أكثم سليمان - عماد الدين الحمروني

 

محمد علوش: باستثناء تطابق الرؤى بينهما حول التحريض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يمكن القول، الخلاف بين الرئيس دونالد ترامب وقيادات الاتحاد الأوروبي يشمل جميع الملفات، من الانسحاب العسكريّ غير المنسّق من سوريا، إلى الملفّ النوويّ الإيرانيّ، وصولاً إلى الصلات مع كلّ من روسيا والتركيا، ومن التباين في الموقف من الحرب اليمنيّة، إلى الانقسام الحادّ إزاء الاعتراف الأميركيّ بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

أما العلاقات الاقتصادية بين ضفّتي الأطلسي، فالتباين بشأنها يدخل دائرة الصراع المتدرّج. تبحث أوروبا عن استقلال عسكري يهدّد حلف شمال الأطلسي، ويدعم ترامب الانسحابات من الاتحاد الأوروبي على غرار الانسحاب البريطاني.

الحمائية الاقتصادية وتصاعد النزعة اليمينية، تغذّي الخلافات بين الأميركيين والأوروبيين، فإلى أين قد تصل العلاقات بين الجانبين؟ ما هي الملفات الأكثر حساسيّة بالنسبة إليهما؟ وأين منهما قضايا الشرق المتوسّط في سلّم الأولويات؟

للنقاش معنا من باريس عماد الدين الحمروني أستاذ الجغرافيا السياسية في أكاديمية العلوم السياسية، ومن برلين الباحث في الشأن الأوروبي أكثم سليمان.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله، وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفينا. ونبدأ من باريس، مع الدكتور عماد الدين الحمروني. صباح الخير دكتور الحمروني.

منذ وصول الرئيس ترامب إلى السلطة والخلافات بين الأميركيين والأوروبيين تزداد، وأيضاً هناك تباين يتّسع، تقديركم ما السبب؟ هل هو سبب اقتصادي أم تغيّر موازين القوى في العالم أم رؤية يمينية تسيطر على البيت الأبيض في هذه الفترة؟

 

عماد الدين الحمروني: أولاً تحيّة لك ولضيفك الكريم ولكلّ المشاهدين.

التوترات التي نشهدها تقريباً منذ أكثر من خمس سنوات، أي تقريباً قبل وصول السيّد ترامب إلى البيت الأبيض، هي في الأساس توترات بنيوية على المستوى الاقتصادي، ولكن أيضاً كما تفضّلتم على مستوى التغيّر في موازين القوى الدولية. بالتالي الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2008، الأزمة المالية الحادة التي مرّ بها العالم، الاقتصاديات أصبحت هشّة، فالتطورات الاجتماعية داخل فرنسا وداخل ألمانيا، لأنّ التوأم الفرنسي الألماني هما العمود الفقريّ للاتحاد الأوروبي.

أيضاً التحوّلات السياسية، هناك انهيار للنظام السياسي الأوروبي، بمعنى الفكر السياسي وبالمعنى التنظيمي أيضاً، وشاهدنا صعود اليمين المتطرف واليمين القومي داخل أكثر شعوب الاتحاد الأوروبي، ثمّ ساعد التوتّر أيضاً وصول السيّد ترامب الذي له وجهة مغايرة تماماً للنسق الذي تعوّد عليه الاتحاد الأوروبي في علاقاته السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث الحزب الجمهوري الأميركي والحزب الديمقراطي الأميركي حافظا دائماً على موازنات مهمّة إن كانت اقتصادية أو عسكرية أو مالية بالخصوص مع حليفهم الأكبر، الاتحاد الأوروبي.

ولكن بوصول السيّد ترامب، السيّد ترامب يمثل شعبوية يمينية أميركية، ما زالت له إلى حدّ هذه الساعة حاضنة أميركية قوية جداً، السيّد ترامب هو ضد العولمة بشكلها الأميركي النيوليبرالي بالمعنى القديم، له نظرة ثانية، هو يشجع حركات اليمين، حركات اليمين المتطرّف، حركات اليمين القومي، وبالتالي هناك تداخل ما بين الموقف السياسي الجديد للأميركي، بمعنى البنية السياسية والفكر السياسي الأميركي، وأيضاً التحولات في الموازين الدولية.

 

محمد علوش: نتحوّل إلى برلين مع طبعاً الباحث في الشأن الأوروبي أكثم سليمان.

سيّد سليمان، العلاقة الأوروبية الأميركية لطالما كانت علاقة إيجابية، أو على الأقلّ في تنسيق كبير بينهما، في توافق حول القِيَم المشتركة على العلاقات الدولية، كلاهما يدّعي دعم قِيَم الديمقراطية والليبرالية وإلى ما هنالك.

الآن، هل فلسفة السياسة بين الجانبين، بين ضفتيّ الأطلسي، تباينت؟ وهل عند الأوروبيين هناك الإشكال، أم في مقاربة الولايات المتحدة الأميركية لعلاقتها مع أوروبا؟

 

أكثم سليمان: تحية لك وللسادة المشاهدين وأيضاً لضيفك من باريس.

بالتأكيد كان هناك حديث كثير عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وغير ذلك، لكن أنت محقّ عندما تحدّثت عن الادّعاء بهذا الأمر، عندما يكون هناك ادّعاء، يكون هناك انكشاف لهذا الادّعاء في لحظة ما. ما الذي كان يجري بالفعل منذ العام 1990 وحتى قدوم الرئيس دونالد ترامب في العام 2016 إلى الحكم في الولايات المتحدة الأميركية؟ كان بحث عن الديمقراطية، كان اكتشاف لحقوق الإنسان، كان نشر لمبادئ الحرية، أم كانت هجمة على العالم؟ هجمة غربية في حقيقة الأمر على العالم، باسم العولمة مرّة، والاقتصاد، وباسم نشر الديمقراطية كما في العراق، وباسم مكافحة التعصّب أو التشدّد الديني كما في أفغانستان، كانوا يجدون الحجّة المناسبة كي يقف الجندي الغربي في المكان الذي يجب أن يقف فيه، وهذا يمثّل الغرب جميعاً، أوروبا كما الولايات المتحدة الأميركية، وبدرجات متفاوتة.

ما الذي جرى مع قدوم ترامب؟ الحقيقة أنها عملية اجتماعية سياسية معقّدة، ينشأ في داخل العملية نفسها نوع من ردّات الفعل، من الاعتراضات. ليست كلّ النخب الأميركية موافقة على هذا المبدأ. لم تستفد كلّ النخب الأميركية، وترامب من هذا الاندفاع نحو العالم، تخاف بعض هذه النخب الأميركية من العامل الأميركي الذي يجلس في بيته وقد يقوم بثورة، لأنّ العامل الآسيوي ينتج باسم العولمة البضاعة إلى الولايات المتحدة الأميركية بثمن بخس. إذاً هنا التحرك كان داخل النخب الأميركية، ظهر ترامب وظهر بالتوازي معه وليس بالضرورة لأنه ظهر، ظهرت بالتوازي معه حركات شبيهة في أوروبا، نسمّيها باليمين أو اليمين المتطرف، لكن هي حركات لنقُل فيها نوع من الانقلاب على العولمة، وعندما تنقلب على العولمة ماذا يبقى لديك؟ يبقى لديك طبعاً الناحية القومية.

الناحية القومية سبقت العولمة، والعولمة منذ العام 1990 كانت هي الموضوع الرقم واحد، وعندما تلغي هذه العولمة أو تحاول الهروب منها، ستعود إلى الناحية القومية، ناحية الدول المنفردة كإحدى هيئات الإدارة الأهمّ لشؤون المواطنين في أيّ مكان في العالم. يحاولون تصوير هذا الأمر وكأنّه ردّة قومية إلى الحروب، وكأنه نوع من الاستعداد لمآسٍ قادمة، لكن في حقيقة الأمر، لا ينتخب المواطن الأوروبي إلا مسؤوله في بلده نفسه، أي أنّ المواطن الألماني ينتخب الحزب الألماني أو ينتخب المستشارة بطريقة غير مباشرة، لكن المؤسّسات الأوروبية لا ينتخبها بشكل مباشر، وهذه الفروق أو هذه الالتفافات جعلت من المؤسّسات الكبرى كالاتحاد الأوروبي أمراً بعيداً من هذا المواطن، فردّ فعل المواطن الأوروبي على هذا الاتحاد بالغربة أقصد، لا يتعلق فقط بترامب ومجيء ترامب وذهاب ترامب، إنما يتعلق بظاهرة عامة تمسّ الولايات المتحدة الأميركية، وأحد مظاهرها هو ترامب، تمسّ أوروبا وأحد مظاهرها الأحزاب اليمينية، وليس فقط الأحزاب اليمينية بالمناسبة، هناك أكثر من تحرّك، التحرّك في فرنسا، السترات الصفر ليست حركة يمينية ولكنها حركة في نهاية المطاف، معادية للعولمة ومعادية للبنية السياسية القائمة، وتقول لهم اذهبوا بديمقراطيتكم إلى الجحيم.

 

محمد علوش: سيّد الحمروني، طبعاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عجَلة الاتحاد الأوروبي تسارعت لجهة الاندماج الداخلي، القضاء على التباينات، دفن الخلافات التاريخية بين القوى والشعوب الأوروبية بشكل عام، في سبيل التوحّد. الآن نشهد كأنه إعادة انبعاث من جديد لعمليات التباين القُطرية داخل الاتحاد الأوروبي، تتناسب طبعاً إلى حد ما أو تتماشى مع نزعة يمينية تتصاعد في أكثر من منطقة من العالم، ومنها أيضاً أوروبا بطبيعة الحال.

هل نحن أمام تحوّلات جذرية على المستوى الدولي، ولا سيما في ما كان يُعرَف بالغرب كقطعة واحدة، يُنظَر إليها، كأوروبا وأميركا على صعيد القِيَم والمبادئ والأهداف الدولية، أم أنه فقط صراع اقتصادي ليس إلا؟

 

عماد الدين الحمروني: في الحقيقة، فكرة الاتحاد الأوروبي فكرة قديمة، شهد العرب حروب نابوليون، نابوليون وصل إلى قلب أوروبا، أيضاً قريباً أكثر من نابوليون، هتلر، الحركة النازية، الحركة النازية كانت حركة أوروبية، كان يريد أن يوحّد هذه البلدان الأوروبية تحت عَلَم واحد، فبالتالي الفكرة، فكرة الاندماج الأوروبي فكرة قديمة جداً، بعد الحروب بين فرنسا وبريطانيا، حروب المئة سنة، والحروب بين فرنسا وألمانيا، حروب عميقة جداً.

وبالتالي، فكرة الاتحاد الأوروبي فكرة موجودة في التاريخ الأوروبي، وليست فكرة حديثة، وليست فكرة اقتصادية بالمعنى الاقتصادي والمالي. ولكن تطوّرت بعد الحرب العالمية الثانية، بنتاج الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وأصبح من المهمّ إيجاد حلّ توافقي للابتعاد عن الحروب، وبالتالي جاءت الفكرة، فكرة الاتحاد الأوروبي، من هذا القطاع الاقتصادي أولاً، ثمّ تحوّل إلى القطاع السياسي، وعندما أراد أن يتحوّل إلى قوّة عسكرية وقوّة أمنية مستقلة على الحليف الأميركي الذي ساعد دول الاتحاد الأوروبي في التخلّص من الحركة النازية، وأصبح هنا التصادُم، التصادُم الأميركي الأوروبي، فكلما حاولت الدول الأوروبية الانفلات من القبضة الأمنية الأميركية، إلا وجاء الأميركي بالضغط المالي، بالضغط السياسي، وأيضاً بالضغط الأمني.

نحن نشاهد هذا التفكّك عن طريق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، النزعة اليمينية في إيطاليا، النزعة اليمينية في النمسا وإسبانيا، وبالتالي هذه التحرّكات بالتأكيد اجتماعية بنيوية على مستوى ما أدّت به حركات العولمة على التحرّكات الكبرى داخل النمط الاجتماعي، خصوصاً في فرنسا وألمانيا. اليوم مثلاً الفرنسي يعتبر نفسه محتلاً أمنياً من ألمانيا، وبالتالي هناك أيضاً ما زالت هذه الفكرة عند الفرنسي الذي يتوخى الحذر في علاقته مع ألمانيا. بالتالي الاتحاد الأوروبي هو لن يتفكك بالمعنى العام، لكن سيتغيّر، بمعنى حتى الحركات اليمينية أو اليمين المتطرّف، هي ليست فكرة، ليست ضدّ الاتحاد الأوروبي، ولكن إعادة الفكرة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، واستقلاليته عن القبضة الأميركية.

 

محمد علوش: طبعاً الخلافات بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، سيّد سليمان، تزداد بشكل لافت، لا سيما في ملفات تعتبَر ملتهبة مثل الملف الإيراني، الملف السوري إلى حد ما، العلاقة مع روسيا، مع تركيا، أيضاً الملف اليمني طبعاً. لكن، باستثناء فنزويلا، كان الأمر لافتاً، أي أنّ الموقف الأوروبي وكأنّه يدعم تدخّلاً عسكرياً أميركياً في فنزويلا، وهذا أمر لافت قياساً على ملفات أخرى تتباين، أو يتفق فيها الجانبان، أي الأميركي والأوروبي بشأنها وإن كانا يختلفان حول الآليات التي ينبغي التعامل بها.

تقديركم، إلى أي حد هذا الخلاف أو هذا التوافق في الموضوع الفنزويلي هو صحيح؟ وما الأهداف التي تحمل الأوروبيين للانسياق وراء الأميركيين بشأنه؟

 

أكثم سليمان: بداية، ذكرت الجواب في سؤالك عندما تحدّثت عن الانسياق الأوروبي خلف الولايات المتحدة الأميركية، مع الاختلاف أحياناً في الأساليب. هل هناك خلاف حول إيران؟ أعترض على هذا، أختلف مع هذا الرأي. الاتفاق مع إيران قائم، وقائم بقوة، وذكرته المستشارة الألمانية أنجيلا مركل في مؤتمر ميونيخ الأمني الأسبوع الماضي بوضوح، نحن ننظر إلى إيران نفس النظرة لكن، لكن نحاول الوصول إلى الهدف المطلوب بطريقة أخرى، أي بالحوار، أي بالإغراء، أي من دون خطوات عسكرية.

هذا كلّ الفرق بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، أوروبا تريد الحفاظ على الاتفاق النووي، وبعد ذلك شيئاً فشيئاً، تصل إلى الصواريخ متوسّطة وبعيدة المدى لدى الإيرانيين، أما الأميركي فيقول سنحطّم هذه الصواريخ أولاً، وسنلغي الاتفاق من أساسه، وإلى آخره، ولكن الهدف واحد. أيضاً في الشأن السوري، أين هو الخلاف بين الجانبين؟ إلا إذا كنّا نعتقد أنّ ترامب يريد سحب قواته والفرنسي يريد إبقاء القوات.

 

محمد علوش: طبعاً سنفصّل أكثر في هذه النقطة، آسف على المقاطعة سيّد سليمان، سنأتي على ذِكرها بشكل مفصّل أكثر، لكن يهمّنا في القراءة العامة الآن، لو ذهبنا إلى فنزويلا، كيف تقيّم هذه العلاقة؟

 

أكثم سليمان: معك حقّ. فنزويلا كانت الفضيحة الكبرى في الحقيقة التي قضت على كل آمال بخلافات أو اختلافات أوروبية أميركية حقيقية. أولاً أوروبا بعيدة عن فنزويلا، من حيث المبدأ، اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً، وليس لها في العير ولا في النفير في ما يتعلق بفنزويلا. المشكلة الفنزويلية هي مشكلة أميركية بحتة تتعلق بما يعتبره الأميركيون حديقتهم الخلفية، فما بال الأوروبي يجتمع، البرلمان الأوروبي، المفوضية الأوروبية، الدول الأوروبية، لإلغاء شرعية رئيس والاعتراف برئيس آخر مكانه هو رئيس البرلمان؟

هذه صيغة حرب أهلية، هذه ليست صيغة لا اعتراف ولا سحب اعتراف، هكذا تنشأ الحروب الأهلية، هكذا تبدأ المصائب الكبرى في التاريخ، فما بال الأوروبي يفعل ذلك؟ هل حلم حلماً سيّئاً، فاستيقظ وفعل ذلك؟ هنا ترى أنّ قنوات الاتصال بين الجانبين هي في أفضل حالاتها عندما يتعلق الأمر بخطوة حقيقية استراتيجية مدروسة، لا خلاف بين الإثنين على الإطلاق، ولم يكن أصلاً هناك خلاف إلا في أساليب العمل، والسبب بسيط جداً، أمن الإثنين، وازدهار الإثنين متعلّق ببعضها البعض. أميركا من دون أوروبا لن تزدهر ولن تكون آمنة، وأوروبا من دون الولايات المتحدة الأميركية لن تزدهر ولن تكون آمنة، سواء رغبوا أو لم يرغبوا في هذه العلاقة.

إذاً هي أمور لا علاقة لها بالرغبوية، إنما لها علاقة بالتركيبات السياسية، وهذه الكتلة الغربية، عنوانها في نهاية المطاف أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وتثبت مرّة بعد أخرى أنّها غير قابلة على الإطلاق لسحب البساط من تحت أقدامها، والحال الفنزويلية حال فعلاً أكثر من لافتة في هذا الشأن.

 

محمد علوش: وبالتالي ماذا عن التباين الأميركي الأوروبي في شأن الانسحاب العسكري الأميركي من سوريا؟ أيّ دورٍ للأوروبيين بعد الانسحاب؟

صحيفة الحياة كتبت عن هذا الموضوع. نشاهد معاً.

 

الحياة: دورٌ أوروبي في سوريا بعد انسحاب أميركا، وليد شقير

بعد ما كشفته صحيفة "واشنطن بوست" أول من أمس عن أنّ أقرب حلفاء واشنطن الأوروبيين رفضوا طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إبقاء قواتهم في سوريا بعد الانسحاب الأميركي منها، بات واضحاً كم أن القرار الأميركي بالانكفاء من بلاد الشام لا يستند إلى خطة لليوم التالي.

لولا تنبّه البنتاغون إلى أضرار "خيانة" حلفاء في الميدان السوري، لما كان ترامب التفت إلى الأمر. فهو يرى ألا شيء في سوريا يوجب الاهتمام بها وأنها بلدٌ آل إلى الخراب، ومن مصلحة واشنطن تركه للروس والإيرانيين يتخبّطون فيه.

ومع سعي البنتاغون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه نتيجة قرار الانسحاب، فإنّ صعوباتٍ كبرى تحول دون خفض الخسائر، ليس أقلّها الرفض الأوروبي وتحديداً الفرنسي والبريطاني البقاء على الأرض السورية. فقول الأميركيّين إنّه انسحابٌ تكتيكي وليس استراتيجياً من مهمّة الولايات المتحدة تدمير "داعش"، يناقضه غياب أية خطة لما بعد إتمامه.

ولم يكن عن عبث أن قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في احتجاجه على قرار ترامب: "يُنتظر من الحليف أن يكون محل ثقة". وهي ليست الخيبة الأولى من سياسات البيت الأبيض.

وفي هذه الحال، هناك من يعتقد من قادة الرأي الأوروبيين ألا مناص من أن تأخذ أوروبا دور الولايات المتحدة في الأزمة السورية بالعودة إلى قيادةٍ فاعلةٍ في إدارة الصراع.

 

محمد علوش: نعود إليك أستاذ عماد الدين الحمروني. ما من شكّ طبعاً، اختبار الثقة عند المنعطفات الحادة، يُعتبَر ركيزة أساسيّة في العلاقات الدوليّة. الولايات المتحدة الأميركية لطالما اعتمد عليها الأوروبيون بشكل كبير جداً، بعد الحرب العالمية الثانية.

انهيار الاتحاد السوفياتي كان ثمرة حصدتها، أو كان عبارة عن بيدر تمّ حصده أوروبياً وأميركياً. اليوم، الأوروبيون يبدو أنّهم أكثر امتعاضاً من سياسات الولايات المتحدة الأميركية، ليس فقط سياسة ترامب، أقله ما قاله ماكرون حول أنّ الحليف لا بدّ من أن تجد لديه ثقة، أو أن تجد عنده الثقة المطلوبة أو المنشودة.

الآن ما حصل في سوريا بالنسبة إلى الأوروبيين، هل يُعتبر اختبار ثقة في العلاقات الأوروبية الأميركية بشكل عام، أم أنّه اختلاف حول جزئيات بسيطة في التعامل مع الملف السوري ضمن الإطار العام أو ما يُعرَف بالتفاهم الكلي حول طبيعة هذه الأزمة؟

 

عماد الدين الحمروني: في الحقيقة، على مستوى منطقة الشرق الأوسط، والصراع ما بين الاستعمار القديم أي الاستعمار الفرنسي البريطاني لهذه المنطقة، والاستعمار الجديد الذي هو في صورة الولايات المتحدة الأميركية، ففرنسا مثل بريطانيا تعتبران نفسهما أنّهما ما زالتا القائمتين على هذه المنطقة، لهما مصالح مشتركة مع الكثير من الطبقات السياسية ورجال الأعمال وما إلى ذلك داخل هذه المنطقة، وخصوصاً في سوريا. لكن فرنسا لعبت العديد من الأوراق في سوريا ولبنان، ولكن فشلت في المحافظة على هذه الأوراق.

هي اليوم لديها فقط الورقة الكردية. السلطات الفرنسية تحاول التفاوض المباشر مع النظام الرسمي في سوريا، هناك مفاوضات لفتح سفارة فرنسا في دمشق، ولكن السلطات الرسمية في سوريا ترفض هذا الفتح، إلا إذا تخلّت فرنسا عن الكثير من التدخلات، إن كانت سياسية أو أمنية أو عسكرية. فالخلاف الأميركي الفرنسي هو خلاف مصالح. الولايات المتحدة الأميركية قرّرت الانسحاب، لن تؤجّل الانسحاب، الانسحاب سيكون في غضون ثلاثة أشهر على الأقصى.

الولايات المتحدة الأميركية تنفّذ رؤية سياسية جديدة، رؤية السيّد ترامب. السيّد ترامب له حاضنة كبيرة جداً داخل الولايات المتحدة الأميركية، صحيح، الطبقة السياسية والنخب العسكرية في الولايات المتحدة الأميركية ضد سياسة الرئيس ترامب، ولكن الرئيس ترامب هو مدعوم شعبياً. بالتالي هناك تناقض داخلي في السياسة الأميركية مع الحاجات الخارجية للاتحاد الأوروبي، والسيّد ترامب أولويته هي أن يترشّح في الانتخابات الرئاسية التالية، وأن ينجح في أن يكون رئيساً في الولايات المتحدة الأميركية مرّة أخرى.

أولويات الاتحاد الأوروبي وفرنسا وبريطانيا هي الإبقاء على الأوراق والمصالح التي لديها في هذه المنطقة. نحن يجب أن نفكّر، والمشاهد العربي، أنّه اليوم ليس هناك سياسة دول، هناك سياسة شركات كبرى، شركات عابرة للقارات، شركات الطاقة، شركات المال والبنوك، هي التي تقرّر سياسات هذه الدول. المثال السوري ينطبق أيضاً على المثال الفنزويلي، والاتحاد الأوروبي وبالخصوص فرنسا، لها شركات في الطاقة والنفط ولها بنوك، وتريد أن تكون لها حصة في فنزويلا الجديدة، وهناك تسابق أميركي أوروبي. صحيح هناك وحدة نظر حول الاستعمار، ولكن هناك تسابق حول من يسبق الآخر في المصالح في هذه المنطقة.

أيضاً هناك سباق أميركي صيني، تتدخل أيضاً روسيا، فهناك ضغط على الاتحاد الأوروبي من طرف حلفائه الأميركيين ولكن أيضاً الضغط الجغرافي عن طريق القوة الصاعدة دولياً روسيا، والضغط الاقتصادي والمالي، القوة الكبرى الصاعدة وهي الصين. اليوم الصين لها الكثير من الأسواق داخل الاتحاد الأوروبي، الصين تزاحم فرنسا وبريطانيا وألمانيا في آسيا وفي أفريقيا. روسيا أيضاً لديها نظرة اقتصادية عميقة جداً، الرئيس بوتين أيضاً يدعم بعض الحركات، حركات اليمين الأوروبي، وهناك تداخل كبير، هناك حركة سياسية كبيرة جداً في هذا الاتحاد الأوروبي ربما تفرز قرارات جديدة في النظرة الاستراتيجية.

 

محمد علوش: لنبني على ما تفضّلت به أستاذ الحمروني، وأتوجّه إلى السيّد سليمان، لأسأل، إذا كانت الشركات العابرة للقارات، الاقتصاد هو من يحدّد، الشركات العملاقة هي من تحدّد وترسم سياسات الدول، لا سيما حتى في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، بناءً على ما ورد في المقالة، أنّ مصلحة واشنطن هي ترك سوريا للروس والإيرانيين، بحسب ما يقول في عباراته، يتخبّطون في حين تذهب الولايات المتحدة الأميركية وخلفها فنزويلا، الكنز النفطي، لمناهضة الصين، وروسيا التي تُستنزَف في الشرق المتوسّط.

تقديركم، إلى أي حد هذا يؤثر على حضور الأوروبيين كشريك فاعل وليس تبعاً إلى الولايات المتحدة الأميركية في مقاربة مختلفة؟

 

أكثم سليمان: أعتقد الشخصية الحوتية إن صحّ التعبير، بمعنى ابتلاع كل شيء للعولمة ولأنصار العولمة في السنوات الثلاثين الماضية، لا تترك فرصة لمثل هذه الأفكار التي فيها مقايضة، دعونا نترك هذه ونثبت تلك، وإنما هناك محاولة كما ذكرت لابتلاع كل شيء ممكن في العالم.

بداية دعني أذكّر بالعام 2003، عندما قرّرت الولايات المتحدة الأميركية ضرب العراق، وقامت وقتها ألمانيا وفرنسا بمعارضة هذه الحرب، من أهمّ الأشياء التي تمّ الحديث عنها في البلدين في تلك الفترة، هي اكتشاف كم نحن مختلفون من حيث المبادئ، من حيث القيم، كأوروبيين وكأميركيين. الأميركي يضرب مباشرة عسكرياً، أما الأوروبي فيتيح المجال للحلول الدبلوماسية، أما الأوروبي فيبني على الحوار وما إلى ذلك.

الآن اقفز معي بسرعة إلى العام 2019 أو 2018 و2019. الأميركي يريد الانسحاب، والأوروبي يمسك بثوبه ويقول، ابقَ بأيّ ثمن، لا تتركني وحدي هنا. صار الأوروبي، الفرنسي تحديداً والبريطاني، هو الذي يستجدي البقاء العسكري الأميركي، فتبنى القِيَم الأميركية بأكثر ممّا تبنّاها أصحابها. ما هو حلّ هذا اللغز؟ هل أصبح الأوروبي أميركياً والأميركي أوروبياً؟ بالتأكيد لا.

باختصار، المعادلة تسير على الشكل التالي، السياسات الأوروبية حالياً، وهي سياسات نخب طبعاً، تسير على هدى سياسات أوباما والنخب الأميركية القديمة المعولمة التي كانت تريد ابتلاع العالم بشكل معيّن. لذلك كلهم انزعجوا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية عندما جاء هذا الصبيّ المشاغب الذي إسمه دونالد ترامب، وبدأ كما يقال يكسر في البورسلان هنا وهناك، بغضّ النظر عن رأينا بشخصه وتكسيره ورأيه.

هذا ما جرى فكانت هناك رؤية معيّنة أنّهم اكشتفوا في هذه اللحظة نقطة ضعف، الولايات المتحدة الأميركية فيها سلطات الرئيس قوية جداً، سلطات الرئيس التنفيذية، ومؤخراً كما رأيتم، أعلن حال الطوارئ. إذاً هذه المنظومة فيها نقطة ضعف، يأتي الناخب برئيس غير محسوب حسابه، فتُشَلّ المنظومة من أساسها. ما الحلّ؟ الحلّ كان التحرّك عبر مؤسّسات الدولة الأميركية العميقة، البنتاغون، الخارجية، السي آي إيه، وعبر الحلفاء، أوروبا، من أجل كسر قرارات الرئيس ترامب.

ما الذي جرى تحديداً في الحال السورية؟ قرار بالانسحاب، منذ الحملة الانتخابية في العام 2016، تمّ التأجيل تلو التأجيل تلو التأجيل إلى نهاية العام 2018، تمّ إقرار الأمر، ويريد الآن بتغريدة أن ينسحب. وصلنا الآن إلى أنه سيُبقى 200 جندي، وأن يترك 200 جندي، يترك غيرهم. هنا تلاحظ المعركة كيف دارت وكيف انتهت، لقد كُسِر قرار ترامب على يد الدولة العميقة الأميركية، وكُسر قرار ترامب على يد الأوروبيين الذين تابعوا السياسة العسكرية في سوريا، وهو أمرٌ لافت لأنّها ليست سياساتهم التقليدية.

 

محمد علوش: طبعاً سنكمل في هذا النقاش، لا سيما في العلاقة المرتبطة بإيران، في العلاقة المرتبطة بروسيا وتركيا، وسنلتفت إلى حد ما إلى الملف اليمني، لنرى إذا ما كان هناك تباين في الموقفين الأميركي والأوروبي.

بعد الفاصل مشاهدينا، نرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: أهلاً بكم من جديد.

ملف الإرهاب في سوريا يحتلّ أهمية في العلاقات الأميركية الأوروبية، ولا سيما ملف العائدين من تنظيم داعش إلى بلادهم الأوروبية. فكيف يقارب الأوروبيون والأميركيون المسألة؟

الخليج الإماراتية كتبت عن هذا الموضوع. نشاهد معاً.

 

الخليج الإماراتية: معضلة "دواعش" أوروبا، يونس السيّد

ما بين التشكيك الأوروبي وحتى الرفض الصريح من بعض الدول الأوروبية للطلب الأميركيّ، باستعادة مئات "الدواعش" المعتقلين لدى كرد سوريا، وتهديد إدارة ترامب بإطلاق سراحهم، واعتبارهم من جانب الكرد "قنبلة موقوتة"، يبرز السؤال الأهم، وهو ما مصير هؤلاء "الدواعش" وعائلاتهم؟ وكيف يمكن حل هذه المعضلة؟

تقر الدول الأوروبية، وخصوصاً بريطانيا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا، بأن المئات بل الآلاف انطلقوا من أراضيها، للالتحاق بتنظيم "داعش" في غياب إجراءات فاعلة للأمن حينذاك، لكنها ترفض الآن استعادتهم، لاعتبارات تتعلق بالأمن أولاً، وثانياً لأنها ترى في الطلب الأميركي نوعاً من الضغط على أوروبا، والمطالبة بدفع أثمانٍ سياسيّةٍ، بالمقابل، والقبول بالانخراط في الخطط الأميركية لما بعد الانسحاب من سوريا، سواءٌ عبر تحميلها مسؤوليّة حماية المنطقة الكردية، أو تحويل قواتها المشاركة في التحالف الدولي إلى قواتٍ دوليّة، للفصل بين المناطق الكردية والقوات التركية، المتحفّزة لمهاجمتهم، والحيلولة دون عودة تلك المناطق إلى سيطرة الحكومة السورية، كما تطالب روسيا.

تنطلق أوروبا في رفضها عودة هؤلاء "الدواعش" من خلافها مع واشنطن بشأن الانسحاب الأميركي من سوريا، واختلاف تقييمها لهزيمة "داعش"، وانتهاء "خلافته المزعومة" جغرافياً، لكنها ترى أنه لا يزال يشكل تهديداً عالمياً. لكن ماذا لو توصّل الكرد إلى اتفاق مع دمشق، وهو أمر لم يعد مستبعداً، وعندها ستكون مشكلة "الدواعش" أكثر تعقيداً للأوروبيين والأميركيين.

 

محمد علوش: ونعود مرّة جديدة إلى باريس مع الدكتور عماد الدين الحمروني.

طبعاً الدراسات البحثية تشير إلى وجود حوالى خمسة آلاف مقاتل ممّن يحملون الجنسيات الأوروبية، يقاتلون في صفوف التنظيمات المتطرّفة في سوريا. عودة هؤلاء ليست بالرقم الهيّن والسهل. الولايات المتحدة الأميركية تضغط على الأوروبيين لعودة هؤلاء. الأوروبيون يريدون أن يتجاهلوا هذا النداء، أو أن يحرّروا أنفسهم من تبعات حملة هذه الجنسيات.

تقديركم، إلى أي حد هي مشكلة حقيقية بالنسبة إلى الأوروبيين؟ هل هو في إطار مناكفات بين الأوروبيين والأميركيين، أم أنّه تهديد بالفعل للأمن القومي الأوروبي إذا صحّ التعبير، عودة هؤلاء طبعاً؟

 

عماد الدين الحمروني: نعم، بالطبع، هناك تهديد مباشر للأمن الأوروبي، لأن هؤلاء سبق أن قاموا بعمليات إرهابية في الداخل الفرنسي والإسباني وفي بريطانيا أيضاً، وفي فرنسا سقط أكثر من 350 ضحية، ضحية إرهاب هذه الجماعات وهؤلاء الأفراد. العملية بالمعنى السياسي هي ورقة ضغط أميركي على الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا وبريطانيا، لتمكين كما تفضّل تقريركم، بقاء بعض القوات لحماية الكرد، هناك أيضاً تخوّف، هناك صخب إعلامي وسياسي داخل فرنسا، هناك نقاش حاد جداً بين النخب السياسية وبين الرأي العام الشعبي الذي يرفض بتاتاً عودة هؤلاء الإرهابيين.

قضية ثانية أيضاً، التورّط السياسي، يُنظَر أنّ الاتحاد الأوروبي ودولاً مثل بريطانيا وفرنسا وتشيكيا أيضاً، كانت متورّطة مباشرة في الحرب السورية، وأنّ هؤلاء مرّوا بالآلاف إلى الأرض السورية، مَن موّلهم؟ مَن سلّحهم؟ كيف وصلوا إلى سوريا؟ وما إلى ذلك، كلّ هذه الملفات ستخرج إلى العلن.أيضاً هناك المسألة القانونية، إذا كانت عودتهم إلى فرنسا، وكيف سيُحاكَمون، المسألة الإنسانية، نتحدّث عن بعض النساء وبعض الأطفال. هل يجوز أن نعيد هؤلاء النسوة والأطفال؟ وبالتالي هناك تداخل القضية القانونية مع القضية الإنسانية مع القضية السياسية.

الاتحاد الأوروبي ودول الاتحاد الأوروبي هي إلى حدّ هذه الساعة ترفض عودة هؤلاء الذين تقريباً على مستوى فرنسا هم 800 ألف شخص، ولكن فرنسا تحاول إعادة بعضهم الذين يملكون جنسيات أخرى مثل الجنسية الروسية والأميركية وغير ذلك، أن يعودوا إلى بلدان شمال أفريقيا ولا يعودون إلى الاتحاد الأوروبي مثلاً. هناك نقاش حول هذا الموضوع، ولكن الولايات المتحدة الأميركية والسيّد ترامب بالتحديد قرّر، إما أن تتسلّم دول الاتحاد الأوروبي هؤلاء، أو أن يُطلق سراحهم، بمعنى أن يطلق سراحهم أن هناك مفاوضات بين الكرد والنظام الرسمي السوري بتسليم هؤلاء إلى النظام الرسمي السوري.

سوريا الآن، هناك مفاوضات غير مباشرة بين الفرنسيين والسوريين حول هذه النقطة أيضاً، من يتسلم هؤلاء. فبالتالي أصبحت قضية دواعش أوروبا، والجيش الداعشي الأوروبي، هل يبقى في سورية، هل ينتقل إلى مناطق أخرى، هل يعود إلى بلدان شمال أفريقيا عن طريق ليبيا وتونس مثلاً. فهناك مفاوضات كثيرة جداً حول هذا الملف، ولكن يبقى هذا الملف ملفاً سياسياً بدرجة أولى، وملفاً أمنياً، خاصة أنه يهدّد كما قلت وكما قال التقرير، يهدّد الأمن الأوروبي في عودة هؤلاء الذين هم لديهم.

 

محمد علوش: هنا نقطة جداً جوهرية يراها البعض، وطبعاً الحديث للضيفين الكريمين، وهي أنّ الولايات المتحدة الأميركية كانت تسعى لكشف الخلايا النائمة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي افتعال أزمة في سوريا كان يصبّ في المدى البعيد، وهو استدراج هؤلاء إلى منطقة صراع مع عدو مقابل له، وهو إيران وحزب الله في سوريا. تدخل روسيا في هذا الجانب كان خوفاً من تمدّد هؤلاء من سوريا إلى جنوب روسيا، طالما أنّ الحدود قريبة إلى حد بينهما، لا يفصل بينهما إلا تركيا.

أعود إليك هنا سيّد أكثم سليمان الباحث في الشأن الأوروبي، لأسأل، انطلاقاً ممّا قلت، تقديرك، هل هذا ساعد إلى حدٍ ما في نوع من كما يسمّيه البعض، تفاهم أميركي روسي في سوريا، حول موضوع عزل هؤلاء أو التعامل مع هؤلاء ضمن بيئة محدّدة من دون انتشارها إلى مناطق أخرى؟

 

أكثم سليمان: هو تفاهم ترامبي روسي، تحديداً من قبل ترامب وليس من قبل الهيئات الأميركية الأخرى. أذكّر بأنّ الرئيس دونالد ترامب، ورغم مساوئه الأخرى، إلا أنه في حملته الانتخابية ذكرها صراحةً، وقال نحن الذين أنشأنا داعش ونحن الذين دعمنا ونحن الذين فعلنا، وذكرت قبل قليل الفكرة خلف هذا الموضوع.

بالنسبة إلى الموضوع الكريم الذي ذكره ضيفك الكريم من باريس، أودّ الاعتراض عليه. الموضوع سياسي بحت وليس له أي أساس قانوني. في الأسس القانونية، هناك أمران إثنان، إما تُحاكَم حيث ارتكبت جرائمك، وهذا ما كان إسمه الجمهورية العربية السورية. الآن أعجب هذا الموضوع ماكرون أو لم يعجبه، أعجب زوجته أو لم يعجبها، هذه قضية أخرى. الأمر الثاني، أن تُعاقَب وفق جنسيتك، لكن أن تصنع غوانتانامو في مناطق كردية، أي منطقة خارج القانون، وتحمى أوروبياً، فقط كي لا تحصل المحاكمة، وهذه كذبة كبيرة.

ستسمعون كثيراً في الأيام المقبلة، مسؤولين أوروبيين يقولون لكم، يا أخي ليس لدينا شهادات لشهود حول ارتكاب هؤلاء لجرائم، هم كانوا مع داعش، نعم، لكن لم يشاهدهم أحد يقصّون الرؤوس. أذكّر أنّ منير المتصدق، الطالب المغربي الذي كان في ألمانيا، في العام 2001، والذي حوّل مبلغاً من المال لصالح محمّد عطا ومرتكبي هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، أخذ خمسة عشر عاماً مقابل هذه الأمور التحويلية التسهيلية، هؤلاء ماذا يفعلون في سوريا؟ سياحة مغامرات؟ سياحة ماذا؟ معروف ماذا يفعلون في سوريا، وهم على الأقلّ، يمكن محاكمتهم وفق القوانين التي اجتُرحت بعد 11 أيلول (سبتمبر) في أوروبا، في جميع الدول الأوروبية، هناك قوانين تمنع الدعم والانتماء والعضوية لأيّة منظمة إرهابية خارج البلاد، أيضاً خارج البلاد، أي أنّ الأمر لم يعد كما كان قبل 11 سبتمبر. المادة القانونية واضحة ولكن واضح أنّ هناك صمتاً كاملاً حول هذا، لأنّ الموضوع فعلاً سياسي بحت، وليس قانونياً بهذا المعنى، إنما الروسي والأميركي، نعم، متفقان.

 

محمد علوش: لو تجاوزنا النقطة القانونية، وقلنا إنه سياسي بامتياز، وأنه يتعالى أساساً على القانون، وفيه ضرب من البلطجة بين قوسين، سيّد الحمروني، طبعاً ربطاً بالملف السوري، يمكن الحديث عن العلاقة مع إيران ومع روسيا، خاصة أنّ كليهما له حضور ونفوذ في سوريا من باب المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية كما يرى البعض.

تقديركم، إلى أيّ حدّ هناك تباين في الموقف الأميركي الأوروبي من مقاربة الملفات الشائكة بين كل من روسيا وإيران؟

 

عماد الدين الحمروني: في الحقيقة، على مستوى الملف الإيراني والعلاقات الأوروبية الإيرانية والعلاقات الإيرانية الأميركية، يجب أن نذكّر بأنّ الثورة الإسلاميّة في إيران قامت على شعار الموت لأميركا بين قوسين، أي أنّ السياسة الإيراني معادية جذرياً للولايات المتحدة الأميركية، وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية كنظام سياسي، عدو الشعب الإيراني، وعدو الثورة الإسلامية في إيران، في حين أنّ العلاقة مع الاتحاد الأوروبي مختلفة جداً، هناك علاقة سياسية، هناك علاقات اقتصادية، علاقات ثقافية.

وبالتالي رغم المواقف السياسية الحادة أيضاً التي يأخذها بعض الزعماء السياسيين داخل الاتحاد الأوروبي، وهذا يعود إلى ضغط اللوبي الصهيوني وماكينته الإعلامية وماكينته السياسية، ولكن بالمعنى الأساسي، الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، هناك علاقات مهمة جداً بين دول الاتحاد الأوروبي، وتخللتها على مدى أربعة عقود، إيران كانت لها علاقات مميزة مع ألمانيا، ثم تحوّلت إلى علاقات مميزة مع إيطاليا، بعدها مع فرنسا، وبالتالي هناك حاجة إيرانية إلى الاتحاد الأوروبية، وأيضاً هناك حاجة أوروبية إلى إيران، لأنها تمثّل جغرافيا مهمّة بالمعنى السياسي، وتمثل بالمعنى الاقتصادي والمالي والاستثماري، إن كان في الطاقة أو في استثمارات أخرى، بلداً مهماً لاقتصاديات الاتحاد الأوروبي. ولذلك نشاهد العديد من الشركات الكبرى الألمانية والفرنسية والإيطالية وحتى الإسبانية حاضرة في المشهد الاقتصادي والصناعي الإيراني.

يجب التذكير أيضاً أنّ السيّد روحاني رئيس جمهورية إيران هو من باشر المفاوضات النووية، وكان مسؤولاً في هذه المفاوضات، وهو صاحب فكرة استمالة الاتحاد الأوروبي لصالح الآراء الإيرانية، واستطاع بإيجاد شروط ما، الوصول إلى بعض الموافقات، ثمّ جاءت الحكومات التي جاءت بعده، إن كان السيّد خاتمي، أو السيّد أحمدي نجاد، وواصلوا في هذه العلاقة، وإن كانت هناك توترات بين الحين والآخر، ولكن استطاع الاتحاد الأوروبي نسج مع وزير الخارجية حينها السيّد كيري والسيّد ظريف وزير خارجية إيران، وجود الحلول البينة لإيجاد حل نهائي للمسألة الإيرانية. وبالتالي هناك تعاون أوروبي روسي صيني أيضاً أميركي للوصول إلى حل.

على مستوى العلاقة مع روسيا، العلاقة مع روسيا متشنجة أوروبياً. الملف الأوكراني ملف معقد جداً، ألمانيا تقف ضد أي تطوّر في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، فرنسا إيمانويل ماكرون حاولت مدّ اليد إلى روسيا، السيّد بوتين حاول أيضاً مدّ اليد إلى فرنسا، ولكن الضغوط الأميركية الكبيرة جداً على فرنسا منعتها من أن تتطوّر العلاقات الفرنسية الروسية، لأنّ هناك مثلثاً مهماً يستطيع هذا المثلث عمل الكثير في العلاقات الدولية، وهو إيران، روسيا، فرنسا، لكل من هذه الدول الثلاث، حضارة وتاريخ سياسي كبير جداً وعلاقات، إن كانت علاقات بالمعنى الجغرافي أو الاقتصادي.

 

محمد علوش: يبدو الأميركي لجهة تطوّر العلاقات أو تحسّن العلاقات الأوروبية الروسية، ومن ضمنها أيضاً العلاقة مع تركيا، أقصد الروسية مع تركيا، هو قلق أميركي سيّد سليمان، وهذا القلق منبعه إما من الغاز الروسي عبر أكثر من خط السيل الجنوبي، والسيل الشمالي 2، للقارة الأوروبية، أو عقد شراكات عسكرية بين تركيا وروسيا كما تبيّن في صواريخ أس 400.

تقديركم، إلى أيّ حدّ يستطيع الأوروبيون والأتراك تشكيل هامش بعيد عن وصاية الولايات المتحدة الأميركية في بناء شراكة مع الاتحاد الروسي؟

 

أكثم سليمان: الأوروبي لينسَ الأمر من أوله، لا يمكن له، ما دام ليس لديه جيش، وليس لديه قادة جيش موحدون، ولا سياسة خارجية موحّدة، فلن يستطيع تأسيس أي شيء خارج سلطة الولايات المتحدة الأميركية، وإنما يستطيع كما ذكرت أن يكون في خدمة نخب داخل الولايات المتحدة الأميركية على حساب نخب أخرى. هو في القضية الإيرانية يخدم نخب الخارجية والبنتاغون والسي أي ايه على حساب نخب البيت الأبيض، إن شئت، على أساس أنّ إيران عندما تعتاد على هذه المنصّة الجديدة للتمويل، وعندما تستمتع بالازدهار، ثمّ يوقف الأمر، بعد ذلك، تستسلم من تلقاء نفسها، فلا داعي لاستخدام العمل العسكري.

إذاً الأوروبيون بعيدون جداً لأسباب موضوعية، وليس لأسباب الآن يرغبون أو لا يرغبون، عن فكرة النأي بأنفسهم عن الولايات المتحدة الأميركية، اسأل الأوروبي في الشارع، سيقول لك يشعر بالأمن لأنّ الولايات المتحدة الأميركية موجودة وليس لأن جيش بلاده موجود. الجيش الألماني بالمناسبة حوالى 170 ألف إنسان، جيش محترف أغلبه إداريون، تتخيّل أنه لا يمكنه حماية كلّ هذه المساحة وإنما عن طريق التحالفات، والتحالفات عنوانها الولايات المتحدة الأميركية.

لا بالنسبة للشأن التركي، طبعاً السيّد أردوغان يُحسن الرقص الشرقي بطريقة فعلاً ملفتة، سواء باتجاه موسكو أو باتجاه واشنطن، أحياناً باتجاه دمشق وباتجاه طهران، يصعب تماماً الحديث عن محاولته الاستقلال عن الولايات المتحدة الأميركية، بقدر ما يخطر في بالك أحياناً أنه يحاول إثارة غيرة الولايات المتحدة الأميركية، يقترب قليلاً من موسكو، يقترب قليلاً من طهران، يبتعد قليلاً عن هذا وذاك، لكن كخط استراتيجي، أيضاً تركيا كعضو في حلف شمال الأطلسي، أيضاً تركيا كتاريخها منذ الخمسينات، منذ دخولها هذا الحلف، تركيا كتموضع في هذه المنطقة، أقصى ما يمكنها أن تصل إليه أن تبقى في داخل هذا الحلف، في خدمة نفس السياسات، لكن مع فتح باب جديد في ما يتعلق بقضايا محدودة. هنا الشأن السوري تحديداً، التعامل مع روسيا ليس بسبب كرم تركيا وانفتاحها على موسكو، التعامل مع روسيا لأنّ روسيا موجودة في الأراضي السورية، ولا يستطيع التركي كما يعلم أن يفعل أيّ شيء من دون أن تسمح له موسكو في سوريا، وهذا هو السبب الرئيس.

 

محمد علوش: سيّد الحمروني، مستقبل العلاقات الأميركية الأوروبية، هل هي إلى مزيد من التبايُن؟ وهل قد يترجم بخلافات حادة، خاصة أننا نشهد على الصعيد الاقتصادي توتّرات لا تقلّ عن التوتّرات بين الصين والولايات المتحدة الأميركية؟

 

عماد الدين الحمروني: في الحقيقة، أريد أن أعود لملاحظة حول المسألة التركية الأوروبية والمسألة التركية الروسية. يجب أن نلاحظ أنّ الرئيس بوتين ضرب بالمعنى الاستراتيجي، شيئاً مهماً جداً، وقام بعمل مهم جداً، عندما جاء بمنصة آستانة. منصة آستانة مهمة جداً، التغيّر التركي والتحوّل التركي في العلاقة الإيرانية الروسية، هذا التحوّل تحوّل عميق جداً، صحيح أنّ تركيا ما زالت تحت الضغط الأميركي، ولكن تركيا تلعب بذكاء استراتيجي جيد جداً، والجغرافيا التركية تسمح بهذا. الرئيس أردوغان لديه أخطاء، لديه مصالح تنتقد، تتفق معه بأمور وتختلف معه بأمور، ولكن الروسي استطاع استمالة التركي بالمعنى الاستراتيجي، والآن آستانة هي المنصّة الكبيرة جداً في المنطقة، أي أنّ المنتصر في المنطقة، منطقة الشرق الأوسط، هو التركي والإيراني والروسي. هناك صعود سوري سيأتي، وهناك صعود يمني سيأتي، ولكن هذه المنصّة باقية، وهذه أكبر خسارة سياسية منيَ بها الاتحاد الأوروبي، ولكن المفاوضات الترامبية الروسية جعلت المحافظة على المصالح الأميركية تحكمها الآن منصّة آستانة خارج المصالح الأوروبية.

أعود إلى سؤالك، نعم، العلاقة متوتّرة جداً مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذه العلاقة كما تفضّل ضيفكم من برلين، هي علاقة عضوية، علاقة عسكرية أمنية سياسية اقتصادية. يجب أن نذكّر أنّ اقتصاديات الاتحاد الأوروبي، أكثر من 60 في المئة من رأسمال الشركات الكبرى في أوروبا هي لصالح شركات كبرى أميركية، وبنوك كبرى أميركية، وبالتالي الاتحاد الأوروبي تحت الحماية الأميركية، بالمعنى العسكري الأمني، تحت الحماية الأميركية بالمعنى الاقتصادي، فبالتالي لا يستطيع هذا الاتحاد الأوروبي الخلاص من القبضة الأميركية على مستوى السنين المقبلة.

 

محمد علوش: أرجو أن نكون قد قدّمنا مقاربة إلى حد ما موضوعية وأيضاً شاملة لطبيعة العلاقات الأوروبية الأميركية، وتأثيرها على قضايا الشرق الأوسط، القضايا التي تهمّنا هنا في هذه المنطقة.

كلّ الشكر والتقدير لكل من ضيفينا، من برلين أكثم سليمان وهو باحث في الشأن الأوروبي، شكراً جزيلاً لك، ونشكر من باريس طبعاً الدكتور عماد الدين الحمروني أستاذ الجغرافيا السياسية في أكاديمية العلوم السياسية.

ولكم كل الشكر مشاهدينا لحُسن المتابعة. إلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد