رفيق علي صالح - مدير المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة

 

أليسار كرم: أهلاً بكم.

يستورد العربُ أكثر من نصف حاجاتهم الغذائية الأساسية وتُغفلُ غالبية الحكومات العربية أهمية تحقيق الأمن الغذائي لمواطنيها بقدرات ذاتية.

والأمن الغذائي بمفهومه الشامل لا يقتصر على تأمين كميات كافية من الطعام، بل يتعداه إلى النوعية وإلى قدرة الدولة على تلبية حاجاتها الغذائية من إنتاجها الخاص. ولهذه الغاية ترسم الدول سياسات خاصة لتحسين تقنيات الزراعة واستثمار كل الأراضي الخصبة وتنويع منتجاتها قدر المستطاع إضافة إلى ترشيد استخدام موارد المياه المتاحة.

فأين العرب من هذا النهج وهذه السياسة؟ صحيحٌ أن دولاً عربيةً كثيرة هي صحراوية ولا تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي، غير أن توحيد الجهود إذا تحقّق يساعد على التكامل وتبادل الخبرات والمعلومات وعلى تطوير البحث العلمي الزراعي بهدف زيادة الإنتاج.

في حوارنا هذا سنسأل عن واقع الزراعة في العالم العربي، مع التركيز على خصوصية كل دولة. كما سنسأل عن تأثير الحروب والاضطرابات الأمنية على الزراعة والصناعات المرتبطة بها وعن إمكانية معالجة الأنظمة الزراعية الضعيفة ولا سيما في البيئات الجافة وشبه الجافة.

ضيفنا في هذا الحوار مدير عام المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة "أكساد"، رفيق علي صالح. أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

أهلاً بك أستاذ رفيق، ربما من البديهي أن نسأل عن توافر البيانات والإحصاءات العربية - وأنتم مركز تابع لجامعة الدول العربية - لرسم صورةٍ واضحة ووافية عن واقع الزراعة في العالم العربي؟

رفيق علي صالح: صباح النور.

من المؤسف أن نقول إن القليل من الدول  العربية لديها اكتفاء ذاتي أو لديها أمن غذائي، يمكن الدولة العربية الوحيدة التي كانت تتمتع باكتفاء ذاتي هي سوريا قبل الأزمة، سوريا لم تكن فقط تكتفي زراعياً بل كانت تُصدّر العديد من المنتجات الزراعية كالقمح والفواكه والخضراوات إلى دولٍ عربية وإلى دولٍ غير عربية.

هناك بعض الأرقام أساسية، مثلاً إجمالي ما يستورده العرب من الغذاء يعادل 40 مليار دولار، هناك عجز، هناك فجوة غذائية بالعديد من المنتجات الزراعية، تأتي الحبوب في طليعتها، حيث أن هذه الـ 40 ملياراً حوالى 52% هو عجز في الحبوب، هناك عجز في اللحوم، هناك عجز في الألبان، هناك عجز في السكر، هناك عجز في الزيوت النباتية. القمح تحديداً، أعطيكِ مثالاً، يزرع العرب من القمح حوالى 9.2 ملايين هيكتار، ينتجون 6.3 ملايين طن، نحن نستورد أكثر من 50% من احتياجات العرب من القمح، للأسف الشديد، وأيضاً نستورد اللحوم، نستورد الزيوت، نستورد السكر، هذا واقع لا نستطيع إلا أن نعطي أرقاماً واقعية تؤشّر إلى أن هناك مشكلة في الإنتاج الزراعي في العالم العربي.

أليسار كرم: سبب هذه المشكلة هو سياسات خاطئة أم ربما هو واقع جيولوجي جغرافي يفرض نفسه على الدول العربية؟

رفيق علي صالح: من المفيد أن أشير إلى رقم، أنّ إجمالي مساحات الأراضي القابلة للزراعة في العالم العربي 220 مليون هيكتار، يُزرع منها فقط 38%، وبالتالي هناك إمكانية لزيادة الإنتاجية في الدول العربية، الزيادة الرأسية والأفقية، وأنا برأيي الموضوع الأهم لتحسين الإنتاج الزراعي في العالم العربي هو زيادة المساحات المروية في الدول العربية.

يمكن من المفيد أن أقول إن إجمالي الموارد المائية المتاحة في العالم العربي هي 260 مليار متر مكعب، اليوم هناك عجز في الاحتياجات المائية في العالم العربي بـ 45 مليار متر مكعب، هذا الموضوع مهم جداً. من المتوقع حسب دراسة الباحثين في هذا المجال أن يصل العجز في عام 2030 إلى 150 مليار متر مكعب، فأنا برأيي أرقام مخيفة تحتاج إلى حلول، تحتاج إلى أبحاث، تحتاج إلى دراسات، لا بد بالتأكيد من الجدية في معالجة الواقع الزراعي في العالم العربي.

أليسار كرم: هنا يطرح السؤال عن دور مركز "أكساد"، لو تعرّفنا أكثر أو تطلعنا على أهداف هذا المركز، طريقة عمله، ودوره في اجتراح الحلول في ظل هذا الواقع المؤلم؟

رفيق علي صالح: منظمة "أكساد" كما تفضّلتِ هي إحدى منظمات العمل العربي المشترك وهو عبارة عن مركز بحوث متخصّص بالمناطق الجافة وشبه الجافة والتي تزيد مساحتها في العالم العربي عن 80%.

طبيعة عملنا، نحن نُركّز على مجموعة من البحوث ذات الطابع التطبيقي في الدول العربية، نحن لدينا بحوث هامة جداً بموضوع استنباط أصناف من القمح المقاوم للجفاف، من المفيد أن أذكر رقماً أننا نحن استنبطنا في منظمة "أكساد" 28 صنفاً من الأقماح القاسية والطرية، هذه الأصناف اعتمدت في العديد من الدول العربية. يمكن من المفيد أن أقول لحضرتك أنه في عام 2018 أُعتمد خمس أصناف جديدة، الذي يعمل في عالم الزراعة يعرفون أهمية اعتماد صنف ما، الصنف المعتمد يجب أن تكون إنتاجيته أعلى من إنتاجية أعلى صنف مزروع في هذه الدولة أو تلك.

أصنافنا تزرع بمئات آلاف الهكتارات في الدول العربية، لها ميزتان، الأولى أنها مقاوِمة للجفاف ويمكن أن تعطي إنتاجاً يصل حتى 3 طن هيكتار في معدلات أمطار تحت 300 ميليمتر، والثانية أن أصنافنا مقاومة لأمراض الأصداء والتفحّمات، بالتالي هي أصناف مرغوبة، يعني يمكن أن أعطيكِ رقماً تأشيرياً أن سوريا تزرع من أصناف "أكساد" مساحة تزيد عن 150 ألف هيكتار، هذا واحد. أثنان، أيضاً نعمل في مجال الشعير واستنبطنا بحدود عشرة أصناف من الشعير أيضاً تزرع في العديد من الدول العربية. نعمل في مجال الذرة الرفيعة أو الذرة البيضاء كما يطلق عليها في العالم العربي.

لماذا هذه الأنواع من الزراعة؟ لأنها هي الأصناف الأكثر مقاومةً للجفاف، وطبيعة عمل المركز، مهمته الرئيسية أن يعمل في هذه البيئة.

أليسار كرم: هذه الأصناف هل هي مخصّصة فقط للاستهلاك المحلي في الدولة حيث تُزرع أم تصدّر بين الدول العربية أم حتى إلى الخارج، إلى العالم أجمع؟

رفيق علي صالح: الآن قلنا، هناك عجز في القمح يتجاوز الـ 50% من احتياجات العرب، العرب يستوردون القمح، سوريا هي الوحيدة التي كانت قبل الأزمة - وإن شاء الله تنتهي الأزمة قريباً ونعود للتصدير - نحن الوحيدون في سوريا الذين نصدّر القمح، وبالتالي لا طبعاً.

أليسار كرم: ما زالت سوريا رغم الأزمة تصدّر القمح؟

رفيق علي صالح: لا، تستورد الآن، بفعل ظروف الأزمة ، إن شاء الله نتكلم لاحقاً عن الموضوع.

لكن هي أصناف مرغوبة وخاصة أصناف القمح القاسي في الدول العربية، هي أصناف مرغوبة جداً في العالم.

يمكن من المفيد أن أقول لك قصة.

أليسار كرم: تفضل.

رفيق علي صالح: منذ خمس سنوات كنت مع وزير الزراعة السوري في إيطاليا في اجتماعات منظمة الفاو، منظمة الأغذية والزراعة العالمية، وطلبت بعض الشركات الإيطالية أن تجتمع معنا، جوهر الاجتماع باختصار، قالوا إنه نحن جاهزون لننفذ سد سيقام في سوريا على نهر دجلة من دون أن تدفع سوريا فلساً واحداً، نحن ندفع التكاليف ولكن نريد منكم قمحاً قاسياً، يعني من عائدات الأراضي التي سيرويها هذا السد تعطونا قمحاً قاسياً ونحن ندفع التكاليف، لماذا؟ لأن الأقماح القاسية العربية وبالذات السورية فيها نسبة بروتين عالية.

أليسار كرم: ما كان الجواب يوم ذاك؟

رفيق علي صالح: كان الجواب، أنت تعلمين ظروف سوريا، نأمل من الله أن تنتهي هذه الأزمة وتبدأ سوريا ببناء هذا السد.

أليسار كرم: بكل تأكيد.

رفيق علي صالح: إن شاء الله.

أليسار كرم: بالحديث عن سوريا معنا عبر الهاتف المهندس أحمد قاديش وهو معاون وزير الزراعة والإصلاح الزراعي في سوريا، إسمح لنا أن نطرح عليه بعض الأسئلة عن خصوصية الوضع السوري الآن، أهلاً بك أستاذ أحمد قاديش.

بدايةً بعد عودة الأمن والأمان إلى غالبية المناطق السورية، ما العوائق المستجدة الآن أمام النهوض بقطاع الزراعة وعودة الإنتاج الزراعي إلى سابق عهده؟

أحمد قاديش: أولاً تحية لكِ وللأخوة المشاهدين وتحية للدكتور رفيق صالح الذي هو قامة وطنية علمية عامة له خبرة طويلة في العمل الزراعي العربي.

رفيق علي صالح: شكراً.

أليسار كرم: أهلاً بك.

أحمد قاديش: طبعاً في البداية لا بد من أن نتحدّث قليلاً عن سوريا قبل الحرب الظالمة كيف كانت.

سوريا هي من الدول الرائدة على مستوى الوطن العربي والمنطقة وكانت قبل الحرب حقيقةً وصلت إلى أرقام جيّدة جداً وتحوّلنا من الندرة إلى الوفرة وأصبح لدينا فوائض في الإنتاج في معظم المحاصيل بعد أن اكتفينا منها ذاتياً. طبعاً نذكر على سبيل الأمثلة، مثلاً وصل إنتاج القمح في بعض المواطن إلى أكثر من 4 ملايين طن في بعض المواسم، واستهلاكنا هو كان أقل من هذا الرقم. في إنتاج الحمضيات وصل بحدود المليون ومئتي ألف طن سنوياً من الحمضيات بمختلف أنواعها. أيضاً من ثمار الزيتون كان الإنتاج بحدود المليون طن وكان يمكن أن ينتج من زيت الزيتون بحدود 300 ألف طن، هذا بالإضافة إلى الكثير من الخضار والفواكه وأيضاً المحاصيل العطرية وغيرها من المحاصيل.

أيضاً بالنسبة للثروة الحيوانية كان عدد أغنام العواسي وأغنام العواسي معروفة بندرتها النسبية، وصل العدد بحدود 23 مليون رأس وكان أيضاً بالنسبة لقطيع الأبقار يفوق المليون و عشرة آلاف رأس من الأبقار في سوريا. أيضاً كان إنتاجنا من بيض المائدة مميّز، كان لدينا 3 مليارات و 200 مليون بيضة في السنة إنتاج من بيض المائدة، وكان أيضاً لحم الفروج بحدود 200 ألف طن.

كل هذه الأرقام تبيّن أن سوريا كانت في وضع جيد واستطاعت أن تستفيد من الموارد المتاحة لها وكانت تعاني في تلك الأزمة من شقين أو نقطتين أساسيتين، هي بعد فترات الجفاف التي كانت تضرب البلاد بين الحين والآخر وأيضاً إيجاد أسواق خارجية لتسويق المنتجات الزراعية.

أليسار كرم: كيف يمكن لمراكز الأبحاث ولا سيما مركز "أكساد" أن يساعد سوريا على تطوير وتحديث قطاعها الزراعي على النهوض بالقطاعات الأكثر تضرّراً أثناء هذه الأزمة وربما على زيادة جاذبية هذا القطاع للشباب لكي يعملوا في هذا القطاع وهناك توجّه عربي وحتى عالمي يشير إلى هجرة الشباب والجيل الجديد للعمل في قطاع الزراعة؟

أحمد قاديش: الحقيقة التعامل مع الشركاء وعلى رأسهم طبعاً مركز "أكساد" هو تعاون قديم جداً، وهذا المركز كان هناك الكثير من المشاريع التي تمّت بالمشاركة معه وكان لها دور كبير في صمود هذا القطاع إن كان قبل الحرب أو أثناء الحرب الجارية وحالياً حتى في ما بعد الحرب. خلال الحرب ممكن أن أذكر أنه كان هناك تعاون في ما يتعلق بالمنح وبعض المساعدات الذي قدّمت للأسر الزراعية وللمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة الذين جعلناهم يستمرون وكان للمركز والدكتور رفيق كان لهم دور كبير في هذا الموضوع.

أيضاً هناك تعاون في البحث العلمي، التعاون وثيق بين البحث العلمي والممثل بالهيئة العامة للنفوس العلمية الزراعية وأيضاً المركز العربي الذي فيه الكثير من المشاريع التي أدت إلى استنباط أعداد كبيرة من المحاصيل والأصناف التي أمّنت زيادة الإنتاج، ودائماً نبحث نحن عن تخفيف الكلفة من خلال زيادة الإنتاج، لأنه كل ما زاد الإنتاج في وحدة المساحة، هذا الشيء المطلوب لأنه نحن نعاني من ندرة المياه، من محدودية الأراضي الزراعية لذلك يفترض أن يكون التركيز عمودياً في هذا الاتجاه، وهذا العمل الذي يتم مع المراكز البحثية وخاصة "أكساد" التي تعاونا معها وطبعاً هناك بعض الشركاء الآخرين.

فقط بالنسبة للشباب والعمل، الحقيقة سوريا هي بلد زراعي بامتياز وخلال فترة الحرب الظالمة ورغم الكثير من الأضرار التي سببتها العصابات الإرهابية المسلحة بقي هذا القطاع صامداً في سوريا وبقية المحاصيل متوافرة وبقي العمل الزراعي يسير، طبعاً خط الإنتاج لا شك في ذلك كما قلتم قبل قليل لم يعد يصل القمح إلى المستوى الكافي ولكن بقي الإنتاج بشكل جيد ، وحتى في بعض المحاصيل كنا حقيقة نعاني من تصريفها، خاصة في ما يتعلق بالحمضيات وبالزيتون وبيض المائدة كان هناك فوائض.

إذاً سوريا هي دولة زراعية بامتياز، الخطط كلها التي قامت بها الحكومة دعمت هذا القطاع واعتبرته أولوية لأنه يؤمّن غذاء المواطن وهذا سبّب استمرار عمل الشباب في هذا القطاع.

أليسار كرم: إسمح لي أستاذ أحمد فقط أن أطرح سؤالاً على الدكتور رفيق، هناك أمر لافت أن عملكم لم يتوقف في سوريا طوال فترة الأزمة، ألم تُعق الحرب نشاطكم وعملكم البحثي أو ربما الميداني إذا كان موجوداً، ألم تقف الحرب حائلاً من دون إتمام مهامكم كمركز دراسات وأبحاث زراعية؟

رفيق علي صالح: أنا أولاً أريد أن أشكر السيّد معاون الوزير الصديق العزيز.

أريد أن أضيف لما تفضل به، نحن لم نتوقف يوماً واحداً عن العمل في منظمة "أكساد" في سوريا وفي سائر الدول العربية.

أليسار كرم: هذا رغم المقاطعة العربية أيضاً؟

رفيق علي صالح: رغم كل ما تعرّضت له سوريا من آلام، الفضل في ذلك وهذا سأقوله علناً، الفضل في ذلك لدعم الحكومة السورية لهذه المنظمة، صراحةً هناك تعاون لا محدود مع وزارة الزراعة في سوريا، ويجب أن أشير إلى نقطة أنه في التعاون مع هذه الوزارة ليس هناك أي روتين، بالهاتف مع معالي وزير الزراعة السوري صدقاً نحلّ كل المشاكل.

استطعنا، أنا أقول لك إضافة لما تفضل به السيّد المعاون، نحن نتعاون مع سوريا بموضوع الأقماح، بموضوع تطوير طرق الري، بموضوع النخيل، بموضوع الأغنام والماعز والإبل، التعاون مفتوح مع الهيئة العامة للبحوث الزراعية، لكن سوريا لها الفضل في استمرارنا في العمل صراحةً. فمن هنا أقول شكراً لسوريا، كل سوريا.

أليسار كرم: نسأل أستاذ أحمد، هناك الآن انفتاح وعودة تدريجية للعلاقات بين سوريا وعدد من الدول العربية التي كانت مقاطعة لسوريا في مرحلة سابقة وخصوصاً في مجال التجارة، مثل دبي، مصر وغيرها. هل هذا يعني أنّ الصادرات الزراعية السورية ستتعزّز في المدى المنظور وبالتالي ربما تزداد العائدات وتتعزّز العائدات من هذه الصادرات وفق ما يسمح أو بما يسمح لسوريا بأن تطوّر وتغذّي قطاع الزراعة؟

أحمد قاديش: نحن نأمل ذلك، ونحن نؤكد على أن موضوع الاكتفاء الذاتي قد يكون هذا المصطلح بحاجة إلى بعض التعديل، نحن نقول أنه يجب على كل دولة عربية أن تقوم بزراعة المحاصيل ذات الميزة النسبية لديها، ذات الميزة التي يمكن ألا تنتج في القطر الثاني ويمكن أن يتم التبادل في هذا الموضوع، يعني أنا أذكر مثلاً أغنام العواسي، هي أغنام عالية الجودة، الميزة النسبية في سوريا تختلف، يعني حتى حاولوا بعض الأشقاء أن ينقلوا هذه الأغنام ولكن لم تنجح بنفس النجاح الذي حققته في سوريا. إذاً في سوريا ميزة نسبية للأغنام، زيت الزيتون موجود في سوريا، موجود في تونس، موجود في بعض المناطق، ولكن الأرز قد يكون موجوداً في بعض المناطق، هذا التعاون والتنسيق الذي من الممكن أن يكون هذا ممكن أن يُحقّق نوعاً من الاكتفاء الذاتي بالإضافة للتعاون مع الأصدقاء، مع الدول الصديقة أيضاً التي لها نفس التوجّه ومن الممكن أن نتعاون معها بنفس هذه الطريقة.

إذاً الدول العربية يفترض أن تستفيد من الميزات النسبية الموجودة وانخفاض أسعار المنتجات في سوريا، الحقيقة لو قابلتي أي منتج سوري في الخارج مع أي منتج خارجي ستجدين هناك فرق بالسعر وفرقٌ بالجودة لأن المنتجات السورية لها (سيط) ولها أهمية كبيرة.

نحن نأمل أن يستفيد أشقاؤنا العرب من الميزة الموجودة في سوريا ومن منتجاتنا من حيث الجودة ومن حيث رخص الأسعار وأن يكون هناك تعاون، وسوريا حقيقة كانت دائماً لديها الرغبة في أن تتعاون مع الأشقاء ضمن الحالات المطلوبة فيها.

أليسار كرم: شكرا ًجزيلاً لك المهندس أحمد قاديش أنت معاون وزير الزراعة والإصلاح الزراعي في سوريا وكنت معنا عبر الهاتف من دمشق.

أستاذ رفيق من الواضح أن التعاون بين "أكساد" والحكومة السورية والحكومات المتعاقبة في سوريا قائمٌ وناجح على ما يبدو، ولكن ماذا عن سائر الحكومات العربية، هل هناك تعاون من مختلف الحكومات وهل هناك إدراك ووعي لأهمية تطوير القطاع الزراعي ومعالجة المشاكل التي يمكن أن تطرأ على هذا القطاع الحيوي والمنتج؟

رفيق علي صالح: يمكن من المفيد أن أقول أو أن أشير لعناوين بعض الأبحاث والدراسات والمشاريع التي ننفّذها في أغلب الدول العربية. نحن مثلاً ننفّذ مشاريع لمكافحة التصحّر والكثبان الرملية في العديد من الدول العربية، نفّذنا العديد من المشاريع لمكافحة التصحّر، طبعاً "أكساد" لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدول، لكن نحن نقوم بتنفيذ مشاريع نموذجية بمساحات بحدود الـ 5 آلاف هيكتار في المناطق التي تقترحها وزارات الزراعة في الدول، نحن نتعامل مع وزارات الزراعة.

نحن أيضاً في مجال الإنتاج الحيواني - هذا موضوع مهم - نحن صدّرنا إلى الدول العربية أكثر من 20 ألف رأس من الأغنام العواسي والماعز الشامي المحسنة.

أليسار كرم: تتحدّث عن سوريا حصراً؟

رفيق علي صالح: لا، لجميع الدول، في محطاتنا في سوريا نحن لدينا قطيع من الأغنام والماعز.

أليسار كرم: تتحدّث عنها كمقر لـ"أكساد"؟

رفيق علي صالح: نعم، نحن الدول تطلب حيوانات حيّة، صدّرنا خلال العشر سنوات الأخيرة بحدود 20 ألف رأس من الأغنام العواسي والماعز الشامي بناءً على طلب الدول العربية، إضافةً إلى أننا أمّنا للدول عشرات الآلاف ما يسمّى بـ "قشّات السائل المنوي" لاستخدامها في تحسين الثروة الحيوانية عن طريق عمليات التلقيح الاصطناعي والتي أقمنا العديد من الدورات التدريبية للفنيين العرب في وزارات الزراعية لتطوير هذه التقنية.

نحن في مجال الموارد المائية، وهو موضوع مهم جداً، نتعاون مع الدول العربية في مواضيع، من المفيد أن أقول لحضرتك أنه بالقمّة العربية التي أجريت بالكويت، القمّة الاقتصادية، بنهاية 2009، كلّفتنا القمّة بالتعاون مع وزارات الري العربية بأن نعدّ استراتيجية الأمن الماء العربي، وعملنا العديد من الاجتماعات والورشات مع خبراء عرب وأعددنا هذه الاستراتيجية التي تشمل مجموعة من المواضيع.

أليسار كرم: هل أُخذ بها، هل تم تطبيقها؟

رفيق علي صالح: الآن سأقول لك، مثلاً، لن أذكر كل العناوين، أحد المشاريع التي أعدها "أكساد" بالتعاون مع الخبراء العرب موضوع رفع كفاءة الري في الدول العربية وهو موضوع مؤتمرنا غداً لنداء البحوث الإرشاد.

أليسار كرم: سنتحدّث لاحقاً عن هذا المؤتمر.

رفيق علي صالح: أريد أن أقول مثلاً أنجزنا بحوثاً ودراسات بالتعاون مع منظمات دولية، مع الإسكوا مثلاً، مع الفاو، مشروع في غاية الأهمية، أثر التغيرات المناخية على الموارد المائية في المنطقة العربية، هذا موضوع في غاية الأهمية، وقدمنا بالأرقام مخاطر موضوع التغييرات المناخية على الموارد المائية في المنطقة وليس فقط درسنا بل وضعنا مقترحات عملية تنفيذية كيف يمكن للدول أن تستفيد أو أن تتجنّب التأثير الحدّي للتغيّرات المناخية على الزراعات العربية.

أليسار كرم: سنفصّل هذا الملف ونتحدّث عن أهمية تطبيق المقرّرات التي تخرج بها المؤتمرات والتوصيات أيضاً ولكن بعد الفاصل إذا سمحت. إذاً مشاهدينا فاصل قصير ونعود.

 

 

المحور الثاني

أليسار كرم: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا، وأهلاً بك الأستاذ رفيق علي صالح.

قبل الفاصل تحدّثنا عن مؤتمرات عديدة أقمتموها، عن التوصيات الصادرة عنها، لو تخبرنا كيف تحرصون على متابعة تمثيل هذه التوصيات أو هذه المقرّرات بنحو عام وبالتحديد ماذا عن المؤتمر المقبل في بيروت الذي يفترض أن يكون مؤتمراً للتعاون والتكامل بين العرب؟

رفيق علي صالح: إذا سمحتي لي أولاً أريد أن أقول بعض الأفكار، نحن بماذا مفيدين للعرب؟ ما فائدتنا للعالم العربي؟

أليسار كرم: تفضل.

رفيق علي صالح: أعطيكِ مثالاً، نحن سنوياً نؤمّن للدول العربية الرائدة مئات آلاف الغراس المثمرة المقاومة للجفاف من إنتاج "أكساد" سواءً زيتون، فستق حلبي، لوز، كأشجار مقاومة للجفاف، هذا موضوع مهم.

 وهناك موضوع قبل أن أنساه، أريد أن أقوله أمامكم، نحن نفّذنا لجمهورية السودان دراسة لمساحة 53 مليون هيكتار حول استعمالات الأراضي في هذه المناطق الزراعية في السودان، والآن نحن ننفذ في سبع ولايات في السودان مشروعاً لاستعمالات الأراضي والمياه لمساحة 103 ملايين هيكتار، الآن أنجزنا نصف هذا المشروع وسيقدّم للسودان إن شاء الله خلال الشهر المقبل. ماذا نستفيد من السودان مثلاً كدولة؟ السودان كما يعلم الجميع طارحة زيادة الاستثمارات في مجال الزراعة والسودان مطروح أنه سلة الغذاء ومستقبل الأمن الغذائي العربي، نحن حينما نعدّ، نحن ندرس الغطاء النباتي، ندرس الثروة الحيوانية، ندرس واقع المراعي، ندرس واقع المزارعين في تلك المناطق، ندرس تصنيف التربة في تلك المناطق، نضع مقترحات عملية تنفيذية، حينما يحضر المستثمر يقدّم السودان هذه الدراسة للمستثمر وتكون جاهزة بذهنه، هنا يمكن أن يعمل إنتاجاً نباتياً، هنا يمكن أن يعمل إنتاجاً حيوانياً، هنا سمسم، وبالتالي يقدّر على ضوء مقترحاتنا ما أهمية الزراعات التي يمكن أن يستثمر فيها هذا الإنسان. وهذا حصل عملياً بالدراسة الماضية.

نحن كل أبحاثنا بالتأكيد تصب، لكن كيف يخرج إلى الواقع وهو سؤال مهم، يعني غالباً صراحةً العرب يعقدون مؤتمرات ويقدّمون مقترحات ولا أحد يقرأُها، هذه حقيقة.

أليسار كرم: نعم، لهذا سألتك السؤال في الواقع، الأهمية والعبرة في التنفيذ كي لا تبقى القرارات حبراً على ورق.

رفيق علي صالح: صراحةً شعارنا في "أكساد" لا بحوث غير تطبيقية، لا يوجد مجال للترف بعالم الزراعة في المنطقة العربية، الآن هناك مؤتمر حول رفع كفاءة الري في الدول العربية، نحن نتائج هذا المؤتمر نرسله لوزارات الزراعة، نرسل لمراكز البحوث، ليس هكذا فقط، نحن بصدد أن ننفذ حقولاً إرشادية في العالم العربي حول رفع كفاءة الري. 

أليسار كرم: وبدأتم؟

رفيق علي صالح: بدأنا بتدريب كوادر عربية حول رفع كفاءة الري لاعتقادنا أن هذا الموضوع يهمّ العرب جميعاً من دون استثناء.

أليسار كرم: ممتاز. في هذا السياق أستاذ رفيق سنتابع الآن عرضاً لمساهمة مركز "أكساد" في الدراسات المتعلقة تحديداً بالأراضي الرطبة، ومن بعد هذا العرض سنناقش. إذاً نتابع.

- تقرير: تحديات الأمن المائي العربي

  • مساحة الوطن العربي تساوي 10% من مساحات العالم.
  • عدد سكان العالم العربي يساوي 5% من عدد سكان العالم.
  • نسبة الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي تساوي 0.05% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في العالم.
  • حوالى 73% من الموارد المائية العربية تأتي من خارج الأراضي العربية.
  • بعض البلدان العربية لجأ إلى استخدام الموارد المائية غير المتجدّدة، وإلى المياه العادمة والمياه ذات النوعية المتدنية.
  • غياب الوعي البيئي أدّى إلى تلوّث المياه وتدهور نوعيتها، وأدى أيضاً إلى هدر كميات كبيرة من المياه.

أليسار كرم: كان هذا الجزء المتعلق بتحديات الأمن المائي العربي، ما أبرز توصياتكم كمركز دراسات وأبحاث في هذا المجال؟

رفيق علي صالح: من المفيد أن أقول لحضرتك أنه نبّهنا أولاً إلى مخاطر العجز المائي في المنطقة العربية، وكما قلت لك هو إلى هذا اليوم بحدود 45 إلى 50 مليار متر مكعب، هذا واحد. إثنان، طبعاً لا يكفي أن نطرح المشكلة يجب أن نطرح حلولاً، ما حل هذا العجز؟ طبعاً هناك حلول طرحناها بالتعاون مع خبراء عرب وبأكثر من ندوة علمية حول هذا الموضوع، يعني مثلاً أحد الحلول أن أستخدم المياه العادمة المعالجة في ري بعض المحاصيل الزراعية، مثل الأعلاف.

أليسار كرم: لكنه يحتاج إلى تكنولوجيات متطوّرة وإلى إمكانيات مالية؟

رفيق علي صالح: أغلب الدول العربية لديها محطات معالجة، أغلبها، وهناك - إذا لم تخونني الذاكرة - بحدود 50 مليار متر مكعب من هذه المياه يمكن استخدامها بالزراعة، لكن استخدام آمن.

الآن طريقة المعالجة تختلف من دولة إلى أخرى، في دول الخليج تعالج على مراحل مختلفة وبالتالي لا مشكلة في ريّ أيّ محصول، في دول أخرى تعالج مرحلة أولى فقط. مثلاً في سوريا نحن عندنا تجارب مشتركة مع وزارة الزراعة السورية حول استخدامها لمحاصيل الأعلاف ولأشجار الغابات، التي لا تستخدم في الغذاء، هذا واحد.

إثنان، نحن من الممكن أن نستخدم المياه العادمة، ماذا يعني المياه العادمة؟ يعني المياه التي نستخدمها في بيوتنا، يمكن أن تعالج وتستخدم للري وهي ملايين الأمتار المكعبة.

الطريقة الثالثة، ممكن أن نستخدم المياه محدودة الملوحة، وهذه موجودة في أغلب الدول العربية، هناك محاصيل أكثر تحمّلاً للملوحة من غيرها، يعني أعطيكِ من الحبوب مثلاً محصول الشعير هو يتحمّل الملوحة، العديد من المحاصيل العلفية متحمّلة للملوحة يمكن أن أستفيد منها.

مياه الصرف الزراعي، المياه الناتجة من الصرف الزراعي يمكن أن يعاد استخدامها أيضاً لزراعة مساحات من الأراضي. هذا موضوع مهم جداً جداً جداً.

أليسار كرم: ممتاز. سنتابع الآن الجزء المتعلق بالأراضي الزراعية العربية، الأراضي الخصبة العربية والأراضي الجافة أيضاً من مساهمة مركز "أكساد" في الدراسات المتعلقة بهذه الأراضي. إذاً نتابع.

- تقرير: الأراضي الزراعية العربية

  • تشكل الأراضي الزراعية من 8 إلى 10% من مساحة الوطن العربي.
  • تُقدّر مساحة الأراضي المرويّة بحوالى 32% من مجمل مساحة الأراضي الزراعية.
  • تسهم الأراضي المرويّة بأكثر من 50% من مجمل الإنتاج الزراعي.
  • تدهور وتكرار الجفاف والتلوّث والتغيّر المناخي.

أليسار كرم: قبل الفاصل قلت لنا أستاذ رفيق أنه ليست كل المساحات أو الأراضي الخصبة مستثمرة في العالم العربي ككل، أذكر أنك أعطيت رقماً يفوق بقليل 30%.

رفيق علي صالح: 38% من المساحات القابلة للزراعة.

أليسار كرم: هذه نسبة قليلة جداً ما السبب؟

رفيق علي صالح: هذا الموضوع يحتاج لاستثمارات، يحتاج لأموال لاستثمار هذه الأراضي، العديد منها قابلة للزراعة ولكن تحتاج إلى استصلاح.

أريد أن أقول تجربة حصلت في سوريا، هي تجربة رائدة تستحق أن يستفيد منها الجميع، أنا أذكر أنه كنا في وزارة الزراعة في عام 1988 وكانت سوريا تعيش ضائقة بموضوع القمح، كنا ننتج فقط نصف احتياجاتنا من القمح، ولكن بتوجيه من الحكومة السورية ومن الرئيس الراحل حافظ الأسد رحمه الله قال، أعطى شبه إنذار لوزارة الزراعة، يجب أن نكتفي من القمح، أي أموال مطلوبة لهذا الموضوع الدولة جاهزة، وعقدنا صدقاً اجتماعات لثلاثة أشهر وخرجنا ببعض المقترحات أهمها، أن أي مزارع يحوّل أرضه من بعل إلى مروي الدولة تعطيه قرضاً من دون فوائد لمدة عشر سنوات، هذا واحد. إثنان، رفعنا أسعار القمح المستلم من الفلاحين، رفعناه واقترب من السعر العالمي. ثلاثة، دُعمت البحوث الزراعية لاستنباط أصناف عالية الإنتاجية. أعطيكِ رقماً، كانت مساحة القمح المروي في سوريا 250 ألف هيكتار، في عام 1990 أصبحت مساحة القمح المروي في سوريا 850 ألف هيكتار وبالتالي تضاعف الإنتاج عدة مرات.

أليسار كرم: يعني هذا بفضل سياسات حكومية وتوجيهات حكومية لتعزيز وتمكين قطاع معين، هنا كان المثال مثلاً قطاع زراعة القمح بالتحديد. هناك دول أخرى منها مصر على سبيل المثال أيضاً كانت تشتهر بزراعة القمح وبزراعات أخرى كالقطن وغيرها وكانت تحقق اكتفاءها الذاتي وفجأةً تحولت إلى دول مستوردة لهذه المادة، هل تعتقد أن هناك سياسة ممنهجة لضرب هذه القطاعات بتوجيهات خارجية والحكومات العربية ربما تغفل هذه الحيلة أو هذا الفخ؟ أم أن فعلاً هناك مشاكل مناخية، مشاكل طبيعية جيولوجية هي العائق الأساسي أو بين مزدوجين (الوحيد، الرئيسي) أمام تطوير هذه الزراعات؟

رفيق علي صالح: لا نريد أن ندخل بعالم السياسة، لكن أريد أن أقول شيئاً، إنّ مصر دائماً تستورد كميات، بالمناسبة من أكثر دول العالم التي تستورد القمح هي مصر، تستورد بحدود 10 ملايين طن سنوياً، وهذا عبء كبير صراحةً، ولكن من خلال تعاوننا مع وزارة الزراعة المصرية حقيقةً هناك محاولات جادة لدى الوزارة لزيادة مساحات القمح ولزيادة إنتاجية القمح، ونحن نتعاون مع مصر في موضوع الأصناف، استنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية، وهناك في مصر أسئلة بالزراعة، أنه يا ترى الأفضل إذا توسّعوا بالقمح أم توسّعوا بالأرز مثلاً، يا ترى القطن هو أكثر اقتصادية أو القمح. هناك أسئلة، وأنا أقول أنه ليس خطأً، أن الأرز بالعالم سعره أغلى من القمح وبالتالي يمكن لهذه الدولة أن تجري تبادلاً، تبيع الأرز وتستورد قمحاً، وهذه تجربة مع سوريا لسنوات طويلة استمرت، نستورد الأرز من مصر ونصدّر القمح إلى مصر. هناك محاولات جادة في مصر للتوسّع بزراعة القمح ولتحسين إنتاجيته.

أليسار كرم: تفضلت بالحديث عن التكامل وهو مسألة حساسة بعض الشيء في العالم العربي بسبب بعض المشاكل السياسية والدبلوماسية والأمنية بين الكثير من الدول، هذا الأمر بطبيعة الحال يعوّق التكامل والتبادل، ولكن إذا ما حُيّد قطاع الزراعة عن المشاكل السياسية، هل يستطيع العالم العربي بمفرده أن يحقق تكاملاً ما من ناحية تبادل السلع الزراعية أو حتى تبادل الخبرات؟

رفيق علي صالح: لنكون صريحين، أشار السيّد معاون وزير الزراعة السوري لقصة مهمة، أن الميزة النسبية في الدول بعالم الزراعة تختلف، يعني قد تكون سوريا مثلاً والعراق صالحة جداً لزراعة الأقماح، قد تكون دول الخليج مثلاً مناسبة لتربية الحيوان وموضوع النخيل، الجزائر، تونس، المغرب أيضاً من الممكن أن تزرع حبوباً ويمكن أن تصبح فيها ثروة حيوانية، مصر متطورة بزراعة الأرز والقطن، السودان عالم كامل، يمكن أن أزرع فيه موزاً وسمسماً، ذرة صفراء التي يستورد العالم منها مئات ملايين الأطنان حاجة الثروة الحيوانية.

أنا لا أخفيكِ سراً، أريد أن أقول لكِ قصة، في عام 2005 تحدّثوا معي من محطة تلفزيون أبو ظبي فقالوا لي لماذا لا يوجد تكامل؟ قلت لهم أنا أقول إذا كانت هنالك خلافات سياسية بين الدول فلنتعاون في إنتاج الرغيف، يا أخي الرغيف ليس له علاقة بالسياسة. أنا أعتقد يجب على الدول العربية أن تتكامل، يجب أن تتعاون، مفيد للجميع بغضّ النظر عن السياسة.

أليسار كرم: يعني من هنا أهمية تحييد الاقتصاد عن السياسة ولا سيما القطاعات الإنتاجية التي تمسّ مباشرة حياة الإنسان العربي والمواطن العربي.

رفيق علي صالح: نعم، والله نحن مركز بحوث يمكن لا يتدخّل، هذه من مهام الدول، من مهام الجامعة العربية، من مهام خلق نوع من التكامل، وهناك محاولات لأكون صريحاً بناءً على رغبتك، محاولات متواضعة في هذا الاتجاه.

أليسار كرم: نأمل أن يزداد الزخم في مراحل لاحقة، ولكن في سياق الحديث أستاذ رفيق عن خصوصيات الدول العربية الجغرافية والجيولوجية وتنوّع الإمكانات الزراعية فيها، سنتابع الآن تقريراً ورد على موقع "green area" اللبناني، عن الزراعة الجافة في الوطن العربي والتلاؤم مع خصوصية البيئة في كل دولة من دول العالم العربي، إذاً نتابع.

- تقرير: موقع "green area": الزراعة الجافة في الوطن العربي.. التلاؤم مع خصوصية البيئة

يتّصف الوطن العربي بوجود مساحات شاسعة من المناطق الجافة وشبه الجافة، تمثل نحو 89 في المئة من مساحته العامة. وتمثل الموارد الأرضية الزراعية العربية ذات الطاقة الإنتاجية نسبة ضئيلة جداً من تلك المساحة، بسبب وجود نحو أربعة أخماس الأراضي الزراعية العربية، ضمن نطاق الأراضي الجافة التي لا يتعدّى سقوط الأمطار فيها 150 ملم في السنة، وشبه الجافة التي يراوح معدل الهطل المطري الشتوي في مناطقها بين 250 و 350 ملم / سنة، بينما يصل إلى 350 و 450 ملم / سنة في مناطق الهطل المطري الصيفي.

من هنا ظهر مصطلح "الزراعة الجافة" كي يتلاءم مع خصوصية هذه البيئة، فماذا يعني هذا المصطلح؟

يُعرَف مصطلح الزراعة الجافة، بأنه النظام الزراعي السائد في المناطق التي تكون فيها الرطوبة العامل المحدّد لنمو المحاصيل وإنتاجها، متضمّنة العمليات الزراعية الكفيلة باستغلال الكميات المحدّدة من الرطوبة وزراعة المحاصيل المناسبة لحدود هذه الكميات من الرطوبة. يعدّ المناخ عاملاً أساسياً في إيجاد البيئة الجافة، فهو يتحكّم في معالم السطح والنبات والحيوان في توزيعها ونوعها وطراز حياتها، مقارنة بما هي عليه في المنطق الرطبة المجاورة، والجفاف هنا هو نتيجة انخفاض القيمة الفعلية للأمطار والناتج من ارتفاع الحرارة وقيم التبخر.

أليسار كرم: أستاذ رفيق بحسب متابعتكم للواقع العربي، هل انتبهت الحكومات في المناطق الجافة إلى أهمية هذه الزراعة وهل بدأت بتطبيقها وتوسيعها أو نشرها في مختلف أنحاء البلاد؟

رفيق علي صالح: إجباري أن تنتبه الدول لهذا الموضوع، لأن موجات الجفاف تزداد في العالم العربي.

أليسار كرم: إجباري عليها أن تنتبه ولكن فعلياً هل قامت بهذا؟

رفيق علي صالح: برأيي بعض الدول نعم.

أليسار كرم: هل يمكن أن تعطينا مثالاً؟

رفيق علي صالح: مثلاً تونس تطلب من "أكساد" أصناف قمح وشعير مقاومة للجفاف، الجزائر تطلب وقد اعتمدت بعض الأصناف، الأردن تطلب أيضاً ونزوّدها بهذه الأصناف. نحن مثلاً كمركز بحوث أجرينا تجربة ناجحة ونشرناها في العديد من الدول العربية، موضوع الرطوبة موضوع مهم بموضوع الإنتاج الزراعي، لا يمكننا أن نهرب منه، عملنا شيئاً إسمه الزراعة الحافظة، ماذا يعني الزراعة الحافظة؟ يعني هي الزراعة من دون فلاحة، يعني هناك آلة تضع البذرة لنفترض على عمق 6 سم، قمح أو شعير أو ما شابه، واستنتجنا نتيجة التجارب لسنوات أن هذه الزراعة توفّر رطوبة للنبات زيادة 25% لأنه لا نعمل حراسة للتربة وبالتالي كمية المياه المتبخّرة من التربة تكون محدودة، ونشرنا هذه الزراعة بالعديد من الدول العربية، هذه واحد.

إثنان، لا بد من دراسة علمية دقيقة لموضوع الدورات الزراعية في العالم العربي، أنا يجب أن أبحث عن محاصيل احتياجاتها المائية محدودة، يعني الآن إذا أعطيكِ مثالاً، قمح وشعير، احتياجات الشعير أقل من الرطوبة، ضمن القمح نفسه، أصناف "أكساد" احتياجاتها المائية أقل من الأصناف السائدة في العالم العربي، القطن والذرة الصفراء احتياجاتها المائية عالية جداً، لا بد من البحث عن زراعات مقاومة للجفاف. لكن أنا سلفاً أقول لكِ كي لا يفكّروا أننا نريد أن نخلق المعجزات، إنتاجية الأصناف المقاومة للجفاف أقل من إنتاجية الأصناف التي تزرع في المناطق المروية والرطبة، هذه حقيقة علمية يجب أن نعترف بها جميعاً.

دورنا نحن كباحثين زراعيين، أو كمنظمة بحثية، أن ننصح العرب بزراعة أنواع وأصناف أكثر مقاومة للجفاف، لأن توفير أي متر مكعب أنا برأيي موضوع مهم جداً، وهذا بصراحة المياه أنا برأيي أمّ الأزمات المستقبلية في العالم العربي، أمّ الأزمات.

أليسار كرم: يبقى أن يكون المواطن العربي بالتحديد مدركاً وواعياً لأهمية التفاعل والتجاوب مع نصائحكم، السؤال الأخير إذا سمحت لي، هل ترى أن هناك هجرة للعمال أو للمزارعين من هذا القطاع في مختلف أنحاء العالم العربي أم أنه ما زال قطاعاً جذاباً وما زال الشباب في العالم العربي يُقبلون على التخصصات المرتبطة بالزراعة والصناعات المرتبطة بها، يعني صناعات غذائية خصوصاً، هل بحسب مراقبتكم، هل ما زال هذا القطاع جذّاباً؟

رفيق علي صالح: والله نبّهتني لموضوع هام جداً، أنا برأيي بموضوع الموارد المائية، موضوع الإرشاد المائي، الإرشاد المائي يعني تحصل ندوات، تحصل حوارات، يحصل في الإعلام، وأنتم في الإعلام لكم دورٌ كبير، كيف نوفّر كل ميليمتر مكعب من المياه؟ وهذه مسؤولية الجميع بالمناسبة، يعني أنا عندما أستحم المفروض أن أوفّر قدر الإمكان من المياه.

أليسار كرم: بالسلوك اليومي تقصد للمواطن.

رفيق علي صالح: بالسلوك اليومي، يجب أن يكون هناك توجيه زائد والتوجيه الأهم هو للمزارعين، لأنه أنا أقول لكِ 35% من الموارد المائية العربية تستخدم في الزراعة، وبالتالي لماذا هذا المؤتمر؟ لماذا؟ هذا المؤتمر هدفه أن نبحث عن وسائل لتوفير مياه الري، أنتِ تصوّري أن الهدر بمياه الري 50%، تعرفين في الدول المتقدمة الهدر بالمياه لا يتجاوز 10 إلى 15%، بينما في منطقتنا، طبعاً هذا لأسباب متعدّدة أهمها أنه لا يوجد شعور بالمسؤولية، وتخلّف أساليب الري في العالم العربي، لا بد من العمل جدياً لتطوير أساليب الري وبمختلف المحاصيل، أنا يجب أن يكون شعاري توفير سبل الري.

يمكن هنا المفيد أن أقول لكِ أن الدولة العربية الوحيدة التي ليس لديها عجز مائي تعرفين من هي؟ لبنان، لبنان ليس لديه عجز مائي، لكن لبنان عنده مشكلة هي أغلب مياه الأمطار التي تسقط في لبنان وهي مليارات الأمطار المكعبة تذهب إلى البحر. وأنا من باب الأمانة أريد أن أقول أنه نحن من حوالى خمس سنوات طلبت وزارة الزراعة اللبنانية وبالذات معالي الوزير حسين الحاج حسن كان وزيراً للزراعة طلب منّا أن نجري دراسات لإقامة سدود مائية تخزّن هذه السدود بين 50 و 100 ألف متر مكعب.

أليسار كرم: تعني سدوداً صغيرة نسبياً.

رفيق علي صالح: سدود صغيرة، هذا موضوع استراتيجي جداً، نحن عملنا دراسات لـ 12 سداً مائياً في لبنان، من طرابلس حتى الجنوب، والله نُفّذت أو لا أنا لا أعلم.

أليسار كرم: هناك أساساً نقاش حول جدوة إنشاء سدود وسلامتها على المستوى البيئي، هو نقاش قائم وحاد نسبياً في لبنان خصوصاً، ولكن اللافت أنه في لبنان يتم إنشاء سدود كبيرة، يعني سدود تغذّي نطاقات واسعة جداً وليس بلدة أو بلدتين، تغذّي مثلاً قضاءً أو محافظة. رفيق علي صالح: أخت أليسار لأقول لك شيء، السد مهم جداً ولكن إقامة السدود فكرتها أبسط، زمن تنفيذها أسرع، الاستفادة منها سريعة جداً. وأنا أقول لكِ على سبيل المثال في عام 2018 نفّذنا في سوريا 5 سدود مائية بمناطق الهطولات العالية، بمناطق الساحل السوري، لا أخفيكِ أقسم بالله أتتني مئات الاتصالات التلفونية من أهالي هذه القرى أنكم أنقذتمونا، لماذا؟ لأنهم يستخدمونها بالري التكميلي لبعض المحاصيل أو الأشجار.

إقامة السد مهمة لكن يأخذ وقتاً ويأخذ دراسات ويأخذ وقتاً ليُملأ السد، بينما السد المائي بموسم أمتار واحد، أنا برأيي الدول تسير بالاتجاهين.

أليسار كرم: هل تشجعون أيضاً إنشاء الآبار أم فقط السدود؟

رفيق علي صالح: الآبار هذا موضوع دراسات جيولوجية حسب الحوض المائي ومدى تجدّد المياه في هذا الحوض المائي، يعني هناك مناطق حرام أن يكون فيها آبار وهناك مناطق إذا كانت المياه متجدّدة ممكن أن يصبح هناك آبار وهذه سياسة الدولة، يعني الدول من المفترض أن يكون عندها دراسة للأحواض المائية في مختلف مناطق هذه الدولة أو تلك وعلى ضوء هذا الحوض المائي يقدّرون ويأخذون قراراً، هنا ممنوع وهنا مسموح، لا ندخل واسطة بالممنوع والمسموح.

أليسار كرم: لا نتحدّث عن الوسائط أو عن الآفات السائدة في المجتمعات ولكن كنا نحاول أن نرسم صورة عن الواقع وأيضاً اجتراح بعض الحلول أو المقترحات لتحسين هذا الواقع بالقدر المستطاع الذي ربما لا يحتاج إلى قرارات كبرى وإلى قرارات مصيرية أو اجتماعات تعالج مواضيع معقدة، الموضوع هنا استراتيجي لكنه ليس معقداً لأنه يحتاج فقط إلى تحييد هذا الجانب الاقتصادي المعيشي عن السياسات والخلافات السياسية في العالم العربي ككل.

على كلٍ نشكر لك المعلومات القيّمة التي قدّمتها الأستاذ رفيق علي صالح مدير عام المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة المعروف بـ"أكساد" شكراً جزيلاً لك.

رفيق علي صالح: شكراً.

أليسار كرم: والشكر موصول لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة، إلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد