حمور زيادة - كاتب ومؤلف سوداني

 

محمد علوش: ما الإنسان إلا أثرٌ من أحداثٍ مضت ووعيٌ براهن قائم وأملٌ بمستقبل لم يُخلَق بعد، والنسيان إن بدا مرهماً لأوجاع الروح، فإنّ استرجاع الماضي بمآسيه قد يكون الترياق لداءٍ لم يفلح الزمن في الشفاء منه.

الأدباء في أقوامهم أطباء نفسيون أو فلاسفة من طينة أخرى. سلاحهم مُحاكاة أحداثٍ مضت أو لا تزال، وفي كلتا الحالين، تمارس في المجتمع التسلّط والتحكّم. والرواية عندهم ليست فسحةً للترفيه، إنما هي منبّهات لمجتمعاتٍ تنهشها التناقضات والتقاليد البالية.

نحن اليوم أمام روايةٍ جديدة حائكها روائيٌ سودانيّ يقصّ حكايةً أخرى عن السودان وأهله، يكشف عن تناقضات المجتمع وأوجاعه، عن حكاياته الضاربة في الطين والصحراء، عن الصراع على السلطة والعمادة والميراث والدين والمرأة معاً.

نرحّب بضيف حلقة اليوم الروائيّ السودانيّ حمور زيادة.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حياكم الله، وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونتحوّل إلى القاهرة مع الروائي السوداني الأستاذ حمور زيادة. صباح الخير أستاذ حمور.

وبداية، الرواية التي نتحدّث عنها هي رواية الغرق، لم تصدر بعد، هي بصدد الصدور. لو تحدّثنا، صدرت في القاهرة لكنها لم تصدر بعد في لبنان، هذه الرواية لماذا كتبتها ولمَن كتبتها؟

 

حمور زيادة: مرحباً أستاذ محمّد. شكراً لهذه الاستضافة الكريمة. الرواية صدرت في القاهرة، في منتصف ديسمبر الماضي، لكن عادة ظروف التوزيع هي ما تحكم وصولها إلى البلدان الأخرى. أعتقد أنّ أغلب دور النشر العربية تفضّل أن تنقل كتبها بعد المعارض. الآن معرض القاهرة الدولي للكتاب قائم ومستمر حتى يوم 5 فبراير، بعده تعود دور النشر المشاركة في المعرض إلى بلدانها، سواء في لبنان أو في دول الخليج، تعود بالكتب المطبوعة في القاهرة. لذلك أتوقّع أنّ الرواية ستكون مُتاحة في لبنان إن شاء الله في بداية النصف الأول من فبراير.

لمَن كتبت الرواية؟ هذا سؤال صعب، لأنّ الكاتب لا يكتب وفي باله شخص محدّد، إنما يكتب بحرية مطلقة، وكلّ رواية لها قارئ ستجده وسيجدها في مكانٍ ما. الكتابة علاقة خاصة جداً ما بين الكاتب والورقة البيضاء أمامه، وعلاقة خاصة بعد ذلك ما بين القارئ وما بين الورقة الممتلئة بالأسطر، فأنا لا أكتب لأحد محدّد، لكنني أكتب لأحكي حكاية ممتعة تحمل رؤيتي للعالم أو لقضية معينة، وعساها أن تجد قارئها.

 

محمد علوش: طبعاً رواية الغرق، نحن الحمد لله تمكنّا من قراءتها، هي بشكل عام كما يبدو لي بعد قراءتها أنها تعالج قضايا اجتماعية، يختلط فيها البُعد السياسي بالبُعد الديني ببُعد التقاليد والموروثات طبعاً، إضافة إلى الواقع الجغرافي الذي تحدث فيه هذه الرواية، التي تتراوح خلال ما قبل وصول أو خلال وصول جعفر النميري إلى الحكم.

السؤال، لماذا تمّ اختيار هذه الحقبة من التاريخ لتكتب عنها، ونحن نعيش في هذا القرن الجديد، وأيضاً السودان يعيش أوضاعاً اجتماعية وسياسية اليوم، خلال الأسابيع القليلة الماضية، تشهد تظاهرات من حين إلى آخر، عواصم ومدن السودان؟

 

حمور زيادة: هي تظاهرات متواصلة، ليست من حينٍ لآخر، هي متواصلة، لم تتوقف من 19 ديسمبر الماضي، هذا من ناحية. الناحية الأخرى، أنا أعتقد أنّ نظام جعفر النميري عندما أتى إلى السلطة في السودان في 25 مايو 1969، غيّر وجه السودان كما ورد في الرواية نفسها على لسان أحد الشخوص الذي كان يتنبّأ، الرواية تنتهي أحداثها في بداية حقبة جعفر النميري، لكن أحد الشخوص في الرواية كان يتنبّأ أن مجيء العسكر هذه المرة مختلف عن المرات السابقة.

تاريخ السودان هو سلسلة من الانقلابات العسكرية، فمنذ الاستقلال في العام 1956، لم تكمل التجربة الديمقراطية عامين، ووقع انقلاب عسكري في العام 1958 استمرّ نحو ستّ سنوات، ثمّ جاء بعده انقلاب جعفر النميري في العام 1969 الذي استمرّ 16 عاماً، ثمّ الحقبة الديمقراطية الثالثة التي لم تستمرّ أكثر من ثلاث سنوات وسقطت في العام 1989 بانقلاب عمر البشير.

فكان تقديري الشخصي أنّ حقبة جعفر النميري شكّلت هوية السودان الجديد إلى حد كبير. بادئ ذي بدء، هي التي كوّنت فكرة الجمهورية. السودان قبل جعفر النميري كان دولة برلمانية، يتمّ انتخاب النواب البرلمانيين فيها، ومن البرلمان يتمّ اختيار رئيس للوزراء كما هي الحال في كل الدول البرلمانية، ومنصب الرئاسة فيها منصب شرَفي. ثمّ جاء جعفر النميري بفكرة رئاسة الجمهورية التي تعطي للرئيس ثقلاً خاصاً وصلاحيات كبيرة.

تغيّر العلم السوداني في تلك الفترة، وكان هذا تغييراً للهوية، إذ كان العلم السوداني القديم المعتمد منذ الاستقلال يحمل الألوان الأفريقية التي فيها الأزرق والأصفر والأخضر، إضافة إلى اللون الأحمر الذي لم يكن موجوداً في العلم، لكن هذه هي ألوان الشعوب الأفريقية في تلك الحقبة. جعفر النميري غيّر لون العلم إلى الألوان العربية الشهيرة، الأسود والأبيض والأحمر والأخضر، وهذه الألوان موجودة في علم فلسطين وفي علم الكويت وستجد العلم شبيهاً بعلم العراق وبعلم مصر وبعلم اليمن.

هذا كان تحولّاً كبيراً جداً في هوية الدولة واتجاهاتها أيضاً، إضافة إلى تنقله ما بين اليسار واليمين، ستجد في الرواية ما قاله جعفر النميري في بدايته، عندما قال هذه الثورة، يقصد انقلابه في مايو، هذه الثورة يسارٌ لا مكان لليمين فيها، ومن أجل هذه الجملة ارتكب انتهاكات وقتل عدداً لا حصر له، عدّة آلاف من أهل الاتجاه اليميني المعارض له، ثمّ انتهى بعد ذلك إلى قتل الشيوعيين واليساريين وأعلن الشريعة الإسلامية واعتبر نفسه أميراً للمؤمنين.

كل تلك التقلّبات والتنقّلات هي ما شكّلت إلى حدٍ كبير المجتمع السوداني إلى يومنا هذا، والأزمة السياسية السودانية إلى وقتنا هذا، فالرواية تتناول السودان، بعض ما جرى في السودان منذ الثلاثينات حتى 1969، كأنما تحكي من أين بدأ الخطأ أو من أين جاء الخطر.

 

محمد علوش: وهذا يتّضح لقارئ الرواية، بالفعل، هو يتّضح في الرواية بشكل واضح جداً، على أنّ هذه الحقبة هي حقبة مفصلية بالنسبة للكاتب، في ما تعيشه السودان. من اللافت أنّ حضرتك تتحدّث في الرواية عن موضوع الرّق، لأنّ هناك شخوصاً، إحدى أبرز الشخصيات في الرواية بل ربما تكون البطلة، لا أدري، طبعاً لها حضور من بداية الرواية وحتى آخرها، وهي تعكس صفة الرّق وواقع الرّق والتعامل الاجتماعي معه، رغم أنّ الرواية تتحدّث عن حقبة كان الرّق قد ألغيَ أصلاً في السودان من الناحية القانونية.

قبل أن أسمع منك تعقيباً على هذه النقطة، دعنا نأخذ مقطعاً من الرواية، ونشاهده معاً. فلنشاهد هذا المقطع.

 

مقطع من رواية الغرق: أنفقت كل سنواتها رقيقاً في بيت العمدة، تخدم في المطبخ وتصنع العرق وتشبع الرجال. ولدت عشرين بطناً أو ما يزيد على ألف رجل أو أكثر. لا نعرف من أنجبت، مِن مَن. لا تحصي ولا تهتمّ. تطيع وتدعو إلى الإنكليز، وتدعو على العرب، ويموت أطفالها. مات بعضهم ولهم أسماء، ومات بعضهم بلا أسماء. ما نجا من الموت سوى وزين الدهب، التي اشتهرت باسم "دهب" اختصاراً، وعبد التام، وفايت ندو. نجوا من الموت، وما نجوا من الحياة.

 

محمد علوش: طبعاً سيّد حمور، واضح جداً هذا التكثيف والكثافة في اللغة والعبارات المشحوذة بشكل كبير جداً بهمّ وغيظ وحنق على العرب بشكل عام، لدى طبقة اجتماعية، انتهى طبعاً القانون بتصنيفها على أنها مجتمع من الرّق والعبيد لكنّها ما زالت حاضرة وقائمة في المجتمع السوداني. هل هذا يعكس الآن حال طبقية المجتمع السوداني بفسيفسائه المختلفة والملوّنة؟

 

حمور زيادة: نعم، بالتأكيد، المجتمع السوداني يعاني من أزمة كبيرة جداً في تقبّل الآخر حتى في داخله، ليس الآخر الأجنبي فقط القادم من الخارج، ولكن حتى المكوّنات الداخلية للمجتمع السوداني للأسف هي مشحونة بتاريخ طويل من تفاضل بعضهم على بعض، هذا التفاضل الذي هو الطبيعي أن يفخر كل إنسان بأهله، ببيته، بنسبه، بقبيلته، بدينه، بمعتقده أياً كان، يجاوز أحياناً الحد الطبيعي ليصبح موقفاً من الآخر، ويفرز ذلك شيئاً من الطبقية والعنصرية الواضحة للعيان، والتي إذا لم نواجهها وإذا لم نجد لها حلاً، فإنّه في النهاية سينفجر هذا المجتمع ذاتياً.

الروايات لا تعالج طبعاً مشاكل، هي لا تقدّم حلولاً، إنما تنظر في ما يحدث، وما يحدث يبدو لي مقلقاً. العبيد في رواياتي، هؤلاء الرقيق، ليسوا فقط من وقع عليهم الاسترقاق بشكل حقيقي، لكنّها ترمز عندي لكلّ مختلفٍ درجته الاجتماعية أدنى من غيره ظاهرياً، كل من لا يملك إرادته، كل من هو مقهور، هؤلاء المقهورون الذين بشكل ما أنصفهم القانون أو حرّرهم، لكنّ المجتمع لا يقبل ذلك. لا توجد لدينا قوانين في السودان تفصل ما بين أحد وآخر، ولا تفضّل قبيلة على قبيلة ولا مجتمع على مجتمع، لكن الواقع أقوى من القانون، وأعتقد أنّ هذا هو الحال في كثير من الدول العربية ودول العالم، فالروائي لا يكتب عن مجتمع مغلق، بقدر ما هو يحاول أن يعبّر عن الإنسان عموماً.

الولايات المتحدة الأميركية لا توجد فيها قوانين عنصرية، وتمّ إلغاؤها، بل توجد قوانين تمييز إيجابي، لكن رغم ذلك للمجتمع قوانينه الخاصة في بعض الأماكن، وفي الدول العربية يسري الأمر نفسه. ففي السودان، ألغيَ الرّق بشكل رسمي في العشرينات أو الثلاثينات من القرن الماضي، افترض أنّ المشكلة انتهت، لكنّ المشكلة انتقلت إلى الصعيد الاجتماعي، حيث يعاني كثير من السودانيين من نسل الرقيق المحرّر أو من السودانيين من الأصول الزنجية التي لا تختلط بالعربية، يعانون من التمييز ويعانون من التهميش ومن الإقصاء.

 

محمد علوش: هل للسلطة دور في هذا الموضوع أم أنّها تقاليد اجتماعية فقط؟

 

حمور زيادة: السلطة هنا بنت المجتمع، لذلك هي تلعب دوراً، ويفترض أن يكون دائماً دور السلطة، الساسة عليهم أن يكونوا دائماً طليعيّين، وعليهم دائماً أن يحاولوا أن يقودوا المجتمع إلى الأفضل، لأنّ لهم رؤى أفضل من الجموع، لكن للأسف عندما تكون السلطة دائماً عسكرية، فإنّها لا تنظر إلى الأمام بقدر ما تنظر تحت قدميها. لذلك كما كنت على وشك أن أقول، رأينا مثل هذه المشاكل الاجتماعية أدّت في النهاية إلى انفصال جنوب السودان، لأنه كان من الصعب أن يعيش أبناء جنوب السودان المنحدرين من الأصول الزنجية، أن يعيشوا في دولة تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية. عندما أتتهم الفرصة للتصويت، صوّتوا لأن يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى في دولة، حتى لو كانت دولة لم تنجح حتى الآن، ولم تخرج من المآزق التي تقع فيها كل الدول الأفريقية بين الاقتتال الأهلي وغيرهم، لكنّهم على الأقلّ مواطنون من الدرجة الأولى في دولتهم.

هذا ما نخشاه في منطقة دارفور مثلاً، لأنّ السلطة أيضاً كرّست لهذه المسألة، أنّها دعمت عرقاً مقابل عرق، دعمت العرق العربي مقابل الأعراق غير العربية، هجّرت قبائل عربية في مناطق في غرب ووسط أفريقيا للسودان، لتحدث تغييراً ديمغرافياً لصالح الهوية العربية. فالسلطة بدل أن تكون مجموعة من السياسيين أصحاب الرؤى وأصحاب المبادئ، للأسف لأنّها سلطة عسكرية، فإنّها تحاول دائماً قمع المشاكل وتقديم حلول.

 

محمد علوش: اللافت في الرواية، حضرتك تتحدّث عن أشكال مختلفة من السلطة، تتحدّث في المقابل أيضاً، كيف يتعاطى السوداني البسيط وحتى صاحب الحيّز الاجتماعي أو المكانة المرموقة في مجتمعه، في بلدته، كيف يتعاطى مع أشكال هذه السلطة. نحن أمام لوحة أخرى في هذه الرواية التي تكشف عن جزئية من سيكولوجية المواطن السوداني في التكيّف مع الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها. نشاهد معاً.

 

مقطع من رواية الغرق: محمّد سعيد الشيخ كان يتحدّث. في الخرطوم لا تخافوا إلا من ثلاثة أشياء: الله، والكهرباء، والعسكر. نحن هنا في أمانٍ إلى حين، نخاف الله والفيضان والسوس في التمر.

أجابه أحد آل البدري: رئيس مجلس قيادة الثورة من أبناء الأنصار. لو كان المهدي نفسه رئيساً لمجلس قيادة الثورة فلا أمان للعسكر. أنتم يا شيخ محمّد، أيّدتم العسكر وانتهى الأمر، لكننا ننتظر الإمام الهادي ليقول قوله. لكننا لا نقلق لأننا نعرف أنّ العقيد جعفر سليل أسرة أنصارية، والأنصار يحمون هذه البلاد بدمهم.

ضحك محمّد سعيد الشيخ. يا خفيف العقل، ختمية وأنصار هناك في الخرطوم. الأزهري سيّد الإسم في المعتقل. أحمد حفيد الإمام المهدي في المعتقل. أما هنا، من يأتينا بالغازولين أي الوقود، فهو مهديّ الله وحفيد رسوله ولو كان شيوعياً.

 

محمد علوش: ألا تعتبر معي، لا أدري، طبعاً حضرتك تشخّص واقع وسيكولوجية الفرد السوداني، عندما يقول إنّ من يأتينا بالوقود، أي بالمصلحة، فهو مهديّ وحفيد رسول الله ولو كان شيوعياً، إلى هذه الدرجة عملية الحضور الديني داخل مجتمع محافظ وفيه كثير من التقاليد التي بالأصل تأتي ببُعد ديني، يستعمل الدين كأداة للتحايل على الواقع الذي يعيش فيه.

 

حمور زيادة: طبعاً عندما أتحدّث عن السودان فأنا ملزم أن أضع الشخوص داخل القالب الحقيقي، إنّ الثقل السياسي والطائفي هو دائماً لمجموعتي الختمية والأنصار، طائفة المراغنة وطائفة آل المهدي، لكن الفكرة العامة عن المواطن البعيد عن المدينة، والبعيد عن الصراعات السياسية، أعتقد أنّ هذه الكيفية التي ينظر بها أيّ مواطن في أيّة دولة في العالم للعملية السياسية، أنه يريد مصالحه المباشرة، حتى لو كان في تحقيق هذه المصلحة المباشرة الآنية تضييقاً عاماً عليه أو خسارة بعيدة في المستقبل أو حتى خسارة للمجتمع ككلّ هو لا ينظر لها.

أنا من قرية في شمال السودان، ينتمي أغلب أهلها إلى طوائف دينية أحزابها في الخرطوم معادية للسلطة، وحتى أهالي القرية نفسهم ليسوا من أنصار السلطة، لكن إذا زارنا أيّ مسؤول، كبر أو صغر، فلا بدّ من أن يخرج إليه الناس مهلّلين، مكبّرين في الشوارع، ويقيموا له المآدب ويذبحوا له الذبائح، ومنطقهم دائماً أنّه لا يريد منّا سوى هذا التصفيق الذي نمنحه إياه مقابل أن يرسل إلينا بالجازولين أي الوقود لمولّداتنا كي نزرع ويرسل إلينا السماد ويرسل لنا الكيماويات لمكافحة التسوّس.

هذه الصفقة غير المكتوبة أعتقد أنّها موجودة في العالم كله. الولايات المتحدة الأميركية انتخبت ترامب من دون أن تنظر إلى مشاكل انتخابه الكبرى مقابل وعود صغيرة آنية لها علاقة أيضاً بالآخر، مثل منع الهجرة، مثل وظائف للأميركان مقابل ألا يحصل عليها المهاجرون. هذه الطريقة، أنظر الآن أين قادت المواطن الأميركي. فأنا أعتقد أنّ الإنسان عموماً في تعاطيه مع السياسي، إن لم يكن لديه ذلك الوعي الكافي لأن ينظر إلى ما هو آني وذاتي ومرحلي وما هو كلي، سيقول نفس خطاب محمّد سعيد الشيخ، أنّ الخرطوم العاصمة لديها ما لديها من مشاكل، هناك لا تخشى إلا الله والعسكر والكهرباء، ونحن ليس لدينا لا عسكر ولا كهرباء، إنما نخشى الله والفيضان والسوس على ثمرنا، وبالتالي لا تساوي كل خلافات السياسة بالنسبة لنا شيئاً، الأنصار والختمية خلافهم هناك في العاصمة، نحن هنا مزارعون لا نريد إلا الجازولين.

 

محمد علوش: طبعاً سنكون أمام لوحات أخرى في هذه الرواية، لكن قبل أن نذهب إلى فاصل، من حيث الشكل في هذه الرواية، البعض ربما يجد أنّ هناك نوعاً من المحاكاة أو محاولة للمحاكاة لأسلوب الطيب الصالح، المعروف طبعاً بخماسيته مدن الملح، والبعض يقول إنّه لا، هو أثر الكاتب والأديب المصري نجيب محفوظ في هذه الرواية واضح.

من تعتقد أنّك حاولت أن تكون، أكيد ستقول أنك كنت نفسك، بالتأكيد في هذا، لكن لا بدّ من أنّ لك مثالاً في الكتاب تستوحي منه الأسلوب؟

 

حمور زيادة: خماسية مدن الملح هي للكاتب السعودي عبد الرحمن منيف.

 

محمد علوش: عبد الرحمن منيف، نعم، عفواً.

 

حمور زيادة: الطيب صالح له أعمال أخرى طبعاً أشهرها موسم الهجرة إلى الشمال، ولعلّك تشير إليه الآن.

 

محمد علوش: هذا ما أشير إليه، نعم، صحيح.

 

حمور زيادة: ولكن أنا لا أعتقد أنّ هناك أيّ تشابه مع كتابة أستاذنا الطيب صالح في هذه الرواية، لا من حيث اللغة ولا من حيث الموضوع. ربما الأجواء واحدة، لأنّ أستاذنا الطيب، أنا أتشرّف بأنني أنتمي إلى نفس المنطقة التي ينتمي إليها، وقرانا متقاربة وبيننا قرابة ونسب مع أهل قريته، وربما وأنا أكتب وأستحضر تلك المنطقة، فبالتأكيد يكون في ذهني أحياناً قريتي ومنطقتي في تنقسي وحمور وأيضاً منطقة كرمكول التي منها أستاذنا الطيب صالح، لأنّ كلّ القرى هناك تتشابه، لكن لا أعتقد أنّك ستجد الطيب صالح أو نجيب محفوظ في هذا العمل بوضوح. هذا ليس عملي الأول، عادة يكون الكاتب متأثراً شيئاً ما بعمله الأول، هذا عملي الرابع أو الخامس تقريباً، أعتقد أنني غادرت مرحلة أن تجد كاتباً معيّناً ما بين أسطري، أو هكذا أتمنّى، لأنه إذا كان ما زال هناك كُتّاب يظهرون بين أسطر كتابتي، فهذا شيء سيّىء.

 

محمد علوش: من حق الكاتب وغير الكاتب والأديب طبعاً أن يكون ناقداً، لكن البعض يتشكّك في حقّ الكاتب حين يكون لديه الجرأة على مخالفة الاعتقادات، مخالفة القوانين أو القِيَم الاجتماعية والأخلاقية السائدة.

اتُهِمت حضرتك بأنّك لا تحترم هذه القِيمَ الأخلاقية في المجتمع الذي تكتب عنه، ولذلك حصل نوع من إقصاء لك من الصحافة السودانية. بعد الفاصل، سنسأل عن ملابسات ذلك.

أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا مشاهدينا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة، وضيفنا الروائي السوداني حمور زيادة، وروايته الصادرة لهذا العام، الغرق.

طبعاً في الرواية، تتناول إحدى الشخصيات التي وفدت إلى القرية، يدعى أحمد شقرب، لكنّه كان أيديولوجياً يميل إلى الشيوعية.

قبل أن نعقّب على ذلك، نأخذ مقطعاً من الرواية حول مَن هو أحمد شقرب، وما الصفة التي يحملها في هذا البُعد الأيديولوجي الذي يأتي به إلى قرية تزدحم فيها التقاليد.

 

مقطع من رواية الغرق: عام ونصف عام أمضاها أحمد شقرب في القرية الهادئة الوادعة. عام ونصف عام لم يكن له من شيوعيته شيء سوى عبارة كتبها على جدار العيادة لتذكّره بمَن هو.

عاش نضال الطبقة العاملة. عاش كفاح الشعب. ضدّ مَن؟ تبدو الأمور ملتبسةً هنا. لا يعرف كيف يميّز بدقّة بين مَن هم إقطاعيون برجوازيون ومَن هم من الطبقة العاملة. مَن هو الشعب في حجر نارتي؟ ما يصرخ به يقينه أنّهم كلّهم رجعيّون يؤمنون بالطائفية والحكم الديني، لكنّهم لا يبدون أعداء. طيّبون هيّنون يحيون للونس. هل هؤلاء هم خصومه؟

 

محمد علوش: طبعاً لو أخذنا هذا المقطع، البعض يقول إننا أمام إشكالية في الوطن العربي، وربما في السودان أيضاً، وهو إسقاط الأيديولوجيات الوافدة إلى مجتمعات فيها تقاليد، والتعاطي معها بطريقة مختلفة.

قبل الفاصل، كنت سألت حضرتك في ما يتعلق بجزئية مرتبطة بأنّ البعض يتّهمك بأنّك لست فقط تتمرّد على التقاليد والقِيَم، وإنما تتجرّأ على قِيَم أخلاقية هي مكرّسة داخل المجتمع.

إلى أي حد تجد نفسك قريباً من شخصية أحمد شقرب على سبيل المثال من ناحية؟ وإلى أي حد ترى أنّ ما يقوم به المجتمع لحماية ما يسمّيه قِيَمه هو محقّ فيها من ناحية أخرى؟

 

حمور زيادة: تهمة التمرّد هذه لا أعتبرها تهمة، هذا مدح، وشرف. المجتمعات متحرّكة، المجتمعات ليست ثابتة. لذلك تتوالد القِيَم وتتغير القِيَم ويتغير ما يسمّيه الناس ثوابت. لا توجد ثوابت لمجتمع لخمسين أو سبعين عاماً كما هي، إنما لا بد من أن يتطوّر المجتمع وتتغير العادات.

 

محمد علوش: بما فيها القِيَم الأخلاقية؟

 

حمور زيادة: الأخلاق نفسها مسألة نسبية، نعم، بما فيها القِيَم الأخلاقية. دعني أحدّثك عن مثال لطيف، في المجتمع السوداني، في بعض مناطقه، كان قطع الطريق نوعاً من أنواع الفخر والرجولة، وكان يُكتب فيه قصائد المدح، وكان قُطّاع الطريق الذين كانوا يسمّون باللهجة السودانية الهنبادة، كانوا يكتبون الشعر مدحاً في أنفسهم، مثل صعاليك العرب قديماً، وكان لهم نخوة، هم لا يسرقون كل عابر، هم إذا تعاطفوا مع أحد العابرين ربما دفعوا له من أموالهم، هذه إسمها سرقة في قِيَم المجتمع المدني الحديث، لكنها حتى بدايات القرن العشرين كانت أمراً محموداً، لم يكن فيها عيب، وهذا أخلاقياً أمر تغيّر، فنعم، حتى الأخلاق هي نسبية جداً.

المرأة دائماً ما تُظلَم في هذه المسألة، في مسألة الأخلاق، لأنّها مثلما عادة الذكورية، عادةً ما تهتمّ بتطبيق هذه القِيَم الصارمة تجاه النساء في أزيائها وفي ما يجب أن تفعله، كان إلى وقت قريب، كان من العيب أخلاقياً أن تتحدّث المرأة أو بالذات الصبية صغيرة السنّ غير المتزوّجة، أن تتحدّث في محفل فيه رجال، أو يعلو صوتها، لا بد من أن تكون مخفية أو خفية أو بقدر الإمكان تمشي تحت ظلّ الحائط كما يقال. كان هذا عيباً من العيوب الأخلاقية. اليوم إذا نظرت إلى فيديوهات الانتفاضة السودانية، ستجد هؤلاء البنات في مقدّمة الصفوف يهتفن بأعلى أصواتهنّ ضدّ الظلم، ولعلّ الثورات العربية اشتهرت فيها كلمة صوت المرأة ليس عورة، إنما صوت المرأة ثورة، فهذه أخلاقيات تتغيّر، نعم.

أنا لا أعتقد أنني ملزمٌ بما يراه المجتمع أخلاقاً عليه أن يتكلّس بها. أنا أؤمن بالأخلاق، أنّ كلّ مجتمع لا بدّ من أن يكون لديه أخلاقيات، لكن هذه الأخلاق ليست قيوداً تشدّ حرية الآخرين ولا هي قوانين يُبطَش بالآخرين بسببها. اليوم هناك قوانين في السودان، قوانين في القانون الجنائي تعاقب النساء على الزيّ، حسناً، دعنا نقول إن المجتمع السوداني مجتمع محافظ، ليس لديّ مشكلة في ذلك، لكن أن يسنّ قانون كي يجبر النساء على أن يرتدين زياً معيّناً ولا يخالفنه، إذاً كيف يأتي التطوّر؟

إذا قلنا إنّ عادة المرأة السودانية أن ترتدي زياً طويلاً، فإنّه من الطبيعي أن ترتدي زياً قصيراً، إنّها الموضة، إنّها حركة المجتمع، لا يمكن أن تقايض حركة المجتمع هذه بقانون جنائي بأيّة حالٍ من الأحوال. لا يمكن أن يمشي رجال الشرطة العسكرية في الشارع ليلقوا القبض على الشباب من الذكور الذين يحلقون شعورهم بشكل هذا يقلّد ميسي أو هذا يقلّد المغني الفلاني بشعره، أشكال أنا نفسي لا أعرفها بدقّة، لكن يفطن له رجل الشرطة العسكرية، فيحلق له شعره، لا يمكن أن يدافع عن الأخلاق وعن القِيَم والتقاليد بهذا الشكل.

 

محمد علوش: سيّد حمور، كلام منطقي وجيّد، لكن في المقابل، البعض يقول إنّ هناك جزئية أخرى ينبغي النظر إليها أيضاً بنفس المنطقية والواقعية التي حضرتك تتحدّث فيها.

على سبيل المثال، معروف في عالمنا العربي أنّ بعض الكُتّاب أحياناً يأتون لحالات شاذة، ويضخّمونها في كتاباتهم للاستقطاب ولإحداث نوع من المشهدية ونوع من النجومية لشخوصهم.

حضرتك في إحدى الكتابات لك، تنشر قصة عن اعتداء جنسي على الأطفال، وتصوّر المشهد بطريقة درامية، ممّا ألّب عليك المجتمع، حتى أنّ المجلس القومي للصحافة دعا إلى مقاطعتك وإلى منعك حتى من الكتابة في الصحافة.

البعض يقول، لا أحد ينكر أنّ مثل هذه الحالات موجودة في المجتمع، لكن عندما يكتبها الكاتب وكأنّها صفة اجتماعية، فهذا ممّا يطرح إشكاليات كبيرة. ما رأيك؟

 

حمور زيادة: أولاً، أنا عندما كتبت هذه القصة عن اغتصاب الأطفال، لم تكن تلك حال شاذة، بل لقد كان هناك أغانٍ تغنّى عن هذه المسألة في ذلك الوقت، أغانٍ تدين اغتصاب الأطفال، لأنّها أصبحت ظاهرة بعد أن كان متكتّماً عليها. الانتهاكات الجنسية ضدّ الأطفال تحدث في السودان كما تحدث في كل دول العالم وفي كل المجتمعات الأخرى منذ سنوات طويلة جداً، لكن كانت الناس تفضّل الصمت.

هذا شبيه بمسألة التحرّش بالنساء. التحرّش بالنساء في المجتمعات الذكورية موجود منذ سنوات طويلة، لكن رأينا قبل سنتين عندما انطلقت حملة مي تو فوجئنا أنه كأنه لا توجد أنثى لم تمرّ بهذه المسألة في الشارع، في أماكن العمل، في البيوت المغلقة. فكل ما حدث في تلك الفترة في السودان في العام 2008 تقريباً، العام 2008 و2009، كل الذي حدث أنّ الغطاء ابتدأ يرتفع وينكشف ما تحته، لأنّ حوادث الاعتداء الجنسي على الأطفال أصبحت مصحوبة بالقتل. كانت قبلاً مجرّد اعتداءات جنسية، ثمّ أصبحت يصاحبها قتل، إما لنفسية القاتل، الجاني، لأنه يريد أن يستلذّ بذلك وهو لا يعرف، أو خوفاً من الفضيحة وإلقاء القبض عليه، فإنه يقوم بقتل الطفل أو الطفلة.

فالحادثة التي كتبت عنها في تلك الفترة كانت حادثة حقيقية لطفلة قُتِلت وألقيت في أحد الآبار داخل بيت. لم تكن حادثة معزولة بأيّة حال من الأحوال. لكن دعنا نفترض أنّ تلك الحوادث معزولة، أو أنّ بعض الكُتّاب يكتبون عن شيء نادر، ما المشكلة في ذلك؟ من زعم أنّ على الأديب أن يكتب عن الشائع والموجود والحقيقي فقط؟ الأديب له حق الخيال. يمكن أن أكتب عن مسألة لم تحدث البتّة. الأديب له الحقّ أن ينتقي بعينه شيئاً ما من المجتمع ومن الشارع ليضخّمه ويكتب عنه لأنه استرعى انتباهه، لأنه وجد فيه حكاية ممتعة.

الأدب في النهاية، أو الفنّ عموماً ليس ما يطلبه المستمعون. أنا ليس مطلوباً منّي أن أقدّم للناس ما هو معتاد، وما هو منتشر، وإلا فإنني سأكتب رواية عن البطالة، أو سأكتب رواية عن ازدحام الشوارع، والمرور. في النهاية، سأتحوّل إلى صفحة اجتماعية في صحيفة. الأدب لا أريد أن أقول أعظم من ذلك، حتى لا يبدو أنني أدين الصحافة الاجتماعية، لكن الأدب شيء مختلف عن هذه المسألة. من حقي أن أكتب عن النادر، من حقي أن أنتقي ما ليس منتشراً، من حقي أن أتخيّل ما ليس موجوداً أيضاً. في النهاية، عقدي مع القارئ هو شيءٌ واحد، هل قدّمت له ما يمتعه؟ هذا هو السؤال.

 

محمد علوش: دعنا ننتقل إلى لوحة أخرى، وهي تجسّد واقعاً تاريخياً في السودان، وربما أيضاً يعمّم على مناطق أخرى، وهي طبيعة العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر. طبعاً السودان كانت خاضعة للإنكليز، وكان هناك صراع بين الإنكليز والطليان في الحرب العالمية الثانية.

كيف تعاطى المجتمع السوداني مع المحتلّ الإنكليزي لدفع الطليان؟ نشاهد معاً.

 

مقطع من رواية الغرق: قصفت طائرة إيطالية الخرطوم. لكنّها لم تكسر المعنويات المرتفعة. الناس كلهم يدعون إلى الإنكليز والعساكر السودانيين، والتبرعات تُجمَع في طول البلاد وعرضها وعمقها حتى حجر نارتي.

أشرف العمدة محمّد سعيد الناير بنفسه على جمع التبرّعات، وسافر على رأس وفدٍ لتسليمها للحكومة وتأكيد الدعم والولاء. حبست البلاد أنفاسها تترقّب. المعارك في كسلا وكرن وأسمرا. تتقدّم قوّة دفاع. يرسل بابكر ساتي زوجته إلى أهله في الغابة، إذ تذهب فرقته شرقاً.

قتالٌ شرس وحرب طاحنة. الإنكليز أم الطليان؟ هل يندحر العدو أم تسقط الخرطوم؟ البلاد تخلص الدعاء لينصر الله الإنكليز وملكهم على الطليان ودوتشيهم. وبشير يدعو لنفسه وسكينة. ثمّ لكليلة القدر. استجيبت كل الدعوات. جاءت أخبار النصر فرحة متأبّطة البشارة للعاشق المكلوم. بارك الله في بنادق الطليان.

 

محمد علوش: سيّد حمور، هذه اللوحة واضح فيها تداخلات عميقة، بين انتهازية لأحدهم وهو عينه على زوجة آخر، وبين أيضاً واقع اجتماعي خاضع لسيطرة المستعمر، وبالتالي بذل المال والجهد في سبيل بقاء هذا المستعمر أو في انتصاره على الخصم.

كيف هي الإشكالية مع طبيعة المجتمع السوداني لجهة هاتين الناحيتين؟

 

حمور زيادة: المجتمع السوداني، الحركة السياسية فيه أغلبها كان منقسماً إلى قسمين، ما بين المستعمر البريطاني وما بين المستعمر المصري. كان الوجود المصري عسكرياً حتى 1924، وأظنّ أنّ ذلك ورد في الرواية أيضاً، عندما اضطر الجيش المصري إلى الانسحاب من السودان عقب مقتل السير لي ستاك، سردار الجيش المصري، قُتل في القاهرة، فاعتبر المندوب السامي هذه فرصة لتحديد النفوذ المصري في السودان، وتقدّم بمطالب لحكومة سعد باشا زغلول، ورفضها سعد زغلول، وتقدّم باستقالته، وجاء بعده أظنّ بطرس باشا غالي، إذا لم أكن مخطئاً، وقبل المطالب، وكان أولها انسحاب الجيش المصري من السودان.

لكن رغم ذلك ظلّ هناك جانب من الحركة الوطنية السودانية، كانت تؤمن بالوحدة مع مصر، وأنّ الإنكليز هم جيش الاحتلال الذي عليه أن يذهب. هذه كانت طائفة الختمية التي كان يمثلها إلى حد ما محمّد سعيد، أو أسرة الناير التي ينتمي إليها محمّد سعيد في الرواية، لأنّ محمّد سعيد كان طليعة المثقفين الذين كانوا يرون أنّ كلّ القيادات الكبيرة إما مالأت هذا المستعمر أو مالأت هذا المستعمر، ولا يقبلون بذلك. لكن رأينا كيف عندما أصبح محمّد سعيد عمدة، مالأ هو مباشرة السلطة الإنكليزية في مسألة الحرب.

كان الجانب الآخر، وهم أنصار الإمام المهدي، حزب الأمّة، هؤلاء كانوا يرون أنّ مصلحة البلاد مع الإنكليز، وأنّهم يريدون سوداناً مستقلاً، السودان للسودانيين مع كومنويلث مع علاقات مميّزة مع بريطانيا، وكان يبدو هذا خياراً جيّداً إلى حدّ ما في ذلك الوقت، فبريطانيا كانت دولة عظمى ومتقدّمة وخلافه، لكن جرى القدر في النهاية، القدر السياسي، بشكل مختلف، فحصل السودان على استقلاله ولم يدخل الكومنويلث وأصبحنا هذه الدولة.

لكن في فترة الحرب العالمية الثانية بالذات، كان هناك شبه إجماع في الشارع السوداني على تأييد الإنكليز، وكانت هناك أغانٍ كثيرة جداً، بعضها حكومي، مدفوع، مثل أغاني عشة الفلاتية، مذكور بعضها في الرواية، هذه الأغاني كانت بإيعاز من الحاكم العام أن يغنّى للمقاتلين السودانيين وأن يغنّى للجيش البريطاني، لكن كانت هناك أيضاً أغانٍ بلدية شعبية عفوية تغنّى في الأفراح، كانت كلّها تؤيّد الإنكليز. لم يُحدِث ذلك نزاعاً مثل الذي حدث مثلاً في مصر، أنّ بعض المثقفين أو السياسيين رأوا أنه في تقدّم الألمان إنقاذ لهم من الاحتلال الإنكليزي، إنما توحّد الكل وراء هذا المستعمر باعتبار أنه جاء إلينا بالمدنية وجاء إلينا بالحداثة فنحن في معركة واحدة معه ضدّ هذا المستعمر القادم.

أنا اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين لا أستطيع بصراحة أن أقيّم الموقف الوطني في ذلك الوقت. لا أستطيع أن أقول هل كان ذلك موقفاً صحيحاً أو خاطئاً، بالتأكيد نحن في عالم صنعه كسارى الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية، وهو يبدو عالماً أفضل ممّا كان لو فازت دول المحور، فبالتالي يبدو أنّ السودانيين في ذلك الوقت وقفوا مع الجانب الصحيح فطرياً. لا أعتقد أنّهم كانوا منزعجين من الأفكار النازية والأفكار الفاشية، لا أعتقد أنّها كانت تشغل بالهم، إنما علاقتهم كانت مباشرة، علاقة مودّة مباشرة بهذا المستعمر البريطاني والمدرّس البريطاني والمأمور البريطاني الموجود في السودان، فمالوا لدعمه.

هل هذا يخالف الوطنية؟ لست ميّالاً للدمغ بهذه الأشياء، لأنني كما أعتقد أنّ الأخلاق متحرّكة، وكما أعتقد أنّ العادات متحرّكة، أعتقد أنّ الوطنية ليست أمراً ثابتاً في كلّ مراحل تكوّن الدولة.

 

محمد علوش: بعد خروج المستعمر، حصلت انقلابات عسكرية. نصل إلى اللوحة الأخيرة التي اقتبسناها طبعاً من رواية الكاتب حمور زيادة، وهي تقصّ واقع السودان مع الانقلاب العسكري. نشاهد معاً.

 

مقطع من رواية الغرق: لا تنسى الحكايات ليلة مات بشير الناير. يمرّ الزمان مع بحر النيل ولا تذبل الحكايات. تتوالد في مجالس القرية. يغذّي بعضها بعضا. تتحدّث القرية عن مذابح السلطة الجديدة. دكّ الطيران جزيرة أبا على النيل الأبيض، جنوب العاصمة. قُتل إمام أنصار المهدي.

توحشن النظام. وقف رئيسه الضابط يخطب، الثورة يسارٌ لا مكان فيها لليمين. يعزّون بيت البدري الموالي لأنصار المهدي، لكنّهم يخشون العسكر فيُظهِرون لا مبالاة.

 

محمد علوش: صدور هذه الرواية لهذا العام سيّد حمور زيادة، وإن كانت تكتب عن حقبة إلى حد ما، نسبياً بعيدة نوعاً ما، هل هي رسالة موجّهة، رسالة مبطّنة للسلطة السياسية في السودان؟

 

حمور زيادة: أعتقد أنّها تتحدّث عن السلطة في كل مكان. هل هذه رسالة؟ لا أعتقد. ليس من عادتي أن أبعث رسائل، ولا أعتقد أنّ السلطات تقرأ الأدب لتستخرج منه رسائل. هي تقرأ الأدب لتصادره.

 

محمد علوش: ما زلت مصرّاً على أنّك تكتب فقط للتسلية، كأنني أفهم من كلامك؟

 

حمور زيادة: هذه ليست تهمة.

 

محمد علوش: لا نقول تهمة، هي بالتأكيد ليست تهمة، لكن نادراً ما تجد كاتباً يكتب للتسلية. دائماً هناك هدف أبعد بكثير من تسلية القارئ، البعض يقول، أقلّه في عالمنا العربي.

 

حمور زيادة: لا، أنت في الكتابة تعرض رؤيتك للعالم ورؤيتك للأشياء. أنا فقط أريد أن أخرج من حصار أنّك تكتب للسودان وعن السودان. المسألة أكبر من السودان. عندما أتحدّث عن مسألة السلطة أو الثروة أو الاضطهاد، فإنني هنا لا أصوّب إصبع الاتهام للمجتمع السوداني، إنما للإنسانية ككل، لكلّ مكان فيه مثل هذه المسألة.

عندما كتبت الرواية السابقة، شوق الدرويش، التي تدور أحداثها في السودان في القرن التاسع عشر، عندما ادّعى الإمام محمّد أحمد المهدي أنه مهدي مُرسَل من الله لقتال الكفرة، والكفرة هم كلّ من لم يؤمن به، لم يكن مقصوداً هذا الحادث التاريخي بذاته، بقدر ما كان قضية الإمام، أينما كان هذا الإمام في أي مكان.

والآن في الغرق نفس المسألة، أنا عندما أتحدّث عن الحكم العسكري، عندما يقول بشير لأخيه إنه لا شيء يقي شرّ العسكر إنما هذا مبلغ قدرتنا، هذا ليس بالضرورة أنّه العسكر السوداني أو انقلاب النميري 1969، إنما هي عموماً الانقلابات العسكرية في كلّ مكان في العالم العربي وغير العربي. عندما أتحدّث عن القهر وعندما أتحدّث عن القمع، أنا لا أعني المجتمع السوداني في ظرفه الضيق أو في ذلك الحيز الجغرافي في شمال السودان عند الصحراء على حافة النيل فقط. أنا أتحدّث عن العالم أجمع.

هل يُكتَب ذلك من أجل التسلية؟ إلى حدّ كبير، الفنّ القصد الأساسي منه هو الرسالة الجمالية وأن يكون مسلياً. لكن هذه الرسالة الجمالية المسلية تحمل رؤيتي للعالم. كان يمكن أن أكتب عن أميرة نائمة تنتظر أميراً وسيماً على حصانٍ يأتي ويقبّلها وتصبح الحياة هانئة. لكن أنا في زمنٍ مختلف، لديّ فيه رؤية، فهذه الرؤية تظهر عبر الرواية التي ينبغي أن تكون فنية مسلية. وبالطبع، لا أستطيع ككاتب، أن أشير رؤيتي هي الأمر الفلاني، ورمزت بكذا وكذا، هذا يُترك في الآخر للقراء وللنقاد، لكنني كما قلت لك، أحاول التملّص فقط من حصر المسألة داخل أنّك تكتب لقارئ سوداني عن تاريخ سوداني معيّن. ما لم يكن هناك انقلاب النميري في العام 1969 لاخترعته لأتحدّث عن العسكر وعن القمع وعن تعاطي الإنسان العالمي مع السياسة.

 

محمد علوش: وتبقى الرواية، طبعاً لا شكّ أنها ممتعة وموفقة، نتمنّى لك التوفيق في ما لديك من مشاريع قادمة. كل الشكر والتقدير لوجودك معنا، الأستاذ حمور زيادة الروائي السوداني.

ونشكر لمشاهدينا حُسن المتابعة. وإلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد