عبد العزيز القطي - نائب في البرلمان التونسي

 

المحور الأول

 

رانا أبي جمعة: حدّدت الهيئة العليا للانتخابات موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في تونس، فوضعت الجميع من أحزاب سياسية ومجتمع مدني على سكّة الإعداد الجدي لها. الانتخابات الثالثة من نوعها بعد الثورة، ستشهد منافسة محتدمة بلا شكّ.

النهضة ونداء تونس وتحيا تونس والجبهة الشعبية وحزب التيار الديمقراطي في طليعة الأحزاب المتنافسة على الساحة الداخلية السياسية. ورغم ذلك، وحده مشروع تونس كشف عن شعاره للاستحقاق المقبل، معلناً "الجهات هي الحلّ".

حتى الساعة، الانتخابات ستجرى في غياب مجلسٍ دستوريّ إلى أن يظهر ما يخالف ذلك. وحتى الساعة، ليس كلّ الأحزاب مستعدّة لهذه الانتخابات بحسب التصريحات والتحرّكات. الأسماء لم تنضج كما التحالفات.

ولكن ماذا عن نداء تونس ومدى جاهزيته لها؟ وماذا عن مناعته الداخلية في وجه خضّات مرتقبة؟ ماذا عن علاقته بحركة النهضة عشية هذه الانتخابات؟ وماذا عن مطالبته باستقالة حكومة يوسف الشاهد قبل إجرائها؟

هذه العناوين ستكون محور حلقة اليوم من حوار الساعة مع النائب في البرلمان التونسي عبد العزيز القطي. أهلاً بكم.

 

(فاصل)

 

رانا أبي جمعة: إذاً مشاهدينا أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من حوار الساعة، وأهلاً بك سيّد عبد العزيز من تونس.

 

عبد العزيز القطي: أهلاً وسهلاً، صباح الخير، تحيّة لكلّ مشاهدي قناة الميادين.

 

رانا أبي جمعة: سيّد عبد العزيز، قبل الدخول في الملفات السياسية، أتوقّف عند حادث مأساوي حصل في تونس، وهو وفاة الرضّع في مستشفى في العاصمة التونسية. وزير الصحة استقال على إثر هذه الحادثة. حتى الساعة، هل هناك من معلومات حول هذا الحدث المأساوي؟

 

عبد العزيز القطي: نعم، هي كارثة بامتياز، هي فاجعة كبيرة وقعت البارحة في إحدى المستشفيات العمومية، بوفاة عدد من الأطفال الرضّع وذلك على إثر خطأ وقع أو تعفّن لمواد معيّنة تمّ تقديمها لهؤلاء الأطفال، وهذا يطرح سؤالاً كبيراً حول مدى نجاعة وجدية هذه المنظومة الصحية، وكذلك مدى نجاعة وجدية العمل الحكوميّ، واستراتيجية هذه الحكومة التي أصبح تركيزها الآن هو تكوين حزب سياسي، والدخول في مخاض انتخابات في الفترة القادمة، وقد نبّهنا في العديد من الأوقات لمثل هذه المشاكل، سواء على المستوى الصحي، كذلك على المستوى المالي والاقتصادي، وحال الانهيار التي تعيشها المالية العمومية والاقتصاد التونسي، كذلك على مستوى الوضع البيئي، على مستوى وضع البنية التحتية، وكل هذا قد نبّهنا له منذ مدّة، وذكّرنا التونسيين، كذلك نحن والعديد من شركائنا في مثل هذا التصوّر، واليوم نحن بصدد جني هذه النتائج الكارثية لهذا العمل الحكوميّ، والبارحة قد نبّهنا من أنّ هناك خطراً اليوم يداهم البلاد من فواجع أخرى لا قدّر الله، وعليه فنحن نطالب برحيل هذه الحكومة، ومحاسبة كل المتورّطين في مثل هذه القضايا الكبرى التي مسّت  أرواح المواطنين، وخصوصاً من الأبناء الرضّع منهم.

 

رانا أبي جمعة: أفهم منك سيّد عبد العزيز بأنّ الملف سوف يُسيَّس إذا ما انتقل من وزير الصحة كمسؤول مباشر إلى الحكومة كمسؤولة عن كل هذه الملفات.

أنتقل معك إلى مسألة الانتخابات البرلمانية، والرئاسية. الهيئة العليا للانتخابات حدّدت موعد هذه الانتخابات في أكتوبر ونوفمبر، أي في نهاية هذا العام. ولكن قبل أن أتحدّث عن هذه الانتخابات والاستعدادات لها، كان هناك اعتراض من قبل بعض النواب على تحديد الموعد من دون اللجوء أو التشاور أو التحاور مع الأحزاب والمجتمع المدني.

تريدون الحوار والتشاور حول ماذا؟

 

عبد العزيز القطي: نعم، التشاور هو ضرورة، أولاً وقبل كل شيء، في كل المحطات الانتخابية السابقة، سواء الانتخابات التشريعية والرئاسية الماضية، أو الانتخابات البلدية، كان هناك تواصل جدّي وتواصل دائم وجلسات حوار مع الهيئة المستقلة للانتخابات من أجل الحديث حول أولاً التاريخ، وتحديد التاريخ يكون مع الجميع، نعرف جيّداً بأنّ تاريخ الانتخابات هو في الفترة ما بين شهر أكتوبر وشهر نوفمبر، في الانتخابات الماضية كان يوم 24 أكتوبر، الآن الهيئة تتصرّف بصفة فردية وتحدّد هذا التاريخ من دون الرجوع إلى الأحزاب، من دون أخذ الرأي، من دون الحديث كذلك حول المناخ الذي ستدور فيه هذه الانتخابات. اليوم نحن لم نكمل تنصيب المحكمة الدستورية والتي تُعتبَر ركيزة أساسية لهذا الانتقال الديمقراطي من أجل مراقبة ما يتمّ على المستوى السياسي وعلى المستوى التشريعي في البلاد.

المسألة الأخرى هي هذا الوضع الاقتصادي الكارثي وحال العزوف التي يعيشها المواطن التونسي، وهذا لمسناه من خلال الانتخابات البلدية في غياب كبير للمواطنين والذهاب إلى صندوق الاقتراع، كذلك هناك الوضع العام في البلاد والذي لا ينبئ بأنّ هناك رغبة في أن تكون هذه الانتخابات نزيهة وشفافة، خصوصاً ونحن نعلم جيّداً أنّ الحكومة الآن هي في صدد تكوين حزب سياسي بعد الاستيلاء على جزء من النواب، وكذلك على تكوين حزب سياسي يتمّ فيه تكريس كلّ موارد الدولة وإمكانيات الدولة من أجل انتشاره ومن أجل تكوينه، والاستعداد للدخول به إلى انتخابات، وعليه فإنّ هذه الأحزاب جميعاً اليوم ليست على نفس المسافة في مثل هذا الاستحقاق الانتخابي.

 

رانا أبي جمعة: سنتحدّث عن الحكومة، وتحديداً رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأيضاً عن مسألة المجلس الدستوري، ولكن أبقى في إطار الهيئة العليا، وتحديد هذا الموعد.

هل لها الحق في الاستئثار بتحديده قانونياً؟

 

عبد العزيز القطي: لا، المسألة ليست قانونية، المسألة أولاً سياسية، المسألة توافقية، الهيئة هي مستقلة بطبيعة الحال، ولكن اليوم الجميع معنيّ بأن يشارك في تحديد هذا الموعد. نحن لا نطالب لا بالتأخير ولا بالتأجيل، ولكن يجب أن تكون هناك مشاورات من أجل أن يكون هذا الموعد هو موعد توافقي بين الجميع، تقبله كل الأطراف، والدليل على ذلك أنّ الجميع غير موافق على هذه الطريقة في التمشّي، وهو أنّ الإعلان مرّ وكأنّه ليس بالحدث، ولا نجد حديثاً اليوم أو نقاشاً كبيراً حول هذا الموضوع، لأننا أصبنا بخيبة أمل، بعد أن أعلنت الهيئة على هذا التاريخ، وهناك حديث عن أنّ رئيس الحكومة قد ضغط على السيّد رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات بأن يكون هذا التاريخ هو 6 أكتوبر، في حين أنّ الانتخابات الماضية كانت يوم 24 أكتوبر، وهذا دليل على أنّ رئيس الحكومة هو مستعجل أكثر من الجميع أن يجري الانتخابات في أقرب وقت ممكن، حتى يستغلّ موقعه كرئيس حكومة، وحتى يعطي الفرصة لحزبه من أجل الفوز في هذه الانتخابات بطريقة غير شرعية.

 

رانا أبي جمعة: ليس هناك في الواقع فارق كبير بين 6 أكتوبر و24 أكتوبر. ماذا يمكن أن يحدث خلال هذه الأيام القليلة؟ نحن لا نتحدّث حتى عن شهر من الزمن. هذا في البداية.

 

عبد العزيز القطي: نعم سيّدتي، هو حتى يوم أو يومين ليس لها التأثير، وشهر هو مدة طويلة في عمر انتخابات، والمسألة الأخرى هي مسألة مبدئية أكثر منها مسألة توقيت، وهو أن يكون هناك حوار بين كل الأحزاب، وقرار التاريخ هو قرار جماعي توافقي، يكون في إطار حوار حول الطاولة من أجل أن يكون هناك توافق عريض، حتى نذهب جميعاً متّفقين، ولنا كلّ القناعة بأنّ هذا التاريخ هو التاريخ المناسب لإجراء هذه الانتخابات.

 

رانا أبي جمعة: ولكن سيّد عبد العزيز، تحدّثت عن خيبة أمل من جراء تحديد هذا التاريخ دون العودة إلى الأحزاب السياسية، وأيضاً المجتمع المدني. ولكن في الواقع، ليس كلّ الأحزاب اعترضت على هذا التحديد. على سبيل المثال، تحدّثت عن رئيس الحكومة ولديه حزب جديد، تحيا تونس، وأيضاً هناك حزب له كلمته على الساحة السياسية التونسية، حزب النهضة، قال بأنّ تحديد الموعد هو احترام للمواقيت الدستورية.

 

عبد العزيز القطي: نعم، نحن لا نتحدّث عن تحديد الموعد، نحن نريد أن نجري الانتخابات في وقتها الدستوري حسب ما ينصّ عليه الدستور بعد انتهاء المدّة النيابية الأولى وهي خمس سنوات، ولكن نحن نتحدّث اليوم، وكل الأطراف، وأغلبية الأطراف تتحدّث حول التشارك والتوافق حول هذا التاريخ، وأن لا يكون بصفة فردية من قبل الهيئة المستقلة للانتخابات، أو تحت تأثير رئيس الحكومة وحكومته، وكذلك يجب أن يعلم الجميع بأنّ هذه الحكومة هي حكومة حركة النهضة التي تساندها، الوحيدة من الأحزاب السياسية التي تساند هذه الحكومة.

وعليه فإنّ الاتفاق بينهم هو على أن تكون الانتخابات في أقرب وقتٍ ممكن حتى يتمّ لربما، وهذا على لسان أحد قياديّي حركة النهضة، وهو السيّد لطفي زيتون الذي قال وعبّر عن تخوّفه من أن يتمّ تزوير هذه الانتخابات من أجل فرض حزب جديد هو بصدد التكوين الآن، وهو حزب رئيس الحكومة.

 

رانا أبي جمعة: سيّد عبد العزيز، أنتقل إلى موضوع آخر، ولكن في نفس الإطار، في إطار الانتخابات المرتقبة. اليوم، ما مدى جاهزية نداء تونس لهذه الانتخابات؟

 

عبد العزيز القطي: نداء تونس هو حزب جماهيري، حزب شعبي، حزب له موقعه في نفوس كل التونسيين أو أغلبية التونسيين، وهذا لا ينكره أحد، وهو الحزب الثاني اليوم بعد حركة النهضة، بعدما تعرض له، سواء من انشقاقات داخلية، وكذلك من هجمة لمدّة سنوات من قبل الإعلام، وخصوصاً من قبل الحكومة الحالية ورئيسها، من أجل ضربه وإضعافه، وكانت الغاية، بطبيعة الحال اكتشفناها الآن، هي تكوين حزب سياسي جديد على أنقاض حركة نداء تونس.

ولكن اليوم حركة نداء تونس هي تقاوم من أجل البقاء، هي الآن بصدد التحضير لمؤتمرها الانتخابي يوم 6 أبريل المقبل. اليوم نحن في صدد وضع الآليات وكل الإمكانيات من أجل إنجاح هذا المؤتمر الانتخابي لحركة نداء تونس، لانتخاب وتكون مخرجاته قيادة شرعية، والتحضير للانتخابات المقبلة. نحن ننوّه ونقبل ونلاحظ كذلك مدى جاهزية قواعدنا على مستوى الجهات. نحن الآن في صدد ترميم الصفوف الداخلية، واليوم الهدف الأساس هو الذهاب إلى هذا المؤتمر من أجل التحضير للاستحقاق الانتخابي القادم، وحركة نداء تونس حسب استطلاعات الرأي تبقى الحزب المنافس الرئيس للإسلام السياسي ولحركة الإخوان المسلمين في تونس، والذي نريد اليوم أن تبقى بعيدة عن استعمال أجهزة الدولة عن طريق رئاسة الحكومة حتى نكون على نفس المسافة للذهاب إلى الانتخابات المقبلة.

 

رانا أبي جمعة: وسوف أبقى معك سيّد عبد العزيز في إطار ما هو داخلي في نداء تونس، ولكن بعد هذه الفقرة، في الشروق التونسية، "ضعف في الأفكار والبرامج... أحزابنا غير جاهزة للانتخابات".

 

الشروق التونسية: ضعف في الأفكار والبرامج... أحزابنا غير جاهزة للانتخابات؟ فاضل الطياشي

نجح البرلمان منذ مدّةٍ في إنهاء أزمة هيئة الانتخابات وتم تحديد الموعد الرسمي لتشريعية ورئاسية 2019 وأعلنت الحكومة استعدادها لإنجاح هذا الاستحقاق المهمّ، ودعا رئيس الجمهورية مؤخّراً، كلّ الأطياف السياسية إلى ضرورة إعطاء صورة جيدة عن تونس خلال هذه السنة الانتخابية. لكن مقابل هذا الاستعداد "الشكلي" لإجراء الانتخابات يتساءل المراقبون عن الاستعداد المضموني لإنجاحها، أي عمّا أعدّته الأحزاب من استعداد هيكلي داخلي ومن برامج انتخابية وأفكار لخوض المنافسة الانتخابية ولاستقطاب الناس يوم التصويت.

مع اقتراب موعد الانتخابات، أصبحت الساحة السياسية تعيش ظاهرياً حركية غير مسبوقة  تجلت خاصة من خلال تكوين مشاريع حزبية جديدة أو الإعلان عن بعض مبادرات التجميع والتحالف الانتخابي أو في محاولات بعض الأحزاب استقطاب بعض الوجوه السياسية المستقلة أو المنتمية إلى أحزاب أخرى. غير أنه في التمعّن في مضمون هذه التحركات يمكن ملاحظة غياب استعداد فعلي وحقيقي للاستحقاق الانتخابي المقبل.

فالتقلبات الهيكلية والتشكيلية انعكست سلباً على المحتوى المضموني لعمل الأحزاب. فالعديد من الأحزاب لم يبلور اليوم فكره السياسي الذي يمكن من خلاله  إعداد البرامج الانتخابية والأفكار والمشاريع التي سيقع تنفيذها عند بلوغ السلطة. وبالتالي فإنّ الاستحقاق الانتخابي برمته قد يصبح مهدّداً بالفشل من حيث المشاركة في التصويت، إذا لم يجد المواطن في الأحزاب المترشّحة برامج وأفكاراً جديدة ومتميزة قادرة على التغيير وعلى تحسين وضعه الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي، وإذا لم يلحظ داخلها غير الصراعات الداخلية والانقسامات وغياب الهيكلة الواضحة والقيادة القوية.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد عبد العزيز. عندما تتحدّث عن مؤتمر لنداء تونس وعن محاولة لترميم الصفوف الداخلية، تتحدّث عن مؤتمر لمّ الشمل الذي يتمّ الحديث عنه؟ هذا بداية.

وعندما تقول أيضاً بأنّ حزب نداء تونس هو الحزب الثاني في تونس، على الساحة السياسية، كيف يمكن إذاً أن نفهم ما قاله السيّد محسن مرزوق وحزب مشروع تونس، عن أنّ النداء قد اندثر نتيجة الخضّات التي تعرّض لها؟

 

عبد العزيز القطي: هذا كلام سمعناه منذ مدّة، والدليل على ذلك ما قيل قبل الانتخابات البلدية، والسيّد محسن مرزوق والعديد من الأطراف الأخرى المنشقّة عن نداء تونس، والتي كوّنت بعض الأحزاب، اكتشفت بعد نتائج الانتخابات البلدية والتي كانت تتمنّى أن يكون نداء تونس غير موجود في ذلك، إلا أنه كان الحزب الثاني في نتائج الانتخابات البلدية التي وقعت في شهر مايو الماضي، وكلّ المشاريع التي خرجت وكانت سليلة من نداء تونس لم تكن موجودة، وكانت صفراً فاصل في هذه الانتخابات، والدليل على ذلك أنّ العديد منهم طلب الرجوع والالتحاق بحركة نداء تونس.

اليوم كلّ عمليات سبر الآراء تؤكد أنّ هذا الحزب هو الحزب الثاني وهذا يفنّد مثل هذا الكلام، من أنه اندثر وانتهى، ولربما هذا ما يتمنّاه البعض، ولكن نداء تونس يبقى مشروعاً جماهيرياً، مشروعاً كبيراً، مشروعاً مترسّخاً في أذهان التونسيين، لأنّه قدّم الكثير في الفترة الأخيرة، قبل انتخابات 2014، أنقذ البلاد من نمط مجتمعي جديد، وأراد الإخوان المسلمون فرضه على التونسيين، ولكن، والحمد لله، هذا الحزب استطاع أن يقوم بالعديد من المكاسب السياسية، وأن يربح انتخابات 2014، ولكن على المستوى الهيكلي، كان هناك إشكال، وكان هناك ضرب من الداخل، وكذلك استهداف من الخارج، ولكن اليوم نحن بصدد ترميم كلّ هذا، وبحول الله، بعد المؤتمر القادم، ستكون لنا قيادة قوية،توسيكون لنا قيادة شرعية، وسيكون لنا برنامج انتخابي قادر على أن يقدّم الحلول مثلما فعلنا ذلك في 2014.

وهنا أريد أن أعقّب على ما تمّ نشره في جريدة الشروق، وأؤكّد بأنّ المشكل ليس هو مشكل برامج. الأحزاب قدّمت برامج سنة 2014، ولكن النظام السياسي الحالي لا يمكن من خلاله أن يكون لحزب الغالبية من أجل تقديم برامجه، والدليل على ذلك بأنّ كلّ الحكومات هي حكومات توافق بين أطراف سياسية معينة، وخصوصاً الحكومة الحالية التي جاءت من خلال وثيقة قرطاج 2، وهي حكومة وحدة وطنية تتكوّن من تسعة أحزاب وأربع منظمات مدنية، منها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يساندها.

ولكن السيّد رئيس الحكومة قام بضرب هذه الأحزاب، ونرى كيف أنّ الوزراء من حزب آفاق استقالوا، من حزب الجمهوري استقالوا، من حزب المسار استقالوا، من حزب نداء تونس استقالوا، وكلّ هذه الأحزاب أراد السيّد رئيس الحكومة ضربها وتفكيكها من أجل الاستيلاء على السلطة لوحده، كذلك قام بعملية ترهيب وترغيب لنواب كوّن بهم كتلة نيابية هجينة داخل البرلمان، ضارباً بذلك حائط الانتخابات التشريعية ونتائج هذه الانتخابات من أجل تكوين حزب سياسي على أنقاض كل هذه الأحزاب، وهذه أكبر عملية تحايل وقعت في تونس.

وعليه فإنّ هذه الأحزاب لن تكون قادرة على أن تطبّق برامجها، والسيّد رئيس الحكومة أراد أن يطبّق برنامجاً، ولكن اكتشفنا اليوم بأنّه لا يملك لا برنامجاً ولا استراتيجية، والدليل على ذلك النتائج الكارثية التي نعيشها اليوم على كافة الأصعدة، وأخيراً على الصعيد الصحّي، وهمّه الوحيد هو تكوين هذا الحزب، استعمال الدولة من أجل تقويته والذهاب به إلى الانتخابات.

 

رانا أبي جمعة: نعم، ولكن سيّد عبد العزيز، ليس هناك من طرف آخر ربما ليردّ عليك، لذلك سوف أقوم بهذه المهمّة بطريقة أو بأخرى. أنتم جزء من الحكم، وأنتم من أرسيتم، وأنتم كنتم جزءاً أيضاً ممّن أرسى هذا النظام السياسي. لماذا تحميل المسؤولية بشكل كامل إلى رئيس الحكومة؟

 

عبد العزيز القطي: لا سيّدتي، نحن لم نشارك في وضع هذا النظام السياسيّ، النظام السياسيّ تمّت المصادقة عليه في دستور سنة 2013 من قبل الترويكا التي كانت تتزعّمها حركة النهضة في ذلك الوقت، والتي كانت لها الأغلبية داخل البرلمان، وهي من وضعت هذا النظام السياسي. في ذلك الوقت، في سنة 2012، لم يكن نداء تونس موجوداً، ومنذ نشأة نداء تونس وبداية عمله على الميدان، قد نبّهنا من هذا النظام السياسي الهجين الذي يشتّت السلطة، والذي لا يمكّن من إعطاء الأغلبية لأيّ طرف سياسي حتى يحكم ويطبّق برامجه. وعليه، فنحن في صدد استعمال نظام، أو المشاركة في نظام سياسي، نحن بريئون من وضعه، ونطالب بتغييره في كل وقت، ومنذ البداية.

 

رانا أبي جمعة: أيّ نظام سياسي يرضي اليوم نداء تونس؟

 

عبد العزيز القطي: لا، هو ليس نظاماً سياسياً يرضي نداء تونس، لأنّ الأصوات اليوم، العديد من الأصوات، سواء كانت أحزاباً سياسية، وكذلك من المجتمع المدني، من الأساتذة القانونيين، يؤكّدون بأنّ هذا النظام الهجين لا يمكن أن نحكم به تونس، وستبقى الفوضى والتقسيم وتشتيت السلطة موجودة دائماً، والحال الوحيدة هي أن يكون هناك نظام رئاسي، ولكن رئاسي معدّل، رئاسي يكون مُراقَباً من قبل السلطة التشريعية، ولا يمكن اليوم أن يكون رئيس الجمهورية المنتخب مباشرةً من الشعب له من الصلاحيات القليلة والقليلة جداً على مستوى الخارجية وعلى مستوى الدفاع، في حين أنّ رئيس الحكومة الذي هو لم يمرّ بأيّة انتخابات، نجده اليوم يسمّى من قبل الأحزاب، ويمكن له أن ينقلب عليها، ويمكن له أن يغيّر المشهد السياسي مثلما يحدث الآن.

 

رانا أبي جمعة: نعم، هل يمكن أن يكون هذا أحد عناوين البرنامج لنداء تونس في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟

 

عبد العزيز القطي: نعم، سيّدتي، نحن في صدد الترويج لذلك، وقلنا ذلك في العديد من المرات، وليس نداء تونس فقط، هناك العديد من الأحزاب وهناك العديد من المنظمات وهناك العديد من الشخصيات التي تساند ذلك. اليوم هذا النظام جرّبناه، ولم نجرّبه فقط بعد الدستور، لأنّه نفس النظام الذي استعملته الترويكا في الفترة الأولى بعد الثورة، بعد انتخابات 2011، نحن بعد ثماني سنوات من تجربة هذا النظام، تأكّد أنّ هناك فشلاً ذريعاً على مستوى تطبيقه، العلاّت رأيناها، اكتشفنا بأنّه لا يمكن لأيّ حزب أن يحكم، يستطيع رئيس حكومة معيّن، كان ولم يمرّ بأيّ استحقاق انتخابي، يمكن له أن يغيّر المشهد السياسي مثلما فعل رئيس الحكومة الحالي، يستطيع أن ينقلب على نتائج انتخابات 2014 مثلما يحدث الآن، ويستطيع كذلك أن يستولي على السلطة من دون أن يتوافق أو من دون أن يكون له علاقة بالأحزاب التي فازت في الانتخابات، وهذا هو المشكل الكبير.

 

رانا أبي جمعة: وأعتقد سيّد عبد العزيز، اكتشاف سلبيات النظام من إيجابياته أمر جيّد، نحن أمام مسار ديمقراطي، قيد التطوير أو التطوّر في تونس. ولكن أنتقل معك إلى موضوع آخر، أيضاً في ما خصّ داخل نداء تونس.

لقد قلت في تصريح إعلامي بأنّ عدداً من الشخصيات الكبرى الوطنية سينضم في القريب العاجل إلى نداء تونس. متى يمكن أن نسمع بهذه الأسماء؟ من هي هذه الأسماء؟

 

عبد العزيز القطي: لا، هو لا يمكن لنا الإفصاح عن هذه الأسماء، لأنّ هناك مفاوضات الآن بين العديد من الأطراف، وسيكون الإعلان عنها إن شاء الله في مؤتمر 6 أبريل الذي سيكون مؤتمراً توحيدياً، مؤتمراً انتخابياً، ومؤتمراً كذلك للانفتاح على العديد من الأسماء والعديد من الشخصيات التي أكّدت رغبتها في الالتحاق بنداء تونس، وسيكون ذلك أمام المؤتمر الذي هو السلطة العليا للحزب.

 

رانا أبي جمعة: سوف تكون من أحزاب أخرى وتنتقل إلى حزب نداء تونس؟ سوف تكون هذه الأسماء مفاجئة؟ سوف تساهم في ترميم البيت الداخلي التونسي؟

 

عبد العزيز القطي: نعم، لا يمكن الإقرار بأنّها من أحزاب أخرى، ولكن هي شخصيات وطنية لها وزنها، لها دورها في الساحة السياسية، قادرة على أن تقدّم الإضافة إلى نداء تونس، وتؤمن بأنّ نداء تونس هو الحلّ بالنسبة إلى كل التونسيين، وفهمت جيّداً بأنّ نداء تونس يتعرّض لعملية استهداف مباشرة من قبل بعض الأطراف، ونحن الآن بصدد التشاور معهم من أجل أن يتمّ إدماجهم وإلحاقهم في نداء تونس كعناصر أساسية من خلال مؤتمر الحزب في 6 أبريل القادم إن شاء الله.

 

رانا أبي جمعة: سوف نتابع هذا النقاش بالتأكيد سيّد عبد العزيز، ولكن بعد فاصل قصير. ابقوا معنا مشاهدينا.

 

 

المحور الثاني

 

رانا أبي جمعة: نجدّد الترحيب بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة من حوار الساعة، وأيضاً نجدّد الترحيب بضيفنا من تونس النائب في البرلمان التونسي عبد العزيز القطي.

سيّد عبد العزيز، سوف نستكمل هذا الحوار بالتأكيد، ولكن بعد هذه المقالة في الصحافة اليوم التونسية، "إرساء المحكمة الدستورية بات مستحيلاً قبل الانتخابات".

 

الصحافة اليوم التونسية: إرساء المحكمة الدستورية بات مستحيلاً قبل الانتخابات! سناء بن سلامة

يبدو أنّ ما ذهب إليه نواب المعارضة في أكثر من مناسبةٍ حول غياب الإرادة لدى بعض الأحزاب في استكمال إرساء المحكمة الدستورية أصبح مؤكّداً. ويأتي هذا التأكيد على إثر الفشل للمرة الثالثة في الجلسة العامة الانتخابية في انتخاب ثلاثة أعضاءٍ لهذه المحكمة، إذ لم ينجح مجلس نواب الشعب إلا في انتخاب عضوٍ واحدٍ فقط منذ نحو سنة.

ويرى بعض النواب أن سبب الفشل المتواصل في استكمال التركيبة هو تراجع بعض الكتل النيابية عن التوافقات الحاصلة. وفشل البرلمان في انتخاب بقية أعضاء المحكمة الدستورية بعد ثلاث جولات انتخابية سيعود به إلى النقطة الصفر وذلك بإعادة فتح بات الترشّحات من جديد لعضوية هذه المحكمة.

وعلى أهمية المهام الموكلة لها إلى درجة اعتبارها ركيزة من ركائز دولة القانون والانتقال الديمقراطي بالبلاد، فإنّ الحسابات السياسية كان لها الحسم في عدم تركيز المحكمة الدستورية. والسؤال الذي قد يفرض نفسه بإلحاح هو "هل هناك فرصة أخرى أمام مجلس نواب الشعب للتدارك واستكمال تركيبة هذه المحكمة خلال الأشهر السبعة المتبقية عن إجراء الانتخابات التشريعية؟".

وعن هذا السؤال أجاب النائب وعضو مكتب المجلس غازي الشواشي بأن مسألة إرساء المحكمة الدستورية قبل الانتخابات باتت أمراً مستبعداً جداً إن لم نقل إنّها عملية شبه مستحيلة والسبب في ذلك الأغلبية الحاكمة في مجلس نواب الشعب، التي من الصعب أن تتدارك الفشل الذي تواصل لسنوات في الأشهر القليلة التي ما زالت تفصل البلاد عن الاستحقاق التشريعي. وأكد الشواشي أن هذا المجلس لم ينجز الكثير من الأشياء، ما يجعل أداءه من دون المأمول.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد عبد العزيز. ربما بكلمة واحدة، كنت قد سألتك عن أمر، ولم تجبني. بكلمة واحدة، مؤتمر لمّ الشمل هو نفسه مؤتمر 6 أبريل؟

 

عبد العزيز القطي: لا سيّدتي، ليس هناك، الآن ما يقومون به هو التشويش على المؤتمر فقط.

 

رانا أبي جمعة: نعم، وأعتقد بأنني رأيت تصريحاً لك في هذا الإطار. بعض الأحزاب التونسية بدأت تقترح شخصيات للانتخابات الرئاسية. متى يمكن أن تعلن نداء تونس مرشّحها؟ وهل هناك من مرشّح بعيداً عن الرئيس الحالي؟

 

عبد العزيز القطي: الإعلان عن مرشّح نداء تونس سيكون في مؤتمر 6 أبريل بطبيعة الحال، وإلى حدّ الآن، لم يتمّ التداول في الأسماء، ويبقى السيّد الباجي قائد السبسي هو المرشّح الأساسي، وله الأولوية في مؤتمر 6 أبريل وفي نداء تونس، ولكن هذا يبقى بطبيعة الحال له القرار، للسيّد الرئيس.

 

رانا أبي جمعة: بالنسبة إلى حركة النهضة، مجلس الشورى قال بأنّ الحركة ستكون معنيّة بهذه الانتخابات الرئاسية، وستقدّم مرشّحاً، ولن تكون محايدة كما كانت في انتخابات 2014، وسيُصار إلى تقديم إما مرشّح قيادي من داخلها، أو مساندة مرشّح من خارجها.

برأيكم، أيّ خيار سيطغى على حركة النهضة، بحسب المعلومات؟

 

عبد العزيز القطي: حركة النهضة لم تكن محايدة حتى في انتخابات سنة 2014، وهي ساندت المنصف المرزوقي، وكل قواعد حركة النهضة صوّتوا للمنصف المرزوقي، وكان خيارهم ذلك، ولكنّها تستعمل تلك الخزعبلات وهذا الخطاب المزدوج على أنّها تبقى غير معنية ومحايدة.

 

رانا أبي جمعة: نعم، ولكن اليوم يبدو أنها ستكون أكثر وضوحاً بإعلان دعمها لأي مرشّح.

 

عبد العزيز القطي: نحن نتمنّى أن تكون حركة النهضة واضحة على الأقلّ في هذا الشأن، وأن تصارح الشعب التونسي بنواياها الخفية.

 

رانا أبي جمعة: هل تعتقد بأنّ الرئيس السابق المنصف المرزوقي سوف يكون مرشّحاً في هذه الانتخابات؟

 

عبد العزيز القطي: لا أدري، وربما، أنا متأكّد أنه سيقدّم ترشّحه إلى هذه الانتخابات، ولربما قد أعلن عن ذلك.

 

رانا أبي جمعة: في الواقع، هناك أكثر من إسم بدأ يتمّ التداول به، الرئيس السابق المنصف المرزوقي، أيضاً مؤسّس الحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي، وأيضاً رئيس الحكومة السابق مهدي جمعة، ورئيس حزب المبادرة الوزير الحالي كمال مرجان، وأيضاً القيادي في حزب التيار الديمقراطي محمّد عبو.

برأيكم، أي من هذه الأسماء هي الأوفر حظاً ربما في الوصول إلى الترشيح، قبل أن نتحدّث عن الفوز؟

 

عبد العزيز القطي: لا، الجميع له الحظ أن يترشّح، كل هذه الأسماء.

 

رانا أبي جمعة: ولكن كل هذه الأسماء جدية؟

 

عبد العزيز القطي: أغلبيتها هي أسماء جدية على كل حال، هناك العديد منها من الأسماء التي ذكرتها، هي أسماء معروفة، وهم شخصيات وطنية معروفة، وأظنّ أن القرار هو بيدهم، إلى حدّ الآن ليس هناك إعلانات رسمية للترشّح، لأنّ المدّة ما زالت طويلة، ولكن أنا أعتبر بأنّ هؤلاء لهم الرغبة بالترشّح، وسيكونون موجودين في السباق الانتخابي الرئاسي القادم إن شاء الله.

 

رانا أبي جمعة: سيّد عبد العزيز، السؤال الذي يبقى مطروحاً، طوال الوقت، هو العلاقة بين نداء تونس والنهضة. كيف هي العلاقة اليوم؟ كان هناك لقاء بين رئيس حزب نداء تونس حافظ قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي. لم تكن هناك من معلومات كثيرة أو وفيرة حول هذا اللقاء. هل من معلومات إضافية يمكن أن نستقيها منك؟

 

عبد العزيز القطي: على كل حال، ليس هناك أية علاقة سياسية الآن بين حركة نداء تونس وحركة النهضة، هناك قطيعة كاملة. نحن لسنا طرفاً في الحكومة الحالية، وهي حكومة حركة النهضة بامتياز مع شركاء آخرين وهم حزب المشروع وحزب المبادرة، الذين يمثَلون بوزير أو إثنين فقط. أغلبية الحكومة، والسيّد رئيس الحكومة هو الآن في تناغم تام مع حركة النهضة، والجميع يعرف الآن أنّ هذه الحكومة هي حكومة حركة النهضة، ونداء تونس هو خارج هذا الإطار. وعليه، ليس هناك أيّ توافق مع هذا الحزب الآن، مع العلم بأننا حتى في الماضي لم نتوافق وحدنا مع حركة النهضة.

 

رانا أبي جمعة: نعم، ولكن سيّد عبد العزيز، أتحدّث عن لقاء ولا أتحدّث عن قطيعة. أيّ قطيعة إذا كان هناك من لقاء؟

 

عبد العزيز القطي: لا، سيّدتي، اللقاءات لا تعني أنّ القطيعة يجب أن تكون حتى على مستوى اللقاءات. أنت تعرفين جيّداً سيّدتي، نحن أحزاب سياسية، وكل الأحزاب السياسية وكل رؤساء هذه الأحزاب يلتقون. اللقاء كان من أجل الحديث حول الوضع العام في البلاد. هناك العديد من المشاكل، هناك وضع اليوم تعيس جداً، لنداء تونس كذلك تقييم، وحتى وإن كان لا يشارك في هذه الحكومة، ولكن له تقييمه لهذا الوضع، ونتحدّث مع كل الأحزاب ومن بينها حركة النهضة، ولكن هذا لا يعني بأنّ هذا اللقاء هو عودة للتوافق، أو هو تحضير لمرحلة قادمة مع حركة النهضة.

بالنسبة لنا، نحن كنّا في شراكة مع أحزاب أخرى ومنها حركة النهضة، في حكومة، ولكن هذه الشراكة فشلت. حركة النهضة أفشلت هذا التوافق، أرادت الاستفراد بالسلطة بعد أن وجدت السيّد رئيس الحكومة بصدد تقديم لها كل التنازلات، وتقديم لها ما أرادت، قطعت علاقتها مع السيّد رئيس الجمهورية، راهنت على السيّد رئيس الحكومة، ونحن الآن، في موقع المعارضة لهذه الحكومة، ولكن نحن لنا تقييمنا، نحن لنا رؤيتنا، نحن لنا تصوّرنا لما يحدث في البلاد.

نحن مهتمّون بهذا الشأن باعتبارنا أحد ركائز هذا المشهد السياسي، وعليه فنحن نتحاور مع كل الأحزاب. لربما اللقاء الذي جمع السيّد رئيس الهيئة السياسية مع راشد الغنوشي أثار العديد من التساؤلات، ولكنه كان لقاء، مجرّد لقاء عادي جداً من أجل الحديث حول ما يحدث، ومحاولة تقديم وإفهام حركة النهضة بأنّ الوضع اليوم في البلاد هو وضع كارثي علينا جميعاً، وعليها أن تتحمّل مسؤولياتها من أجل إخراج البلاد من هذا الوضع الحالي.

 

رانا أبي جمعة: عندما نتحدّث عن وضع كارثي في البلاد، وعندما تقولون بأنّ حركة النهضة هي الداعم الرئيس لحكومة يوسف الشاهد، هذا يعني بأنّ هذه الحكومة كانت على طاولة البحث، أو طاولة التداول بين الشيخين؟ ألا يمكن ذلك؟ هل تمّ الحديث عن مستقبل؟

 

عبد العزيز القطي: ليسا شيخين.

 

رانا أبي جمعة: أقصد عن حافظ السبسي وعن الشيخ راشد الغنوشي. هل دار الحديث بشأن الحكومة ومستقبل هذه الحكومة؟

 

عبد العزيز القطي: لا سيّدتي، لم نتشاور في ذلك، نحن الآن غير معنيين بمآل هذه الحكومة. نحن فقط ننبّه، ونحن فقط نقدّم رؤيتنا لجميع الأحزاب وللمنظمات وهذا ما قلناه منذ مدّة، وتمّ اتهامنا بأننا نريد أن نسقط الحكومة ولا أدري ماذا، ولكن كان هدفنا كما بعض الأحزاب الأخرى والمنظمات، أن ننبّه الشعب التونسي لكلّ ما يحدث من كوارث الآن، والوضع الخطير، وأردنا أن نقدّم وجهة النظر هذه، كذلك إلى حركة النهضة، حتى تتنبّه وحتى تبتعد عن مصالحها الحزبية الضيّقة، وتنظر إلى المصلحة العليا لتونس التي هي بصدد المسّ بها، ومن صورتها، وحركة النهضة هي اللاعب الرئيس في هذا الوضع الكارثي الذي تعيشه البلاد، وعليه التنبيه والتنويه واجب، وواجب أكيد.

 

رانا أبي جمعة: كلّ هذا التصويب على الحكومة ورئيسها ولا تودّون إسقاط هذه الحكومة، هذا يعني أمراً جيداً سيّد عبد العزيز. أنتقل معك إلى موضوع على صلة.

 

عبد العزيز القطي: ألو.

 

رانا أبي جمعة: هل تسمعنا سيّد عبد العزيز؟

سوف نذهب إلى مقال، ومن ثمّ نعود إليك مباشرةً، إلى تونس.

الشرق الأوسط، "اتحاد المغرب العربي الذي غرُب".

 

الشرق الأوسط: اتحاد المغرب العربي الذي غرُب

منذ عقودٍ مرّت غالبية البلدان العربية بأحداث داخلية وتحديات خارجية متفاوتةٍ في الحجم والثأثير على مسارات الحياة في كلّ بلد. التعميم يغالط ويرشّ رماداً ثقيلاً على الحقائق. المملكة المغربيّة مثلاً لها تكوينها الاجتماعي والثقافي والعرقي المتراكم. أما الجزائر فهي قارة في بلاد، تاريخ ساخن لا تبرّده السنون.

وحين نقرأ خرائط اتحاد المغرب العربي نقف في محطةٍ نوعيّةٍ وهي الجمهورية التونسية التي تمتاز بتكوينٍ تاريخي وثقافي واجتماعي خاص له بُعدٌ تاريخي كان الحادي في مسيرة الحياة عبر قرون. وليبيا كان لها مسار سياسي مختلف عن شريكاتها المغاربيات التي وقعت تحت استعمارٍ واحدٍ هو الفرنسيّ. وقبل ذلك بقيت لقرونٍ تحت سلطةٍ عثمانيّةٍ مباشرةٍ غاشمةٍ باستثناء المرحلة القره مانلية.

في ظل كل الاختلافات بين الدول المغاربية وقعت معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي التي تضمنت العمل على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال بينها، وأيضاً على تحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء. وتضمّنت المعاهدة إنشاء أجسامٍ إداريّةٍ تنفيذية وتشريعية وقضائية للاتحاد. تمّ توقيع المعاهدة في مراكش سنة 1989. ماذا كانت النتيجة؟ بعد ثلاثين عاماً من الإعلان عن قيام الاتحاد أُصيبت العلاقات بين دول الاتحاد بتصلّب الأطراف وغطاه السكوت في خضم تطوّراتٍ عنيفةٍ هزّت بعض دوله. لماذا فشل الاتحاد منذ البداية؟ الأنظمة مختلفةٌ في تكوينها وأسلوب حكمها وطبيعة قادتها وخلفيّتهم وأفكارهم، في تاريخ كل شعب ومزاجه، ولانعدام الثقة بين الأنظمة مع اختلاف علاقاتها الدولية ومصالحها الثنائية. لقد أصبح الاتحاد المغاربي كياناً صامتاً مسكوتاً عنه، غاب في طوفان الأحداث التي لا تقاومها العناوين.

 

رانا أبي جمعة: سيّد عبد العزيز، يقال بأنّ حركة النهضة تعيش اليوم أياماً صعبة بسبب ملف الجهاز السرّي التابع لها، وتقديم أكثر من 40 نائباً في البرلمان لعريضة تطالب بالكشف عن هذا الجهاز.

ربما السؤال يُطرح. هل يمكن أن نكون أمام مقايضة سياسية، حكومة الشاهد مقابل الحديث أو هذا الملف عن الجهاز السرّي لحركة النهضة؟

 

عبد العزيز القطي: لا سيّدتي، هذا كلام غير مقبول، باعتبار أنّ موضوع الجهاز السرّي لا يتحكّم به لا طرف سياسي، ولا يتحكّم به طرف معين. هو اليوم موضوع رأي عام، وليس هناك ملف الجهاز السري فقط، هناك ملف الجهاز السرّي، هناك ملف التسفير إلى سوريا وإلى بؤر التوتّر، هناك ملف الأموال المشبوهة والقائمة التي بعث بها البنك المركزي من قيادات حركة النهضة إلى كل البنوك من أجل مراجعة حساباتهم، هناك العديد من الملفات التي تلاحق هذه الحركة، واليوم هذه الملفات هي ملفات رأي عام، وملف الجهاز السرّي لم يقدّمه أي طرف، لا نداء تونس ولا غيره، هو تقدّم من قبل هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد والبراهمي، وكذلك هناك ملف شبهة التورّط في مثل الاغتيالات السياسية.

وعليه فإنّه لا يمكن لأي طرف سياسي اليوم، مهما كانت قوته، أن يضع هذه الملفات في الرفوف، أو أن يقايض بها مقابل أشياء أخرى. اليوم الوضع الذي تعيشه بلادنا هو وضع خطير على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى المالي، هناك تقييم لأداء هذه الحكومة، اليوم هناك كوارث تقع، مثل الأطفال الذين ماتوا البارحة، وعليه فإننا نحن والعديد من الأحزاب الأخرى نطالب بتغيير هذه الحكومة برمّتها، ولا علاقة لذلك بأيّ ملف آخر، والسيّد رئيس الجمهورية وضع هذا الملف، ملف الجهاز السرّي، على طاولة مجلس الأمن القومي، وهو بصدد دراسته وتدارسه، وسيكون كذلك داخل مجلس الأمن القومي النظر في العديد من الملفات الأخرى، التي هي مطلب شعبي اليوم من أجل فتحها، والبتّ فيها، وتحميل المسؤولية للطرف المورّط فيها.

 

رانا أبي جمعة: سيّد عبد العزيز، تحدّثت في بداية هذه الحلقة عن المجلس الدستوري. لماذا الفشل في انتخاب أعضاء هذا المجلس؟ وهل يمكن أن نرى انفراجاً ما قبل الانتخابات كون المجلس من الضروري أن يكون حاضراً؟

 

عبد العزيز القطي: نعم، نحن حريصون على أن يتمّ انتخاب أعضاء الهيئة، المحكمة الدستورية، ولكن كما تعرفين هناك أربعة أعضاء يجب انتخابهم داخل المجلس، وبثلثي النواب، وهذا يتطلب توافقاً عريضاً، ولكن داخل لجنة التوافقات التي تضمّ رؤساء الكتل وأعضاء من الكتل البرلمانية، هناك تشبّث من قبل حركة النهضة ومن قبل كتلة يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالي التي هي اليوم في توافق وتناغم مع بعض، لتمرير أسماء معيّنة، نحن لن نقبلها، كحركة نداء تونس، أو كأحزاب وطنية أخرى، لا تريد أن تكون لهذه المحكمة، محكمة مسيّسة، محكمة يُراد من خلالها تمرير بعض الأشياء، نحن نطالب بالاستقلالية التامة لهؤلاء الأعضاء.

وعليه، فإننا طالبنا بتوافق عريض، ولكن هؤلاء الأشخاص، هذه الكتل، خصوصاً كتلة حركة النهضة وكتلة يوسف الشاهد رئيس الحكومة، لم توافق، وتنكّرت للتوافقات التي تمّت، وعليه أسقطت هذا التصويت، وأسقطت استكمال تركيبة المحكمة الدستورية.

 

رانا أبي جمعة: أنتقل معك إلى ملف آخر، وربما الأخير. هناك قمّة عربية مرتقبة في تونس نهاية هذا الشهر. يبدو بأنّ سوريا لن تكون حاضرة، في إطار إمكانية حضورها لهذه القمّة.

هل حُسم الأمر بعدم حضور سوريا، أو عدم دعوة سوريا إلى الحضن العربي من جديد؟

 

عبد العزيز القطي: أظنّ أنّه إلى حد الآن ليس هناك اتفاق بين الدول العربية حول هذا الموضوع. نحن في تونس ندفع لذلك، ونطالب بذلك، وتعرفين جيّداً بأنّ هناك مساعٍ من قبل السيّد رئيس الجمهورية لأن تكون سوريا حاضرة. على كل حال نحن جميعاً حتى كنواب طالبنا بذلك، قمنا بزيارة سوريا، وأنا كنت على رأس وفد زار سوريا، ودعم الشعب السوري منذ سنة ونصف السنة تقريباً، وقابلنا السيّد بشّار الأسد، وتمّ الحديث في العديد من الموضوعات، وعبّرنا له عن مساندة شعبنا، لأننا نمثل الشعب التونسي.

وكذلك نحن اعتذرنا على ما وقع سنة 2012 من قبل الترويكا، من قبل حركة النهضة، من قبل المرزوقي الرئيس السابق الذي قطع العلاقة، كذلك على مستوى التسفير وما قدّمه هؤلاء من دعم لمَن يريد أن يذهب ليقاتل الشعب السوري، ومن خلالكم أريد أن أقدّم التحية للمقاومة اللبنانية وعلى رأسها سماحة السيّد حسن نصر الله ومن خلاله نقدّم التحية إلى شباب المقاومة الذي ردع وضرب بقوّة هؤلاء الدواعش في سوراة، ويبقى موقف تونس، هو الموقف الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية، والخارجية التونسية، والذي يدعو إلى إرجاع سوريا إلى الحضن العربي.

كذلك أنا قدّمت مداخلة في البرلمان العربي أمام كلّ، بما أنني عضو في البرلمان العربي، وطالبت الجميع أن نعمل على إرجاع سوريا إلى الحضن العربي، وأن تكون موجودة في القمّة العربية، ونحن في تونس بصدد الدفع على أن تقدّم تونس ويقدّم السيّد رئيس الجمهورية مقترح إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، على طاولة القمّة العربية عند حضور الرؤساء العرب، وإن شاء الله يكون الحوار حول ذلك، وأتمنّى أن يكون لتونس دور ولرئيس الجمهورية دور، وهو حريص على ذلك، بأن ترجع سوريا الحبيبة إلى حضن الدول العربية، وأن ترجع الأمور إلى نصابها.

 

رانا أبي جمعة: وأبقى معك في إطار هذا النفس المقاوم سيّد عبد العزيز، حضور سوريا ربما هو أمر جداً مهمّ، لكن اليوم التحدّي الأكبر على الساحة الإقليمية، وفي منطقتنا، هو القضية الفلسطينية.

ما المطلوب اليوم من القمّة العربية التي ستعقد في تونس بالنسبة إلى هذه القضية التي يُعمَل على تصفيتها من قبل الولايات المتحدة  الأميركية وبعض دول المنطقة العربية وبعض الدول الخليجية؟

 

عبد العزيز القطي: بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، تبقى هي القضية الأمّ بالنسبة إلينا كعرب وكمسلمين. المسألة الأخرى هي أنّ كل محاولات قبر أو كل محاولات إنهاء هذه القضية، أظنّ أنّ كلّ الدول العربية هي واعية لذلك، والعديد منها يريد أن يدفع لاتجاهات معيّنة. هذا الحوار يجب أن يكون بصراحة على طاولة القمّة العربية، وأن يكون الموقف موحّداً بين كل الدول العربية لمساندة القضية الفلسطينية للوقوف في وجه الكيان الصهيوني وما يقدّمه من ممارسات، بأن يتمّ التحاور والتواصل مع كل الدول الداعمة لكل هذه الخيارات الصهيونية والتي يجب أن تقف إلى حد الآن، وأن يوجد هذا الحلّ في أقرب وقت، وأن يكون للعرب وللمسلمين دور في إيجاد هذا الحلّ، وليس مفعولاً بهم، أو مستعمَلين من أجل ضرب القضية الفلسطينية بشكل أو بآخر.

 

رانا أبي جمعة: شكراً جزيلاً لك السيّد عبد العزيز القطي النائب في البرلمان التونسي، شكراً جزيلاً لك، كنت معنا من العاصمة التونسية.

 

عبد العزيز القطي: شكراً لك.

 

رانا أبي جمعة: إذاً مشاهدينا إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة من حوار الساعة. الموعد يتجدّد في صباح الغد. إلى اللقاء.