة

زاهي وهبي: مثل؟

طلال شتوي: مثل حلقة "صباح". دائِماً "صباح" عندها المقدرة

زاهي وهبي: أن تعديك إلى الفرح والتفاؤل

طلال شتوي: أن تُدهِش وتُفاجئ، وفي تلك الليلة قدّمت لي كلّ المفاجآت الممكنة في الحياة. وحلقة "جوليا"

زاهي وهبي: السيّدة "جوليا بطرس"

طلال شتوي: نعم، تعني لي الكثير، حلقة "داني بسترس"

زاهي وهبي: الله يرحمها

طلال شتوي: الله يرحمها، وحلقة "تريسي شمعون"

زاهي وهبي: الذي يريد أن يعرِف لماذا تختار هذه الأسماء فليقرأ الكتاب، "بعدك على بالي" حتى الوقت أيضاً لأنه ستصير الحلقة من ثلاثة أجزاء من "بيت القصيد"

طلال شتوي: هناك حلقة من اللازم أن أُدين لها بالشكر، لأنها الحلقة التي كانت "بووم" لبرنامج "الليل المفتوح" وكانت الحلقة الثانية، مع "رياض شرارة"

زاهي وهبي: الإعلامي الكبير

طلال شتوي: والذي خسرناه في وقتٍ مُبكر. "رياض شرارة" تحدّث ست ساعات من الإمتاع وكأنّه كان يودِّع بعد عدّة أشهر 

زاهي وهبي: وهي كانت آخر إطلالة له

طلال شتوي: طلال شتوي سنستمع إلى مجموعة من الآراء في تجربتك. الشهادة الأولى من الدكتورة "وفاء أفيوني الشعراني" أُستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية في فقرة "كلام يوصل"

كلام يوصل

وفاء أفيوني الشعراني – أستاذة فلسفة: "طلال" يمتلِك قدرة رهيبة على بناء نصّ. هو يسرُد في تقنيّة هائِلة، يعرف أن يستعمل كافة أنماط السرد. عندما يسرُد في ضمير المتكلِّم فهو كأنّه ينقِّب في الذاكرة، وعندما يتكلّم في ضمير الجماعة يعرِف أن يخلق لهؤلاء جميعاً فضاءً يتحرّكون فيه. أنا بالنسبة لي أقرأ نصّ "طلال" ما بعد الزمان الذي يذكره وما بعد المكان رغم أنه في كلّ الأزمنة التي كتبها يكتُب عن زمننا جميعاً. أنت حين تقرئين نصّ "طلال" وتسيرين من (البيكاديلي) لتصلين إلى (الروشة) وتذهبين إلى (الحمرا) وتأتين من (بيروت) إلى (طرابلس) وتعودين من (طرابلس) إلى (بيروت)، هو يحملني فعلاً على أجنحة طير، إلى (حلب)، إلى (دمشق)، إلى (قاسيون)، إلى كلّ هذه الطرق والآن أُضيف، ليس فقط (حلب) و(قاسيون) و(بغداد) و(صنعاء)، كلّ هذه المُدن هي المكان الذي يقصده "طلال". هو يعرِف أنّ نبض الشوارِع في هذه المُدن يتعلّق بأمرٍ ما، يتعلّق بعروبتها، يتعلّق بكلّ ماضيها، يتعلّق بالذِكرى. ليس هيناً أنّ تستنفر الذكرى الذاكرة لكي تحولينها إلى نص. ليس هيناً تفاصيل المُعاش اليومي، أنه تقرير صحفي، تقرير صحفي يحوّله "طلال" إلى مادة ألق، مادة بهاء. أنا أُعلِّم فلسفة، "طلال" عرفاني، "طلال يتبع إنجيل القلب. شوفي كم هو راق وكم هو هادئ، تكلّم عن التجاوز، عن التأمّل التجاوزي وعن الارتقاء وقال أنّه دخل مُغامرة روحيّة لن يُخبرها لأحد إلّا لشخصٍ واحد، وأنا لا زلت حتّى اليوم لا أعرِف من هو هذا الشخص. هذا التأمّل التجاوزي أين صرت فيه "طلال"؟ ماذا حفظ لك هذا التأمّل التجاوزي؟

زاهي وهبي: ألف شكر للدكتورة "وفاء أفيوني الشعراني"

طلال شتوي: الدكتورة "وفاء" في غضّ النظر عن أنّها أُستاذة فلسفة

زاهي وهبي: حلو كثيراً ما قالته عنك

طلال شتوي: هي قيمة ثقافيّة في (طرابلس) للحقيقة

زاهي وهبي: واضح

طلال شتوي: وحضورها على الساحة الثقافيّة، وحتّى على التأثير في المشهديّة العصريّة للمدينة حضورها قوي جداً. الله يقوّيها

زاهي وهبي: وجواباً على سؤالها؟

طلال شتوي: جواباً على سؤالها؛ يا دكتورة، تجربة التأمّل التجاوزي كانت تجربة عابرة ومرّت. ربما أفضل جواب يُمكن أن أقوله لكِ هو ما قيل، طبعاً لا أُشبِّه نفسي بـ "ميخائيل نعيمة"، ولكن "ميخائيل نعيمة"

زاهي وهبي: "ناسك الشخروب"

طلال شتوي: "ناسك الشخروب" قيل له، "أنت لست في حاجة إلى التأمّل التجاوزي لأنّك وصلتَ إلى ما يصل إليه متأمّلون من دون تقنيّات، من دون جهد". ليس عندي أيّة رغبة في أيّة تجربة لها بُعد روحاني ولكن أعيش روحانيّتي في اكتفاء كامل

زاهي وهبي: نعم، وقلت أنّك مؤمن، في "علامة فارِقة" أكّدت أنّك إنسان مؤمن

طلال شتوي: نعم، أنا إنسان مؤمن. استخدمت الدكتورة "إنجيل القلب" و"قرآن القلب"، نعم أنا إنسان مؤمن وعِرفاني

زاهي وهبي: يعني الحبّ الإلهي دعني أقول، العشق الإلهي، التصوّف

طلال شتوي: لستُ متصوفاً

زاهي وهبي: لست متصوفاً

طلال شتوي: لا، لست متصوفاً، أنا مستسلِم. المستسلم ربما لا أعرِف إذا

زاهي وهبي: مسلِّم أمرك تعني

طلال شتوي: يعني دعني أوضِحها، أنا أجد المُسلِّم أفضل من مُسلِم. أنا مُسلِم طبعاً ولكن أنا مُسلِّم، يعني التسليم كامل، لا يحتوي على مفاوضات. يعني أنا لا أكوِّن

زاهي وهبي: لا توجد علامات استفهام، لا توجد شكوك

طلال شتوي: لا يوجد دفتر شروط بيني وبين ربّنا، أجل عندي تسليم كامل وقبول بما يحصل وبما يحدث. هو الأدرى، هو يعرِف ما هو الصحّ

زاهي وهبي: أشارت الدكتورة "الشعراني" إلى (طرابلس) وعروبة (طرابلس)

طلال شتوي: نعم، وتجمعنا في الحقيقة القصص المُشتركة التي تجمعنا، نحن نعم، نحن من بقايا العروبيين

زاهي وهبي: هناك مُحاولات كثيرة جرت لتغيير وجه هذه المدينة أو جوهر هذه المدينة دعني أقول، لأنّ الوجه أحياناً يُمكن أن يتغيّر قليلاً. أنت لا زلت على علاقة مع مدينتك، لم تُغادرها في المعنى الروحي الوجداني. حتّى عندما كنت في (بيروت)، حتّى عندما كنت في (دبيّ) (طرابلس) معك

طلال شتوي: نعم، وأنا لا أُصدِّق أنّ (طرابلس) تغيّرت. وإذا كان هناك ثمّة تغيير فهو عابر. العبور هنا لا يُقاس، معياره ليس الوقت، قد يستغرق وقتاً أطول لكن هذا ليس الوجه الأصيل والحقيقي والوجداني والعميق جداً لـ (طرابلس) لاسيما في الفترة الأخيرة، ربما بدأ التيار القومي العروبي يستعيد ألقه في الشارِع الطرابلسي وهذا يدلّ على أنّه نعم، (طرابلس) سُميّت قلعة العروبة وهي قلعة عروبة. أتعلم "زاهي"، أنا خشبي وبكلّ فخر. هم يستخدمونها ليشتمونا في أننا خشبيون، لا أنا خشبي وبكلّ فخر

زاهي وهبي: بمعنى انتماءك العربي، تأييدك للمقاومة

طلال شتوي: بناءً على انتمائي العربي والقومي طبعاً 

زاهي وهبي: هذه المدينة قلنا أنّك تحملها معك أينما ذهبت. لكن يبدو أنّها غرست فيك مفاهيم البعض مثلما قلنا صار يعتبرها خشبية ولكنها ما زالت بالنسبة لك ذهبيّة

طلال شتوي: هي الذهبيّة، ليس ذهبية فقط، هي الذهبية، يعني هي المفاهيم الذهبية. نحن من عصر الذهب ونُريد أن نستعيد عصر الذهب

زاهي وهبي: ما هو عصر الذهب؟

طلال شتوي: عصر الذهب عندما كنّا مؤمنين بقضايانا وعندما كنّا متحمّسين لكرامتنا

زاهي وهبي: في البوح الذي بحته في كتاب "بعدك على بالي" هناك جرأة في مكان تتحدّث فيه عن فترة الاجتياح الإسرائيلي لـ (لبنان)، عن المفاوضات التي أنتجت اتفاق السابع عشر من أيار/ يوليو الذي أسقطه اللبنانيون في ما بعد بالتعاون مع (سوريا)، اتفاق الذلّ والمهانة. تعترِف أنّك في لحظة من اللحظات

طلال شتوي: كنت مع اتفاق 17 أيار

زاهي وهبي: كنت مع اتفاق 17 أيار!

طلال شتوي: كنت تلميذ سنة أولى جامعة

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: سنتي الجامعية الأولى التي كانت مُفتَرَقاً في حياتي. أنا لبنانيّتي لم تتركني أتجه

زاهي وهبي: إلى الانعزالية

طلال شتوي: أتجه لكي أكون مع (إسرائيل)، هذا أكيد والعياذ بالله يعني، لكن أنا فُجِعت بالاحتلال الإسرائيلي. كنّا نقرأ الجرائِد في الجامعة إلزامياً خصوصاً "لوريون لو جور" 

زاهي وهبي: لأن أستاذ ربما كان

طلال شتوي: كان "كميل منسّى" أُستاذنا، وخصوصاً جريدة "النهار" لأن "إدوار بستاني" كان أُستاذنا، فكنّا نقرأ ومن هنا كانت المتابعة الدقيقة لتفاصيل ما كان يدور في ذلك الوقت، الذي كان كلّه لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء ليعرِف المرء ألّا أحد مهتمّ بإخراج (إسرائيل) من (لبنان)، وكانت المقاومة لم تنشأ بعد، لم تظهر يعني

زاهي وهبي: أيمتى اكتشفت؟ 

طلال شتوي: فأنا هنا فقط أريد أن أقول لكي أُنصِف نفسي، أنا وجدت في هذه المفاوضات، ليس من بنات أفكاري بل قرأته أيضاً وقاله أناس على درجة عالية من المستوى، " إذا كانت هذه المُحادثات، كان الرئيس "رشيد كرامي" يُسمّيها مُحادثات ولم يكن يسميها مفاوضات، إذا كانت هذه المحادثات ممكن أن تصل إلى إخراج الإسرائيليين من (لبنان) فلتكن

زاهي وهبي: آل "كرامي" عزيزون على قلبك

طلال شتوي: أنا "كراميّ" الهوى والهوية أبّاً عن جدّ

زاهي وهبي: أيمتى اكتشفت خطأ هذا الرهان؟ وأنّ المُحتلّ لا يُمكن أن يخرُج إلّا بفعل مقاومة

طلال شتوي: حين اطّلعت على اتفاق 17 أيار. أنت تعلم أنّ اتفاق السابع عشر من أيار وُقِّعَ عليه أو تمّ إبرامه في المجلِس النيابي من دون الاطّلاع عليه، النوّاب لم يطّلعوا عليه ولم نكن نعلم ما هو

زاهي وهبي: أجل أعلم، كان فيه ملحقات سريّة وبلاوي سوداء  

طلال شتوي: وبلاوي سوداء فعلاً مثلما قدّمت أنت "زاهي"، الذلّ والإذعان، وأنا أجل، في لحظة كانت (بيروت) تغلي، (بيروت) الغربية دعنا نُسمّيها، كانت (بيروت) تغلي رفضاً للاتفاق. الجامعة عندنا "كلّية الإعلام" كانت تغلي رفضاً للاتفاق وفي هذه اللحظة أنا كنت مع الاتفاق. هذا خطأ

زاهي وهبي: الندم الأكبر يُمكننا أن نقول؟

طلال شتوي: نعم، ندم حقيقي، ندم أكبر، وعندما ألتقي مع أصحابي الذين كانوا يعيشون حالة من الحزن في قلب الجامعة، كان ممنوع أن نخرُج من الجامعة لأنّ دبابات الجيش اللبناني كانت تملأ الطرقات وكان ممنوعاً أية تظاهُر أو اعتصام أو أيّ شيء. كنا في الجامعة، فعندما ألتقي معهم يُذكّرونني دائِماً وأنا أُذكِّرهم، أقول لهم أنا لم أطوِّل، قبل أن أنهي السنة الأولى ندمت وقمت بمراجعة واعتراف وأنا شجاع، يمكنني أن أعترف بخطئي لأنه خطأ

زاهي وهبي: والاعتراف بالخطأ فضيلة أيضاً

طلال شتوي: وتُشكَر "جبهة الخلاص الوطني" وتُشكَر (سوريا) أيضاً على إسقاط هذا الاتفاق، ولكن الشُكر الأكبر الحقيقي لبذور وبدايات المقاومة التي كرّست قدرة (لبنان) على أنّ في إمكانه أن يأخذ حقوقه من دون اتفاقات مع أحد

زاهي وهبي: فعلاً. أُريد أن أرجع من السياسة ومن الوطنيّة ومن (لبنان) واللبنانيين إلى المُعاناة الصحيّة. ماذا غيّرت بك الإصابة بمرض السرطان، ثمّ مُشكلة في القلب وبطّارية. هلّ غيرت شيئاً في نظرتك للوجود؟ للحياة؟ للعلاقات الإنسانية؟

طلال شتوي: والله أنا أقول لم يتغيّر شيء. ربما التغييرات تمّت بيني وبين نفسي وليس بيني وبين الناس

زاهي وهبي: بينك وبين نفسك في أيّ معنى؟ يعني علاقتك بنفسك، في الأشياء التي تريد أن تقوم بها في الحياة

طلال شتوي: أنا كان عندي استعداد منذ البداية، منذ قبل أن أُصاب بأيّ مرض، كان عندي استعداد منذ البداية للرضى مع أرجحيّة متفائِلة في أنّ استعدادي للرضى مكسب لي لأنّ الأشياء التي تحدُث معي هي أشياء جيدة، فعندما صرت في المقلب الآخر، تأتي أشياء تُعتبَر عن الناس ليست جيدة. كان من اللازم أن أكون وفياً لنفس المبدأ، أنه لا، عسى أن تكرهوا شيئاً. الآن، العلاقة مع الحياة، طوال عُمري، لا أُريد أن أُثرثر كثيراً ولكن صدّقني، طوال عُمري عندي علاقة مع

زاهي وهبي: وحبّك للون الأزرق، وتسمية أحد        

طلال شتوي: "هذا الأزرق ". أريد أن أقول لك شيئاً، أنا أقول أنّني لغاية الآن أستغرِب لماذا يمتلك الناس عقارات، من هنا يُمكنك أن تعرِف علاقتي في الحياة يعني

زاهي وهبي: مثلما قلت، مُسلِّم، مسلِّم أمرك للباري عزّ وجلّ

طلال شتوي: العقار لا يُمتَلك يعني، أنا أستغرِب كيف الدورة والنظام الاقتصادي في العالم جعلوا للأرض أو للعقار أثمان تُباع وتُشترى وتؤجّر. أنا أرى أنّه لا، الذي يُقتنى هو الذي يُستهلك فقط

زاهي وهبي: نعم، "طلال شتوي"، أنا عدت وسألت عن المرض لأنني لاحظت مسألة. هلّ إلى جانب العلاج الصحّي الطبّي تُحارب المرض في الكتابة؟ في الحبر؟ لأنني لاحظت أنّ ما أنتجته حضرتك من كُتب هو في فترة المرض تقريباً أو فترة الابتعاد

طلال شتوي: مرضي الأوّل يا "زاهي" شُفيت منه بعد سنة ونصف السنة

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: وانقطعت عن الكتابة، وكنت أتخايل أنّ في عُمري لن أعود إلى الكتاب. هذا المرض يكسر من الروح في الداخل أشياء يعتقد الإنسان أنّه من الصعب أن تُرمّم. كان "بعدك على بالي" هو كتاب الخروج من العُزلة

زاهي وهبي: نعم، العودة

طلال شتوي: والعودة، هو العودة إلى الحياة

زاهي وهبي: ننتظر المزيد من الكُتب

طلال شتوي: في المرض أو في تجربتي الصحيّة الصعبة الأُخرى استفدت، يعني فعلاً المرء يستفيد، استفدت من تجربتي الأولى وقلت أنّني لن أترُك المرض والتجربة يهزماني نفسياً

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: الهزيمة واردة جسدياً، لكن روحياً ونفسياً لن أنهزِم

زاهي وهبي: أصلاً شغفك في الكتابة وفي القراءة هو شغف على وشك أن يقولوا عنه جينات، يعني منذ أن كنت طفلاً وأنت قارئ نَهِم

طلال شتوي: صحيح

زاهي وهبي: الوالد الله يرحمه تاجر الألبسة

طلال شتوي: تعيش

زاهي وهبي: أتلف لك مكتبتك مرّتين

طلال شتوي: نعم

زاهي وهبي: من أجل ماذا؟ لأنه يريدك أن تكون

طلال شتوي: طبيباً

زاهي وهبي: طبيباً، ولكن الكاتب والصحافي وإبن الكلمة انتصر، هلّ غيّر رأيه؟ هلّ رحَلَ راضياً عن خياراتك في الحياة؟ لأنّه أرسلك إلى (فرنسا) على أساس أن تدرس الطبّ، هناك تمرّدت وبقيت سنة ورجعت إلى كليّة الإعلام

طلال شتوي: أجل، لم يكن راضياً طبعاً. لم يعِش كثيراً

زاهي وهبي: لكي يرى نجاحاتك

طلال شتوي: لكي أقول أنا في ثقة كاملة أنه أدرك أن ما يهمه هو أن أكون ناجحاً وأنا نجحت، لكن الذي يجعلني أقول أنّ والدي توفّى راضياً ومسروراً منّي هو تفاصيل. يعني العدد الذي قمت فيه بمقابلة مع "رشيد كرامي"، هو أخذ العدد بيده للرئيس "كرامي"

زاهي وهبي: حلو كثيراً. لو صار لك أن تقول له شيئا، لو ربّنا سبحانه وتعالى أعطاك فرصة لتقول لوالدك شيئاً 

طلال شتوي: أنا كلّ يوم تقريباً، إذا ليس في كلّ يوم  

زاهي وهبي: لكن على الملأ

طلال شتوي: أجل أقول، وهو أهم شيء يرافقني طوال الوقت. أقول له، يا أبي ليس صحيحاً كما أنت كنت تعتقد ووصّيت أُمّي أنني رقيق لدرجة أنّ الحياة ستطحنني، أنت توفيت وأنت تخاف عليّ واكتشفت أنني

زاهي وهبي: هشّ

طلال شتوي: هش، نعم، وربما هو الوحيد الذي اكتشف هذا، لكن أنا كنت صلباً وقوياً طوال الوقت، فاطمئن، أصلاً أنت تعرِف

زاهي وهبي: لاحظت من خلال قراءتي، على الأقل "بعدك على بالي"، وحوارات لك صحافيّة قليلة، معك الحوارات وأنت الضيف فيها، أنّ الوالِد حاضِر كثيراً في أحاديثك بينما الوالدة أطال الله في عُمرها

طلال شتوي: الله يخلّيك

زاهي وهبي: أقلّ من المُعتاد. عادةً الكتّاب والشعراء أمّهاتهم أكثر حضوراً من الآباء

طلال شتوي: ربّما لأنّ أُمّي هي داعمي الأول والسرّي والخفيّ، التي كانت تُسهِّل لي كلّ الأمور التي كان يُمانع فيها والدي. وربما أيضاً لأنّني أنا وأمّي نعيش معاً طوال الوقت، والآن بعد أن صرت في هذا العُمر صرت أنا وهي رفيقين

زاهي وهبي: نعم، الله يخلّيكما لبعض

طلال شتوي: قريبين في العُمر لبعضنا البعض صرنا، لهذا ربما لم أوفِها حقها في كُتبي لكن في نفس الوقت أنا فعلاً متأثِّر

زاهي وهبي: فيها

طلال شتوي: بأبي

زاهي وهبي: يعني ملاحظتي في محلّها

طلال شتوي: طبعاً

زاهي وهبي: هو كان وكأنّ جذوره التركية تغلب عليه؟

طلال شتوي: لا أبداً، هو عندما زار موطنه الأساسي في (تركيا)، يعني موطن جدّي وموطن جدّتي

زاهي وهبي: في أيّ مدينة، أيّة قرية؟

طلال شتوي: جدّي من (تكسوس) القريبة، الآن صارت لصيقة بـ (مرسين) وتُسّمى بلاد "بولس الرسول"

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: وجدّتي من (الأناضول). عندما ذهب لم يُحبّ، لم يكن عنده

زاهي وهبي: بقي ضائِعاً؟ يعني لم يجد نفسه بين العرب؟

طلال شتوي: لا، هو من جيل النكسة

زاهي وهبي: مهزوم

طلال شتوي: أنا عندما وعيت عليه كان مهزوماً وكان فاقِد الأمل ويئِس من العرب، وأنا هنا اختلفت معه، لكن هذا لم يمنع، القِيَم الأخلاقية والإنسانية الأساسية كانت غالبة عندي

زاهي وهبي: حسناً، فضّلت دراسة الإعلام على دراسة الطب وعدت من (فرنسا) إلى (لبنان)، هلّ تساورك لحظات ندم، أنه ليتك درست الطب وماذا كنت تريد من هذه الشغلة؟

طلال شتوي: لا ليس لأنني لم أدرس الطب، الندم ليس هنا

زاهي وهبي: أين؟

طلال شتوي: ليتني بقيت في (فرنسا) هذه خيانة علنيّة الآن في (بيروت) وأنا حزين لأن أقولها، لـ (لبنان) في النهاية، نعم يكون أفضل أن يؤسّس المرء لحياة في (أوروبا) ويعيش

زاهي وهبي: لماذا هذا الشعور؟ قبل قليل كنت تقول محكومين بالأمل والتفاؤل. طبعاً هذا الشعور لو كان يمتلكك طوال الوقت لكنت هاجرت

طلال شتوي: أنت سألتني وقلت "يراودني"، نعم يراودني ولكن لم أُقدِم على الفِعل خصوصاً وأنّ عندي بيت في (فرنسا)، ليس لي

زاهي وهبي: ولكنّه مُتاح السكن

طلال شتوي: يعني عندي أقرب الناس لي

زاهي وهبي: أخاك أو أُختك؟

طلال شتوي: أُختي، أصبحت أُختي فرنسية، خلص، فعندي

زاهي وهبي: لا لا، نريد أن نشتغل معاً

طلال شتوي: لكن في الآخر الخيار الذي أخذناه مستمرين فيه

زاهي وهبي: نعم، سنتوقف لحظات سريعة ثمّ نُتابع جزءاً من "بيت القصيد" مع الكاتب والشاعر والصحافي الأُستاذ "طلال شتوي"

الجزء الثالث:             

زاهي وهبي: مُشاهدينا نُتابع مع الكاتب والشاعر والصحافي اللبناني الأستاذ "طلال شتوي". دائِماً تُكرّر "طلال شتوي" أنّك لستُ شاعراً، أنّك زائر إلى حديقة الشعر وأنّ أحياناً ما تكتبه هو نزوة شعريّة، لكن مع ذلك أصدرت كتابيّ شعر لغاية اليوم

طلال شتوي: ما من شكّ أنه لو لم أكن مقتنعاً في النصوص التي نشرتها عبر الكتابين لأنهما صدرا وراء بعضهما والفرق بينهما شهرين، لو لم أكن مقتنعاً لما كنت نشرت. لكن أنا مع صدور كتابي الثاني اعتبرت أن النزوة انتهت

زاهي وهبي: أنا فقط سأحمل الكتابين لأريهما لمشاهدينا، "هذا الأزرق" و"كان يكفي أن نكون معاً"، أيضاً صدرا من "دار الفارابي". أنت كلّ كتبك صدرت عن "دار الفارابي"

طلال شتوي: نعم، أنا تقليدي، أنا من جماعة الذين إذا لزَق أحدهم في مطرح أو علِقَ في مطرح لا يترُك، لا يغادر

زاهي وهبي: إلى أيّ نوع من الشعر أنت أقرب؟ ماذا تُصنّف؟ في أيّ تيّار شعري هذين الكتابين؟ أنا احترت بصراحة ولاحظت أنّ أكثر ما يجعلك تكتب هو الإهداء لأصدقاء. هناك كتاب بكامله ربما

طلال شتوي: عندي كتاب نعم، جزء كبير منه إهداء

زاهي وهبي: كلّ القصائِد، كلّ قصيدة مُهداة إلى شخص أو إلى صديق

طلال شتوي: نعم، إلى أصدقاء لا أعرِفهم يعني، لا أعرِفهم شخصياً

زاهي وهبي: يعني كأنّك في حاجة للآخر أو تستخدمه كذريعة لولادة القصيدة

طلال شتوي: ربما. أنا للحقيقة "زاهي" لا أعرِف أن أُصنِّف ما كتبته في مجال الشعر، لا أعرف أن أصنّفه. هناك نصوص مُرسَلة في داخله وهناك أحياناً شيئاً يُشبه التفعيلي، هناك أحياناً التزام

زاهي وهبي: نعم، ما يشبه قصيدة النثر

طلال شتوي: نعم، الذي فيه قافية

زاهي وهبي: قافية وسجع في بعض الأماكن

طلال شتوي: ولعب في القوافي، كلّ هذا موجود ولكن أعود وأقول أنّه صدقاً، أنا ولا مرّة شعرت بأنّ عندي مشروع كي أُعبِّر فيه عبر الشِعر. من هنا ليس تواضعاً منّي أن أقول لستُ بشاعر، أنا لست بشاعِر. ربما يمكن للشعر أن يكون من أدوات الكتابة السرديّة وأنا في هذا الموقع أكون أنا وأستمتع أكثر

زاهي وهبي: حضرتك كنت أصغر رئيس تحرير مجلّة في (لبنان) وربّما في العالم العربي، 22 سنة في سنتك الجامعية

طلال شتوي: في سنتي الجامعية الثانية، يا تُرى هذا الجنون منّي أم جنون من صاحب المجلّة؟

زاهي وهبي: من كلاكما ربما، لكن سؤالي هو، كيف ناغمت نفسك لكي تُحافِظ على توازنك؟

طلال شتوي: والله كان الأمر صعباً "زاهي"، كان صعباً

زاهي وهبي: لأنّه من الممكن أن تكبر الخسّة في رأس المرء في التعبير اللبناني

طلال شتوي: لا، ليس هكذا

زاهي وهبي: وياما نرى

طلال شتوي: ليس موضوع كبر الخسّة لا، كان صعباً. أوّل شيء قمت به قبل أن أستلِم مهامي أنني كنت حليق الذقن واللحية، فتركت شاربي وكان هذا أول شيء قمت به، غيّرت هندامي وصرت ألبس بذلة. حاولت أن أُكبِّر في عُمري لأنني كنت أعلم أنني سأذهب وأستلِم فريق عمل كلّهم أكبر منّي

زاهي وهبي: وتريد أن تعطيهم القليل من الوهرة

طلال شتوي: نعم، كيف إذاً سأكون رئيس تحرير؟ وأنا لم أطلب رئاسة التحرير، أنا طُلِبت إليها. أنا ذهبت

زاهي وهبي: بعد أن اشتغلت فترة في مجلة "الأفكار" مع الأُستاذ "وليد عوض"

طلال شتوي: مع الذي أعتبره علّمني المهنة وهو "وليد عوَض" أطال الله في عُمره

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير طبعاً، نعم 

طلال شتوي: طبعاً. فأنا نعم عانيت وتعلّمت

زاهي وهبي: ولم يقبضونك بسهولة، خصوصاً الجيل الأكبر

طلال شتوي: أخبروني لاحقاً بعد أن صرنا أصحاباً واكتملت التجربة، أخبروني لاحقاً أنهم كانوا في غرفة التحرير، كانت قاعة كبيرة حينها في (بئر حسن)، أخبروني أنهم كانوا يُسمّونني "الطفل المعجزة" طبعاً بضحك، أجل بسخرية  

زاهي وهبي: أجل في نوع من السخرية

طلال شتوي: نعم         

زاهي وهبي: دعنا نسمع لو سمحت رأياً في تجربتك من الأُستاذة "أمل المصري" رئيسة الدائِرة الثقافية في "إذاعة لبنان" في "كلام يوصل"

كلام يوصل

أمل المصري – إعلاميّة: "في مقعدٍ مجاوِر". يُحزنني حقاً أنني أُجيدُ الهرَبَ من منامات من أحبّوني. كلّ قصيدة عند "طلال". "أختاركِ"، أجلس في المقهى بين بشرٍ وابتسامات مرعوباً مثل صغار اللصوص من أن يمُدّ أحدهم يده إلى الروح. "طلال" عُمْر، "طلال" قارئ مُلتزِم بجديّة ومهني بكثيرٍ من القسوة حتّى أحياناً على نفسه. تحوّلَ هذا الكاتب إلى مكان، تحوّلَ إلى زمن، تحوّل إلى آخرين لأنّ الآخرين هم الذين سيعطون هذا المكان وهذا الزمن القيمة الفعلية. ما معنى كاتب إذاً؟ "طلال" وفي، وفي لصديق، وفي لمكان، وهذا كتبَه. كتبه في "بعدك على بالي"، كتبه في "زمن زياد"، كتبه في كلّ شيء. هذا الوفاء للأمكنة جعل منه راوي مكان. راوي المكان معناه أنه يُعنى في كلّ التفاصيل الصغيرة والكبيرة، لماذا؟ هذه الأمكنة تتغير، في تغيّر أُناسها وفي تغيُّر الرؤيا لها، يعني هو مؤرِّخ أدبي اجتماعي للحدث. هذا الجيل عنده هذا الهمّ، همّ أن يُخبِر الآتي ما جرى. "طلال" يلتقط، لاقط ولا يُكرّر نفسه. "طلال" أبداً لا يُكرّر نفسه، فيلتقط المرور العابر، يلتقط شيئاً سيكون له أثر، وفعلاً “طلال" له أثر بي أنا كشخص وفي آخرين، وتركنا نحن أثراً لديه بدليل أنّني مررت في "بعدك على بالي" لكن كنت في زمن "زياد" وأنا أشكره. سيبقى ذلك الفتى الذي أُصيبَ بالدهشة، هذه الدهشة سيبحث عنها وسيكتُب. يعني الدهشة و"طلال" هما القلم ومعنى وجود "طلال" هو أن يكتُب. "طلال" أنت أحد كُتّاب اليوم، دعني أقول، التيار الكتابي أو جيل الكتّاب الروائيين الذي همّ الكتابة عندهم هو الإنسان والمكان والزمان. هلّ نحن استطعنا من خلال هذا الجهد الكتابي أن نكون محليين وبالتالي كلّما كنّا محليين وصادقين كلّما كنّا عالميين؟ وأين أنت من هذه الكتابة في رواياتك اليوم وخاصةً " لا أحد يصل إلى هنا"؟ بالتوفيق "طلال"

زاهي وهبي: شكراً للسيّدة "أمل المصري"، هذه الشهادة المُحبّة، بشغف تتحدّث

طلال شتوي: نعم، الأيام جمعتنا بـ "أمل" في وقتٍ مُبكِر. التقينا في إذاعة "صوت الوطن"، التقينا من دون أن نعقد صداقة، التقينا لقاءً مهنياً. كانت هي مُقدّمة برنامج أنا أُعدّه وكنت أنا دائِماً أحبّ البرنامج لأنّ صوتها يزيده جمالاً

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: ثمّ لاحقاً التقينا في المهنة، في الصحافة، وكما تعرِف نلتقي وننقطع ولكن دائِماً، وهذه ميزة عند الكثير من الناس الذين أعرِفهم، وربما ميزة عندي، عندما نلتقي بعد انقطاع طويل

زاهي وهبي: وكأنّه لم يمرّ زمن، كأنّ الوقت

طلال شتوي: نستأنف الحديث وكأننا كنّا بالأمس معاً

زاهي وهبي: يعني في هذا، المثل الذي يقول "بعيد عن العين بعيد عن القلب" ليس صحيحاً

طلال شتوي: غير صحيح

زاهي وهبي: ورداً على الأسئِلة التي طرحتها؟

طلال شتوي: الأسئِلة التي طرحتها "أمل" وهي عندها اهتمامات ثقافية جدّية مهنياً وعلى المُستوى الشخصي. الأسئِلة أنا لا أعرِف كثيراً أجوبتها. لا أعرِف إذا أنا أحمِل مشروعاً كتابياً أو إبداعياً معيناً

زاهي وهبي: عندك قدرة على السرد، وأنا أعتقد أنّ كلّ الذين يقرأون كتبك خصوصاً، "بعدك على بالي" و"زمن زياد" يلاحظون أنّك روائي، حضرتك راوٍ وذاكرة وتفاصيل حيّة، يعني ممكن أن تكتب رواية بسلاسة وسهولة

طلال شتوي: نعم، هي سألت عن الرواية التي صدرت أخيراً، "لا أحد يصل إلى هنا"

زاهي وهبي: وعطفاً على سؤالها، المُفارقة أنّ عملك الروائي الأوّل كان عملاً مُشتركاً، عملاً ثنائياً مع "فاطمة برجي" النروجية – اللبنانية

طلال شتوي: صحيح

زاهي وهبي: كتبتما رواية إسمها "لا أحد يصل إلى هنا"

طلال شتوي: صحيح. أنا لا أستطيع أن أقول أنّنا قصدنا أنا و"فاطمة بُرجي" التي أوجِّه لها الآن تحية في (أوسلو)، لا يُمكنني أنّ أدّعي أننا قصدنا أن نكتب رواية جديدة، لا بل أنا أؤكِّد أنّ "لا أحد يصل إلى هنا" رواية فيها كلّ كلاسيكيات العمل الروائي، وأنا أُشدّد هنا أنني لا أُحبّ الرواية الحديثة

زاهي وهبي: أنت أميَل للروايات الكلاسيكية

طلال شتوي: أنا أُريد أن تكون الرواية الحديثة مُحافِظة على التقنيّات الكلاسيكية. لا بدّ لكلّ رواية من عُقدة وشخصيات وتركيب درامي للشخصيات إلى آخره

زاهي وهبي: هلّ يُمكن لإثنين أن يكتبا رواية في روحٍ واحدة؟ أنا للأسف لم أقرأ الرواية بصراحة، ليست موجودة حتّى بين يداي لأُقدِّمها للمشاهدين

طلال شتوي: حصل، رغم أنني أنا و"فاطمة" لم نلتقِ أبداً، لم نلتقِ

زاهي وهبي: كيف كتبتما؟ في المراسلة؟

طلال شتوي: كتبنا في المُراسلة

زاهي وهبي: أحدكما يكتب والآخر يُكمِل؟ هكذا أم لا؟

طلال شتوي: كلّ مرة كانت الطريقة مُختلِفة. في أغلب المرّات التي كتبنا فيها، التي تمّت فيها الكتابة أعني، كتبنا الرواية مرّتين على فِكرة

زاهي وهبي: أعدتما صوغها

طلال شتوي: قمنا بكتابة أولى وعُدنا ألحقناها بمقاطع وحذفنا وأضفنا وإلى آخره. الآن سلّمتني "فاطمة" القيادة، وأنا كنت أميناً على كلّ ما كتبته "فاطمة"

زاهي وهبي: هلّ تُفكِّر في كتابة رواية بشكلٍ مُستقلّ؟ يعني أن تكتب أنت رواية؟

طلال شتوي: طبعاً

زاهي وهبي: جزء من سيرة أيضاً أم لا؟ شيء آخر مُختَلق، مُتخيّل يعني؟

طلال شتوي: لا، إذا أردت أن أكتب رواية ستكون رواية متخيّلة طبعاً

زاهي وهبي: لأنك رويت ما تريد أن ترويه في "بعدك على بالي"

طلال شتوي: طبعاً، لستُ في وارِد إعادة الكتابة عن نفسي، لا، أكيد، لكن عندي فكرة رواية ولا أعلم إن كنت سأبدأ بها هذه السنة. لكن المؤكّد أنني سأبدأ في كتاب أجّلته منذ سنتين

زاهي وهبي: وهو

طلال شتوي: لا أريد أن أقول عن ماذا يتحدث ولكن هو يشبه أو على نهج "بعدك على بالي" نفسه و"زمن زياد"

زاهي وهبي: ممكن أن يكون عن السيّدة "فيروز"؟

طلال شتوي: لا أبداً، أبداً. جيِّد أنك سألتني هذا السؤال. لن أكتُب عن "فيروز"

زاهي وهبي: لماذا؟ لا تريد يعني خوفاً على علاقتك بالسيّدة "فيروز" وعلى صداقتك فيها؟

طلال شتوي: لا لا

زاهي وهبي: العلاقة الإنسانية الراقية المُحترمة؟

طلال شتوي: إطلاقاً. أنا لستُ خائِفاً على علاقتي بالسيّدة "فيروز". أنا غير مؤهّل، ولا أظنّ أن أحداً مؤهّل لأن يحتوي "فيروز" في كتاب. أُريد أن أترُك هذه المهمّة التي أجدها صعبة جداً، وأنا بالنسبة لي مُستحيلة، لأجيال أُخرى من بعدنا، بعدنا كلّنا تكون أخذت راحتها وتحرّرها في مساحة زمنية لتعطي "فيروز" وتتمكّن من أن تحتويها في كتاب وكُتب

زاهي وهبي: أنا أُشاركك هذا الانطباع، واحتراماً لمكانة السيّدة "فيروز" لا أُريد أن أتحدّث عن خلافك مع "ريما الرحباني"، نمسّيها بالخير فقط

طلال شتوي: كان خلافاً عابراً

زاهي وهبي: فقط أريد أن أسألك عن رأيك في الأعمال الأخيرة للسيّدة "فيروز"، التي "ريماً تقريباً هي التي قامت بها

طلال شتوي: ليس تقريباً، هي قامت بها. أنا أُكرِّر رأيي نفسه. أنا عندما سُئلت، أنا علّقت حينها على الأُغنية الأولى لأنّ الأغنيات صدرت تباعاً، علّقت على الأُغنية الأولى وعدت وعلّقت على الأُغنية الثانية. عندما طلبوا منّي أن أُعلِّق على الأُغنية الثالثة أوقفت التعليق، قلت سأنتظر صدور العمل كامِلاً، وليس فقط أنتظر صدوره، حينها قلت لـ "هالة حدّاد" التي أوجِّه لها تحيّة التي كانت تحاورني

زاهي وهبي: على "راديو فان"

طلال شتوي: على "راديو فان"، قلت لها: " يا هلا الآن مهما حكينا أنا وأنتِ الحديث سيكون بلا قيمة، الذي سيُقيِّم في النهاية وسيحكُم هو الجمهور. أنا أُفضِّل أن ننتظر انطباع الجمهور، الاستقبال الذي سيكون من عند الناس، وعلى أساسه نعود ونبني ونتحدّث". صادف أن "هلا" عادت وقابلتني في مقابلة منفصلة ليست لها علاقة بأعمال "فيروز" وسألتني، " مرّ الوقت الكافي لتقول رأيك؟"، فقلت لها: "لا زلت أسمعُ صمتاً"

زاهي وهبي: أوفّ. حسناً، هلّ هناك شيء تُحبّ أن تقوله للسيّدة "فيروز" عبر الكاميرا لم تجرؤ على قوله مباشرةً لها؟ أنا أعلم أنّ في المرة الأولى التي دعتك فيها لعندها هربت، لم يكن عندك الجرأة للذهاب حتّى. هلّ تُحبّ أن تقول لها شيئاً على مسامعنا لم تقله، لم تكتبه؟ 

طلال شتوي: أجل أُحبّ أن أقول لها شيئاً، هو شيء ليس فقط لها وحدها

زاهي وهبي: نعم

طلال شتوي: شيء لكلّ اللبنانيين. أنا مندهِش كيف أنّ الشعب اللبناني والقيّمين أو القابضين على السُلطة في (لبنان) والمقامات الكُبرى في (لبنان)، الحكومة ورئاسة الجمهورية، أتحدّث عن هذه المستويات. مندهش جداً كيف أنهم يُفكّرون في كلّ الملفّات، في النفط وفي السياحة والأشياء أيضاً عندنا التي تُحدِث ازدهاراً اقتصادياً وفي "سيدر"، كيف كلّ هذه يحكون فيه وليسوا واعين إلى أنّ هناك في (الرابية) استثماراً ضخماً على المُستوى الوطني والاقتصادي والقومي والمعنوي والذي تُريده إسمه "فيروز". فعلاً شيء مُدهِش

زاهي وهبي: ماذا يُمكن أن يفعلوا للسيّدة "فيروز"؟

طلال شتوي: أنت تعرِف إلى أين يُمكن أن تصل أفكاري المتعلّقة بـ "فيروز"؟ يُمكن أن تصل أفكاري إلى أن يصدر قرار جمهوري وحكومي بأنّ على "فيروز" أن تُغنّي كلّ شهر وعلى "زياد" أن يكون معها كلّ الوقت وأن يؤمَّن لهذين الشخصين كلّ الراحة الممكنة، وتأكّد أنني لا أُريد أن أتحدّث عن القيمة الفنية، فقط أُريد أن أقول لك أنّ هذا يُحدِث سياحة في (لبنان) بقدر كلّ (مغارة جعيتا) و(قلعة بعلبك) وفنادق (بيروت) و(السوليدير). إذا كان هناك حفلة كلّ شهر لـ "فيروز" يحتاجون إلى مطارين

زاهي وهبي: الله يسمع منك، نحن نريد شارعاً ولو شارع

طلال شتوي: هلّ فهمت ماذا "زياد"؟

زاهي وهبي: طبعاً طبعاً، وهناك أفكّر ممكن أن تكون أبعد من هذه

طلال شتوي: "فيروز" استثمار وطني، استثمار قومي وحرام، الآن كلّنا تأكّدنا أنّ صوت "فيروز" لا يزال جوهرة، لا بل لا تزال هناك مناطق في صوتها

زاهي وهبي: لم نكتشفها بعد

طلال شتوي: لم تُكتَشف

زاهي وهبي: ربما "زياد" يكتشف المزيد من هذه المناطق

طلال شتوي: أكيد، فحرام كلّ يوم يمرّ من دون أن تُغنّي فيه "فيروز"

زاهي وهبي: دعنا نذهب إلى (فلسطين)، إلى المسرحية الفلسطينية

طلال شتوي: ليت في إمكاننا أن نذهب إلى (فلسطين) عن جدّ، ننهي الحلقة ونذهب إلى (فلسطين)

زاهي وهبي: نذهب عبر أصوات أناس رائعين مثل "ميساء الخطيب"، ونحن من جيل (فلسطين) مزروعة في لبّ العظم، ماذا نفعل؟ هذا قدرنا

طلال شتوي: لأن (فلسطين) هي الوطن

زاهي وهبي: "كلام يوصل" مع "ميساء الخطيب"

كلام يوصل

ميساء الخطيب - مسرحية: "طلال" إنسان، وما يجمعني بـ "طلال" "طلال" الإنسان. في عالمنا الافتراضي الذي دخلنا عليه منذ عدّة سنوات تقرأ للكثير من الشعراء أو للكثير من الكُتّاب، أحياناً ترسم هالة كبيرة جداً حول هذا الكاتب أو هذا الشاعر. "طلال شتوي" عندما تعرّفت عليه عن قُرب ووجهاً لوجه اكتشفت أنّ الهالة التي كنت قد رسمتها حول "طلال" هي فعلاً الهالة الصحيحة. أنا تعرّفت على "طلال" منذ البداية من خلال كتاباته، لكن بعد ذلك عندما صار بيننا تواصل مستمر وعندما كتب "زمن زياد" بالتحديد وأخذ شهادة منّي عن "زمن زياد" وصاغها في طريقة من أروع ما يُمكن أن يصيغ كاتب مادة، صار القرب أكثر بكثير بيني وبين "طلال"، والمسافات إلى هذا الحدّ صارت ضيّقة. ما زلت أتواصل معه، ما زلت أقرأ له بشكلٍ دائِم. المسألة الثانية أنّه من خلال، كيف أنا كنت أكتب عن "طلال"، الكثير من الأصدقاء صار عندهم شغف أيضاً في أن يقتنوا كتب "طلال" التي تصلني منه من (لبنان)، و"طلال" كريم جداً ولم يبخل ولا مرّة على العكس، صار يمدّنا بشكلٍ دائِم ومتواصل، أيّ إصدار يصدر له في (بيروت) كان أولّ إرسال يرسله من هذا الإصدار هو لـ (فلسطين)، ليس فقط لـ (رام الله)، حتّى أيضاً في أراضي عام 1948. "طلال" صاحب القلم الأبيض الذي إلى هذا الحدّ يكون شفّافاً ويستطيع أن يصل إلى دواخل كلّ قارئ في كلّ بساطة وكلّ سهولة. لكن في المقابل في عُمق شديد. "طلال"، لو دار الزمن وقُدِّر لك وسُمِح لك أن تأتي إلى (فلسطين)، ستأتي إلى (فلسطين)؟ الأُمنية الثانية، في حال كانت هناك صعوبة في الوصول إلى (فلسطين) لماذا لا تقيم معرض كتاب أو توقيع وليس معرض كتاب، لماذا لا تقيم توقيعاً في (عمّان) المدينة الأقرب لـ (فلسطين) جغرافياً بحيث أن تسمح لكلّ الذين يحبونك من (فلسطين) أن يأتوا ويحضروا حفل توقيعك ويروا أيضاً "طلال" عن قُرب ويتعرّفوا عليه عن قرب مثلما تعرّفت "ميساء" عليه

زاهي وهبي: شكراً لـ "ميساء الخطيب"، تفضّل

طلال شتوي: شكراً كثيراً "ميساء"

زاهي وهبي: كلّنا حلمنا أن نزور (فلسطين)

طلال شتوي: قبلاً، من الآن أقول لها، سأذهب إلى (عمّان) إن شاء الله في وقتٍ قريب. لكن سألتني سؤالاً دقيقاً، يعني لو أُتيح لي أن أكون في (فلسطين)؟ حقيقة "زاهي" سأقول شيئاً يبدو أنه مبالغة لكنه حقيقة. أنا لو قُدِّر لي أن أكون في (فلسطين) لن أرجع

زاهي وهبي: إلى هذه الدرجة؟

طلال شتوي: لن أرجع

زاهي وهبي: يعني (فلسطين) مثلما قلنا، مزروعة فيك

طلال شتوي: وأنا أُحب أن أعيش يوميات ما يحدُث في (فلسطين) سواء في (رام الله) ومحيطها أو سواء في (غزّة) أكثر مما أُحبّ أن أعيش يوميات ما يجري في (لبنان) رغم معرِفتي حجم المُعاناة والمأساة التي يعيشونها

زاهي وهبي: إن شاء الله نزور (فلسطين)

طلال شتوي: أنا متفائِل على فكرة، إن شاء الله فقط الله يُعطينا القليل من العمر لنذهب ونقوم بزياراتنا في (فلسطين)

زاهي وهبي: ولكن للأسف، تجد أنّ هناك طمساً لـ (فلسطين)، هناك غسل أدمِغة. صار اليوم الذي يتحدّث عن (فلسطين) والمُقاومة وفي مواجهة الاحتلال، هذا دقّة قديمة، موضة بطلت

طلال شتوي: لا، هم الذين بطلوا، الذين يحكون ويكتشفون يوماً بعد يوم أنّهم هم الذين بطلوا. من جهة (فلسطين) هي الوطن وكلّ الأوطان التي نحن فيها هي الوطن الثاني. الوطن الأُمّ هو (فلسطين)، إلى أن تتحرّر

زاهي وهبي: إن شاء الله نزورها حرّة مستقلّة

طلال شتوي: أمّا المقاومة فأخيراً، أخيراً أُتيحت لنا أن نأخذ بالقوّة، نستردّ بالقوّة ما أُخِذَ منّا بالقوّة

زاهي وهبي: مقولة الزعيم "جمال عبد الناصر"

طلال شتوي: ونحن الآن في أحسن أيامنا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي

زاهي وهبي: صحيح، وتمكّنت المقاومة من أن تُحدِث على الأقل ردعاً لهذا الاحتلال وتهزّ وجوده يعني وجوده الوجوديّ

طلال شتوي: أتعلم الآن؟ لو جنحنا قليلاً نحو السياسة، أنا أجد أنّ المقاومة استطاعت منذ عام 2006، طبعاً هذا الشيء تكرّس لاحقاً خصوصاً بعد الذي حدث في (غزّة) منذ فترة بسيطة، استطاعت أن تلغي وظيفة (إسرائيل)

زاهي وهبي: التي كانت العصا

طلال شتوي: (إسرائيل) كائِن أميركي زُرِعَ في هذه المنطقة ذو وظيفة، أُلغيت الوظيفة

زاهي وهبي: نعم. أُستاذ "طلال" اقتربنا من الختام، أولاً موضوع (عمّان) أنا أنصحك به لأنّ هناك جمهوراً رائِعاً من الذين يسمعون، وفي حفلات التوقيع إقبالهم محبّ وشغوف، من أبناء الشعب الأُردني والفلسطيني في طريقة لا يُمكنني أن أُخبرها لك، وأنا عشتها مراراً وتكراراً وأُثنّي على ما قالته "ميساء"

طلال شتوي: وأنا سأقوم بهذا إن شاء الله

زاهي وهبي: في الختام، وقبل أن أشكرك على الوقت الذي أعطيته لنا، وأعتقد صار لك زمان لم تطلّ تلفزيونياً، يعني هذه الإطلالة من الإطلالات النادرة مؤخراً في السنوات الأخيرة، صحيح؟

طلال شتوي: نعم، أنا منذ فترة غائِب. نحن حكينا في هذه المقابلة أو صار هناك كلام حولها وأنا أجّلت لأنني لم أكن مستعدّاً. أنا الآن عندي شعور بأنّ سنة 2018 أمضيتها في البيت وجاءت هذه المقابلة وعوّضتني عن كلّ الغياب

زاهي وهبي: "طلال شتوي"، في الختام، في كلمتين إذا تريد، ماذا بعد في جعبتك من أحلام أو من أفكار أو من مشاريع؟

طلال شتوي: لديّ مشاريعي ولديّ أحلامي وسأستمرّ في الكتابة بإذن الله. أنا ما أُفكِّر فيه الآن إطلالة جديدة في عام 2019، في كتاب جديد إن شاء الله يا رب

زاهي وهبي: الله يوفّقك وألف شكر، شرّفت "بيت القصيد"

طلال شتوي: أنا الذي أُريد أن أشكرك أُستاذ "زاهي" وأُريد أن أقول لك أنّ "بيت القصيد"، أنا سُئِلت مرّة قبل وقتٍ طويل، سُئِلت مرّة عن برامج ثقافية في (لبنان) فقلت لهم هناك برنامج وحيد إسمه "بيت القصيد"، لا توجد برامج ثقافية غيره

زاهي وهبي: أنا أعتزّ في رأيك لأنّك

طلال شتوي: وأنا أُحيّيك لأنك صمدت في هذا النمط وفي هذا النهج لأنّ المُغريات الأُخرى كثيرة

زاهي وهبي: صحيح. شكراً أيضاً لـ "الميادين" ولإدارة "الميادين"

طلال شتوي: طبعاً  

زاهي وهبي: لأنها تُعطي هذه المساحة لبرنامج "بيت القصيد". شكراً لك وتحيّة لـ (طرابلس) ولوالدتك بشكلٍ خاص

طلال شتوي: الله يخلّيك

زاهي وهبي: شكراً لفريق العمل، لـ "غادة صالِح" لـ "علي حيدر" والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله