رائد المصري - أشرف أبو الهول

 

المحور الأول

 

رانا أبي جمعة: من مواجهة خطر إيران إلى التركيز على السلام والأمن في الشرق الأوسط. هكذا انتقل مؤتمر وارسو بجدول أعمالٍ غير واضح.

من تشكيل تحالفٍ دوليّ ضدّ إيران إلى مشهديّة تطبيعيّة عربية إسرائيلية، هكذا خلص هذا المؤتمر.

إخراج بعض العلاقات العربية الإسرائيلية إلى العلن ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه. مؤتمر الصورة تحكي بامتياز، كان حجر أساسٍ عربياً في مسار صفقة القرن.

هل كان مؤتمر وارسو فخاً أم مناسبة لتسليم مفاتيح القدس التي انتقلت إليها سفارة الولايات المتحدة منذ تسعة أشهر تقريباً، فكان التطبيع المجاني والتنكّر العلنيّ للقضية الفلسطينية؟

هل تزعزعت الرؤية العربية، فتحوّل من يعتبره بعض العرب خصماً إلى عدو، والعدو إلى شريك؟ ما الجديد الذي أتى به بالنسبة إلى إيران التي وصفته بالفاشل والفاقد للمصداقية؟ وهل فعلاً يعكس عزلة جهود إدارة دونالد ترامب في جهودها ضدّ طهران كما يقول البعض؟

مؤتمر وارسو وما نتج منه سيكون محور حلقة حوار الساعة لليوم، والتي نستضيف فيها أشرف أبو الهول رئيس القسم السياسيّ في صحيفة الأهرام، ورائد المصري الأستاذ في العلوم السياسية. أهلاً بكم.

 

(فاصل)

 

رانا أبي جمعة: إذاً أهلاً بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة الجديدة من حوار الساعة، والتي كما قلنا، نستضيف فيها السيّد أشرف أبو الهول، والسيّد رائد المصري. سوف نبدأ هنا من الاستوديو، مع السيّد رائد المصري.

بطبيعة الحال، عنوان أو محور هذه الحلقة هو مؤتمر وارسو. إذا أردنا أن نقيّم ما جاء هذا المؤتمر بنتيجة، وإذا أردنا أن نوصّف المشهدية التي رأيناها، ماذا يمكننا أن نقول؟

 

رائد المصري: طبعاً نتائج مباشرة تؤثّر على محور المقاومة أو إيران أو غير ذلك، ليس له نتائج ملموسة عملياً، لكن هي هذه القدرة الأميركية المنهارة في المنطقة، والقدرة الإسرائيلية، وأيضاً قدرة الدول الخليجية لمواجهة حجم إيران وقوّتها، أنا أعتقد تلقّف هذا الموضوع ترامب وبدأ بإعادة اصطفاف واستقطابات إقليمية لمواجهة إيران، تثبيتاً لدعم حلفائه التاريخيين. هنا، نحن نتحدّث عن ناتو عربي أو تحالف عربي، لكنه تحالف لقيط، لأنّ التحالف الأساسي الأميركي الاستعماري هو التحالف الأطلسيّ، وتخلّى عنه ترامب، في بناء تحالف جديد، أنا أعتقد أنه بدأ يؤسّس أو سيؤسّس لمرحلة حرب باردة تنطلق في المنطقة، وتمتدّ من أفغانستان إلى حدود مصر وشمال أفريقيا وما بينهما من البحر الأحمر والسودان ومنطقة آسيا الوسطى وغير ذلك، هو يؤسّس أو بداية تأسيس لهذا الموضوع، لكن اللافت هو هذا التحالف أو هذا الجلوس العلني بين دول الخليج والكيان الصهيوني، وهو أمر بطبيعة الحال، نستطيع أن نتحدث من دون قفازات عن هذا الموضوع حول هذا الجلوس والاعتراف بهذا الكيان وإظهار هذا التطبيع العلني من قبل كلّ الدول أو الوزراء الذين كانوا يجلسون أو الموجودين في هذا المؤتمر، طبعاً هذا يدلّل على الأدوار الوظيفية لهذه الدول خدمة للمشروع الأميركي وخدمة للمشروع الصهيوني، وثانياً هذه الدول التي لطالما ضربت أية حركة تحرّر عربية ولم تسمح لها بالظهور ومواجهة المستعمر الأميركي والصهيوني، وثالثاً بعد أن تسنّى لها هذا الموضوع باعتباراتها، انبرت اليوم أو استدارت نحو إيران لضرب أيّ عمل مقاوم في مواجهة المشروع الأميركي والمشروع الإسرائيلي، هدفهم الأساسيّ هو ألا تكون المنطقة محمّلة بأيّ دعم لمقاومة هذا المشروع الأميركي وتدميره، هذا هو دأبهم منذ العام 1948، منذ إنشاء الكيان الصهيوني أصلاً إلى اليوم، نحن لا نتحدّث اليوم عن مفترق طرق أو أزمة أو جلوس على طاولة، لا، هذا دأب هذه السياسات منذ العام 1948 إلى اليوم.

 

رانا أبي جمعة: إسمح لي أن أتوقف عند كلمتين، الأدوار الوظيفية لهذه الدول، كيف تكون هذه الدول لا تؤدي إلا دوراً وظيفياً إذا ما كنت قد وصفت هذا المؤتمر وكأنه ناتو، تحالف جديد أو ناتو جديد، أو أنه يؤسّس لمرحلة جديدة؟ هم شركاء.

 

رائد المصري: لا يوجد شركاء عند الأميركي. الأميركي يستخدم هؤلاء لأنه بالأساس، الدور الأساسي لحلف الناتو، اليوم أدرك الأميركي أنّ عجزه عن القيام بحروب مباشرة استعمارية، وإلحاق حلفائه الناتو، هو فقد القدرة الاستراتيجية على قيادة تحالفاته الاستعمارية والحروب، هو فقدها في هذا المجال، لذلك اليوم يريد أو محاولة استجماع ما تبقّى من حلفاء تقليديين، هم منهارون ومأزومون في الداخل وعلى مستوى السياسات. تلاحظين، الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج وإسرائيل وكل هذه الدول منضوية في هذا الحلف، هي دول مأزومة، أولاً مأزومة بسبب اصطدام مشروعها في المنطقة، وتوسّع مشروع المقاومة ومحور المقاومة في هذا المجال في سوريا والعراق وإيران، ثانياً على مستوى الأزمات الداخلية إن كان الولايات المتحدة أو المملكة العربية السعودية أو مصر أو كل هذه المنظومة التي انضوت، هي متأزّمة داخلياً، لا تستطيع أن تلعب دوراً حقيقياً وأيضاً المفارقة الأساسية هي أنّ الورقة التخريبية التي كانت تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية اليوم حول الديمقراطية ونشر الديمقراطية انتهت اليوم، وأصبحت بلا مفعول، لأنها تتحالف مع دول استبدادية وأنظمة قمعية موبوءة بالفساد.

 

رانا أبي جمعة: وهذا تحالف ليس بالجديد، أستاذ رائد.

 

رائد المصري: تحالف تقليدي لكنه يرتفع.

 

رانا أبي جمعة: ربما هي تخلّت عن هذه العناوين بشكلٍ أكثر وضوحاً في هذه الفترة. واسمح لي أن أنتقل بنفس السؤال إلى ضيفنا السيّد أشرف.

سيّد أشرف، هل تسمعنا؟

 

أشرف أبو الهول: نعم، أسمعك.

 

رانا أبي جمعة: سيّد أشرف، أهلاً بك. هل توافق السيّد رائد بأنّنا أمام ربما حرب باردة جديدة وأمام ناتو جديد بعد مؤتمر وارسو؟

 

أشرف أبو الهول: بالتأكيد، هذا كلام ليس حقيقياً بالمرّة، فليقل الأميركيون إنهم يريدون ناتو جديداً، فلتتحدّث وسائل الإعلام عن ناتو عربي إسرائيلي، لكن هذا الكلام غير حقيقي ولن يكون، الناتو عندما يتشكّل لا بد من أن تكون هناك فيه قوى كثيرة، قوى وازنة، قوى تستطيع أن تدخل في حروب ومواجهات، الناتو الغربي، نظام حلف شمال الأطلسي، وُجِد في فترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والغرب، بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، وُجِد مقابلها حلف وارسو، لكن الآن لا توجد كتلة لكي يسعى العرب إلى إنشاء كتلة أخرى. القوة الرئيسة في هذا الكلام أو هذا الوهم المسمّى بالناتو العربي هي مصر، مصر دولة تعلم تماماً أنّ الحروب والصراعات لا يمكن أن تؤدّي إلى كاسب وخاسر، ولكن الحروب المسلحة، الصراعات المسلحة تؤدي دائماً إلى الدمار وإلى الضياع، مصر دولة تعيد بناء نفسها بكل قوة، أما الدول العربية الأخرى التي من المفترض أن تنضمّ إلى هذا الناتو وهي دول الخليج الستّ إضافة إلى اليمن والمغرب والأردن ومصر، فهي دول منشغلة بأشياء كثيرة، دول الخليج هناك الإشكاليات الداخلية في عملية التنمية، هناك مواجهة صراعات مثل الوضع في اليمن، المغرب دولة لديها مشاكل اقتصادية كثيرة، الأردن أيضاً دولة لديها مشاكل كثيرة، وبالتالي لا يمكن تشكيل ما يسمّى بالناتو. مصر كانت دائماً تقول إنها ستتدخل في حال تعرّض أيّة دولة عربية إلى العدوان، في حال تعرض دول الخليج إلى العدوان، ما دام لا يوجد عدوان، لا توجد حاجة إلى صراعات أو مواجهات مسلحة.

 

رانا أبي جمعة: وربما هنا من المهمّ أن نشير سيّد أشرف، إلى أنّ مصر حضرت مؤتمر وارسو، لكن أيضاً بتمثيل متدنٍ نسبةً إلى بعض دول الخليج، أليس كذلك؟

 

أشرف أبو الهول: مصر حضرت بالتأكيد بتمثيل متدنٍ وكذلك تونس حضرت بتمثيل متدنٍ، بعض الدول أرسلت وزارء خارجية، الدول الخليجية، لكن مصر دائماً ما تشارك في كافة المؤتمرات والمنتديات الإقليمية والدولية، تشارك على الأقلّ لتستمع وتعرف ماذا يحدث. أنا من وجهة نظري، أنّ اجتماع وارسو أو مؤتمر وارسو كان وهْماً، لم تستطع الولايات المتحدة أن تفرض أجندتها أو تفعل أيّ شيء، إدارة ترامب إدارة متأزّمة، إدارة فقدت أقرب الحلفاء لها، حتى حلفاءها في الناتو، حلفاؤها الأوروبيون ابتعدوا عنها، أصبح هناك صراع مفتوح بينها وبين شركائها، لدرجة أنّ هناك دولاً أوروبية تفكّر في إنشاء تكتلات عسكرية بديلة للناتو حتى لا تعتمد على التدخل الأميركي. إذاً كلّ ما يحدث هو إضاعة للوقت وتزييف للحقائق.

 

رانا أبي جمعة: جميل أن تكون لدينا وجهتا نظر مختلفتين في هذه الحلقة، وهذا مفيد، وإن تقاطعتا ربما في بعض النقاط. ولكن سريعاً سيّد أشرف، هل توافق، من الواضح أنّك لا تعوّل على هذا المؤتمر أو لا تعطيه ربما حيّزاً كبيراً من الأهمية، هل توافق على ما قاله بعض المحلّلين الإسرائيليين بأنه مؤتمر كلام نسبة إلى مؤتمر تزامن معه وهو في سوتشي، قمّة سوتشي؟

 

أشرف أبو الهول: أيضاً لا أتفق مع هذا. قمّة سوتشي، وأنا اطّلعت على ما دار فيها بشكل كبير جداً، قمة غابت عنها الأطراف الرئيسية، غابت عنها القوى الفاعلة والمؤثرة، قمّة سوتشي شهدت صراعاً بين الفصائل الفلسطينية نفسها، فوجئنا.

 

رانا أبي جمعة: أتحدّث عن القمّة الإيرانية الروسية التركية.

 

أشرف أبو الهول: آه، عفواً، أنا تصوّرت أنك تتحدّثين عن قمّة موسكو، أو مؤتمر موسكو للسلام بين الفصائل الفلسطينية.

 

رانا أبي جمعة: نعم.

 

أشرف أبو الهول: قمّة سوتشي، هذا أيضاً محور آخر، محور مختلف، محور أعتقد أنّ أساس العمل فيه ليست قضية الشرق الأوسط بقدر ما هي قضية سوريا وقضية استعادة الاستقرار والأمن إلى سوريا، وقضية التهديدات التركية التي كانت لفترة عن احتلال مناطق شرق الفرات في سوريا، والتي أعتقد أنّ هذه التهديدات خفتت الآن، بعد تدخلات من روسيا وتدخلات من قوى أخرى، هذه قمّة، أما ما حدث في وارسو فليس قمّة. أنا وجهة نظري أنه اجتماع استعراض، اجتماع أراد الأميركيون أن يفعلوا شيئاً من أجل أن يثبتوا أنّ لهم نفوذاً في المنطقة.

 

رانا أبي جمعة: ولكنهم فعلوا سيّد أشرف بطريقة أو بأخرى، المشهدية التي رأيناها هناك، أن يجلس العرب بشكل علنيّ، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيليّ، هذا أكثر من مهمّ، وهذه الصورة في الواقع هي مؤذية للعربيّ، لمَن هو لا يزال متمسّكاً بالقضية الفلسطينية، ويعتبر القضية الفلسطينية هي قضية مركزية.

سوف أتحدّث وأسألك عن هذه المشهدية بشكل محدّد، وأيضاً ربما ما هو مؤذٍ أكثر هو التصريحات أو التسريبات الإسرائيلية التي اطّلعنا عليها لكلام لوزراء خارجية السعودية، البحرين، وأيضاً الإمارات. ولكن سوف أسأل عن كل هذه النقاط وهذه التصريحات بعد هذه الفقرة في رأي اليوم، إيران ليست خطراً علينا، والحوار معها هو الطريق الأسلم.

 

رأي اليوم: إيران ليست خطراً علينا والحوار معها هو الطريق الأسلم، كمال الهلباوي

مع نهاية مؤتمر وارسو الذي دعت إليه أميركا، تزعم أميركا أنّ المجتمعين جميعاً، بل العالم كله، يقف ضد الجمهورية الإسلامية في إيران باعتبارها التهديد الأول والأخير في المنطقة، وأنها من وراء الإرهاب القائم. أميركا تزعم ذلك لموقف إيران الشريف والمنطقي من قضية فلسطين ودعمها للمقاومة في فلسطين. وكذلك دعمها لحزب الله في مقاومة الاحتلال الصهيوني لبعض الأراضي في جنوب لبنان، ولوقوف إيران ضد العدوان على سوريا، والمحافظة على وحدتها، وما قدّمته إيران لهزيمة داعش الأميركية في العراق وسوريا، وكذلك لوقوف الجمهورية ضد التحالف المشين في اليمن.

ومن المؤسف ان تحاول أميركا الضغط على إيران ويصدّقها ويسير في طريقها بل تحت أرجلها بعض الدول العربية مثل السعودية والإمارات والبحرين، وتنسى بعض الدول في الأمّة، بل تستقبل المحتل الصهيوني وتنسّق معه. إنني أدعو الأمّة إلى أن تدرك الفخاخ التي تنصب لها، وأن ترفض مقرّرات مؤتمر وارسو، وأن تدرك حقيقة الصراع، وأن تحل مشكلاتها بالحوار وليس بالحرب، الذي نستورد أدواته وآلياته من أميركا وغيرها لتشغيل المصانع في الغرب وتدمير قدرات الأمّة. عار أن نعادى بعضنا ونحن أمّة واحدة.

ينبغي أن تسعى الأمّة للتقدّم والنهضة كما فعلت وتفعل إيران رغم الحصار والضغوط. وهذا هو السبب الحقيقي للخوف من إيران في أميركا وفي إسرائيل وبعض دول الغرب حتى تبقى الأمّة متخلّفة ومستورِدة وخائِفة من العدو الحقيقي.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد رائد. لديك ملاحظات كثيرة، ربما نستمع إليها من خلال أيضاً إجابتك على السؤال التالي. إيران استحوذت على حصّة الأسد في كلمة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، قال بأنّ النظام الإيراني يمثّل أكبر تهديد للسلم والأمن الدوليَّيْن. ما الجديد الذي أتى به مؤتمر وارسو بالنسبة إلى إيران؟

 

رائد المصري: أولاً، هناك بداية جملة، ليس ملاحظات.

 

رانا أبي جمعة: تعليق، لا مشكلة.

 

رائد المصري: تعليق، أنّ مصر تتدخّل إذا ما تعرّضت البلدان العربية أو الخليجية إلى أيّ اعتداء، وهذا أمر جيّد ومطلوب، لكن لماذا هذا الاصطفاف في وجه إيران، ومصر تعلم أنه اصطفاف واستقطاب تمهيداً لشنّ أو محاولة شنّ. هذا أولاً.

ثانياً، إذا كان الأمر اعتداء على بلاد عربية أو دول عربية، ها هي اليوم تركيا تحتل بجيش تركي مناطق وأراض في سوريا والعراق. لماذا لم تتحرّك مثلاً على هذا المستوى، على الأقلّ عبر التنسيق؟ أنا هنا أتحدّث، في هذه الحلقة بالتحديد، من دون قفازات، وأسمّي الأشياء بمسمّياتها.

أما بالنسبة إلى إيران، وهذا موضوع أيضاً يجب أن يظهر، يبدو أنّ العرب أو بعض العرب أو أغلبية العرب، مشتبه الأمر عليهم لناحية الدول الطبيعية والدول المصطنعة، بمعنى أنّ إيران هي دولة وكيان طبيعي في المنطقة وفي نسيج المنطقة، والكيان الصهيوني هو كيان مصطنع زُرِع لمنع التنمية ولمنع الوحدة العربية. فإذا كان بعض العرب أو أغلبية العرب عليهم الاشتباه بين ما هو مُصطَنع ونقل الصراع إلى أن إيران هي الدولة المُصطنعة، فنحن أمام اختلال كبير في الجسم العربي وفي العقل العربي لهذه الناحية بالتحديد، ونحن أيضاً أمام أزمات كبرى، سيفعلها هذا التحالف أو هذا التنسيق، أي ليس هو أمراً بسيطاً، أنه مجرّد إعلان أو مجرّد تصريحات، مجرّد جمعنا.

إذا كان هذا المؤتمر ليست له فعالية، تمام، لماذا إضفاء هذه الشرعية على كيان مُغتصب وعنصري وقاتل للإنسان العربي والفلسطيني ولكل المقدّسات؟ لماذا إعطاؤهم هذه الشرعية إن كان من قِبَل مصر أو من قِبَل غيرها من الدول التي تتباهى اليوم وتقول إننا لا نتدخل إلا لحماية العمل العربي المشترك؟ أين هو هذا العمل العربي المشترك في حماية الفلسطينيين؟ كل يوم يُقتَل الفلسطينيون على أسوار غزّة، كل يوم تُنتَهَك السيادات العربية وحرمات الدول العربية، كلّ يوم يتم احتلال وخربطة النسيج الاجتماعي. ألم يكن أمس وأول أمس ضرب للجيش المصري الكريم والعزيز على كل البلاد العربية؟ هذا نتيجة السياسات الفوضوية، السياسات غير المنسّقة مع الإرهاب ومع المشروع الأميركي ومع المشروع الإسرائيلي أيضاً. لماذا هذا التماهي إلى اليوم؟ وها هو الإرهاب بدأ ينخر في الدولة المصرية. فإذاً نحن نتحدّث اليوم عن مواقف خجولة. المواقف الخجولة لا تبني دولاً، المواقف الحقيقية هي التي تبني استراتيجيات وتعرف وتحدّد أنّ الخطر الحقيقي هو الخطر الأميركي الاستعماري، ومن خلاله الخطر الصهيوني على المنطقة. هذا هو لبّ الموضوع وهذا هو جوهر الصراع، وغير ذلك كله كلام بكلام يؤدّي إلى تهلكة دولنا وفرط جيوشها.

 

رانا أبي جمعة: نعم، ولكن أيضاً لنكون واقعيّين سيّد رائد، من الواضح بأنّ جوهر الصراع لم يعد واضحاً بالنسبة إلى الدول العربية والخليجية.

 

رائد المصري: للبعض.

 

رانا أبي جمعة: أنا قلت لبعض الدول العربية والخليجية، هذا واضح، كان من خلال التسريب الإسرائيلي لوزير الخارجية البحريني، قال بشكل واضح، الخطر الإيراني هو أهمّ من القضية الفلسطينية، بمعنى أعطانا إياها من الآخر. ولكن في ما خصّ إيران ومؤتمر وارسو، كان المؤتمر في البداية مُخصّصاً لمواجهة إيران؟ ما الجديد الذي أتى به مؤتمر وارسو في ما خصّ إيران؟

 

رائد المصري: هم يتحدّثون، هو في الأساس تحدّث، قبيل انعقاد المؤتمر كانوا يتحدّثون عن مواجهة إيران وهذا الاصطفاف، عندما وجد أنّ هذا الموضوع لم يلق دعماً أوروبياً ولم يلق دعماً روسياً وتركياً، وأيضاً من دول أكثر، لذلك حوّله إلى ناحية الحديث عن مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط، هذا بهذا المفهوم، لكن عنوانه الأساسيّ وتبطيناته، أي القطب المخفية في داخله، هي مواجهة إيران. أنا أقول إنّ هذه الدول الوظيفية التي تتماهى مع المشروع الأميركي والمشروع الإسرائيلي تقضي على كل حركة تحرّر عربية، هي تقضي على كل حركة تحرّر عربية، هذا أولاً.

اليوم لم يبق داعم لحركات، والذي يشكّل مظلّة لحركات المقاومة، إلا إيران. استدارت إلى إيران، وتريد تقويضها وتقويض دورها، ومعها الدور الروسي انطلاقاً من عملية مؤتمر سوتشي الذي حصل بالأمس. عملياً مؤتمر سوتشي هو إعادة تثبيت الشرعية والدولة السورية، للانطلاق وتسهيل مهمّاتها في المنطقة، لتثبيت الهدوء والاستقرار. اليوم هم من خلال هذا المؤتمر في وارسو، يريدون العودة إلى دمشق عبر تطويق إيران لتقويض الدور الروسي.

 

رانا أبي جمعة: وربما هناك البعض ممّن يقول بأنّ مؤتمر سوتشي أيضاً، أو قمّة سوتشي ليست كلّها إيجابيات خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحضور التركيّ الفاعل والواضح في هذه الاجتماعات، ولكن لن نتوقف عند سوتشي فقط. نريد أن نتعمّق في ما جاء في مؤتمر وارسو.

أعود إليك سيّد أشرف. السيّد رائد يقول بأنّ مؤتمر وارسو كان الهدف منه إيران بشكل محدّد، ومن خلال إيران ربما ضرب حركات المقاومة الفلسطينية. ولكن تحويل هذا المؤتمر أو عنوان هذا المؤتمر من إيران إلى الأمن والسلام الدوليين، هل هو تحويل بريء؟ هل فعلاً كانت إيران هي المُستهدفة، أم أنّ القضية الفلسطينية هي المستهدفة؟

إيران قوية بما يكفي، قوية ذاتياً وداخلياً. ربما اليوم الضعف يكمن في ما خصّ فلسطين، القضية الفلسطينية. هل هذا التحويل بريء؟ وهل هناك من مقايضة ربما بين إيران والقضية الفلسطينية، القضية المركزية في مؤتمر وارسو؟ هذا ما شهدناه؟

 

أشرف أبو الهول: بداية، دعيني أردّ على ملاحظات الدكتور رائد حول مصر ودور مصر في سوريا وكيف أنّها ما دامت تتحدّث عن أنها ستتدخل لحماية دول الخليج العربي، فلماذا لم تتدخل لحماية سوريا من الوجود التركي. دعني أذكّرك أنّه عندما اندلعت النزاعات المسلحة في سوريا وحدث التمرّد ضدّ الدولة، كانت مصر أيضاً تعاني تبعات ثورة 25 يناير، كانت مصر تعاني من الفلتان والضياع وحكم الإخوان، وبالتالي لم تكن مصر قادرة على اتخاذ موقف. ما أن حدثت ثورة 30 يونيو واستعادت مصر جانباً من قوّتها، حتى اتخذت موقفاً اختلف مع كافة دول المنطقة الذين كانوا يقفون في صفّ إسقاط الدولة السورية وتفتيت الجيش السوري. مصر قالت لا، لا بد من الحفاظ على الدولة السورية، لا بدّ من الحفاظ على الجيش الوطني السوري، مصر قالت نعم لحلّ سياسي في سوريا، وآنذاك تعرّضت مصر لهجمات من دول عربية ودول غير عربية ومن الغرب، كان هذا موقف مصر. مصر لم تتدخل ضد القوات التركية، لأنّ القوات التركية كانت قد دخلت الأراضي السورية منذ بداية حرب تفتيت سوريا، تركيا التي يدافع البعض عنها الآن كانت البوابة التي دخل منها السلاح ودخل منها الإرهابيون إلى سوريا لتدميرها وتفتيتها.

 

رانا أبي جمعة: سيّد أشرف، لنكن واقعيين، لا أحد يدافع عن تركيا في سوريا، عن الدور التركي بشكل محدّد، أليس كذلك؟

 

أشرف أبو الهول: هذا أمر يتذكّره الدكتور رائد جيّداً، وسبق أن تكلّمنا في هذا الموضوع في حلقة سابقة في برنامجكم. مصر وفلسطين، مصر وغزّة، أولاً يقول إنّ غزّة تتعرّض لعدوان يومي والفلسطينيون يتعرّضون لعدوان ومصر لا تتدخّل. دعيني أذكّره أنّ الطيران الإسرائيلي يقصف سوريا بشكل شبه أسبوعي، ومع ذلك، هل أعلنت إيران الحرب على إسرائيل؟ هل أطلقت صواريخها؟ لم يحدث، لأنّ الدول لا تدخل الحروب بقرار فوري أو برد فعل. الحروب بالنسبة إلى الدول مكلفة ومنهكة.

 

رانا أبي جمعة: سيّد أشرف، أعتذر على المقاطعة، ولكن لا نريد فقط أن نحصر الحوار في الردّ على الملاحظات. لدينا جملة أسئلة نريد الإجابات، نريد أن نستفيد من هاتين الوجهتين للنظر في ما خصّ وارسو.

إسمح لي أن أعيد السؤال عليك، اليوم، ما شهدناه في وارسو، هل يمكن القول بأنّ هناك نوعاً من المقايضة بين إيران والقضية الفلسطينية، بمعنى نحن نحميكم من إيران، وأنتم تعطوننا هذا التطبيع المجاني؟ هل يمكن أن نرى هذا الشيء؟ هذا ما رأيناه بالأحرى، لننتقل إلى سؤال آخر؟

 

أشرف أبو الهول: دعيني أقول لك بوضوح، هذا هو الموقف الأميركي. أميركا تريد أن تقنع البعض أنّه إذا وقفتم معنا ضد إيران، أو إذا أردتم أن نقف معكم ضد إيران، طبّعوا مع إسرائيل، أو انسوا القضية الفلسطينية. للأسف هذه حقيقة.

 

رانا أبي جمعة: وهذا ما حصل؟ هذا ما حصل في مؤتمر وارسو؟

 

أشرف أبو الهول: وهذا ما حدث، وهذا ليس جديداً، دعيني أذكّرك أنّه على مدى العشرين سنة الأخيرة، كان الوصول إلى علاقة جيدة مع الأميركي يمرّ عبر إسرائيل، بمعنى حاولت الولايات المتحدة تسويق إسرائيل ليس في المنطقة العربية فقط، ولكن في أفريقيا وعبر دول أخرى، من خلال قيام هذه الدول بتحسين علاقتها بإسرائيل، من خلال قيام الدول الأفريقية واحدة تلو الأخرى باستعادة العلاقات مع إسرائيل، بعدها تتمّ مساعدة هذه البلدان مالياً وفنياً، وبالفعل الولايات المتحدة على مدى السنين نشرت في دول عربية فكرة أنّ إيران هي العدو الأكبر، وبالتالي أخذ العرب أو بعض العرب، لن أقول كل العرب ولن أقول الشعوب العربية بل بعض الحُكّام العرب، إلى تحسين العلاقات حتى لو سراً مع إسرائيل أو عدم انتقادها علناً، سعياً إلى مصالحهم ومصالح بلدانهم، وهذا ما حدث.

للأسف الشديد كانت هناك أخطاء إيرانية عبر السنوات، ساعدت على هذه الفكرة، لم تكن هناك محاولات من إيران للاقتراب من الدول العربية لإزالة سوء الفهم، كانت هناك بعض التدخّلات في بعض البلدان، ويجب أن نعترف بذلك بشكل أو بآخر.

 

رانا أبي جمعة: سوف أحتفظ بهذه الفكرة. إيران لم تقم بما يكفي للتقرب من الدول العربية، على أن تجيب عليها سيّد أشرف بعد هذا الفاصل لو سمحت.

إذاً مشاهدينا فاصل قصير ونعود لمتابعة حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

رانا أبي جمعة: أجدّد الترحيب بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة من حوار الساعة، وأيضاً أجدّد الترحيب بضيفينا، هنا في الاستوديو السيّد رائد المصري الأستاذ في العلوم السياسية، أهلاً بك مجدّداً، وأيضاً السيّد أشرف أبو الهول رئيس القسم السياسي في صحيفة الأهرام من القاهرة، أهلاً بك مجدّداً سيّد أشرف.

سوف نتابع النقاش، ولكن بعد هذه الفقرة في الشروق الجزائرية، فاحشة عربية في وارسو.

 

الشروق الجزائرية: فاحشة عربية في وارسو، حسين لقرع

في أحد أروقة القصر الحاضن مؤتمر وارسو، أصرّ وزيرُ خارجية سلطنة عُمان يوسف بن علوي على خطيئة التطبيع مع العدو من خلال لقاء نتنياهو مجدّداً، قبل أن يصرّح لاحقاً بأنّ "إسرائيل دولة في الشرق الأوسط". وداخل قاعة المؤتمر ضمّ خالد يماني، وزيرُ خارجية حكومة هادي، اليمنَ إلى قائمة المهرولين المستسلمين للاحتلال، حينما جلس إلى جانب نتنياهو وتبادل معه التحيات وقدّم إليه ميكروفونه.

لكن الطامّة الكبرى حدثت في إحدى الغُرف المغلقة بأوسلو، حيث اجتمع ثلاثة وزراء خليجيّين مع نتنياهو في لقاءٍ أرادوه سرياً ومغلقاً، لكنّ مكتب نتنياهو سارع إلى بثّ فيديو هذه الفاحشة السياسية وأحرج "حلفاءه" الثلاثة؛ ففي هذا الفيديو ظهر وزيرُ الخارجية الإماراتي محمّد بن زايد وهو يؤيّد ما أسماه "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد تهديدات إيران في سوريا"، أما نظيرُه البحريني خالد بن أحمد آل خليفة فقد زعم أنّ "مواجهة إيران أهمُّ من القضية الفلسطينية"، فيما أبدى وزيرُ الخارجية السعودي عادل الجبير حسرته الشديدة على دعم إيران حركتي حماس والجهاد الإسلامي بالسلاح والمال للدفاع عن غزّة.

مشكلة العرب اليوم أنهم لا يريدون أن يحاربوا من أجل فلسطين وقِبلتهم الأولى، فيما يُنكرون على الفلسطينيين حقهم في الدفاع عن أنفسهم وعن الأقصى، ولا يريدون دعم الأحرار الفلسطينيين ببندقيةٍ واحدة، بينما تنبري إيران لتدعم المقاومة بالصواريخ وما تيسّر من السلاح للدفاع عن غزّة المستضعَفة ضد جبروت الاحتلال.

اليوم بات واضحاً أنَّ عرب الخليج قد انتقلوا من مرحلة الانبطاح والتطبيع المجاني مع العدو إلى مرحلة التحالف معه والاستعداد لخوض الحروب إلى جانبه، وكذا الانخراط في "صفقة القرن" الأميركية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد رائد. بالمناسبة مشاهدينا، السيّد رائد لم يتوقف عن تدوين الملاحظات والتعليقات طوال الفاصل، ولكن لن نقف كثيراً عندها.

انطلاقاً أو موصولاً بما جاء في هذا المقال، صحيفة العرب القطرية تقول بأنّ مؤتمر وارسو سيشكّل ستّ لجان عمل تعنى كل منها بمحاربة تهديد الأمن السيبراني، الصواريخ الباليستية، محاربة الإرهاب، أمن الطاقة، أمن الطرق البحرية، وحقوق الإنسان.

 

رائد المصري: الأخيرة لا يستطيعون الحديث عنها.

 

رانا أبي جمعة: بطبيعة الحال، وقد تحدّثت عنها تحديداً في ما خصّ فلسطين، ولكن هذا يعني بأنّ المسار سوف يكمل.

 

رائد المصري: طبعاً، لأنّ التخفيف من حدّة وتأثيرات هذا المؤتمر، ما أريد أن أقوله، تبعاته تذهب بالمنطقة إلى اصطفافات خطيرة جداً، ولاحظي مندرجات هذا الموضوع. ولكن أنا ما أودّ قوله، إنّ الأساس والأهمّ بعد عملية التطبيع العلنية وإخراجها في هذا الموقف، لامتصاص صدمة الرأي العام العربي والإسلامي أولاً، سيستديرون إلى تصفية القضية الفلسطينية، بالمقدّسات والمستوطنات والقدس، ومنح حق العودة، وأيضاً إقامة دولة فلسطينية على صحراء سيناء، هذا لم ينتبه إليه اليوم المصري على ما يبدو، على ما يبدو لأنّ هذا المشروع واضح ويعمل عليه كوشنر بإقامة دولة فلسطينية على أرض سيناء التي كلّفت مصر الآلاف من الشهداء في حروبها المستمرّة منذ العام 1948 إلى اليوم. مصر لا يحكمها، مع احترامي الشديد لأيّ رئيس جمهورية، لا يحكمها إلا زعيم. لا يوجد زعيم في مصر له رؤية استراتيجية، يدري ماذا يجري في الإقليم من محاولات لتقويض الدور والأمن المصري. أنا أريد أن أقول بالمناسبة، من يتنازل عن تيران وصنافير ليجعلها جزراً إقليمية تستبيحها الكيانات الإسرائيلية وبحريتها الإسرائيلية، لا يستطيع أن يحتفظ على ما أعتقد بسيناء. هذا موضوع آخر.

 

رانا أبي جمعة: نعم، ولكن رئيس الجمهورية المصرية كان له موقف واضح في ما خصّ هذه الأفكار المطروحة حول الأراضي المتبادلة، قال بأن سيناء هي خط أحمر، ولنقف عند هذا التصريح، تيران وصنافير ربما لهما خصوصية أخرى.

 

رائد المصري: تماماً، أما في يختص بباقي مندرجات وتبعات، لأنه لاحظي أنه لا يوجد بيان على مؤتمر وارسو، لم يجرؤوا على إصدار بيان وهذا نتيجة الهزالة في هذا المؤتمر، وحتى الموقف، لاحظي أنّه مثلاً، مثلاً الأساس، أنّ الزعماء العرب أو من يعتبرون أنفسهم أنهم زعماء موجودون في مؤتمرات، يتهرّبون من الكاميرات، لاحظي حجم الخزي والذل أمام الكاميرات، لأنّهم يعلمون تمام المعرفة أنّهم يقومون بشيء ناقص. إسرائيل، أو الكيان الإسرائيلي، هي تريد من كلّ ذلك كسب الشرعية، طالما أنّ هناك إنساناً عربياً أو مسلماً أو فلسطينياً يقول لإسرائيل أنت كيان غير شرعي، معنى ذلك أنها بذاتيتها الحقيقية، هي لا تعترف حتى، هذا نقص ذاتي، الشعور بالنقص الذاتي، الذي يريد العرب إعطاءه لإسرائيل. فإذاً هم يتهربون من أمام الكاميرات لأنّهم يشعرون بهذا النقص الذاتي ويشعرون بالخزي والذلّ أمامه، هذا الاجتماع أمام بنيامين نتنياهو لإضفاء الشرعية عليه.

وتبقى باقي المندرجات من الصواريخ البالستية ومكافحة الإرهاب، من الذي يكافح الإرهاب؟ الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في المنطقة الذين أوفدوا عشرات الآلاف من الإرهابيين إلى سوريا والعراق؟ مَن الذي يكافح الإرهاب؟ الصواريخ البالستية، مَن الذي يسعى لتقويض الصواريخ البالستية ويتحدث بين مزدوجين عن الخطر الإيراني؟ مَن الذي يسعى لمنع هذه الدول التي الآن تمتلك القدرة لإقامة توازن مع الكيان الإسرائيلي وحماية نفسه في لبنان المقاومة وفي سوريا وفي إيران؟ أليست كل هذه الدول المتماهية مع المشروع الأميركي؟ فإذاً كلّ مندرجات هذا هي مندرجات مشبوهة تريد تقويض الدور الإيراني في سوريا وفي المنطقة وفي المقاومة، وأيضاً تريد القوطبة على الدور الروسي المتوسّع في المنطقة.

 

رانا أبي جمعة: وتعقيباً على ما قلته سيّد رائد، بأنّه لم يكن هناك من بيان مشترك أو بيان ختامي لمؤتمر وارسو، كان هناك بيان للخارجية الأمريكية ورد على صفحتها بالتحديد، كان هناك تعداد لأكثر من نقطة. البيان هو معي هنا، في الواقع الغريب في هذا البيان بأنّه لم يتمّ ذكر إيران بالكلمة بشكل واضح ولا في أية فقرة، لا نعرف ما هو المقصود، ربما لإضفاء نوع من الضبابية على ما جاء في كل هذا المؤتمر.

أتحول إليك سيّد أشرف، وأنطلق ممّا قاله أيضاً السيّد رائد. تقول قبل الفاصل، بأنّ هذه المشهدية التي رأيناها ليست بجديدة، هناك علاقات إسرائيلية عربية، إسرائيلية أفريقية قديمة، ربما ما هو جديد أو ما هو مستهجن، إذا ما سلّمنا أنّها ليست جديدة وهي سرية، اليوم نحن أمام واقع جديد فرضه وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

العام الماضي شهدنا خطوات أميركية خطيرة، خطوات أميركية تمهّد لتصفية القضية الفلسطينية، هذه الخطوات من نقل السفارة إلى التضييق على الأونروا إلى إقفال مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، هذا ألا يستدعي ربما خطوة إلى الوراء لمراجعة ذاتية؟

 

أشرف أبو الهول: بالتأكيد، نحن لا نحتاج فقط إلى خطوة للوراء لمراجعة ذاتية، ولكن نحتاج إلى خطوات للوراء، خطوات تقوم بها كافة الدول في المنطقة، كافة الأطراف في المنطقة. دعيني أذكّر بشيء حقيقة، وهو أنّه عندما خاضت عدّة جيوش عربية حرب السادس من أكتوبر 1973 ضدّ إسرائيل، وكانت هناك إمكانيات كبيرة لهزيمة إسرائيل هزيمة نهائية كبيرة، لولا التدخل الأميركي، وفتح مخازن السلاح، وتحويل مسار الحرب، أدرك الأميركيون أنّه، إسرائيل كما نعلم دولة بلا عمق، دولة إذا هُزمت في حرب واحدة انتهت، دولة بعض الأماكن في إسرائيل يمكن للدبابات أن تجتاحها في ساعة، فتقطع إسرائيل تماماً، وبالتالي فبدأوا في إيجاد بديل للصراع العربي الإسرائيلي هو الصراع السنّي الشيعي، وكان هذا واضحاً بعد الثورة الإيرانية، وللأسف الكلّ تمّ استدراجه إلى هذا المربع وبدأ تحويل الفكر بدلاً من صراع عربي إسرائيلي، بدأ الصراع العربي الإسرائيلي يتحول إلى صراع جزئي، صراع بين حزب الله وإسرائيل، وصراع بين حماس وإسرائيل، لم نر حروباً جماعية عربية ضد إسرائيل كما حدث في 1948 و1956 و1967 و1973، وبعد ذلك الكلّ كان يرى ما يحدث، ولكن استسلم العرب واستسلم الإيرانيون واستسلم الأتراك والكل ترك المخطط ينفَّذ من دون أن يتخذ خطوة للوراء ليقف ويراجع نفسه.

 

رانا أبي جمعة: سيّد أشرف، أنا لست في معرض الدفاع عن إيران، ولكن إيران تقوم اليوم بدور ربما العرب ابتعدوا عنه، وهو دعم الحركات المقاومة إن كان في لبنان وإن كان في فلسطين. اليوم هناك استهداف مباشر من قِبَل بعض دول الخليج لهذه الحركات المقاومة، كحماس والجهاد، قالها صراحة وزير الخارجية السعودي، لم يعد وزيراً للخارجية بشكل كامل، عادل الجبير، قال.

 

أشرف أبو الهول: وزير الشؤون الخارجية.

 

رانا أبي جمعة: صحيح، هاجم فصائل المقاومة الفلسطينية على رأسها حماس والجهاد كون إيران تدعم هذين الفصيلين، بمعنى لا يريد العرب المقاتلة ولا يريدون أن يجعلوا الفلسطينيين يقاتلون؟

 

أشرف أبو الهول: أنا لا أتحدّث عن الدور أو الدعم الذي يقدّمه هذا الطرف أو ذاك، أنا أتحدّث عن قصة أخرى، عن المحاولات التي يجب أن تتمّ من كافة القوى الفاعلة في المنطقة للتقارب معاً، ليست القضية أن أعطي حزب الله أو أعطي حماس أو أعطي الجهاد سلاحاً.

 

رانا أبي جمعة: ما هي القضية؟

 

أشرف أبو الهول: رؤيتي أن يجلس الفرقاء في المنطقة، الفرقاء، وهنا لا أقول الأعداء، تجلس إيران مع الدول العربية بطريقة أو بأخرى، نحاول أن نصل إلى مشتركات، نحاول أن نزيل كل ما يؤدّي إلى سوء الفَهْم. هذا هو خط الدفاع الأول عن القضية الفلسطينية. القضية الفلسطينية الدفاع عنها لا يكون بالسلاح فقط، القضية الفلسطينية الدفاع عنها يكون بوحدة المنطقة. أما الدول التي يقال إنها بدأت التطبيع أو بدأت علاقات مع إسرائيل، لن نستطيع أن نوقف هذا بمجرّد أن ننتقدها أو نحاربها ونفضحها، بل سندفعها إلى أحضان إسرائيل والولايات المتحدة أكثر. التقارب هو هنا ما يحمي.

 

رانا أبي جمعة: مَن يمكن أن يقوم اليوم بهذا الدور لتقريب وجهات النظر، لتقريب إيران من بعض الدول العربية التي تكنّ لها الخصومة؟ مَن يجب أن يقوم بهذا الدور؟ هو دور مهمّ. ما تقوله هو جد مهم سيّد أشرف. الحوار هو المطلوب اليوم.

 

أشرف أبو الهول: يمكن أن تقوم به إيران، يمكن أن تقوم به مصر، يمكن أن تقوم به السعودية. أيّ حكيم في هذا العالم يجب أن يقوم بدور.

 

رانا أبي جمعة: هل يمكن أن تقوم به مصر؟ إيران قالت أكثر من مرّة بأنّها تريد الحوار، وبأنّ يدها ممدودة إلى الدول العربية والخليجية. مصر هل يمكن أن تقوم بهذا الدور؟ هل لديها هذه النيّة، هذه الإرادة؟

 

أشرف أبو الهول: ممكن، لكن أذكّرك بأنّ مصر ليست في حال عداء مع إيران.

 

رانا أبي جمعة: صحيح.

 

أشرف أبو الهول: مصر الآن أصدرت بياناً دانت فيه هجوم زهدان.

 

رانا أبي جمعة: وأيضاً على ما أعتقد بأنّها سمحت بإجراء ربما احتفالات بذكرى الثورة الأربعين الإيرانية، أعتقد بأنّها سمحت بذلك؟

 

أشرف أبو الهول: ليست لديّ معلومة، ولكن عندما يكون لديك مقرّ للمصالح، أو سفارة، تستطيعين أن تفعلي ما تشائين فيه. هذه هي الدبلوماسية، وكل طرف يمكنه أن يفعل ذلك. هناك كما قلت مشتركات بيننا، لدينا علاقات كانت جيدة جداً بإيران، ولدينا علاقات تاريخية. العالم العربي لا يعلم أنّ مصر تعرّضت للاحتلال العثماني لتحالفها مع إيران الصفوية، عندما أعلن الملك قانصوه، أعلن السلطان قانصوه الغوري دعمه للصفويين في صراعهم مع العثمانيين، تعرّضنا للعدوان العثماني، وبالتالي التاريخ مع علاقة جيّدة بين مصر وإيران، والتاريخ مع علاقة جيّدة مع إيران ومع المنطقة العربية. الصراعات كلها صراعات تافهة.

 

رانا أبي جمعة: نعم، وبالتأكيد الجميع ربما، مَن هم في المنطقة، كشعب أتحدّث، يؤيّدون هذا التقارب، يؤيّدون هذا النفس الإيجابي لناحية الحوار بعيداً عن الكيان المصطنع الإسرائيلي. إسمح لي أن أعود مجدّداً سيّد أشرف إلى السيّد رائد.

أين المبادرة العربية اليوم إزاء كل ما يحصل؟ لم تعد هناك مبادرة، ليس هناك من اعتراف بدولة فلسطينية ومن ثمّ تطبيع.

 

رائد المصري: سيّدتي، مشكلة العرب بينهم وبين الرئيس الأسد أنّ لهذا الرجل عقلاً استراتيجياً على مستوى الأمّة. هل هو موجود عند أحد من البلاد العربية؟ نتحدّث هنا عن فتح حوار، نحن نتمنّى طبعاً أن تقوم مصر بهذا الدور، لكن انتقادنا، طبعاً نحن نعرف أنّ مصر مثقلة بالهموم الاقتصادية، مثقلة بالواقع، محكومة بأمور معينة، ولا يمكن أن تُحكَم إلا من قَبَل عقل استراتيجي وفكر استراتيجي يستطيع لمّ شمل الأمّة، هذا نتمناه، لكنّه غير موجود. أما بالنسبة للحديث عن الحوار مع إيران، ما الذي يمكن أن يقوم به؟ دول الخليج هل لها السلطة والقرار والسيادة وحرية القرار في أن تتخذ مبادرة للحوار مع إيران؟ هي لا تستطيع ولا تجرؤ، هي غير قادرة، لأنها تنتظر الإملاءات الأميركية بطبيعة الحال، هذا إذا حيّدنا مصر، وكان لها خصوصية، لكن أين هو دورها في حماية سوريا؟ لماذا هذا الدور ما زال إلى اليوم بعد ثماني سنوات من الحرب؟

 

رانا أبي جمعة: لكن هناك اتصالات وزيارات.

 

رائد المصري: لكنها غير كافية. لماذا يُترَك المجال لمؤتمر سوتشي وأن تتفرّد به، مثلاً حتى تركيا أن يكون لها دور أكبر من مصر؟ سوريا دولة عربية، يجب أن يكون لمصر دور أكبر في هذا المجال، هو غير موجود. لماذا سمحت لتركيا بهذا الهامش؟ لماذا هي تسمح أيضاً للإيراني أن يكون هكذا؟ أنا أريد أن أتحدّث هكذا. لماذا تسمح في هذا الدور حتى الإيراني في سوريا، أن يكون متوسّعاً على حسابها؟ دعيني أتحدّث هكذا حتى لا يقولوا أنت مناصر بالكامل للدور الإيراني، مع العلم أنّ المعطيات الاستراتيجية التي أمتلكها هي مختلفة تماماً عن هذا. نحن عندما ننتقد، ننتقد بطريقة بنّاءة، الهدف أن يكون هذا الموقف المصري الجريء لحوامل الأمّة وخطر على الأمن القومي العربي. أين هو؟ لماذا هم متردّدون اليوم؟ لماذا يذهبون إلى لقاءات وإلى مؤتمرات؟

 

رانا أبي جمعة: سيّد رائد، نتحدّث طوال هذه الحلقة عن المسؤولين العرب، عن المسؤولين الخليجيين. ماذا عن الشعوب العربية والإسلامية؟ هل لها كلمة إزاء ما نراه من تطوّرات؟ رأينا تظاهرة وهي تظاهرة لم تكن بالصغيرة نوعاً ما في المغرب، اليوم هناك تظاهرات في اليمن ضدّ الخيانة، ضدّ التطبيع. هل للشعوب العربية كلمة اليوم؟

 

رائد المصري: لا أعتقد أنّه في ظلّ هذه الأنظمة الاستبدادية التي ما زالت تمارس، حتى بالرغم ممّا جرى في أكثر من دولة وبلد عربي من تظاهرات وإعادة السلطة أو قلب السلطة أو تغيير السلطة، لكن ما زال الحراك الشعبي محدوداً، وتأثيره على النظام السياسي ما زال محدوداً.

 

رانا أبي جمعة: هذا رأيك. دعنا نستمع إلى رأي السيّد أشرف.

هل للشعوب العربية كلمة اليوم إزاء التطوّرات والمستجدات الأخيرة؟ باختصار، لدينا نصف دقيقة فقط.

 

أشرف أبو الهول: بداية، أقول للسيّد رائد المصري، هل دعا أحد مصر لتحضر إلى سوتشي؟ مصر مَن قال لك إنّه ليس لها دور في سوريا؟ مصر لها دور ولها تنسيق كبير جداً مع سوريا. مصر يحكمها زعيم، الرئيس السيسي زعيم لديه رؤية، يعيد بناء هذا البلد لأنه عندما يقوى هذا البلد من الداخل، يستطيع أن يتمدّد للخارج، يستطيع أن يتدخل في علاقات المنطقة.

أما ما يتعلق بدور الشعوب العربية، دور الشعوب العربية أساسيّ، مصر لديها علاقات مع إسرائيل عمرها أكثر من 40 عاماً، كذلك الأردن. هل حدث تطبيع حقيقي؟

 

رانا أبي جمعة: على مستوى الشعب، كلا.

 

أشرف أبو الهول: فليطبّع كافة الحكّام، لكن الشعوب لا تطبّع. ليس معنى أنّ الشعوب لم تخرج بتظاهرات أنّها تقبل بهذا الوضع. الشعوب أحياناً تنشغل في لقمة عيشها، لكن العقل الجمعي العربي من المحيط إلى الخليج ضدّ إسرائيل وضدّ التطبيع، حتى لو كانت هناك مصالح عند الحُكّام.

 

رانا أبي جمعة: ربما الشعوب سيّد أشرف لا تطبّع، ولكن للأسف هذه الشعوب هي مخروقة بأمنها، بغذائها، هي مخروقة على كل الأصعدة جرّاء التطبيع الحاصل بين الأنظمة وإسرائيل. للأسف هذا هو الواقع، وهذا ما رأيناه في وارسو.

بكلّ الأحوال، شكراً جزيلاً لك سيّد أشرف أبو الهول، وأنت رئيس القسم السياسي في صحيفة الأهرام كنت معنا من القاهرة. وأيضاً الشكر موصول للسيّد رائد المصري الأستاذ في العلوم السياسية، كنت معنا هنا، شكراً جزيلاً لك.

إذاً مشاهدينا إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة من حوار الساعة. الموعد يتجدّد في صباح الغد. إلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد