نقولا دانيل – ممثل لبناني

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. يناديه الأصدقاء "الحاج نقولا"، وهو في طيبته وبشاشته طاهرٌ مثل عائِدٍ لتوِّه من مكانٍ مُقدّس. مُشاركته في أيّ عمل هي بمثابة خميرة مُباركة تُضفي طعماً شهياً ونكهةً مميّزةً أيّاً كان الدور الذي يؤديه. له بصمته وخصوصيته سواء أكان على خشبة المسرح أو قبالة كاميرا الشاشتين الكبيرة والصغيرة. ينتمي إلى جيلٍ ذاق مرارات الحرب وخيباتها وانكساراتها لكنّه قبلها ذاق حلاوة الزمن الذهبي للوطن الصغير بمساحته وساسته، الكبير بمقاومته ومُبدعيه. وإذ نقول المقاومة لا نقصد النضالية والجهادية فحسب بل أيضاً المقاومة الفِكرية والإبداعية في مواجهة الجهل والتخلّف والتعصب والتطرّف. وضيفنا منذ نعومة أفكاره منخرِطٌ في معركة التنوير والتثوير إنساناً وفناناً وناشطاً في ميادين متعددة، وها هو الليلة في ميادين الإعلام الجاد المُلتزِم وفي "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب، الذي يُضاء بحضوره، بحضور الفنان اللبناني القدير الحاج "نقولا دانيال" أهلاً وسهلاً بك

نقولا دانيال: أهلاً، أنا أشكرك وأشكُر "الميادين" على الاستضافة

زاهي وهبي: يعني نحن نتشرف في وجودك وفي وجود قامة إبداعية وفنية وفكرية مثل حضرتك. سؤال قبل أن نذهب برفقتك إلى (مغدوشة) ورفقة زميلتنا "يارا أبي حيدر"، كيف تُقيِّم هذا المشوار الطويل منذ البدايات في (مغدوشة) إلى هذه اللحظة؟ لو أردنا مثلاً أن نضع عنواناً أو ملخّصاً صغيراً ماذا تضع لهذا المشوار؟             

نقولا دانيال: مسيرة شغف وحبّ للفن والتزام

زاهي وهبي: نعم. شغفك في الفنّ تشعُر أنه ولِدَ معك أم هناك حدث معيّن، شيء مُعيّن، شخصية ربما فتّحت ذهنك ووعيك على الفنّ وأهميته؟

نقولا دانيال: للحقيقة وُلِدَ معي. يعني منذ أن بدأنا نلعب، كنا نلعب في التمثيل والمسرح وهناك أجيال قبلنا كانت تُمهِّد الطريق. كنت أشاهدهم وأشعُر أنّ هذا شيء يعنيني كثيراً وعندما سأكبر سأفعل مثلهم وأُقلِّدهم. لاحقاً اكتشفت شيئاً أيضاً، أنّ في جذوري، يعني في الجينات في العائِلة سواء من ناحية أُمّي أو من ناحية أبي هناك أُناس كانوا يمتازون بالظرافة وعندهم شيء من الفن

زاهي وهبي: دعنا نذهب معاً إلى (مغدوشة)، إلى بلدتك، هذه البلدة الجميلة في جنوب (لبنان)، على مشارِف (الزهراني) وفي جوار (صيدا) بوابة الجنوب مع "يارا أبي حيدر" و"علامة فارِقة"

علامة فارِقة - نقولا دانيال:

- نحن في (مغدوشة)، هذه سيّدة "مغدوشة"، "سيّدة المنطرة". (بيروت) هي مركز عمل لكن (مغدوشة) هي المكان الذي أرتاح فيه، لا أصدّق أيمتى آتي كي أمكث في بيتي. يوجد هناك تاريخي وحنيني وصومعتي. أحب كثيراً أن أنقطِع لنفسي ولحواري الخاص مع الطبيعة ومع الذكريات

- هذه الجبّانة تغيّرت معالِمها وكان فيها الكثير من الشجر وكانت أجمل من زمان. حينما أضيع عندما تكثُر الضجّة تحت عندما ندرُس كلنا مع بعضنا كنت أهرُب وآتي لأدرُس هنا في الجبانة. الآن إذا المرء يتذكّر كلّ الناس الذين ماتوا في مسيرة العُمر الطويل هذه، ياما بينهم أحبّة وأهل وأصحاب ورفاق، كلّهم موجودون هنا، إذاً ننتظر اللقاء

- أتأمل أن أُصادف الدور الذي أشعر فيه أنني قمت بكل ما أُريده وقلت كلّ ما أُريد قوله من خلاله

- بالنسبة للتمثيل، مسألة لم تكن غريبة عليّ، من أجل هذا أحس بأنني مُرتاح. حافظت على المِهنة كهواية لأنني نشأت فيها. حين كنّا صغاراً كلّ ألعابنا كانت تمثيلاً في الضيعة، كلّ تاريخ حياتي الموجود بي الآن في هذا العُمر بدءاً من اللعب بالتمثيل للتمثيل الذي نُسميه اليوم مُحترِفاً على خشبة المسرح أو في السينما أو في التلفزيون الذي صرت معروفاً فيه قليلاً. هذه أشياء موجودة لا تغيب، موجودة بي على طول لأنها الخزّان الأساسي الذي أستعين فيه، وفي بعض الأحيان أستعين به بعفوية تامة به

من دون أن أعلم، أجده يُخرِج أشياء أعرِفها ومررت بها وراقبتها وعشتها

- أجل أتذكّر حينما بدأوا يأتون في دفعات لأنه كان هناك أُناس منّا، يعني عمتي كانت في (فلسطين) عندما أتت مع أولادها وتهجّروا. هذه المدينة هنا، قبل (صيدا)، هذا مُخيّم (عين الحلوة). طبعاً تطوّر مع الزمن وكبِرَ، وفي عام 1982 تعرّض لقصفٍ عنيف ودمّر ثم أُعيد بناؤه

- أنا هناك بيتي، أرأيت أين؟ الآن سننعطف. هذا أُحبّه كثيراً لأنه بقي من التراث، هندسته حلوة

- عندما يرى أحدهم حفيده أو حفيدته، سبحان الله هذا الحنان، شعور لذيذ، ربما لأنه تكون هناك استمرارية في الحياة

- جاري هنا الله يرحمه، كان إسمه "أبو فارِس" ولم يكن عنده أولاداً، كنا نقطف التينة ويصرخ علينا ونركُض، نقفز من فوق الحيطان

- أول دور أدّيته مع "أدا باشي" في "الرغيف" لم يكن قاسياً، لكن الذي أعطاني أول دور قساوة هو "شبل فاخوري"، أُستاذ "شكري"، في "نساء في العاصفة"

- الحياة بقدر ما فيها حنان وحنين وعاطفة فيها قساوة وشائِكة وشاقة الحياة، ملوّنة مثل كلّ شيء

- أفوكاتو، يسقط على الأرض مهما أسندته، أنظر

- حينما أكون أمشي في الشارع مثلاً ويستوقفوني ويحكوني ويوقفوا سياراتهم وينظروا من النوافذ، الأولاد الصغار والكبار يعني، أنه "نحن نُحب تمثيلك. نحن نحبك وحين نعرِف أنك في مسلسل نتابعه، نحن نحب تمثيلك". هذه الكلمة تعجبني جداً، يعني تُعطيني شهادة، أنهم يحبونني لأنني ممثِل جيِّد وأُقنِعهم

زاهي وهبي: كلّ الناس يحبونك ويحبون أداءك المُتميِّز واحترامك لفنّك ولمُشاهديك ومُحبيك. لكن من غير شر أخذت "يارا" إلى الجبانة

نقولا دانيال: للحقيقة لأن المكان فرض نفسه. مثلما كل الأماكن فيها ذكريات الجبانة لها ذكريات عندي عدا عن أنها تحوي

زاهي وهبي: الأحبة والأهل والأعزاء، أطال الله في عُمرَك. على سيرة أنّ الناس يرونك اليوم في الشارِع ويتحدّثون إليك عن أدوارك والأعمال التي تُشارِك فيها تلفزيونياً، هل أخذك التلفزيون من المسرح مثلما أخذ أناساً كثيرين؟

نقولا دانيال: أخذني قليلاً، نعم، لكن فعلياً الوضع لا يسمح أن ننتِج مسرحاً، صعب، أنا بالنسبة لي وجدته أصبح صعباً لأنني غير قادر على أن أُنتِج

زاهي وهبي: من أية ناحية صعب، مادياً؟ نصوص؟ ماذا؟

نقولا دانيال: لا، هناك الكثير من النصوص خاصة أنّ في إمكاننا أن نعتمد الاقتباس، يمكننا في الاقتباس تحويل النصّ إلى لبناني ونقوم بأشياء حلوة، وأنا عندي نصوص معجب بها وفوراً أُترجِمها عن الفرنسية والإيطالية وأعرضها لأنني معجب بها لكن هذا ليس السبب، الموضوع هو الإنتاج. أنا لا إمكانية مادية عندي لأصرُف واليوم الأيام تغيّرت، تحتاج إلى مال لتقوم بأيّ شيء

زاهي وهبي: طبعاً. سنتحدّث عن الإنتاج ولكن قبلاً قل لي، ما الذي أعطاه لك المسرح وما الذي أعطاه لك التلفزيون؟ وماذا أخذا منك كلاهما؟

نقولا دانيال: أعطاني المسرح ثقتي بنفسي وثقافتي الأساسية، يعني القاعِدة التي أرتكز عليها مع الكبار الذين درست على أيديهم ووقفت إلى جانبهم. التلفزيون أعطاني انتشاراً وأعطاني طبعاً تقنيات الوقوف أمام الكاميرا وكيف في إمكان المسرحي أن يشتغل أمام الكاميرا 

زاهي وهبي: في شكل عام، هذه المهنة ماذا أخذت منك؟ التمثيل سواء أكان عبر المسرح أو السينما أو التلفزيون ماذا أخذ منك؟

نقولا دانيال: للحقيقة لم يأخذ شيئاً منّي، ربما يأخذ بعض الخصوصية صار الآن بعد الانتشار القليل الذي صار لكن المهنة محبّبة جداً لأنه في النهاية هذا الفن للناس

زاهي وهبي: لمَن تقول شكراً ولمَن عندك شعور بالعِرفان في هذه المسيرة من (مغدوشة) و(صيدا) والمسرح العائم وصولاً إلى المسرح اللبناني الحديث إلى مسرح "روجيه عساف" إلى مسرح "الحكواتي" إلى "يعقوب الشدراوي" للسنوات الثلاث التي درستها في (إيطاليا) إلى "أحمد الزين" إلى "منصور الرحباني"، مَن الذين تذكرهم وتركوا بصمة وعلامة في مسيرتك؟

نقولا دانيال: كل الذين أحصيتهم في الحقيقة أحسّ أنهم مفضلون عليّ، كلهم مفضلون

زاهي وهبي: أيضاً "أنطوان ولطيفة ملتقى"

نقولا دانيال: في الضيعة طبعاً لا أُريد أن أقول، طبعاً الأهل هم أساس، لكن النادي وأنا أُحب أن ترجع نهضة النوادي في (لبنان)، الأندية مهمة جداً لتجميع الشباب. النادي في الضيعة وضعني على السكة وعرّفني على نفسي وعلى الآخر وقرّبني إلى هذه الأشياء

زاهي وهبي: النادي الثقافي الاجتماعي الرياضي إلى آخره

نقولا دانيال: نعم. اليوم صار إسمه نادي الرابية الخضراء. مسألة ثانية هي الجامعة اللبنانية، هي المدرسة الرسمية وبعدها الجامعة اللبنانية المهمة جداً في مسيرتي شخصياً. أنا إبن المدرسة الرسمية والجامعة الوطنية المُفضِلة عليّ جداً

زاهي وهبي: حلو، حلو

نقولا دانيال: الآن إذا أردت أن أُعدّد لك أشخاصاً، هناك أُناس أُحب يعني، بالنسبة إلى الجامعة الأُستاذ "أنطوان مُلتقى" مثلاً إنسان أثَّر بي كثيراً، علّمني احترام الفن وكنت معجباً جداً به حتى كممثل وكمخرِج وكأُستاذ، ومن الناس الذين ساعدوني وأعطوني الكثير من الدّفع لتكون عندي ثقة في نفسي، بمعنى أنه استشرف لي مستقبلاً

زاهي وهبي: سنُحاول أن نستعرِض أبرز المفاصل، لكن يستوقفني أنّ تجربتك مع "منصور الرحباني"، الأُستاذ والمُعلِّم الكبير، وحضرتك اشتغلت يعني كمُخرِج معه واشتغلت كمُستشار فنّي في مُعظم الأعمال التي قدّمها منفرداً بعد وفاة "عاصي"، لم تُكمِل مع أبناء "منصور الرحباني"، لماذا؟

نقولا دانيال: لا أنا اشتغلت معهم

زاهي وهبي: اشتغلت نعم

نقولا دانيال: أجل، نحن أقمنا مسرحيّة إسمها الانقلاب، من أجمل المسرحيات في المسرح الغنائي

زاهي وهبي: لكنك لم تستمرّ

نقولا دانيال: لم أستمرّ لأنني أقول دائِماً أنّ كلّ شيء له نهاية وعندما أحسّ أنني صرت أُراوِح مكاني مثلاً

زاهي وهبي: يعني كان عندك انطباع أنك لا تتجدّد كفنان، كمُخرِج، كصاحب رأي في العمل؟

نقولا دانيال: تظلّ في مكانك في النهاية، في الاستشارات تظل مكانك

زاهي وهبي: أثناء قراءتي لتجربتك، يعني طبعاً لا يُمكننا أن نستعرِضها ونحتاج إلى ساعات، لكن استوقفتني مسرحية "مجدلون" وحضرتك كنت شريكاً فيها، مُنِعت هذه المسرحية مثلما هو معروف من الأمن العام اللبناني فقدمتموها في "الهورس شو" الكافيه والمقهى الشهير في شارع الحمرا. هلّ كان للمسرح إلى هذا الحد أثر وكانت له سطوة حتّى يخشى الأمن مسرحية ويمنعها؟ طبعاً مع "روجيه عساف" و"نضال الأشقر" وبقية زملائك

نقولا دانيال: كثيرون أجل. لولا هذا لما كانت تدخّلت وزارة الداخلية لتوقيف العمل. أرسلوا الدرك والفرقة 16 وأوقفوا العمل. إذا كانت الدولة خائِفة لأن المسرحية كانت تبحث في الوضع الداخلي وفي وضع المُقاومة الفلسطينية

زاهي وهبي: نعم، قياساً باليوم، ما الذي كان يُميِّز المسرح اللبناني ما قبل الحرب؟

نقولا دانيال: ما قبل الحرب كان المسرح في البداية نادراً لأنّ العاملين في المسرح قلائل على جميع الأصعِدة، كمخرجين معروفين وكممثلين أيضاً قليلين، وكان معهد الفنون لا يزال في بداية طريقه

زاهي وهبي: حضرتك عفواً في أول نزولك من (مغدوشة) إلى (بيروت) لم يكن هناك معهد فنون وذهبت إلى "دار المعلمين" في البداية ثم كلية الآداب أو شيء من هذا النوع

نقولا دانيال: نعم، وحين تأسّس معهد الفنون تركت الآداب والتحقت به

زاهي وهبي: فوراً من دون تفكير

نقولا دانيال: صحيح، لأنني كنت أُمارِس هذا النشاط بقوة في (مغدوشة) كما سبق وذكرت، في النادي كانت هناك فرقة مسرحية وفرقة فولكلور

زاهي وهبي: نرجع إلى المسرح اللبناني قبل الحرب

نقولا دانيال: المسرح اللبناني قبل الحرب كان فيه، لا أدري كيف سأسمّيه يعني، كانت هناك جدية في المسرح، كان فيه جدّية في الطروحات والمسرح كانت له قدسيّة وله هيبة، يعني لم يكن كائِناً مَن كان في إمكانه أن يؤدّي أو يقدِّم

زاهي وهبي: اليوم، فُقِدت هذه القدسية للمسرح، وهلّ إذا فُقِدت هلّ فقط هنا في (لبنان) والعالم العربي أم في العالم؟

نقولا دانيال: لا، في (لبنان) إذا وصل المسرح إلى قمّة معينة أو مرحلة معينة يُضرَب مثل كلّ شيء في (لبنان). يعني فترات القطع لم تترك هذا الاستمرار طبيعياً على جميع الأصعِدة وفي كلّ المجالات

زاهي وهبي: لا يوجد سياق واحد

نقولا دانيال: مئة في المئة، لا يوجد سياق موحّد. الآن مثلاً تشعُر أن المسرح يبدأ من جديد، ولا كأنه له امتدادات. حتّى العاملين فيه بكلّ أسف، بعض العاملين، ربما تسألهم عنّي أو عن غيري فلا يعرفونهم

زاهي وهبي: أتعلم، حتّى جيلي أحسّ أحياناً وكأننا عشنا أكثر من حياة، يعني وكأنه ما قبل الحرب شيء وأثناء الحرب شيء وما بعد الحرب شيء، يعني صلات الوصل ليست متينة كثيراً بين هذه المراحل المُختلفة

نقولا دانيال: صحيح لأنها ليست كما تقول، يعني السياق غير متصل وغير طبيعي، يعني النموّ غير طبيعي إذا أردنا أن نُسمّيه نمواً، غير طبيعي

زاهي وهبي: صحّ. دائِماً تأتي حرب وتأتي أزمة تقطع هذا السياق

نقولا دانيال: لاحظ نوعية ما يُقدَّم اليوم، تجد ضموراً في الأعمال المسرحية، يعني يتجمّع شباب طيبون مترسّلون إذا أردت وقبضايات وأنا مُعجب بهم يعني، يجد إثنان أو ثلاثة أو أربعة يتجمّعون ليتمكّنوا من إنتاج عمل، بينما الحال الصحية أن يكون هناك مسرح جامِع كبير

زاهي وهبي: المشكلة أنّ رأس المال، يعني المنتج صاحب المال الذي عنده القليل من الحسّ أو البُعد الثقافي أو الهمّ الثقافي دعنا نقول والتنويري لم يعد موجوداً، هناك تاجر مع احترامنا للمنتجين

نقولا دانيال: عال، فليكن هناك تاجر. مثلما هناك في التلفزيون تجار يُقدّمون أعمالاً جيدة ليته يكون في المسرح تُجارٌ يستثمرون في المسرح في أعمال جيدة، لكان الأمر جيداً. لكن هناك أيضاً شغلة أهم من هذا في رأيي

زاهي وهبي: تفضل

نقولا دانيال: مُداخلة الدولة وتدخُّل الدولة في الثقافة وفي المسرح بالتحديد. في البلد معهد فنون مثلاً ليس عنده فرقة جماعية ولا توجد مسارِح دائِمة ولا يوجد مسرح للدولة ليستقطب هؤلاء الناس

زاهي وهبي: لا أعلم إن عنده قاعة أو عنده مسرح

نقولا دانيال: لا يوجد حتّى أماكن للشباب كي يجتمعوا

زاهي وهبي: أتذكّر على الروشة، كنتم في بناية في الفرع الأول، وفي الفرع الثاني أيضاً نفس الشيء

نقولا دانيال: كنت تحتاج إلى نصف يوم كي تصل إلى الطابق الحادي عشر

زاهي وهبي: من الأرضي، ولم يكن هناك مصاعِد، كانوا يصعدون على الدرج الله يعين الطلاب

نقولا دانيال: صحيح

زاهي وهبي: كونك عشت الزمنين، يعني ما قبل الحرب وخلال الحرب واليوم، غير أنها قطعت السياق وحضرتك من المؤسّسين والمُشاركين الأساسيين في فرقة الحكواتي التي قدّمت أعمالاً في خضمّ الحرب اللبنانية، هلّ أضافت الحرب، بمعنى يقولون ربّ ضارةٍ نافِعة أحياناً، أضافت الحرب شيئاً من العُمق، من الوجع إلى المسرح اللبناني؟

نقولا دانيال: يمكنني أن أُضيف شغلة فقط بالنسبة لمسرح ما بعد الحرب، كانت هناك دهشة، هذه الدهشة مهمة كثيراً، يعني المسرح الجدّي في العمل المسرحي كان فيه دهشة. يعني نذهب إلى المسرح وكأننا ذاهبون إلى مكان له كيانه وله جماله وله دهشته وله حضوره وله طقوسه. كلّ الناس هكذا أعني، حتّى السائقين الذين يعرفوننا في ذهابنا وإيابنا إلى المسرح يعرفون ويسألوننا، " أين صرتم الليلة؟" وكذا

زاهي وهبي: كان هناك تنوّع كثير في المسرح، بمعنى ربما مسارِح قليلة لكن عندك مسرح "شوشو" شيء، مسرح "منير أبو دبس" شيء آخر مُختلِف تماماً إلى آخره

نقولا دانيال: كلّ مُخرِج له مسرحه، له صفة ونوع يتميّز به

زاهي وهبي: الحرب أنضجت في مكان من الأماكن؟ إذا أخذنا مثلاً "مسرح الحكواتي"، مسرح "زياد الرحباني" خلال الحرب، مسرح "يعقوب الشدراوي"، "ريمون جبارة" إلى آخره يعني تعرفهم بقدر ما أعرِفهم بمئتي مرة. ما الأثر الإيجابي هنا، تحدّثنا عن السلبي وأنها كسرت هذه السياقات، لها أثر إيجابي في مكان من الأماكن؟

نقولا دانيال: هناك أثر إيجابي لكن دائِماً مثل كلّ شيء عندنا هنا في (لبنان)، تجد شيئاً يخرُج عامودياً لا ينتشر، لا يُحدِث حالة. تقدّمت أعمال رائِعة من ضمنها التأسيس للمسرح، أو مثلاً ما قدّمه الأُستاذ "ريمون" مثلاً

زاهي وهبي: "روجيه عسّاف" طبعاً، "الحكواتي" وغيره

نقولا دانيال: قُدِّمت مسرحيات رائِعة، ممتازة وفي ظلّ الحرب. نحن قدّمنا أيضاً عملاً يعني وكانت لنا مُساهمة تحت القذائِف، يعني كانت هذه دليلاً على حياة المسرح والمسرحيين والذي يناضلون في هذا المجال

زاهي وهبي: أيّها التي تحت القذائِف؟ "حكايات 36" أو "الشهيد إبن البلد"

نقولا دانيال: "الشهيد إبن البلد"         

زاهي وهبي: مع الأُستاذ "أحمد الزين" الفنان القدير والكاتب والإعلامي أيضاً الأُستاذ الصديق "رفيق نصر الله". سنسمع على كلّ حال رأي "أحمد الزين" في تجربتك الليلة، ولكن إسمح لنا في البداية أن نتوقف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني:

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا نُشاهِد مُقتطفات من أعمال الفنان اللبناني القدير الأُستاذ "نقولا دانيال"، أُستاذي كنّا نتحدّث قبل الحرب عن فرقة الحكواتي وعن المسرح اللبناني قبل وخلال الحرب، مثلاً عندما أتذكّر الحكواتي يخطُر في بالي أنّ هذه التجربة لم تتكرّر كثيراً بمعنى العمل الجماعي، سواء من جهة التأليف المسرحي، الارتجال، وربما إذا ليس أثناء العرض أثناء التمارين والإعداد، يعني كأنه مُرتبِط بالمرحلة، أنّ "الحكواتي" كانت في زمن لا تزال فيه الأحلام الجماعية تجمع الناس في التغيير وفي الديمقراطية وفي التحرير والتحرّر، وأقول أيضاً عشتها حضرتك أكثر منّي، بينما اليوم ربما زمن الفردية، زمن الأنانيات وزمن الشرذمة، فُقِد هذا النوع من الفِرق، صح؟

نقولا دانيال: لا أحد يهتمّ. يعني المسرح يحتاج إلى رعاية، نحن إذا درَّسنا هذه المرحلة في الجامعة ممكن أن تنشأ فِرَق وذلك ضروري، وليس في الضرورة أن تكون الأعمال وطنية ولا تكون نضالية في رأيي الشخصي

زاهي وهبي: يُمكنها أن تكون أي شيء

نقولا دانيال: الفرق في الأُسلوب، هذا الأُسلوب الجماعي، هذا الأُسلوب المنفتِح على الصالة، هذا أُسلوب أيضاً له علاقة بالشكل

زاهي وهبي: بعد ذلك يصهَر، يعني في العمل الجماعي يحضر أُناس ربما من بيئات اجتماعية مختلفة، من ثقافات مُختلفة، من مُستوى تعليم أحياناً قد يكون مُختلِفاً وتجمعهم في بوتقة واحدة إسمها فرقة أو مسرحية

نقولا دانيال: مئة في المئة. وهذا الشيء الذي حضرتك تفضلت به الآن، أنه من مستويات معينة ومن بيئات مختلفة هو الذي يجعلنا نتجذّر في تُراثنا لأنّ هؤلاء الناس ليس من الضروري أن يكونوا متعلّمين، لكنهم متجذّرون في التراث ويعرفون ويرفِدون المسرح بغنى المسرح في حاجة إليه، يعني المسرح الشعبي الحقيقي الذي ليس شعبوياً ويأخذ أنماطاً غربية ويُقدِّمها مهم كثيراً، وأنا أرى أنّ هذه التجربة صحيح الآن ربما ضمرت، وأنا أستعمل كلمة الكُمون، دائِماً هناك كُمون في هذه الأشياء ويعود ليحيا في يوم، هذه الأشكال تعود لتحيا، لتجد نضارتها من جديد

زاهي وهبي: نعم. حلو الكُمون لأنّ فيه أمل، بمعنى الذي يكمُن لا بدّ من أن ينهض ويسيطر

نقولا دانيال: أكيد

زاهي وهبي: وليس موتاً وتلاشياً

نقولا دانيال: لا، حبّة القمح عندها كُمون وبعد ذلك

زاهي وهبي: تُصبِح سنبلة وتعطيك مئة حبة ربما. قبل أن نسمع شهادة الفنان القدير "أحمد الزين"، عندما نقول "أحمد الزين" أتذكّر أنا فوراً "الشهيد إبن البلد" من نصّ "رفيق نصر الله" وإخراج حضرتك، وحضرتك تعرّفت في مسرحية "الطرطور" على "أحمد الزين" ربما للمرة الأولى مع الأُستاذ الكبير "يعقوب الشدراوي" وكنتما كلاكما على الخشبة، أنت و"أحمد"

نقولا دانيال: أنا أعرِف "أحمد" من التلفزيون أساساً

زاهي وهبي: كممثل

نقولا دانيال: كممثل، ولاحقاً صرت أتعرّف عليه رويداً رويداً حتّى توطّدت العلاقة في "الطرطور". الله يرحم "يعقوب الشدراوي" المُخرِج الكبير، المُعلِّم "يعقوب"، عندما أخذ نصّ "الفرافير" لـ "يوسف إدريس" وكتبه في شكل "الهرجة". كنّا أساتِذة في معهد الفنون وزملاء، فتحدّث معي، لا بأس أنا أحكي بالتفاصيل قليلاً، وقال لي: عندي نصّ وأريدك معي وكذا وكذا، و"الزين" سيؤدّي دور "الطرطور" وأنت ستكون المُعلِّم. وأنا و"يعقوب" هناك حديث بيننا دائِماً ثقافي، هو مليء ويعرِف ورأى ودرس في الاتحاد السوفياتي وطبعاً أنّا مطّلِع على المسرح المصري المُرتجل وأعرِف الكوميديا "دي لارتي"

زاهي وهبي: من خلال دراستك في (إيطاليا)، وأصلاً كنت على صداقة مع "داريو فو" صحّ؟

نقولا دانيال: كانت هناك معرِفة نعم، إذاً صرنا نتحدّث في الموضوع وعن أنّ هذه الهرجة الشعبية إذاً ستظل على مستوى الهرجة وأنا في إمكاني كـ "نقولا دانيال"، و"يعقوب كان يعرِف جيداً، أنّ في إمكاني أن أُدخِل "الأسلَبة" من خلال معرِفتي بالكوميديا " دي لارتي" في حين "أحمد الزين" هو ملك النُكتة وملك العفوية

زاهي وهبي: نعم

نقولا دانيال: وكلانا أدّينا، لكن الصعوبة كانت أن أدخُل في "أسلبة" الشخصية وأُحدِث منها مزيجاً من شخصيات الكوميديا "دي لارتي" وأُظهِرها على المسرح كأسلبة مُحافِظة على عفويتها وأن نقوم بهذا المزيج من الشعبي المعروف والمُستساغ جداً

زاهي وهبي: والذي يظهر وكأنه شبه مُرتجل

نقولا دانيال: تماماً

زاهي وهبي: وبين المؤسلَب أو ينتمي إلى

نقولا دانيال: إلى مدرسة، لكن إذا لم يمرّ في الداخل كي يتبنّى الجسد بانفعالاته وعواطفه، يتبنّى النص ويظهر مفتعلاً، هذه كانت المُهمة الصعبة عليّ أنا، والحمد لله أعتقد أنني نجحت

زاهي وهبي: دعنا نسمع الأُستاذ "أحمد الزين" وما يقوله عن حضرتك ثم نُعلِّق

كلام يوصل

أحمد الزين – فنان: تعرّفت على الحاج "نقولا" العظيم، الذي عرّفنا على بعضنا البعض الخالد الراحل "يعقوب الشدراوي". كان عندنا مسرحية إسمها "الطرطور"، كان هو المُعلِّم وأنا "الطرطور" ونريد أن نقول أنّ كلّ معلِّم فوقه مُعلِّم وكلّ "طرطور" تحته "طرطور"، فهوى هذا العامود ولم نعُد نعرِف المعلِّم من "الطرطور". صار هناك عشق بيني وبينه وسحرني لأنه إبن الضيعة في داخله، وبُنيت صداقة بيننا وانتهت المسرحية ونجحت نجاحاً باهراً برضى من الله، فأتتني مسرحية لـ "رفيق نصر الله" إسمها "الشهيد إبن البلد"، فأخذت المسرحية وسحرتني، تتحدّث عن المزايا وتتحدّث عن كلّ ما وصلنا إليه اليوم. طرقت باب بيته وقلت له: " يا حاج، هذه المسرحية يا صديقي عليك أنت أن تُخرِجها. هذه المسرحية أحدثت ضجة كبيرة جداً، لثلاث سنوات اشتغلنا Full. أنا لا أُعطي شهادات، الحاج "نقولا دانيال" أعظم ما فيه أنه لا يزال مثل "أحمد الزين"، نحن لا نزال أولاد ضيعة في داخلنا. أنا أعتبر أنّ الحاج "نقولا" أُستاذاً في معهد الفنون، ممثلاً، مُخرِجاً، وصديقاً رائِعاً جداً، وبقيَ في داخله إبن الضيعة وهذه هي عَظَمته. "الله معكم يا أولاد البلد، الله معكم يا أحباب قلب أحمد الزين". حاج "نقولا" حبيبي، سؤالي لك يؤلمني قليلاً وسيؤلمك. المسرح الشعبي، الكوميديا السوداء، وجع الناس وقهرهم، لماذا مات هذا المسرح؟ أينه؟ شكراً حاج. على فِكرة، لا تنسى أن تعطي شهادة لي أنا، أنا أعطيك شهادة وأنت تعطي شهادة لـ "أحمد الزين"

زاهي وهبي: شكراً للفنان الكبير "أحمد الزين". الشيبة هيبة يعني سواء عنده أو عندك، بركة صرنا نشعُر بكما، كبارنا، تفضل. المسرح الشعبي الذي يحكي وجع الناس أينه؟ 

نقولا دانيال: ربما الآن بعد فترة، نحن هنا مشاكلنا وهمومنا كبيرة جداً ولا يوجد شيء إسمه طمأنينة لكي يتمكّن المرء من الإنتاج. أنا أتأمّل بعد هذا الكُمون أن يظهر العمل، ربما يظهر شيء من الذي يُريده "أبو حسن" وهو الخيبة، مسرح الخيبة. دائِماً يخرُج شيئاً من هذا النوع بعد الخيبات التي نعيشها

زاهي وهبي: دائِماً المآسي والأزمات والمنعطفات المصيرية في تاريخ الشعوب تُوجِد فناً جديداً، توجِد شيئاً جديداً. اليوم إذا أردت أن تخرُج لتشاهِد مسرحاً، من الذي يُخرِجك من البيت؟ يعني أيّ مسرحي أو ممثل لبناني اليوم يجعلك تكسُر الكسل أو الاسترخاء في المنزل عند المساء وتقول، "أريد أن أشاهده"؟

نقولا دانيال: أنا أعترِف بأنني كسول قليلاً

زاهي وهبي: نعم، من أجل هذا استعملت كلمة كسل

نقولا دانيال: (يضحك)، لا هذه المرة أعترف، أعترف أنني كسول. كسول من ناحية المسرح ومن ناحية السينما أيضاً. يعني طبعاً كلّ الذي أراه حلواً، كلّه حلو وجميل وهناك ممثلون واعدون، هناك شباب كُثر وصبايا مهميّن  

زاهي وهبي: مثل مَن؟

نقولا دانيال: دعنا نتحدث عن الذي شاهدناه آخر مرة مثلاً

زاهي وهبي: في مهرجان المسرح

نقولا دانيال: في مهرجان المسرح، الذي قدّمته مثلاً "باتريشيا نمّور" كسيّدة، شيء جميل وحلو إذا أدّت في مسرحية، و"يارا" التي شاهدناها في دور

زاهي وهبي: نعم، "يارا أبي حيدر" زميلتنا وصديقتنا

نقولا دانيال: نعم

زاهي وهبي: في مسرحية "البيت" أعتقد شاهدت "يارا"

نقولا دانيال: نعم، وهذه الأجيال لم تأخذ حقها بعد

زاهي وهبي: السؤال الذي دائِماً أطرحه أُستاذ "نقولا"، لماذا الأعمال الأدبية، يعني الروايات التي يكتبها أُدباء لبنانيون كبار أو أُدباء عرب كبار، لماذا الدراما بعيدة عن اقتباس هذه الأعمال وتحويلها إلى سيناريوهات وأعمال درامية؟ علماً أنه دائِماً أُكرّر هذه المسألة، الدراما المصرية والسينما المصرية قامت، الأساس فيها على ماذا قام؟ على أعمال "نجيب محفوظ" و"إحسان عبد القدوس" و"يوسف إدريس"، والدراما السورية نفس الموضوع في فترة عزّها، ونحن ماذا؟ وحضرتك ربما أول عمل تلفزيوني لك "الرغيف" الذي هو رواية "توفيق يوسف عواد"

نقولا دانيال: صح أوّل عمل. هذه التجربة أهم تجربة في رأيي في بناء دراما لبنانية حقيقية جادّة، هذه التجربة. لكن تحتاج إلى مُنتِج يؤمن أنّ هذه دراما عليك أن تصرِف عليها لأنّك أنت تُشارِك أيها المنتج في عمل وطني إنساني له علاقة بثقافة وطنك وبإعلاء شأن الفنّ في وطنك ليس فقط أننا كيف نريد أن نُحضِر الوجوه الجميلة التي تجذب جمهوراً

زاهي وهبي: يعني نُخيط الدور، أُستاذ "سيف السباعي" قال لي "صرنا خياطين"، بمعنى أن الأدوار تُرسَم على حجم الممثل الفلاني أو الممثلة الفلانية، وهذا لو نجح العمل، لكن على المدى البعيد يضرب الدراما

نقولا دانيال: ما من شك

زاهي وهبي: يضرب الدراما بالفعل

نقولا دانيال: أنا أتمنّى أو يعودوا ويأخذوا روائيين لبنانيين وعرباً ونشتغِل عليهم ونقتبس، في المسرح أيضاً الشيء نفسه وكذلك في الدراما

زاهي وهبي: أحياناً يقتبسون مثلاً فيلماً مدّته ساعة أو ساعة ونصف الساعة، فيُصبح من ثلاثين حلقة على التلفزيون. عندما تحوِّل فيلماً سينمائياً إلى ثلاثين حلقة تلفزيونية يعني مغّطته. رتابة، بطء، ملل أحياناً. وهل نتفرّج طوال الوقت على وسامة فلان وجمال فلانة؟  

نقولا دانيال: تكون تتعدّى أيضاً، يكون هناك اعتداء على النصّ الأصلي وهذا شيء يعني لا يجوز. بعد ذلك، التنويع في الكتابات، تنويع الكتابات يعني كيف؟ في الكتابات أعني في المواضيع، المواضيع الاجتماعية إلى آخره وفي كلّ الفِئات العُمرية. يعني هناك أُناس يجلسون على الرفّ ولا يزال في إمكانهم أن يشتغلوا لكنهم لا يشتغلون

زاهي وهبي: لا يؤدّون أدوار بطولة حقيقية إلّا في عُمر الشباب أو المُراهقة. نُشاهِد "ميريل ستريب" مثلاً في السينما العالمية، كم عُمرها؟ نجمة طويلة عريضة وتُكتب لها أدوار، والأمثلة كثيرة، عشرات الأمثلة

نقولا دانيال: عجائِز تجدهم يؤدّون أدواراً مهمة

زاهي وهبي: والروايات اللبنانية والعربية، يعني هناك روايات تطرح قضايا جوهرية في مُجتمعاتنا، قضايا تهمنا في حياتنا اليومية، من صُلب حياتنا اليومية

نقولا دانيال: لا تغيب هذه، ليتني أرجع أتفرّغ في يومٍ ما، لا وقت عندي لهذه الأمور، وأقوم بمحاولات من هذا النوع

زاهي وهبي: قبل أن نسمع الأُستاذ "سمير حبشي" المُخرِج أيضاً المعروف والكبير، والذي أعرِف أنك ترتاح أكثر في العمل معه حسبما قرأت، نريد أن نتوقّف مع استراحة سريعة ثم نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث      

زاهي وهبي: مشاهِد من أعمال ضيفنا المتميِّز والفنان الكبير الأُستاذ "نقولا دانيال". مثلما قلت لك قبل الاستراحة، أعرِف أن حضرتك اشتغلت مع مُخرجين كُثُر في الدراما التلفزيونية، لكن يبدو أنّ الأُستاذ "سمير حبشي" الأقرب إلى نفسك، صحيح؟

نقولا دانيال: "سمير"، أجل. يعني أولاً زميل، وبعد ذلك الذي يُعرِّف المُخرِج على الممثل والممثل على المُخرِج هو الشغل وتنوّعه ليكتشف الجوانب، يستطيع المُخرِج أن يكتشف جوانب. أنا أعترِف أنّ "سمير حبشي" ربما لم يكن يعرِفها

زاهي وهبي: دعنا نسمع ما يقوله "سمير" عنك، المُخرِج الأُستاذ "سمير حبشي" في "كلام يوصل"

كلام يوصل

سمير حبشي – مخرِج: كان في الحقيقة لي شرف التعاون مع الأُستاذ "نقولا دانيال" في ثلاثة أعمال. أولاً في فيلم سينمائي الذي هو "دخان بلا نار"، وأتذكّر انطباعات الناس. أحياناً حينما نُشاهِد فيلماً مع أناس كانوا يقولون لي: "هذا الفلاح كم هو شاطر". ثم أقول لهم: "هذا نقولا دانيال" وليس فلاحاً. فيجيبونني: "آه أجل، صحيح هذا نقولا دانيال"، ولم يكونوا يعرفون أنّه هو لقدر ما كان صادقاً في الشخصية التي يؤديها. ثم في مسلسل لبناني، "أحمد وكريستينا"، أيضاً لا تعرفين أنّ هذا "نقولا دانيال" يعني لولا شكله يعني، فقط الشكل يبقى. ثم في "وين كنتِ" وهو مسلسل من ستّين حلقة، هذا بالنسبة لي كان فيه "نقولا" لامعاً جداً لأنّ الدور لا يُشبهه في الحياة ولا لحظة، حتّى عندما أرسلت له السيناريو لأقترحه عليه خفت ألّا يقبل لأنّ الشخصية بعيدة عنه وبعيدة عمّا يُفكِّر فيه لأنه إنسان تهذيبه مُطلق، إنسان مُحتَرم جداً، ربّ عائِلة ويحترِم نفسه، وفي دور "وين كنتِ" الشخصية هي لشخص فلتان، شخص غني مغروم ببنت صبية تخونه مع إبنه ويُخطط كيف سينتقم منهما، يعني دور بعيد جداً عن "نقولا دانيال" الإنسان. في كلّ الأحوال، الممثلون الذين يماثلون "نقولا دانيال" في العالم العربي لا أعتقد كثيرين، يعني هو من الطراز الأول أكيد إذا ليس في العالم. أنا أتخايل أنه لو أن المخرِج "كوبولا" كان يُخرِج "العرّاب" الآن ورأى "نقولا دانيال" لكان أكيد سيعطيه دوراً أساسياً في العرّاب"، لأن هذا الفيلم أعتبره أجمل فيلم في العالم لأنّ الممثلين الذين فيه تظن أن تمثيلهم حقيقة وليس تمثيلاً. "نقولا دانيال" من هذا الطراز. أنا أحسُد كلّ مُخرِج يمثِّل معه "نقولا دانيال". يضيف كثيراً للعمل، مُريح، موهوب، لا يجسّد الشخصية فقط "نقولا دانيال" بل يزرع روح الشخصية في جسد "نقولا دانيال" فيُصبِح جسداً وروحاً. هناك ممثلون يؤدّون الدور المطلوب منهم فقط، "نقولا دانيال" ليس هكذا فقط، هو يُضيف للشخصية كثيراً لكن "نقولا دانيال" ساحر، ممثل ساحر وأنا عن جد كان لي شرف كبير في التعامل معه، وعلى بالي أن أتعامل معه بعد كثيراً والأيام قادمة أكيد. أولاً أُريد أن أُسلِّم على الأُستاذ "زاهي وهبي" وأقول له أنّ "بيت القصيد" من البرامج الممتازة في العالم العربي والتي دائِماً أحاول أن أشاهدها، يعطيك العافية. ثانياً، أُريد أن أسأل الأُستاذ "نقولا" سؤالاً دائِماً أُفكِّر فيه، ماذا تقول عن الدراما اللبنانية لكي نطوِّرها أكثر، هلّ في طرح مواضيع جدية أكثر؟ أو ماذا؟ ما رأيك؟

زاهي وهبي: شهادة جميلة جداً من الأُستاذ "سمير حبشي"، وشكراً على تحيته للبرنامج. نعتزّ أن يُعطي مخرج في مستواه رأياً إيجابياً في "بيت القصيد"، فهذه شهادة للبرنامج أيضاً. تفضل

نقولا دانيال: أشكره. أشكره، زميل حبيب القلب

زاهي وهبي: الذي قاله عنك ليس قليلاً

نقولا دانيال: نعم بالفِعل، يعني أنا أشكره جزيلاً. على كلٍّ

زاهي وهبي: عندك القليل من الخجل في شخصيتك؟

نقولا دانيال: كثيراً

زاهي وهبي: يعني الإطراء والمديح والثناء

نقولا دانيال: أنا إنسان خجول. يعني من يشاهدني على التلفزيون يعتقد أنني

زاهي وهبي: لأنّ في مسلسل "وين كنتِ" الدور الذي أديته كان "شرش الخجل طاقق" عند الشخصية طبعاً وليس عندك

نقولا دانيال: طبعاً. لا، في الدور الذي سألعبه لا أحسِب حساب هكذا شيء

زاهي وهبي: أيّهُ أصعب على الممثل، على ممثل مثل حضرتك، أن يؤدّي دوراً يشبهه في حياته الفِعلية أو دوراً نقيضاً تماماً؟

نقولا دانيال: النقيض طبعاً

زاهي وهبي: هل هذا يتحدّاك؟

نقولا دانيال: يتحدّاني كثيراً ويستفزّني جداً ويُغيِّرني من الداخل ويأخُذ الكثير من وقتي ومن تفكيري. يعني أينما التفتت يرافقني طوال اليوم، أثناء بنائي للشخصية

زاهي وهبي: وقد "يفشّ خلقه" الإنسان في أشياء لا يُمكنه أن يفعلها في الحياة، فيفعلها من خلال الشخصية

نقولا دانيال: هناك شيء من هذا، "البسيكو دراما"، يمرّ، ولكن طبعاً هناك حدود، والمرء يظلّ متمسكاً

زاهي وهبي: جواباً على سؤاله؟ ما الذي ينقص الدراما اللبنانية، يعني ما هي الإضافة التي من اللازم أن نقوم بها لنطوِّرها؟ لنتقدّم فيها إلى الأمام؟ أنا أعتقد أنّ "سمير" من الناس الذين يقدّمون أعمالاً فعلاً فيها نكهة مُختلفة، حتّى في حركة الكاميرا والكادر والمشهد مُختلِف 

نقولا دانيال: رائِع، حتّى بالنسبة إلى النصّ. يعني "سمير" يعتقد أنه إذا أقنعه الورق الذي بين يديه لا يقترب منه، يجب أن تكون هناك إضافة أو موضوع حامٍ وحساس كي يتمكّن من العمل عليه للمُجتمع

زاهي وهبي: نحيله إلى ما كنّا نقوله قبل قليل؟

نقولا دانيال: ما من شكّ، الجدية في العمل والتعاطي مع الدراما

زاهي وهبي: والمنتج المُثقف أو الذي عنده همّ ثقافي وطني يُمكننا أن نضيف، بمعنى

نقولا دانيال: نعم، يعتبر أنّ عنده رسالة، هذه رسالة لبناء الأجيال. هذا الفن رسالة لبناء الأجيال، وأنا أعلم أنه إن قدّم الجيّد لن يخسر

زاهي وهبي: غير الأُستاذ "سمير حبشي"، مَن مِن المُخرجين ترتاح في العمل معهم؟  

نقولا دانيال: أنا كلّ مُخرِج أشتغل معه أشتغل كما يقولون "من قلبي وربّي"، يعني أنا غيّور على العمل لأنني أحترِم نفسي وأحترم العمل الذي أؤدّيه وأحترم الناس. كلّ المخرجين الذين اشتغلت معهم، اشتغلت معهم بجدية وبجدّ. هناك تعاون قريب مثلاً مع

زاهي وهبي: مع مَن؟

نقولا دانيال: مع "إيلي حبيب"

زاهي وهبي: نعم

نقولا دانيال: المُخرِج "إيلي حبيب" يكون إن أراد الله هذا ثالث عمل معه

زاهي وهبي: تكرار العمل مع نفس المُخرِج يخلق مزيداً من الفَهْم المتبادل؟ من الكيمياء ربما؟

نقولا دانيال: ما من شك

زاهي وهبي: عندك عمل مع الأُستاذ "رامي حنّا"

نقولا دانيال: مع الأُستاذ "رامي حنّا نعم

زاهي وهبي: أيضاً من المُخرجين الشباب اللافتين

نقولا دانيال: نتعرّف على بعضنا البعض إن أراد الله

زاهي وهبي: هذه أول تجربة معه

نقولا دانيال: أول تجربة

زاهي وهبي: مَن مِن الممثلين أو الممثلات، أريد أسماء لو سمحت، اشتغلت معهم وتحسّ أنه عندما يكون مقابلك أمام الكاميرا يستفزّ أو تستفزّ بك شيئاً ما من هذه المكنونات ومن هذه القُدرات؟

نقولا دانيال: كلّ الذين اشتغلنا في آخر فترة معاً، عندما يكون هناك مجال يعني، هناك مشاهِد جيدة أنت حُكماً مُستنفَر عليك أن تكون

زاهي وهبي: يعني في " ثورة الفلاحين" شاهدنا مجموعة من الممثلين اللبنانيين البارزين اليوم في "وين كنتِ" مثلاً، قل لي إسمين أو ثلاثة، لا تبخل عليهم 

نقولا دانيال: لا، أكيد لن أبخل عليهم أبداً، لكن لا يُمكنني أن أُميِّز

زاهي وهبي: مثلاً" "ورد الخال"، "تقلا شمعون"

نقولا دانيال: "ورد" عظيمة

زاهي وهبي: "باسم مغنية"

نقولا دانيال: "تقلا" مثلاً، "تقلا شمعون" ليس للمرة الأولى نقف مقابل بعضنا يعني

زاهي وهبي: "ريتا حايك"، لا أدري

نقولا دانيال: "تقلا" وقفنا أكثر من مرّة معاً منذ أيام "برسومي" وأدينا في مسلسل إسمه "إذا الأرض مدوّرة" وعدنا التقينا. "تقلا" من الممثلات اللواتي أحب كثيراً وأرتاح كثيراً في الشغل معهن لأنها تتعب على نفسها أيضاً وتعطي الآخر. "ريتا" من الجيل الجديد هذا، على مدى ستين حلقة من نصٍ قوي أعتبره وعنيف، عنيف داخلياً سواء في ما تعانيه كشخصية أو مع شخصية "رمزي" وما تعانيه والفارِق في العُمر

زاهي وهبي: فارق العُمر بين الحبيبين أو بين الزوجين

نقولا دانيال: من الشباب مثلاً "كارلوس عازار"، "كارلوس مهم جداً ووقفنا معاً في أكثر من مسلسل

زاهي وهبي: مشهد أيضاً ومن مسلسل

نقولا دانيال: كيد أكيد أكيد

زاهي وهبي: حسناً، ما معاييرك لقبول دور أو رفضه؟ يعني مساحة الدور؟ ماذا؟      

نقولا دانيال: مساحة الدور مُهمة. أكيد إذا يُعطيني مجالاً. أولاً نوعية الدور وهل يسمح أن يقول المرء شيئاً فيه؟ في بعض الأحيان أحسّ أن من اللازم أن أقبل دوراً قد يُعتَبر أدنى في طوله أو في حجمه، لكن هذا ليس مهماً، المهم هو نوعية الشغل وماذا يعطي الممثل من خلال الدور الذي يؤدّيه، يكون هناك فرق، وليست قصة، عفواً لا تؤاخذني، ليست قصة إنتاج المال ولا قصة انتشار أو أريد أن أُظهِر نفسي، لا على العكس بل ماذا سنفعل وماذا سنحقّق، إذا كانت إضافات صغيرة فهناك أماكن نحقّق فيها إضافات كبيرة

زاهي وهبي: ما هي الأدوار التلفزيونية لحضرتك التي تعتزّ بها؟ يعني أول ما يخطر على بالك عندما أسألك هكذا سؤال

نقولا دانيال: أنا أعتزّ بـ "وين كنتِ" مثلاً. أعتزّ به أكيد

زاهي وهبي: هذا الدور والشخصية التي عكس

نقولا دانيال: مغايرة

زاهي وهبي: مواصفاتك في الحياة الحقيقية

نقولا دانيال: أكيد. أعتزّ مثلاً بـ "ثورة الفلاحين"

زاهي وهبي: دور "البيك" القاسي والظالم

نقولا دانيال: مُختلِف لأنه يتطوّر وينهار من حوله كل شيء ويستسلم ليتمكّن مثلاً من تخليص عائِلته

زاهي وهبي: حضرتك من الممثلين الذين يأخذون الدور، يعني يأتون بالدور إلى عندهم، يأتون بالشخصية التي يؤدّونها لعندهم، أم يذهبون لعندها؟ يعني في أيّ معنى؟ بمعنى أنّ هناك ممثلاً كيفما شاهدته وفي أي دور تقول هذا فلان، وهناك ممثل مثلما قال "سمير حبشي" عنك قبل قليل تشاهده وتنسى أنه فلان، تنسى أنه "نقولا دانيال" أو "رفيق علي أحمد" أو "أنطوان كرباج" ولا أدري مَن، حضرتك من أية فئة؟

نقولا دانيال: أثناء قراءتي للنص أكون أذهب إلى الدور، لكن حينما أبدأ في الشغل الحقيقي أحضره لعندي

زاهي وهبي: تُحضِر الدور لعندك

نقولا دانيال: كلّه يمر من خلالي، حتّى في جسدي. يمر وينعكس لاحقاً على الـ Attitude كما يقولون والحركة والتعبير والانفعال، تصير وكأنك تشعر الشخصية حقيقية. يعني أنا أعتبر أنني إذا تمكّنت من تأدية شخصية حقيقية إلى الناس هذا هو المطلوب

زاهي وهبي: هلّ هناك شخصية تحلم في تأديتها ولم تؤدّها بعد؟ بعد كلّ هذا المشوار في المسرح وفي السينما وفي التلفزيون؟ هل توجد شخصية ما زالت تغريك؟

نقولا دانيال: شوف، نحن نشتغل عرض وطلب كممثلين أعني. ربما في المسرح كان المرء يذهب نحو المسرح العالمي ويقول أُريد أن أؤدّي هذه الشخصية، لكن مصير الشخصية ليس في يدنا، نحن نُستدعى. أنا أقول إن شاء الله يُقدِّر لي الله أن يقع بين يدي نص يُعرض عليّ ويكون فيه شخصية حينما أقرأها أستغربها وتستفزّني وأتمكّن بموجبها أن أعطي كلّ ما عندي

زاهي وهبي: نعم، سؤال تقليدي لكن لا بدّ منه. بين الإخراج والتمثيل لأنّ حضرتك اشتغلت كمُخرِج، اشتغلت كمُستشار فنّي تعطي رأيك ومُلاحظاتك على عمل، مثلما فعلت مع الأُستاذ "منصور الرحباني"، والممثل. يبدو غلب الممثل، غلب المُخرِج

نقولا دانيال: نعم، أمتع، فيها متعة أكثر وفيها تحقيق للذات أكثر، وفيها، لا بأس أريد أن أقولها، فيها ما هو أكثر إلهاماً. إذا استُدعيت لإخراج وكلّ شيء مؤمّن لي أكون مرتاحاً في العمل وأشتغله جيداً، لكن إذا أنا أريد أن أعمل بما عندي أنا في الإخراج وفي هذه الأجواء التي نحن فيها سأتعب، سأتعب كثيراً

زاهي وهبي: تُفضِّل أن تكون تحت إدارة مُخرِج، هو يُدبِّر رأسه وأنت تؤدّي الدور المطلوب منك. قبل أن نتحدّث، ربما هناك كثيرون لا يعرِفون أنّ حضرتك أُستاذ "نقولا دانيال" كتبت مجموعة من الأغاني متميّزة وفي مرحلة من المراحل كانت أُغنيات ذائِعة الصيت مع "مارسيل خليفة" و"أميمة الخليل"، " الله ينجينا من الآت"، "الليلية بدي خلّي الكاس يقوم يفزّ ويبوس القنينة"، "دارت القهوة" غنّاها "طوني خليفة" لكن أيضاً من ألحان "مارسيل"

نقولا دانيال: وغّنتها "أميمة" أيضاً

زاهي وهبي: "أميمة طبعاً، وهناك أُغنية ثانية لـ "أميمة" أغنية أو شيء، سأتحدّث عنهما ونرى لماذا ما عدت كتبت يعني أو هلّ ممكن أن نعود ونسمعك شعراً؟ بعد الاستراحة الأخيرة

المحور الرابع                                                                        

زاهي وهبي: مزيج ومشاهد من أعمال الفنان اللبناني الكبير الأُستاذ "نقولا دانيال"، نُشاهد بين الحين والآخر هذه المقتطفات الجميلة. قبل أن أسألك عن كتابة الأغاني أو الشِعر المحكي، اشتغلت حضرتك مسرحاً ليس فقط في (لبنان)، اشتغلت مع أيضاً مُخرِج كويتي بريطاني معروف، الأُستاذ "سليمان البسّام". دعنا نسمع ما يقوله أُستاذ "سليمان" عن حضرتك وثمّ ننتقل إلى محور آخر من الحديث. "كلام يوصل"

كلام يوصل

سليمان البسّام – مُخرِج: التقينا في "الويمبي" سنة 2003، ومن أول لقاء أحسست أنّ أمامي رجلاً متمكِناً عالي الثقافة جميلاً، ولكن لم أكن أتوقّع أنه تكمُن في هذا الإنسان هذه الكاريزما العالية على خشبة المسرح التي بالتالي اكتشفتها. الحاج "نقولا" نحن ننادي عليه "الحاج" هو مستلِم دور "كلاوديس" عن "هاملت". من الوهلة الأولى كان واضحاً جداً أمامي أن الحاج هو ممثل يعني مايسترو، يحكي لك مايسترو، يجذب الأنظار، يعرِف متى يُسلِّم لزميله، يعرف متى يُهاجم الانطباع. الحاج عنده إحساس بالزمن والإيقاع والموسيقى والطُرفة، فنان كامل. يأخذ النص ويُحدِّق فيه ويُفكِّر فيه ويقترِح صيغة أُخرى، مُفردات أُخرى. الذي يُخطئ بالفتحة أو بالضمة أو بالشدّة تجد الحاج يسمعه في إُذنه، يسمع في البروفة ويُصحّح لممثل زميله، فهو أُستاذ كبير. هذا "أنطوني كوين" العرب، هذا يستحق كلّ التمجيد يعني كلّ ما ممكن أن يأتي من صحة وعافية وإبداع وأدوار جميلة. يا حاج، أنت لعبت "كلاوديس" ولعبت "هيستينغز" " في "ريتشارد الثالث"، وأنت هززت وأثَّرت في الأمن القومي الأميركي في (واشنطن)، كيف كان هذا؟

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "سليمان البسام". يعني مضموناً وأداءً في هذه الشهادة، هززت الأمن القومي الأميركي؟

نقولا دانيال: نعم، في (واشنطن). "هستينغز" الشخصية ضمن اقتباس مسرحية "ريتشارد الثالث" طبعاً في إخراج الأُستاذ الكبير الحبيب "سليمان البسام" تنزل مناشير عنه أن هذا إرهابي، هذا الشخص إرهابي، وطبعوا صورتي بالأسود والأبيض. نزلت المناشير من فوق، هكذا تنزل وتقول "هذا إرهابي" فتصل إحداها للشرطة في المسرح

زاهي وهبي: فيبدأون في التفتيش عليك

نقولا دانيال: يبدأون في البحث عنّي حقيقةً

زاهي وهبي: من الجيد أنهم لم يوقفوك، لكانت ذهبت فترة كي يتبيّنوا

نقولا دانيال: أرادوا أن يوقفوني، وكانوا يسألون " مَن هذا الشخص"؟ وأخذوها عن جدّ

زاهي وهبي: الحمد لله على سلامتك

نقولا دانيال: الله يُسلِمك، نجونا

زاهي وهبي: نعم. أسماك "أنطوني كوين" العرب " سليمان البسام"

نقولا دانيال: يعني كبيرة جداً عليّ القصة. أنا أشكر عاطفته وتقديره

زاهي وهبي: هلّ تشعُر بالرضا عندما تسمع أُناساً مثل "أحمد الزين"، مثل "سمير حبشي" مثل "سليمان البسام" يقولون هذا الكلام عن حضرتك، هلّ تشعُر بالرضا؟ هل تشعُر أنّ حقّك أو بعض حقك يصلك في بلد وفي بلاد للأسف عربية لا تُعطي المُبدعين والفنانين حقوقهم مثلما هو لازم؟

نقولا دانيال: هذا الكلام الذي سمعته من ثلاثة زملاء اشتغلنا معاً، هذا الكلام الوحيد الذي يُعزّيني ويشدّ على يديّ لكي أقدر أن أُكمِل ويُعطيني أكبر جائِزة. الشغلة الثانية طبعاً هي الناس، أن الناس حين يروني ويتحدّثون معي ويحبّونني ويقولون لي، " عندما نشاهدك في المُسلسل نعرِف أنه مسلسل حلو ونريد أن نُشاهده"، هذه أكبر تعزية وأكبر مديح أنا لا استأهله

زاهي وهبي: تستحق كلّ هذا الحب. إذاً قلنا "دارت القهوة ع مين بدها تدور؟ دارت عليّ، دارت ع الغريب" إلى آخره، "الله ينجينا من الآت"، يعني فيها نبوءة نوعاً ما، وفعلاً ما أتى لاحقاً على هذا البلد كان مخيفاً ومرعباً

نقولا دانيال: صحيح

زاهي وهبي: أيضاً "شيء من الحب" و"أنت والغنية"، و"الليلة بدي خلّي الكاس"، وإلى آخره، أغنيات وموسيقى "مارسيل خليفة" وغناء "مارسيل" و"أميمة" و"طوني خليفة"

نقولا دانيال: "طوني وهبي"

زاهي وهبي: عفواً "طوني وهبي" قريبنا وسيزعل منّي، لماذا كتبت أغانٍ ولماذا لم تعُد تكتب أغاني؟

نقولا دانيال: أنا من الأساس أُحب الزجل مثلاً، وأحب أن أقوم بمحاولات. الظروف التي عرّفتني على "مارسيل خليفة"

زاهي وهبي: النضال المُشترك؟

نقولا دانيال: طبعاً، موقف واحد من الحياة، من الكون، من النضال، من السياسة، من الذي يحدُث في البلد، من القضية الفلسطينية التي هي قضيتنا كلنا معاً، الظلم الذي وقع

زاهي وهبي: لم تهتزّ قناعاتك وآراؤك ومواقفك الأساسية المبدئية، لم يُغيّرها الزمن

نقولا دانيال: لا

زاهي وهبي: ولا الخيبات والانكسارات

نقولا دانيال: لا. عندي أنا ثوابت لم تتغيّر. يعني حينما أُريد أن أقول أن هناك ظلماً وقع على الشعب الفلسطيني وهو ظلم ينعكِس علينا كلبنانيين وكعرب ككل، هذا الظلم ما زال، لم يختف، ما زالت هناك مُعاناة يومية لشعب أراه في عيناي، هذا معناه أنا ملتزِم إنسانياً على الأقل

زاهي وهبي: هناك كثيرون كفروا بالقضايا، كفروا بمقاومة الاحتلال، كفروا بكلّ هذه المسائل وتعرِف حضرتك أكثر مني، يعتبرون الكلام الذي تتفضل به لغة خشبية

نقولا دانيال: خشبية؟

زاهي وهبي: نعم

نقولا دانيال: النضالات لا تتوقّف بين يوم وآخر، والتحرير وحركات تحرّر الشعوب في العالم لا تتوقّف ولا تُقاس في هذه الأزمنة القصيرة المدى. هذه حقيقة موجودة في الناس، في الشعب، وليست موضة أو تقليعة وغداً تزول!

زاهي وهبي: والحق لا يُصبِح باطلاً مع تقادُم الأيام ولا الباطل يُصبح حقّاً

نقولا دانيال: في المُطلق

زاهي وهبي: يعني (إسرائيل) لو بقيت لا سمح الله لمئتي سنة بعد، لن تصير دولة حق

نقولا دانيال: أبداً، لا يُمكن. الذي نُشاهده والذي يُبنى والسياسة المبنية عليها هذه الدولة الغاصبة، هذه سياسة لن تتغيّر، هذه من مُسلّماتها ومن أُسسها التي قامت عليها في الأساس

زاهي وهبي: عندك أمل؟ لا يزال عندك أمل أنه ممكن يوماً ما أن يصير هناك عدل والحق ينتصر على هذه الأرض وتسود العدالة والمساواة؟ كلّ الأفكار التي آمنّا فيها جميعنا

نقولا دانيال: هذه الأفكار لا يُمكنني أن أعيش من دونها. كلما بزغ صباح وأشرقت شمس وكلما جاء ربيع

زاهي وهبي: شو حلو

نقولا دانيال: وكلما سمعنا أغاني حلوة، هذا هو الأمل، أن الدنيا من اللازم أن تكون إلى الأمام. من اللازم أن نكون محكومين بهذا الرجاء، أنه سيحدُث تغييراً وخلاصاً

زاهي وهبي: يا رب

نقولا دانيال: الحياة يعني ما طعمها إذا أردنا أن نستسلم، أنظر، من لا طموحات كبيرة عنده وليس عنده أمل يعيش في صغائِر الأمور

زاهي وهبي: صحيح. يذهب ويتسلّى بالقيل والقال والنميمة، وهذا عمل وهذا سوّى

نقولا دانيال: عش بأهداف كبيرة. أنت موجود وهناك هذان الخياران، إذا الخيار الثاني يُعذِّب فليكن

زاهي وهبي: قبل أن أعود وأتحدّث عن الشِعر، ما هو حلم رجل تجاوز السبعين من العُمر؟

نقولا دانيال: مثلي يعني؟ (يضحك). لا توجد أحلام كبيرة لكن هي في حد ذاتها كبيرة، يعني على قدر ما تبقّى من هذه الحياة. أولاً أحلام صغيرة لكن مُهمة. الصحة

زاهي وهبي: الله يخليك بصحتك ويخلّي لك أولادك وأحفادك. أعرِف أنك جد شغوف بالأحفاد

نقولا دانيال: جداً. هؤلاء يعطونك الأمل. كيف أستسلِم؟

زاهي وهبي: من أجلهم

نقولا دانيال: وأنا أريد أن أنظر إلى الأمام، سيكبرون، إلى آخره. إذا الصحة، صحة الناس الذين أحبهم كما قلت، العائِلة، كل الأصحاب والناس الذين أُحبهم، والصحة مرتبطة بالشُغل وأن يظل في إمكاني أن أُنتِج وأحقق، أظل موجوداً يعني

زاهي وهبي: عمرك طويل وإنتاجك وعطاؤك كثير في الوقت القادم، إحساسي يقول لي هذا ومحبتي. عندما كتبت هذه الأُغنيات، في أيّ هاجس؟ في أيّ تفكير؟

نقولا دانيال: كانت هناك صداقة وما زالت مع "مارسيل خليفة"، وفي الثمانينات تعرِف كيف كان الجو، كان الجوّ حرباً وقصفاً وإلى آخره، و"مارسيل" كان يُغنّي وعوده معه وكنا نجتمع عنده مع شلّة من الأصحاب وهمومنا في الخطّ العريض واحدة

زاهي وهبي: اليَسار يُمكننا أن نقول، العدالة الاجتماعية، المساواة، الحرية إلى آخره

نقولا دانيال: الخط العريض، صح، كلّ هذه الشعارات تعنينا. أنا كنت بينهم ربما الذي أرى الأشياء من منظور الآخَر، وفي هذا البلد يعني هناك فساد وهناك ظلم يقع على الناس العاديين، أنّ "مارسيل" يُغنّي للقضية، يُغنّي لمسائِل كبيرة إنسانية، شغلة جميلة جداً، لكن الذين يُشاهدونه في المسرح وجماهيره الغفيرة التي تُشاهده أيضاً من اللازم أن يكون لها حيِّز من المتعة ومن المُشاركة

زاهي وهبي: العامل، الفلاح، بائِع الخضار

نقولا دانيال: هؤلاء جمهوره، أليس كذلك؟ لهم يجب أن يكون العمل، طبعاً شباب الميادين يكتبون وأنا أرى نفسي لا أدري ربما

زاهي وهبي: كتبت

نقولا دانيال: كتبت، يعني في البداية كتبت لفرقة الحكواتي، للحكواتي كتبت "دارت القهوة"، في قلبي العمل، أول عمل لفرقة الحكواتي، وفي العلاقة صرت أكتب. عندما كنت أكتبها لم أكن أعطيها أهمية كثيراً، لكن كان "مارسيل" يكشفها وينبشها من بين أوراقي ويضحك ويقول لي، "هذه حلوة كثيراً"، وبدأنا

زاهي وهبي: ممكن أن تتكرّر هذه، أقصد لماذا لم تستمر هذه التجربة مع "مارسيل" أو مع آخرين عندهم همّ، فنانون عندهم همّ اجتماعي، همّ إنساني

نقولا دانيال: يجب أن توضع أنت وهم على طريق واضح، يجب أن تجمعكم ظروف واحدة وتصير تقول للآخَر "أنت أخ روحي"، لهذه الدرجة يعني، أن يكون هناك انسجام كلّي في المواقف حتّى تصيروا من دون غايات. هذه ظروف

زاهي وهبي: على سيرة الكتابة، تُحضِّر كتاباً عن (مغدوشة) بلدتك وعن ذكرياتك فيها وعن تجربتك الأولى بين (مغدوشة) وبين (صيدا). قلنا إنّ جزءاً من تجربتك أنت وفتى في المسرح العائِم في (صيدا)، المسرح الذي كان على الماء

نقولا دانيال: على الماء نعم. (صيدا) مدينتي، أنا إبن الجنوب ونحن كنّا ننزل إليها مشياً، ننزل من التلة من (مغدوشة)

زاهي وهبي: أُحيي وأُمسّي بالخير (مغدوشة) وأهلها هذه الليلة، إن شاء الله يكونوا يُشاهدونا، من اللازم أن يكونوا يُشاهدونا اليوم

نقولا دانيال: أكيد يشاهدوننا. أُنظر، علّمتني الحياة أنني كنت أجلس مع أُمّي الله يرحمها ومع والدي

زاهي وهبي: تعيش

نقولا دانيال: ويأتي كبار السن ويتحدّثون. في القراءات أحدِث وزناً للقراءة الشفهية، وأنا في معرِفتي القصيرة وقراءاتي لاحقاً

زاهي وهبي: للأسف مُهملة هذه الثقافة. بعد وفاة شيخ الأدب الشعبي الله يرحمه "سلام الراسي" لا أحد يهتمّ كثيراً في الموروث الشفهي الثقافي الاجتماعي لناسنا

نقولا دانيال: صحيح. وهذه شرائِح من الناس يعني، الناس العاديين أنا أُسميهم، عندهم ثقافتهم المميّزة التي تعني لي، تعني لي الكثير

زاهي وهبي: هلّ تدوّن هذه الثقافة؟

نقولا دانيال: عندي الكثير من الأشياء المُدوّنة، أشياء كثيرة وفي الأخصّ في ضيعتي التي اكتشفت فيها أشياء مميّزة لا تتقاسمها مع ضِيَع أُخرى التي قد تكون هي من ذات المذهب إذا أردت، لكن ليس في طقوسها وأعيادها. نحن مميَّزون في أشياء تُحفزّك وتُحرّضك لكي تبحث عن جذورها، وتجدها موجودة عالمياً لاحقاً

زاهي وهبي: على كلّ حال لو الدنيا صيف لكنّا طالبناك بعِنَب من (مغدوشة) المشهورة بالعِنَب

نقولا دانيال: آتية الصيفية

زاهي وهبي: يعني نحتفِظ بحقنا

نقولا دانيال: الصيف على الأبواب دائِماً، الآن يأتي الربيع ثم يأتي الصيف

زاهي وهبي: الحديث معك دائِماً ممتِع أُستاذ "نقولا دانيال". للأسف عندما يكون الحديث ممتعاً دائِماً الوقت يمرّ

نقولا دانيال: بسرعة البرق

زاهي وهبي: سؤال أخير. ذكرنا مهرجان المسرح اللبناني، للمرة الأولى يحدث مهرجان مسرح وطني بدعم من الهيئة العربية للمسرح في حكومة (الشارقة)، وحضرتك كنت أحد المُشرفين على هذا المهرجان. هلّ تتأمّل خيراً من هذا المسرح؟ الذي مديره صديقنا وحبيبنا "رفيق علي أحمد"

نقولا دانيال: مُجرّد وجوده مهم جداً

زاهي وهبي: يعني تأخّر كثيراً أصلاً (لبنان) ليصير عنده مهرجان مسرح. معقول بلد مثل (لبنان) لا يكون عنده مهرجان مسرح؟

نقولا دانيال: (لبنان) تأخّر عن أشياء كثيرة، عندما تتحقّق يكون الأمر بَرَكة، وهذه السنة كانت أول تجربة وهي تجربة نسبياً دعني أقول ناجحة والحمد لله

زاهي وهبي: والحلو أنها حملت إسم هذا الفنان الرمز الكبير الذي إسمه "أنطوان كرباج" أطال الله في عُمره

نقولا دانيال: أطال الله في عُمره. "أنطوان" قامة من قامات المسرح اللبناني. فهذا التقليد كرّسناه هذه السنة وهو مسألة عظيمة وإن شاء الله نستمرّ فيه. لا أدري، قد تكون لاحظت أنّ عنصر الشباب كان طاغياً

زاهي وهبي: في العروض التي تقدّمت 

نقولا دانيال: في العروض التي تقدّمت وهذا شيء مهم جداً وواعِد ويبعث على الأمل أيضاً، أن المُستقبل باهِر إن شاء الله وإن شاء الله المُستقبل باهر، وإن شاء الله في السنة القادمة يكون أحسن وكل خطوة بعد خطوة يصير المسرح اللبناني تقليداً مهماً وفُسحة من الفرح والثقافة والفن لكلّ الناس

زاهي وهبي: إن شاء الله تظل في همّتك وفي صحتك وشيخ الشباب، ونراك في أعمال جديدة على الشاشة وأيضاً على خشبة المسرح. شرّفت ونوّرت "بيت القصيد"

نقولا دانيال: شكراً

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. شكراً لفريق العمل، للمُخرِج "علي حيدر" للمنتجة "غادة صالِح" والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله

 

 

الممثل الجزائري عبد القادر جريو

يستضيف السيد وهبي في بيت القصيد الفنان الجزائري عبد القادر جريو ويتطرق الحوار الى اهتماماته كممثّلٍ ومخرج وسيناريست، ويُناقش معه أهمّ أعماله. في الحلقة حديث عن تجربته في الدراما الجزائرية وعن عمله المسرحي في مدينة سيدي بلعباس، فضلاً عن نظرته إلى الفن ودور الفنان والتزامه بقضايا المجتمع والناس وتأثّره بكلٍّ من كاتب ياسين وعبدالقادر علولة. كما يعرّج على رأيه في منصّات العرض الحديثة وأثرها على مضامين الأعمال الدرامية. يتطرّق الحوار كذلك إلى أسباب اعتقال جريو أثناء مشاركته في الحراك الشعبي الجزائري، فيما تتخلّله شهادة من الأكاديمي والمسرحي حميدة عياشي.

المزيد

برامج أخرى