سرقة الآثار في المشرق

بعد سنوات من الحرب على البشر والحجر من يسرق الآثار ويسعى لمحو الذاكرة في المشرق؟ من يتاجر بها، وكيف تكون آليات استعادة الآثار، لتعود رافداً ثقافيا داعماً للهوية الحضارية.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، لم تكن آثار المشرق عرضة للسرقة والانتهاك كما حالها في معمعة الحروب الحالية على البشر والحجر. صحيح أن سرقة الآثار والاتجار بها ليست وليدة ساعتها بل هي متواصلة منذ 150 عاماً وإن بوتائر متفاوتة، وبات لها مافياتها ومزاداتها والمروّجون والسماسرة والعملاء الداخليون والجهلة واللامنتمون، وعندما نعود قليلاً إلى الوراء نرى حكاماً قد فرّطوا بها منذ أيام علي بيك الكبير ورؤساء أهدوها كرمى مكسب سياسي. المهم كيف تُحمى الآثار وكيف تستعاد لأنها الخزانة الثقافية ومكتبة الشعوب، وفي مشرق تحت كل حجر فيه حكاية، من المهم جداً عدم سرقة الحكايات أو تدميرها، والأستاذة جوان فرشخ بجالي ممّن اهتموا بهذا الإرث وحمايته عملاً وكتابة وها نحن نستقبلها في أجراس المشرق لمتابعة هذا الشأن الذي يؤرق من يحاولون حماية الإرث الثقافي لهذه البلاد، قبل الحوار تقرير عن واقع وتهريب وسرقة الآثار خلال الحروب الأخيرة.

تقرير:

ما إن احتلّ الأميركيون العراق عام 2003 حتى شهد أعتى سرقة آثار في التاريخ حيث تقدّر عالمة الآثار العراقية لمياء الكيلاني التي توفيت أخيراً أن عدد القطع الأثرية المسروقة من متحف بغداد بعد عام 2003 بلغ نحو مئتي ألف قطعة، وطال التنقيب الجائر واللصوصي مواقع كثيرة، وانقضّ الدواعش على متحف نينوى الذي كان يضم قطعاً أثرية نادرة يعود معظمها إلى الحضارتين الآشورية والأكادية، كما سرقوا القطع الأثرية الصغيرة وحطّموا مجسّمات أثرية يعود تاريخ بعضها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، ودمّروا مدينة نمرود الآشورية التي تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد وسوّوها بالأرض.

أما في سوريا فقد استولى داعش والنصرة وباقي الإرهابيين على أكثر من 300 موقع أثري دمّروا بعضها وألحقوا أضراراً جسيمة بالبعض الآخر، وهي آثار من ماري ودورا أوروبوس وتدمر ومن حقبات الكنعانيين والبيزنطيين والعثمانيين، ووصلت قيمة ما سُرق وتم تهريبه من سوريا نحو ملياري دولار وعُرضت المسروقات في لندن واسطنبول وبروكسل، إضافة إلى سرقة متحف الرقة ومعرّة النعمان وتدمير جائر في المدن الميتة.

كما شارك في سرقة الآثار مواطنون محليون يقومون بالحفر عشوائياً أو بحسب توجيه مافياوي، ثم يبيعون ما يجدونه لتجار معظمهم قرب مواقع الحفريات حيث يعيدون بيعه بمبالغ هائلة لشبكات تجارة الآثار، كما توجد عصابات تعرف عما تبحث ولديها معدات حديثة.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بكِ أستاذة بجالي، أنتِ كنتِ ضيفة عزيزة سابقاً قبل أكثر من سنة ونصف السنة وكنا فتحنا هذا "الكوريدور" باتجاه الإضاءة على ما يُسرق من هذا الإرث الثقافي العظيم لهذه البلاد، أريد أن أبدأ في هذه الحلقة بسؤال لكِ عن واقع الآثار في المشرق في السنوات التي خضعت لهذه الحرب التي عمرها أكثر من ثماني سنوات في سوريا وأكثر في العراق، سرقتها، الاتجار بها، وإذا سمحتِ لنبدأ من سوريا.  

جوان فرشخ بجالي: مساء الخير، شكراً جداً على متابعة هذا الموضوع الدقيق والصعب جداً والمؤلم جداً بالنسبة لي، أبدأ من سوريا، حرب سوريا كانت قاسية جداً وأقسى في موضوع الآثار لأننا حين نقارن بين سوريا والعراق نجد أن موضوع السرقة والاتجار بالآثار في العراق بدأ في العام 1991 واستمر حتى سرقة متحف بغداد حتى 2003 – 2004. مع الأسف عند بدء الحرب السورية لم تستغرق هذه المدة 13 أو 14 عاماً بما يتيح للمافيات من تنظيم نفسها ووضع آلية للسرقة، بدأت مباشرة من حيث وصل العراق، كانت عملية نقل حدود، انتقلوا من العراق إلى سوريا وتابعوا في سوريا بنفس الطريقة وبنفس الوتيرة التي اتبعوها في العراق والتي استغرقت 14 أو 15 عاماً ليصلوا إليها، لذلك حين بدأت السرقة في سوريا بدأت بشكل مهول، بشكل نزيف، تدمير للمواقع الأثرية عبر الجرافات أو عبر عمّال ينزلون إلى المواقع، بدأت في كل المناطق، لم تكن هناك رحمة للمناطق، صوَر الأقمار الصناعية من أفاميا أظهرت تحوُّل أفاميا خلال سنوات إلى بقعة على سطح القمر.

غسان الشامي: نحن شاهدناها خلسة والجرافات كانت تعمل. 

جوان فرشخ بجالي: سوريا تعرّضت لعملية تدمير للمواقع الأثرية بسبب السرقة، المواقع الأثرية في سوريا تضرّرت بسبب الحرب، المدن التاريخية في سوريا تضرّرت بسبب الحرب، هناك إهمال بسبب الحرب، من ناحية أخرى هناك وعي لحجم الخسارة التي تكبّدتها سوريا ومن ناحية أخرى هناك حرب ودولها بدأت تنتهي الآن من الحرب. إشكالية صعبة جداً، والذي أثرّ على الموضوع أن سوريا قبل الحرب كانت دائماً في حملاتها الدعائية حول العالم تعرّف عن نفسها بأنها أرض الحضارات والسياحة فيها كانت على هذا الأساس، لذلك كان الشعب مدركاً لأهمية تاريخه، من جهة هو مدرك لأهميتها وضرورة المحافظة عليها ومن جهة أخرى كان يعي أنه في حال الحرب يستطيع الحصول على مردود مادي منها، هذا موضوع يسهّل في عملية سرقة الآثار. لا نستطيع القول بعدم وجود سرقة آثار قبل الحرب وإلا فإننا نضحك على أنفسنا، سرقة الآثار موجودة.

غسان الشامي: منذ نزول أول أجنبي في بلادنا ونقّب على موقع وكشفه استمر الأمر.   

جوان فرشخ بجالي: منذ أن وصلوا والذهب يرنّ في جيوبهم، نحن اكتشفنا أن هذا الحجر الذي نعرفه ويعرفه أجدادنا لدينا القدرة على بيعه، من هنا كان أول اكتشاف لأهميتها المعنوية والمادية. 

غسان الشامي: إذا ذهبنا إلى التسمية سيّدتي، الجهات التي تساهم في سرقة هذه الآثار خلال سنوات الحرب هل يمكن تسميتها؟

جوان فرشخ بجالي: ليست جهة واحدة، هناك أناس تطلب أو تطمح أو تحب وتستغل الحروب لتأخذ ما تريد من تاريخ الشعوب، وكما مافيات تجارة السلاح مثلاً عند حصول حرب يظهر فجأة تجّار السلاح في المنطقة بكل آليّاتهم فالأمر نفسه حصل خلال الحرب في العراق أو في لبنان، في أوقات الحروب تظهر مافيات سرقة الآثار التي تسأل وتستشير، أية قطعة تحبون؟ من أية فترة زمنية؟ ماذا تحبون أن نؤمّن لكم من القطع؟

غسان الشامي: يعني نؤمّن لك على ذوقك.

جوان فرشخ بجالي: نعم وهذا كان واضحاً في سرقة متحف بغداد، كانت السرقة بناء على طلبات.

غسان الشامي: لنفسّر أكثر إذا سمحتِ، كان مطلوباً سرقة الخط الابراهيمي لإسرائيل مثلاً كما كان مطلوباً السرقة التي ذهبت إلى تركيا، لنعيّن لأنه غير المافيات العالمية التي تتاجر في هذا الموضوع ذكرتِ موضوع الدول، مَن هي؟

جوان فرشخ بجالي: إسرائيل ترغب جداً باقتناء كل الآثار التي تمتّ للتاريخ العبري بأية صلة لدرجة أنهم أقاموا معرضاً في القدس تحت إسم "تيجان دمشق" واعترفوا أن الموساد قام بسرقة التوراة من دمشق.

غسان الشامي: متحف جوبر.

جوان فرشخ بجالي: نعم أخذوها من الكنيس، هم يهتمون بإثبات أن التاريخ العبري محصور عندهم فلا مشكلة لديهم في الحصول على الآثار أينما كانت، هذا إذا تحدثنا كدول إن كانت هي كدولة أو أحد المموّلين فيها، الغاية تبرّر الوسيلة. هناك متاحف أخرى تنشأ حول العالم بحاجة إلى مجموعات كي تثبّت وجودها، الأمر عرض وطلب، كلما زاد الطلب يزيد العرض. عندما تقع الحروب تنقلب المقاييس فيزيد العرض كي يلبّي الطلب.

غسان الشامي: وترخص الأسعار.  

جوان فرشخ بجالي: عندما تبدأ الحرب تكون الأسعار مرتفعة جداً لتحفيز الناس على السرقة، وكلما طالت الحرب هبطت الأسعار.   

غسان الشامي: ما المطلوب من الدولة السورية لحماية آثارها؟  

جوان فرشخ بجالي: نحن لا نشور على الدول بما يجب أن تقوم به ولكن الدولة السورية بحاجة إلى ميزانية هائلة، الأمل بألا نكرّر خطأ لبنان بحيث أن وزارة الثقافة في لبنان يتمّ وضع ميزانيتها لاحقاً وتكون الأولوية للأشغال وإعادة الإعمار. عندما تخصّص الدول ميزانية لوزارة الثقافة فهي تعمل على حماية إرثها. المطلوب إذاً أولاً هو رفع ميزانيتها إن كان لإعادة الإعمار أو وقف التصدير.

غسان الشامي: إذا انتقلنا إلى العراق وهو مع سوريا البلدان الأكثر تضرّراً في موضوع الآثار، ما هو الواقع من 2003 حتى اليوم أي منذ دخول الأميركيين إلى العراق حتى اليوم؟

جوان فرشخ بجالي: بدأ نزيف الآثار العراقية قبل دخول الأميركيين منذ عام 1991، والحصار على العراق كان السبب الأول في عملية الاتجار بالآثار بهذا الشكل حيث اختنق الشعب وبدأ بالبحث عن أي منفذ كي يعيش. ومن الأخطاء التي حصلت أن الأنظمة في مكان ما سمحت بالاتجار في الآثار من منطلق أن الآثار لا تشكّل خطراً عليها كأنظمة سياسية، إذا تاجرت أنت بالآثار وجنيت الأموال منها فلا تشكل خطراً على الأنظمة بقدر ما تتاجر بالسلاح، تجار الآثار يجنون الأموال ولكنهم يشكلون خطراً على الأنظمة السياسية، مجرد السماح لهم بالثبات بهذه الطريقة وبهذا الشكل السرّي انطلقت القنوات وظهرت في سرقة متحف بغداد بشكل علني، ولكن لا ننسى أنه في العام 1992 تمّت سرقة 11 متحفاً في العراق وقسم من القطع المسروقة وصل إلى المتاحف الغربية، إذاً ظهرت القنوات في سرقة متحف بغداد وبعدها استمرت السرقة. سرقة الآثار العراقية لم تتوقف إلا عند بدء الحرب السورية حيث انتقلت الشبكة إلى مكان آخر وخفّت الوتيرة.

غسان الشامي: ولكن سيّدتي هناك آثار عراقية مسروقة عُرضِت مؤخراً في كريستيز بنيويورك، كيف يمكن أن تقام مزادات علنية على قطع مسروقة في مزاد مشهور وعلني؟

جوان فرشخ بجالي: 31 مليون دولار لقطعة من موقع نمرود الذي هو حالياً موقع مدمّر، وهنا نرى أهمية الآثار مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية داعش الذي اعتبر هذه الآثار هدفاً يجب مهاجمتها ليؤلم الشعوب فدمّر موقع نمرود. كيف توصل كريستيز إلى بيع آثار نمرود هنا يجب أن نعود إلى التاريخ لأنه وفقاً للقانون الدولي يحق له بيع القطع مع الأسف بناءً على اتفاقية اليونسكو عام 1970 التي تنص على الأخذ من هذا التاريخ المفصلي، انطلاقاً من هذا التاريخ يُمنع السرقة والاتجار بالآثار خاصة في فترات الحروب وكل ما كان قبله عفا الله عما مضى، هذه الاتفاقية سمحت للمتاحف في العالم باقتناء القطع الأثرية الموجودة لديها، سواء كانت هذه القطع من الصين أو من مصر أو من العراق ومهما كان حجمها وضخامتها فهي لك، وبعد هذا التاريخ يُمنع الشراء وتحريك السوق، إذاً القطع الموجودة في كريستيز هي قطع مكتشفة في العام 1860 وتمّت المتاجرة بها ووصلت إلى الولايات المتحدة في بداية القرن، حاول علماء الآثار المطالبة انطلاقاً من مبدأ أخلاقي أن الموقع مدمّر والعراق خسر موقعه الأساسي الذي خرجت منه هذه القطع، طالبوا بمنع عرض هذه القطع للبيع، فكان جواب دور العرض أنهم محميون قانونياً ويحق لهم البيع، ووصل سعر القطعة حينها إلى 31 مليون دولار، ما هي الرسالة التي أراد الغرب إيصالها؟ 

غسان الشامي: أن اسرقوا أيضاً ونحن نشتري.

جوان فرشخ بجالي: تحديداً.  

غسان الشامي: للأسف، بالمناسبة عالم الآثار جون روس قال إنه بين عامي 2003 و 2005 سُرق من العراق ما بين 400 ألف و 600 ألف قطعة أثرية خلال الوجود الأميركي، هل هذا الرقم حقيقي أم خرافي؟  

جوان فرشخ بجالي: لا أعرف على ماذا يرتكز لوضع هذه الأرقام، هم يحاولون الارتكاز على حجم المتر المربع، على الموقع الأثري وما يُفترض أن يخرج منه من قطع أثرية ولكن هذه كلها تكهّنات، نحن لا نستطيع الارتكاز على هذه التكهّنات لأنه ما من أحد يعرف السوق تماماً، وحتى عندما تدرس السوق عبر شبكات الإنترنت فأكثر من ثلاثة أرباع القطع المعروضة هي قطع مزوّرة.

غسان الشامي: الشعب الذي ينتج شيئاً قديماً ينتح أشياء مزوّرة.    

جوان فرشخ بجالي: طبعاً ويتسلّون بها وفي أحيان كثيرة يزوّرون قطعاً غير موجودة ويشغّلونها. الذكاء الفطري موجود والاستغلال من الطرفين، لنرجع إلى الرقم الذي ذكره عالم الآثار أنا استغربت كثيراً حينما قرأته من أين حصل عليه؟ وبناء على أية تكهّنات؟  

غسان الشامي: إذا كانت كل المتاحف سُرقت ومنها متحف بغداد والموصل مؤخراً، في الواقع هناك أمر غير منطقي، هنا أريد أن أسألك أنتم تتابعون مؤتمرات حول حماية الآثار واستردادها، كيف تواجَه سرقة الآثار أثناء الحروب كون منطقتنا خاضعة للحروب؟   

جوان فرشخ بجالي: على الصعيد المحلي أم على الصعيد الدولي؟

غسان الشامي: المحلي الدولتي والعالمي، كيف يمكن لبلد أن يواجه سرقة إرثه الثقافي؟  

جوان فرشخ بجالي: سؤال مهم وصعب جداً لأنه في فترات الحروب يقولون لك نريد أن نعيش، صحيح وأنت تقول لهم ستعيشون على المدى الطويل. هناك اتفاقيات الدولية مثل اتفاقية لاهاي عام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح والتي لها بروتوكول ومراسيم تطبيقية، هذه الاتفاقية تضع علامة الدرع الأزرق على المواقع الأثرية وتمنع الدخول إليها والتعاطي معها، وحتى في حال الحرب الأهلية يُمنع الدخول إليها ويُعاقَب من يخالف وفقاً للقانون الدولي. بالنسبة إلى سرقة الآثار، عندما تفقد السلطة في فترات الحروب يجب أن تقف عند المجتمع المحلي وقدرة الشعوب على حماية نفسها بنفسها. البعثات الألمانية في العراق قامت بشيء وكان ناجحاً، في المواقع الأثرية بجنوب العراق هناك الحرّاس والعشائر، طيلة فترات الحروب استمروا في دفع مداخيل الحرّاس ولم تحصل سرقة للمواقع، هنا تدخل في جدلية قدرة المجتمع المحلي على حماية موقعه الأثري في فترة لم يعرف فيها الجوع وهو مجتمع غير مضغوط عسكرياً من الجهات العسكرية تجبره على السرقة. هناك اتفاقيات دولية ولكن القدرة على تطبيقها في فترات الحروب هو سؤال يطرح نفسه، وعلى معاقبة السارقين هو سؤال آخر نطرحه دوماً وهو آلية العقاب للسارقين خلال فترات الحروب.

غسان الشامي: هل مجتمعاتنا المحلية ذات وعي بأن ما يُسرق إن كان من تحت أقدامها أو ما تسرقه هي أو تعطيه هي للأجنبي أو لمُقتني الآثار على درجة من الوعي أم أن مجتمعاتنا المحلية تساهم في تدمير الإرث؟  

جوان فرشخ بجالي: نحن مجتمعات مثقفة جداً في موضوع حماية آثارنا على كامل المنطقة العربية، وأنا أرى أننا ذقنا المرّ في موضوع حماية الآثار ويهمنا حمايتها، وهنا ندخل في جدلية، الدول لا تعطِي الآثار أبداً والاتفاقيات صارمة جداً في حماية الآثار، هنا يتم العمل على المجتمع المدني من ناحيتين، أنت مجتمع موجود وتعمل على حماية الآثار فإذا سُرقت الآثار ووصلت إليك وطُلب منك شراؤها هل تشتريها أم يبيعونها في أوروبا، في أحيان كثيرة المتموّلون في الشرق يشترون القطع الأثرية من مبدأ إبقائها في أرضها والمحافظة عليها، هذه القطع سُرقت خلال الحرب  وشراؤها يحفظها، ولكن حتى لو اشترى هو يعاودون هم السرقة مجدداً لإعادة بيعه.

غسان الشامي: دائرة جهنمية.

جوان فرشخ بجالي: دائرة جهنمية وحلقة مقفلة، وكلما اشترى هو يبحثون عنه من جديد، الأمر عرض وطلب، وما يحصل أن المتموّلين في الشرق يشترون القطع الأثرية بهدف إبقائها في أرضها أو شرائها من الغرب لإعادتها إلى هنا ولكن الغرب مستعد دائماً للشراء.

غسان الشامي: ريثما يتوقف الغرب عن الشراء سنذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الأستاذة جوان فرشخ بجالي في موضوع حار وهام هو كيف يمكن أن نحمي آثار هذه المنطقة الجميلة من العالم، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، نتابع الحوار مع الأستاذة جوان فرشخ بجالي حول الآثار وحمايتها واسترجاعها، سيّدتي قبل أن أنتقل إلى دول أخرى وآثارها كيف تفسّرين في القانون الدولي الذي يعدّ الاتجار بالآثار جريمة دولة تحديداً أثناء الحروب، وحتى الآن من النادر أن أمسك الأنتربول وجهات الدول بمجرمين ينهبون الآثار ويتاجرون بها؟

جوان فرشخ بجالي: هذا شأن السلطات المحلية، السلطة المحلية في لبنان أو في سوريا أو في العراق تقوم بتوقيف المتاجرين بالآثار، مَن لا يتم توقيفه هو من يتمكن من فتح دور العرض وعرض القطع الأثرية بالملايين، هذا في الحقيقة صدرت في حقه مذكرات توقيف ولكن لم يتم توقيفه، من حق السلطات المطالبة به ولكن هذه الجهات مدعومة سياسياً وعالمياً وتحظى بغطاء دولي لأن القطع الأثرية تدخل إلى  سوق الآثار من بابه العريض وتؤمّن ما يريدونه، وكل طرف يحيلها على الطرف الآخر ومن ثم يعودون إلى دور السلطة المحلية. ما يستطيعون فعله هو عند وجود أوراق ثبوتية بأن هذه القطعة مسروقة من أرضك يجب أن تكون لديك صورة تثبت بأن هذه القطعة مسروقة من هذا المتحف برقمها وإما تكون القطعة تحمل ختماً أو خرجت من هذا الموقع تحديداً، مثلاً قطعة تدمرية ستكون حتماً من تدمر أو قطعة من الحضر أو من شمال العراق، يجب تحديد موقع القطعة كي تتمكن الدولة من المطالبة بعملية استردادها والطلب من الجهات الدولية كالأنتربول أو غيره من المنظمات الدولية التدخل لوقف عملية البيع.

غسان الشامي: المضحك المبكي أن السيّد داعش فرض ضريبة تساوي خُمس قيمة القطع الأثرية المنهوبة من دير الزور مثلاً، في أماكن أخرى كان هو يبيع مباشرة، هل في الشأن الدولي، الشرطة الدولية والأنتربول استطاعت أن تكشف الجهات التي تعاملت مع داعش في موضوع الآثار من خلال متابعتكم؟ 

جوان فرشخ بجالي: أعتقد أن الشرطة الدولية تعلم بالتحديد من تعامل مع داعش، هل يستطيعون الكشف عن الأسماء؟ هنا السؤال الثاني الذي لم نتوصل فيه إلى نتيجة. من الأمور التي ساعدت كثيراً في موضوع وقف الاتجار بالآثار هو أنه عندما تاجرت داعش وزملاؤها بالآثار واعتُبرت إحدى الأسباب لتمويل الإرهاب، أصبح هناك وعي لدى الناس لرفض الاتجار بالآثار، وبما أن هؤلاء الأشخاص يتاجرون بالآثار لتمويل أنفسهم رأت الشرطة الدولية ضرورة محاربتهم، هذا الأمر خلق الوعي لدى الشرطة والجمارك والكل رفض وأصبح متعاوناً أكثر، الأمر الإيجابي الذي نتج من هذا الموضوع هو تسليط الضوء عليها أكثر لأنها موّلت الإرهاب.

غسان الشامي: أنا أحترم دائماً هذا الجانب الإيجابي الذي تذهبين فيه إلى هذا الموضوع سيّدتي ولكن هناك قرارات أممية صدرت بعد داعش ومن أجل داعش مثلاً القرار 2253 عام 2015 يُلزم الدول بالإبلاغ عن المواد الثقافية الآتية من العراق وسوريا تحديداً والتي تمت مصادرتها. القرار 2347 للعام 2017 الذي يحظّر الاتجار بالممتلكات الثقافية في مناطق النزاع، هل طُبّق هذان القراران؟ هل هناك آثار صودرت وهي في طريقها إلى بلادها الأصلية الآن؟ ماذا يحصل؟

جوان فرشخ بجالي: قرارات الأمم المتحدة لها قوة تنفيذية وهذا ما يميّزها عن الاتفاقيات الدولية التي لديها جانب أخلاقي فقط. قرارات الأمم المتحدة هي قرارات ذات قوة تنفيذية للدول التي توقّع عليها، والدولة ملزمة بمصادرة القطع الأثرية ولا تستطيع غضّ النظر عنها، هذا كان أمراً جيداً وساعد كثيراً وسمح للعراق وسوريا التي رغم الحصار والعقوبات، الأمر الوحيد الذي يسمح للناس التي تدعم القطع الأثرية السورية المعروضة للبيع أن تتحرك، وهو القرار الذي يسمح للعراق أن يمنع الاتجار بالقطع، بارتكازهم على هذه القرارات استطاعوا العمل أكثر مع الشرطة المحلية أو الإقليمية أو الأنتربول الدولي.

غسان الشامي: سأذهب إلى الأردن، الأردن لديه آثار كثيرة موجودة في متاحف العالم مثلاً واجهة قصر المشتى الشهير في برلين، اللوڨر أيضاً فيه آثار من الأردن، هل هناك أيضاً سرقة آثار أردنية؟ ها هناك اتجار بالآثار الأردنية؟ هل يمكن للأردن أن يستعيد الآثار الموجودة في قصر المشتى وغيره أم أنه أهداها؟

جوان فرشخ بجالي: لم يهدها، ما من أحد أهدى القطع، السلطان هو من أهدى في فترة السلطنة العثمانية أو الفترة التي تلتها، حين أُنشئت الدول وحصلت على استقلالها كدول اختفت عملية إهداء ووهْب القطع الأثرية منذ قيام الدول العربية بحدودها الحالية. هناك سرقة آثار في الأردن كبقية الدول ولكن ليس بقدر حجم السرقة في فترات الحروب، السرقة موجودة كما هي الحال في ثلاثة أرباع القرى والمناطق.

غسان الشامي: ولكن الأردن استطاع استعادة ست مخطوطات قديمة من تاجر إسرائيلي، هل تم ذلك بمعاونة دولية؟

جوان فرشخ بجالي: أنا لست مطّلعة على هذا الملف بتفاصيله ولكنني أعرف أنه تمكّن من استردادها، وبالتأكيد العمل على هذه الاتفاقيات لا يتم من جانب واحد بل تتدخل عدة أطراف كي تساعد وتضع الملف بكافة تفاصيله التي تسمح لك بالاسترداد ، لأن استرداد القطع الأثرية هو موضوع شائك جداً ويتطلب تدخلاً في القوانين الداخلية للدول للمطالبة بها، هم عقّدوا الأمر كي يصعّبوا على الدول المطالبة وإلا فالمتاحف تفرغ.

غسان الشامي: فلتفرغ وتعود إلى أصحابها الأصليين. سآتي إلى لبنان، البعض يقول سيّدتي إن لبنان هو أحد ممرات تهريب الآثار وهو أيضاً في طريق استعادة آثار له من أميركا.  

جوان فرشخ بجالي: استعادها.

غسان الشامي: كيف تمكّن من استعادتها؟ كيف توصّل إلى استعادتها رغم كل هذه الدائرة المخيفة التي تضع دائماً حواجز لاستعادة الآثار؟

جوان فرشخ بجالي: لبنان تمكّن من استعادة الآثار بسبب وجود عاملين أساسيين وهما أولاً وزارة الثقافة اللبنانية، المديرية العامة للآثار كانت الأولوية لديها استعادة القطع وقامت بكل ما يجب القيام به. ثانياً شرطة نيويورك ساعدت كثيراً، والمضحك المبكي في الموضوع أن من استلم الدعوى وهو نائب المدعي العام في نيويورك كان مسؤولاً عن ملف التحقيقات في سرقة متحف بغداد، إذاً هو ضليع في موضوع تهريب وسرقة الآثار، وحين وصل الملف إليه قرّر التعامل معه على مبدأ السرقة فوضع الاتفاقيات الدولية جانباً وطلب من لبنان إثبات ملكية القطع لإدانة الجاني في أميركا من منطلق السرقة، هذا الموضوع ساعد كثيراً. القطع التي استردّها لبنان وهي قطع مأخوذة من معبد أشمون سُرقت من مستودع في جبيل خلال الحرب، ولبنان يمتلك الصوَر التي تثبت ملكيته للقطع، لبنان لم يعمل لوحده بل ساعده عالم الآثار السويسري رولف شتوكي الذي شارك في الحفر والأرشفة وأعيد استخراج الصوَر من الأرشيف، عملوا لمدة سنة في لبنان وسويسرا ونيويورك لإعادة القطع الأثرية إلى لبنان. عندما تستردّ الدول قطعاً أثرية مسروقة خاصة في فترات الحروب فهي كما قال مدير عام الآثار في وزارة الثقافة "نستعيد قسماً من كرامتنا"،  تُستعاد كرامة الشعوب.

غسان الشامي: هذا الكلام دقيق، سيّدتي لبنان كشف عن مجموعة عصابات لتهريب الآثار في العام 2016 وأعاد 300 قطعة إلى سوريا بينها قطعة تدمرية باهرة، القطع كانت مسروقة في الفترة ما بين 2012 و 2014، أولاً ما هو واقع العلاقة السورية اللبنانية في استرداد الآثار؟ وما هو واقع الآثار اللبنانية حالياً بعد هدم سور بيروت؟   

جوان فرشخ بجالي: ملفان مختلفان عن بعضهما.

غسان الشامي: مختلفان ولكن جميعه يصبّ في خانة عدم احترام الإرث.

جوان فرشخ بجالي: دعنا ندخل في موضوع لبنان وسوريا، لبنان من الدول الوحيدة المحيطة بسوريا التي لم تقطع العلاقة معها خاصة العلاقة الأكاديمية بين المديرية العامة للآثار في لبنان والمديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، العلاقة بين الزملاء لم تتوقّف طيلة فترة الحرب، ولأن لبنان عاش الحرب ويعرف تماماً الصعوبات التي يعيشها زملاؤهم السوريون، من هنا كان التعاون المستمر، ولبنان لم يتوقف طيلة فترة الحرب في سوريا عن رد القطع الأثرية، وحين كانت الشرطة تعثر على القطع يتم تسليمهم إلى المديرية العامة التي تسلّمها بدورها، هذه اتفاقيات خاصة لا علاقة للسياسة بها وهذا كان أمراً مهماً جداً للبنان. بالنسبة للمواقع الأثرية في بيروت، إعادة الإعمار في وسط بيروت هي إشكالية ضخمة جداً أستاذ غسان تتطلب أكثر من حلقة وتدخل في هذا الموضوع الميزانيات التي تُعطى للوزارات منذ البداية لإعادة الإعمار، أية ميزانية تعطيها لوزارتك؟ وعلى أي أساس هذه الميزانية؟        

غسان الشامي: هل حماية سور لمدينة كبيروت يحتاج إلى ميزانيات كبرى؟

جوان فرشخ بجالي: طبعاً، كم سعر العقارات في بيروت حالياً؟

غسان الشامي: هذا هو الجشع.

جوان فرشخ بجالي: الأرض ليست للدولة يا أستاذ غسان بل هي ملك خاص وعلى الدول أن تستملك الأملاك الخاصة.

غسان الشامي: أسهل أمر على الدولة أن تقول هذا ملك عام لأنه سور المدينة ويصدر بشأنه قرار من مجلس الوزراء أو مجلس النواب أو من أية جهة.

جوان فرشخ بجالي: صحيح ويجب أن تدفع لصاحب العقار ثمن أرضه.

غسان الشامي: وليكن لِمَ لا؟   

جوان فرشخ بجالي: الأمر يحتاج إلى ميزانيات، هل الدولة اللبنانية تعتبر أن وزارة الثقافة هي من أولوياتها منذ بداية الإعمار حتى الآن؟

غسان الشامي: الثقافة أساساً ليست من أولويات الدولة.

جوان فرشخ بجالي: من خلال خبرتي المتواضعة لاحظت بأن الدولة لا تعتبر وزارة الثقافة من أولوياتها، وزراء الثقافة يحاربون لجعلها أولوية.

غسان الشامي: للأسف، إسمحي لي أن أسألكِ، أعرف أن الأمر ليس من اختصاصك ولكن سعة اطلاعك على هذا الملف تسمح لي بهذا السؤال، هذا البلد المعذّب الذي إسمه اليمن وهو متحف جميل وبهيّ، والآثار اليمنية هي آثار أولى، ما هو الواقع العالمي بعد هذه الحرب؟  

جوان فرشخ بجالي: اليمن قصة حزينة جداً، أعتقد أن حزن اليمن أكبر من حزن العراق، لا يُفترض بأحد أن يضع المأساة في الميزان ويقول لديّ مآسٍ أكثر من الآخرين ولكن اليمن حزين جداً، المتاحف قُصفت في اليمن ومستودعات المتاحف أيضاً، تم تدمير القطع الأثرية، وهنا لم نتكلّم بعد عن المدن التاريخية، خسارة اليمن لا تُعوّض، وإذا قلنا سوريا تنزف فنزيف اليمن لم يتوقف، شعبها ينزف وتاريخها كذلك. مع الأسف على الرغم من أن الحرب اليمنية محزنة لا أحد يريد أن يسمع، وحين حاول العلماء المطالبة باستعادة الآثار ووقف الاتجار بها فشلوا، لم تصدر قرارات دولية بشأن اليمن كما حصل في سوريا، الرأي العام العالمي فشل في الضغط بشأن اليمن لكن اليمن خسارة كبيرة جداً. 

غسان الشامي: خسارة كبيرة ليس لليمن فقط بل للتراث الإنساني.

جوان فرشخ بجالي: طبعاً.  

غسان الشامي: سأفتح قوسين حول الآثار الشرقية في متاحف العالم، كما قلنا في المتحف البريطاني هناك 100 ألف قطعة من الآثار المصرية، هذا رقم مصري وليس من عندي أي ما يعادل الموجود في المتحف المصري ومتاحف عالمية أخرى، ما حكم هذا الأمر في القانون الدولي سيّدتي؟

جوان فرشخ بجالي: اتفاقية اليونسكو لعام 1970، المتاحف الغربية أخرجت نفسها وأنشأت مجموعاتها وسرقت العالم كلها ووضعته في دولها وعواصمها، فإذا كنت في لندن ترى العالم كله أو وأنت في باريس ترى تاريخ البشرية، هذا المنطق الذي اعتمدوه لإنشاء متاحفهم. هذه الناحية لها سلبياتها وإيجابياتها بالنسبة إليهم ومن ناحية أخرى هم أكثر من درسوا تاريخ هذه المناطق ودأبوا على الحفاظ على الإرث الموجود في متاحفهم مما لا شك فيه. في العام 1970 أبرموا الاتفاقية وكانوا واضحين بتسمية أنفسهم بالمتاحف الكبرى، وأنه من غير الوارد بالنسبة إليهم إعادة القطع الأثرية إلى دول المنشأ لأنها بقيت لديهم أكثر من مئة سنة وأصبحت جزءاً من تاريخهم وثقافتهم وشعوبهم.

غسان الشامي: والعوائد المتأتية من روّاد هذه المتاحف ليست بقليلة. 

جوان فرشخ بجالي: نعم عالية جداً، وصل عدد زوّار متحف اللوڨر في العام الماضي إلى 25 مليون شخص، هم لا يأخذون المعادلة المادية بالاعتبار بل يعتبرون أن اقتناءهم للقطع الأثرية لمدة مئة عام يجعلها جزءاً من  ثقافتهم الخاصة، وأنهم يعتذرون عما حصل ويعوّضون عن ذلك بتقديم دراسات إلى هذه الدول ويتوقفون عن الشراء اعتباراً من هذا التاريخ، وهذه كانت الاتفاقية التي أبرموها مع الدول.

غسان الشامي: هم باتوا متخمين بالآثار.

جوان فرشخ بجالي: هم في المبدأ لا يشترون يا أستاذ غسان.

غسان الشامي: ما يلفت كما قلنا أن هناك آثاراً نادرة مصرية، سورية، عراقية في متاحف العالم يرفضون حتى عرضها، مصر طالبت بعرض رأس نفرتيتي، هل يحق لهم أن يمنعوا البلد الأصلي من عرض منجز ثقافي تاريخي لهذا البلد في بلده الأصلي؟ 

جوان فرشخ بجالي: هناك إشكالية كبيرة بخصوص رأس نفرتيتي والألمان يعتبرون أنه إذا خرج من ألمانيا ووصل إلى مصر فلن تعيده بأي شكل من الأشكال. المتاحف في الغرب قررت أن تغيّر الديناميكية التي تتبعها وتفتتح معارض مع دول المنشأ، بمرور الوقت قد يعرض اللوڨر قطعاً لبنانية الأصل في لبنان لفترة ومن ثم يستردها كي يعيدوا للشعوب الأصلية جزءاً من التاريخ الذي أخذوه.

غسان الشامي: كنتِ قد ذكرتِ سيّدتي أنهم لا يهدون الآثار ولكن ما حصل في بلادنا منذ 150 سنة، منذ أيام علي بيك الكبير والخديوية أهدوا ما فتح ربنا ورزق من هذه الآثار، وما يلفت أيضاً أن الرئيس عبد الناصر قد أهدى 4 أو 5 قطع وتحديداً عندما تم إنقاذ آثار النوبة، وجيهان السادات أهدت زوجة رئيس الفيليبين آثاراً، أيحق للمسؤولين أن يهدوا آثار بلادهم حالياً أم أن هذا الأمر قد توقف؟  

جوان فرشخ بجالي: حسب الدول، هناك دول تسمح بقرار رئاسي حيث يحق لرئيس الجمهورية أن يهدي قطعاً أثرية من بلاده بغاية العرض، لا يهديها بصفة شخصية بل للدولة ويُفترض أن تذهب إلى القصر الجمهوري للدولة المقدّمة إليها من مبدأ العرض والمشاركة. في المبدأ رؤساء الجمهورية لا يمتلكون القطع الأثرية، حتى القطع الأثرية المعروضة اليوم في المتاحف أو في القصر الجمهوري اللبناني ليست ملكاً لرئيس الجمهورية، هي معروضة فقط كجزء من المتحف.

غسان الشامي: هذا في المبدأ ولكن كم يُخرق هذ المبدأ.

جوان فرشخ بجالي: الفرق هو في التطبيق.

غسان الشامي: أيضاً مصر استردّت حوالى ستة آلاف قطعة وهذا رقم كبير بالعدد لكن مقارنة بما نزفته مصر.

جوان فرشخ بجالي: وتنزفه.

غسان الشامي: تنزفه حتى الآن هو قليل؟ ماذا تنزف مصر إذاً؟ 

جوان فرشخ بجالي: سوق الآثار المصرية هو سوق مهول مع العِلم أن مصر هي أكثر دولة عربية لديها آلية استرداد واضحة جداً وتخافها كل دول العالم صراحة لأن آلية الاسترداد المصرية واضحة وبسيطة جداً، الأمر غير معقّد، هذه القطعة مسروقة من عندنا ردّوها إلينا، لا يجادلون في الأمر، سرقة الآثار المصرية هي سوق جارٍ.

غسان الشامي: في هذه الحروب وبعد أن دمّر هؤلاء الذين لا تسمية لهم مدناً مثل دورا أوروبوس، مثل ماري التي نهبوها، مثل متحف الرقة، أمثلة كثيرة، الموصل، متحف بغداد.

جوان فرشخ بجالي: نمرود. 

غسان الشامي: البعض يقول أنه من الجيد أن الغرب أخذ آثارنا وهو كلام تسمعينه أنتِ.

جوان فرشخ بجالي: صحيح يقولون لي هذا الكلام.

غسان الشامي: ومن الجيد أنها لم تبقَ هنا كي لا تُدمَّر وتُنهب وتُسرق.

جوان فرشخ بجالي: جواب الغرب أنه من أجل ذلك لا أستطيع ردها إليكم لأنكم لا تمتلكون القدرة على حمايتها. السؤال الذي أسأله هو التالي، هذه القطع الأثرية الموجودة في أرضنا منذ أربعة وخمسة آلاف سنة لماذا لم تُدمَّر حتى الآن؟ لماذا لم يمسّها أحد أو يدمّرها؟ لماذا تُدمَّر الآن؟ أليس لأنها توجع الغرب؟ أليس لأنهم يستعملونها كسلاح ضد الغرب؟ أليس لأن أهمية الغرب بالنظر إليها وقدرتهم على امتلاكها وشرائها هي التي حوّلتها إلى طعم لهم هنا وفي الوقت نفسه كي تكون نظرتهم فوقية لنا وكأنه ليست لدينا القدرة على حمايتها؟ كتب التاريخ والمصادر التاريخية التي تشرح كيف وصل علماء الآثار الغربيون إلى دول المشرق وكيف دخلوا إلى القرى ورأوا الفسيفساء وكيف دفعوا الأموال للناس للحصول عليها واضحة، وما يقولونه دائماً أن سكان المنطقة كانوا يسألون أن هذه القطع الأثرية الموجودة في هذه الأرض منذ أربعة أوخمسة آلاف سنة ولم تُدمَّر طيلة هذه الفترة لماذا تُدمَّر الآن لولا أن تدميرها هو عملية سياسية للغرب في مرحلة أولى.

غسان الشامي: مسح ذاكرة برأيك؟

جوان فرشخ بجالي: طبعاً عملية مسح ذاكرة لهذه الشعوب وعملية تدمير لهوية هذه الشعوب، وشعورهم بعدم الانتماء لهذه الأرض وعدم امتدادهم فيها وأننا نخلق لكم هذه الذاكرة الجماعية. محلياً هي من أجل تدمير المجتمعات المحلية وتغيير هويتها، دولياً هي من أجل إبراز صاحب السلطة في هذا الموضوع، هي عملية تلاعب، ومن ناحية أخرى تخدم النظرة إلى عدم القدرة على حمايتها فنحن أقدر على حمايتها، الشعوب هي التي كانت تحميها قبل أن يكتشفوها هم.                 

غسان الشامي: شكراً سيّدتي، من الواجب القول إن جزءاً واسعاً من الهوية ما يزال قيد الاكتشاف وقيد النهب أيضاً لأن من يسرق المتاحف ويدمّر المعالم يسعى كما قالت السيّدة جوان فرشخ بجالي إلى تدمير الهوية والذاكرة. شكراً للأستاذة بجالي على تلبيتها دعوة أجراس المشرق، شكراً لزملائي الأعزاء في البرنامج وقناة الميادين على جهدهم في قرع هذه الأجراس سعياً للإضاءة على الحقيقة، شكراً لطيب المتابعة، أيامكم معرفة وسلام عليكم وسلام لكم، شكراً.                     

 

المسيحيون المشرقيون في القرون الوسطى

المسيحيون المشرقيون في القرون الوسطى... كيف كان أداء المماليك تجاههم، وهل طبّقوا وصايا الرسول العربي؟ ماذا عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي ودور المتشددين في إذكاء التطرف الديني؟

المزيد