حمة الهمامي - الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية التونسية

 

المحور الأول

 

محمد علوش: أنهت القمّة العربية في دورتها الثلاثين، مؤتمرها الختامي أمس في تونس، بغياب بعض القادة العرب.

القمّة لم تخرج بقرارات غير متوقّعة من بين 20 بنداً وُضِعت في جدول أعمالها، من صفقة القرن إلى الاعتراف الأميركي بسيادة الإحتلال على الأراضي العربية، وصولاً إلى الأزمات الداخلية في ليبيا، واليمن وغيرهما.

التشديد على خيار السلام والتمسّك بالمبادرة العربية هما أقصى ما أفضت إليه القمّة، في مواجهة تصفية القضية الفلسطينية.

سورياً لم تتجاوز القمّة حدود الإدانة والاستنكار، واستنكار الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

الضغوط الأميركيّة على القادة العرب أفلحت في إرجاء بحث عودة سوريا إلى الجامعة العربية، فملفّ تعليق عضوية سوريا في الجامعة رُحّل إلى أمدٍ غير معلوم.

الأزمة الإنسانية في اليمن غُيّبت واستُحضِر عوضاً عنها الدور الإيراني في المنطقة.

تونس التي استضافت القمّة شهدت تحركات ومسيرات شعبية تحت عنوان يوم الأرض.

فهل جاءت مقررات القمّة على المستوى المطلوب عربياً وتونسياً؟ كيف تجلّى الموقف الرسمي التونسي في تحريك القضايا ذات الاهتمام العربي المشترك؟ ما رأي القوى الحزبية الرافضة لمسار التطبيع مع الاحتلال؟

للنقاش معنا من تونس حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حياّكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا من تونس الأستاذ حمة الهمامي.

أنتم كقوى حزبية فاعلة وناشطة في الشارع، كان لكم حضور في الشارع بالأمس تزامناً مع انعقاد القمّة العربية.

كيف تقيّمون هذه القمّة؟ هل تجدون مقرّراتها قد لامست حدود تطلّعات الأمّة العربية؟

 

حمة الهمامي: صباح الخير وشكراً على هذه الاستضافة.

يمكن القول مرة أخرى تمخّض الجبل فولّد فأراً. هذه القمّة لم تأتِ بجديد، هذه القمّة لم تكن وفي الواقع لا يمكن أن تكون مطلقاً في مستوى تطلّعات الشعوب العربية، وهذا كان منتظراً، لأنّ القوى المُمسكة بالقرار في المستوى العربي، الماسكة بالقرار في الجامعة العربية، هي قوى معادية لطموحات الشعوب العربية، هي قوى متواطئة مع الكيان الصهيوني، هي قوى مُطبّعة مع الكيان الصهيوني، هي قوى عميلة وخادمة للقوى الاستعمارية العالميّة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركيّة، هي قوى مُسبّبة للأزمات التي تعيشها عديد الأقطار العربيّة، هي قوى مساهمة في تدمير سوريا، ومساهمة في تدمير ليبيا، ومساهمة وتساهم في تدمير اليمن، وكذلك العراق، هي قوى مساهمة في ما يعيشه الوطن العربي من حالة، هي قوى تتآمر على القضية الفلسطينية وتريد إنهاءها.

لذلك من الطبيعي ألا يخرج شيء مهمّ في هذه القمّة العربيّة الرسميّة في إطار جامعة أصبحت بؤرة للمؤامرات على الشعوب العربيّة وعلى قضايا وطننا، وأيضاً على مصالح شعوب المنطقة بأسرها.

 

محمد علوش: قد يقول البعض بأنّ جامعة الدول العربية ربما هي قد تكون عاجزة لأسباب مرتبطة بقيادات الدول الموجودة فيها، لكن أليس من الإجحاف، البعض يسأل سيّد الهمامي، أليس من الإجحاف  تعميم هذا القول أو هذه التعابير على مجمل الدول العربية التي تتفاوت في ما بينها لجهة كثير من القضايا وخاصة القضايا المصيرية؟

 

حمة الهمامي: أنا أتحدّث هنا عن القيادة، صحيح أنه توجد بعض الأصوات القليلة جداً، الأصوات النشاز، ولكن القيادة في الجامعة العربية، القيادة في النظام الرسميّ العربيّ هي بيد دول رجعيّة، خليجيّة، مسيطرة على هذا القرار، وهذه الدول تنزع باستمرار نحو تصفية القضية الفلسطينيّة، تنزع باستمرار نحو مزيد من الخضوع للقرار الأميركيّ، وهذه القيادة مُتورّطة في تنفيذ المخطّطات الاستعمارية الصهيونية، هي مسؤولة عما جرى في ليبيا، مسؤولة عما جرى ويجري في سوريا، اليمن، هي مطبّعة مع الكيان الصهيوني وتنادي بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، فكيف لنا أن ننتظر موقفاً وطنياً قومياً من أنظمة باعت الأرض وباعت العرض وهي متورّطة حتى النخاع في كل المؤامرات التي يواجهها وطننا العربيّ؟

لذلك، نحن نعتقد أنّ المراهنة على الجامعة العربيّة، والمراهنة على القيادة المتنفّذة في الجامعة العربيّة، هي مراهنة خاسرة.

 

محمد علوش: نعم، سنأتي بالتفصيل على البيان الصادر في ختام القمّة، لكن قبل ذلك، تونس على سبيل المثال استضافت هذه القمّة، تعتبر القمّة الثالثة تاريخياً التي تعقد كقمّة عربية في تونس، تونس تعاني تحديات اجتماعية، أمنية، اقتصادية، سياسية أيضاً، هي مقبلة على استحقاقات انتخابات رئاسية وبرلمانية.

تقديركم، الدور الذي لعبته تونس في استضافة هذه القمّة، كيف ينعكس على دورها سواء كان كمنظومة عربيّة من ناحية، وأيضاً على شخصية الرئيس السبسي؟

 

حمة الهمامي: أعتقد أنّ الموقف التونسي الرسمي أيضاً ليس فيه جديد في هذه القمّة، في علاقة بالقضايا العربية، مثلاً بالعلاقة بسوريا، النظام الرسميّ التونسيّ، على رغم أن الرئيس السبسي كان قد وعد في حملته الانتخابية بإعادة العلاقات مع سوريا، إلا أنّ ذلك لم يحصل، وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى التحالف القائم بين السبسي وحركة النهضة، ونحن ندرك جيّداً أنّ حركة النهضة الحليف الرئيسيّ للسبسي واليوم الحليف الرئيسيّ لرئيس الحكومة، متورّطة إلى جانب القوى الإخوانية في الوطن العربي في المؤامرة على سوريا.

كذلك مثلاً الصوت التونسي في هذه القمّة العربية كان أيضاً مُتماهياً مع بقية النظم الرسمية العربية. لم نسمع صوتاً تونسياً مثلاً طالب بوضوح وطرح قضية الملف السوري وعودة سوريا وإعادة العلاقات الدبلوماسية مثلاً مع سوريا، لم نسمع أيضاً صوتاً تونسياً يُدين ما يجري في اليمن.

 

محمد علوش: ولكن قد يردّ البعض سيّد الهمامي، بأنّ تونس انسجاماً مع الموقف العربيّ الرسميّ، بشكلٍ عام، بغضّ النظر عن تقييمنا لهذا الموقف العربي الرسمي، لكنها انسجاماً معه ربما تقف عند هذه النقطة، إضافة إلى أن البيان الختامي بشكلٍ عام أكّد على ضرورة الحلّ في سوريا، حلّ الأزمة في سوريا، ورفض رفضاً مطلقاً الإعلان الأميركي أو الاعتراف إذا صحّ التعبير، اعتراف الرئيس ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

ما الذي كان بإمكان تونس أن تفعل أكثر من ذلك لجهة هاتين القضيتين؟

 

حمة الهمامي: قبل الإجابة، أريد أن أشير أيضاً إلى الموقف التونسي الرسمي من اليمن.

 

محمد علوش: سنأتي على ذِكر اليمن.

 

حمة الهمامي: النظام الرسمي التونسي موجود في التحالف الإسلاميّ بقيادة السعودية، وبالتالي حين نتحدّث عن انسجام الموقف التونسي الرسميّ مع الموقف الرسميّ العربيّ، ماذا يعني الانسجام؟ الانسجام مع العمالة؟ الانسجام مع الخيانة؟ الانسجام مع القوى الاستعمارية؟ الانسجام مع التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ لا معنى للانسجام مع الموقف الرسمي العربي في مثل هذه القضايا الجوهريّة التي تهمّ شعوبنا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

لذلك، فنحن نعتبر أنّ هذا الانسجام في الجامعة العربية هو انسجام قوى وأنظمة رجعيّة، أنظمة متواطئة مع الاستعمار، أنظمة لا تريد المقاومة، أنظمة لا تريد حلاً حقيقياً للقضية الفلسطينية بما يُرضي الشعب الفلسطينيّ، لأن مصالحها مرتبطة عضوياً بمصالح القوى الاستعمارية.

بخصوص الجولان، صحيح أنّ البيان الختاميّ تحدّث عن عروبة الجولان وعن سوريّة الجولان، ولكن هذا إنشاء. السياسة تُمارَس في الواقع، فماذا اتّخذت هذه الأنظمة العربيّة الرسميّة من إجراءاتٍ لمواجهة الهجمة الاستعماريّة بقيادة أميركا على الوطن العربيّ؟ ماذا اتخذت من إجراءات بخصوص الجولان؟ وماذا اتخذت من إجراءات بخصوص انتقال السفارة الأميركية إلى القدس العربية؟ وماذا اتخذت أيضاً من إجراءات لنصرة الشعب الفلسطينيّ؟ لم تُتّخَذ إجراءات حقيقية جدية. ما يُمارَس في الواقع هو مخالف لهذا الخطاب الإنشائي الفارغ الرتيب الذي يُكرَّر في كل قمّة عربية.

 

محمد علوش: ويبقى السؤال، هل خرجت الدول العربية بجديد في قمّتها الثلاثين التي انعقدت في تونس أمس؟

صحيفة الأخبار اللبنانية تجيب تحت عنوان "قمّة الجولان". نشاهد معاً.

 

الأخبار اللبنانية: قمّة الجولان بعد قمّة القدس: بيع الكلام

كما هي حال القمم العربية السابقة، حافظت القمّة الثلاثون على طابعها الباهت، مُصدّرةً مواقف مكرّرةً ومعتادةً عن القضية الفلسطينية ومتوقّعة في شأن الجولان، فيما بدت الانقسامات في شأن القضايا الإقليمية حاضرةً بوضوح.

فلم تخرج الدول العربيّة بجديدٍ من القمّة الثلاثين في العاصمة التونسية أمس، سوى بإعلان عزمها على استصدار قرارٍ من مجلس الأمن الدوليّ ضدّ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بسيادة الاحتلال على الجولان السوري المحتل منذ العام 1967، وآخر من محكمة العدل الدولية بعدم شرعية الاعتراف الأميركي وبطلانه، كما قال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في البيان الختامي للقمّة التي جدّدت فيها الدول العربيّة مواقف تقليديّةً في شأن القضية الفلسطينية.

بدت القمّة بذلك كأنّها قمّة الجولان على غرار قمّة القدس السابقة في مدينة الظهران السعودية، لكنّ الموقف العربي في شأن الجولان بدا أكثر وضوحاً ممّا هو عليه في شأن القدس، وهو تفاوتٌ تتصدّر مشهديّته السعودية التي يبدو أنّ حساباتٍ كثيرةً تدفعها إلى رفض القرار الأميركي بخصوص الجولان بوضوح هذه المرة، إذ إن تعثّر مشروع صفقة القرن ومحاولات تركيا المتواصلة لتظهير نفسها في صورة الحريص على القضية الفلسطينية والحقوق الإسلامية، تثير هواجس لدى المملكة من أن تغدو في عزلةٍ عربيّةٍ تسمح لمنافسيها الإقليميّين بالاستحواذ على ساحة الصراع العربيّ الإسرائيليّ.

 

محمد علوش: أعود إليك أستاذ حمة الهمامي. طبعاً بحسب الصحيفة التي سمّت القمّة بقمّة الجولان على غرار ما سمّت أيضاً القمّة التي عُقِدت في الظهران السعودية العام الماضي بقمّة القدس، كان الصوت العربي واضحاً أكثر مما كان عليه في السنة الفائتة لأسباب طبعاً سنأتي على ذِكرها بحسب الصحيفة، لكن كأنها تقول بشكل عام، إنّ الموقف العربي كان موقفاً صارماً أقلّه في ما يتعلّق ببند إدانة واتهام ورفض مطلق لأي مسّ بعروبة الجولان السوري المحتل؟

 

حمة الهمامي: هي صرامة كلاميّة، هي صرامة إنشائيّة، وهي صرامة لا مفعول لها في الواقع، لأنه لو كانت هذه الأنظمة تعتبر حقاً أنّ القرار الأميركيّ جائِر، والقرار الأميركي ظالِم، فلماذا لم تقم بأيّة خطوة واضحة تجاه سوريا؟ على الأقلّ، كان بالإمكان أن تقوم بحركة في اتجاه حضور سوريا في هذه القمّة، على رغم أنني أعتقد أنّ سوريا لن يزيدها شيء الحضور في مثل هذه القمم.

أنا أعتقد أنّ التأكيد بأن الجولان سوريّ، هذا لا يتطلّب مثل هذا الكلام الإنشائي. كما قلت، السياسة تُمارَس في الواقع، والإجراءات ينبغي أن تكون في الواقع، وهذه الأنظمة العربية، وخاصة قيادتها الممسوكة من طرف السعودية وبعض البلدان الخليجية، هذه القيادة هي، لا أقول قيادة عاجزة، ولكنني أقول إنها قيادة غدر وقيادة خيانة، وهي المسؤولة عن الكوارث وعن الدمار الذي يجري حالياً في الوطن العربي، باعتبارها أداة لتنفيذ مخططات استعمارية صهيونية في المنطقة.

لذلك، أعتقد جازِماً أنّ على الشعوب العربية وأنّ على القوى الوطنية العربيّة، القوى التي تريد الخير لهذا الوطن، أن تكون واقعيّة. ما معنى أن تكون واقعية؟ هي أن تدرك إدراكاً تاماً ونهائياً أنّ خلاصها وأن حلحلة أوضاعها، ولو بشكل جزئيّ، لا يمكن أن تتمّ عن طريق هذه الأنظمة، بل عليها أن تكون واقعية وتدرك أنّ خلاصها بيدها، بمقاومتها للاستعمار الصهيوني، للهيمنة الاستعمارية الغربية وغير الغربية في المنطقة، وكذلك بمقاومتها لرأس حربة الأنظمة الرجعية في هذه المنطقة. هذا يتطلّب منها رؤية، يتطلّب منها تنظيماً، يتطلّب منها تناسقاً، ويتطلّب منها تضامناً، ويتطلّب منها تنسيقاً وتعاوناً.

أعتقد مرة أخرى أن الشعوب العربيّة، القوى الوطنية والثورية العربية مدعوّة إلى الواقعية، ألا حلّ، وألا خلاص، وأن حتى لا إجراءات جزئية يمكن أن تأتي عن طريق الجامعة العربية أو عن طريق الأنظمة المتنفّذة في هذه الجامعة العربيّة. لا خلاص ولا حلحلة لأوضاعنا إلا بنضالنا وصمودنا وبمقاومتنا للرجعية وللصهيونية وللهيمنة الاستعمارية الأجنبية. صحيح أن هذا صعب، وأنا أدرك أنّ هذا صعب في الموازين الحالية الإقليمية والمحلية والدولية، ولكن هذا هو الطريق السليم، وهذا هو الطريق الصحيح، ولا بديل لنا عنه.

 

محمد علوش: سيّد الهمامي، مرّة أخرى، وضع الجامعة العربية في هذه الحال، البعض يقول، كأننا نقوم بجلد الذات، لأنه لا يمكن أن نختزل مواقف دول عربية محدّدة، أو نفوذ دول عربية أكثر حضوراً في جامعة الدول العربية من دول أخرى، على أنه هو بالفعل اختطاف بالكامل لجامعة الدول العربية، خصوصاً أنّ كلّ القرارات التي تصدر عنها هي قرارات تتناسب مع تطلّعات الشعوب، إلا أنها قد لا تجد لنفسها مفعولاً على صعيد التطبيق، وهذا مرتبط بقوّة هذه النُظم العربية وليس بسبب جامعة الدول العربية.

مرّة أخرى، ألا يُعتبَر هذا نوعاً من المزيد في توسيع الشرخ داخل الشارع العربي أو داخل الأمّة العربيّة، حينما نتحدّث أو نوجّه السهام لجامعة الدول العربية التي تُعتبَر هي الوحيدة الآن الناظِم الرسمي للعلاقات بين الدول العربية؟

 

حمة الهمامي: أنا شخصياً أعتبر أنّ هذه الجامعة لا دور لها حقيقياً في الواقع العربيّ العام، لا دور لها إيجابياً، بل إذا نظرنا إلى هذه الجامعة، ماذا فعلت خلال العقود الأخيرة؟ كبريات الكوارث التي حلّت بمنطقتنا وبشعوبنا، وقع تشريعها عن طريق هذه الجامعة العربية، لأنّ مثل هذا الكيان، مثل هذه الجامعة في حقيقة الأمر تحدّد سياساتها القوى المتنفّذة، والقوى المتنفّذة في المرحلة الحالية هي قوى مُطبّعة مع الكيان الصهيونيّ، هي قوى مرتبطة وخاضعة خضوعاً تاماً للولايات المتحدة الأميركية وللاستعمار الغربيّ، هي قوى رجعيّة على طول الخط، هي قوى معادية لشعوبها على طول الخط.

هل يمكننا أن نتصوّر أنّ أنظمة فعلت ما فعلت في ليبيا وفعلت ما فعلت في سوريا وفعلت ما فعلت وتفعل ما تفعل في اليمن وفعلت ما فعلت في العراق وفعلت ما فعلت في العديد من المناطق العربية الأخرى بما فيها التآمر على شعبنا نحن في تونس، هل يمكن أن نتصوّر أنّ أنظمة بهذه الكيفيّة، هي أنظمة قادرة على أن تجعل من الجامعة العربية أداةً لتحسين أوضاع وطننا العربيّ، تحسين أوضاع شعوبنا؟ أعتقد أن هذا وَهْم وهذا بيع وهْم، لذلك علينا أن ندرك أنّ الشعوب العربية، أنّ الأقطار العربية محتاجة إلى تنظيم جديد غير الجامعة العربية.

صحيح أن الجامعة العربية مع عبد الناصر، مع صدّام حسين، ومع القذافي ومع غيره من قادة كانوا يناوئون الاستعمار، وكانوا يناوئون الصهيونية بقطع النظر عن تقييمنا لهم، كانت ربما أكثر حيوية، الجامعة العربية مع دور جزائري نشط كانت أيضاً، كنّا نسمع فيها أصواتاً غير الأصوات التي نسمعها اليوم، ولكن الجامعة العربية هي جامعة ميتة. هذه الجامعة ماتت منذ عقود، وأصبحت عبئاً ثقيلاً على الشعوب العربية، هي حسب عبارتنا نحن هنا، هي لا تصلح ولا تصلح، هذه الجامعة. الشعوب العربية محتاجة إلى تنظيم جديد، وأنا أدرك مرّة أخرى أن هذا صعب، لكن على القوى الوطنية، على القوى الثورية والتقدمية أن تتحمّل مسؤوليتها التاريخية، على رغم صعوبة الظرف وعلى رغم ما يتطلّب ذلك من رباطة جأش ومن جهد، ولكن لا سبيل لنا غير ذلك.

ولكنني في نفس الوقت أقول إنّ ما يجري في أوطاننا العربية، إن المقاومة في فلسطين، إن النضال في العراق والنضال في لبنان والنضال في سوريا والنضال في اليمن والنضال في المغرب والنضال في الجزائر وفي تونس وفي كل الأقطار العربية، هذا مؤشّر جيّد ومؤشّر إيجابي على أننا قادرون أن نخرج من أزمتنا، أن نتعلّم ممّا عشناه من كوارث، أن نتعلّم إيجاباً، وأن نصوغ مستقبلنا بطريقة أخرى، نصوغ مستقبلنا من أجل أن نحيا في أقطارنا وفي وطننا العربي في كنَف الإستقلال وفي كنَف التحرّر وفي كنَف بناء وطنيّ يوفّر الغذاء ويوفّر الصحة ويوفّر التعليم، في إطار بنّاء يوفّر الديمقراطية والحرية والمساواة لشعوبنا.

هذا لا يمكن أن يتم إلا على أنقاض الواقع الحالي، إلا على أنقاض الأنظمة العربية الحالية، وأقصد هنا الأنظمة المتنفّذة التي أوصلت وطننا العربيّ، وأوصلت أقطارنا، وأوصلت شعوبنا إلى مثل هذه الحال. نحن في حاجة، لأكون واضحاً، نحن في حاجة إلى حركة تحرّر وطني واسعة، نحن في حاجة إلى ثورات وطنية ديمقراطية اجتماعية تُخرِج شعوبنا من هذه الحال.

 

محمد علوش: طبعاً هناك الكثير من التحديات التي تعيشها الأمّة العربيّة، لا شكّ في هذا الموضوع، لكن كيفية الخروج من هذا النفق المظلم هو السؤال الجوهريّ.

على أية حال، سنستكمل معك النقاش أستاذ حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية في تونس، لكن بعد فاصل قصير.

مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا.

لماذا لا يقيم الاحتلال الإسرائيلي وزناً لكل مقرّرات الجامعة العربية؟ وممّن يخشى هو فعلاً؟

السيّدة بثينة شعبان في الميادين نت تجيب على ذلك. نشاهد معاً.

 

الميادين نت: يوم الأرض، الدكتورة بثينة شعبان

مهما كانت القرارات التي توصّلت إليها القمّة العربية في تونس بشأن الجولان أو بشأن فلسطين، فإنها من دون شك وكسابقاتها ستبقى حبراً على ورق، وستعبّر عن مواقف لفظيّةٍ لا مرتسمات لها على أرض الواقع.

وأكثر مَن يعرف هذه الحقيقة هو العدوّ الصهيونيّ نفسه، والذي لا يقيم وزناً لكلّ تصريحات هؤلاء وقراراتهم وبياناتهم، ولكنّه يخشى الروح المقاوِمة التي تولد مع إبن فلسطين أو إبن الجولان، لأنه يعلم أنّ هذه الروح هي التي تهدّد كيانه واستيطانه واستعماره لأرضنا ولمقدّساتنا.

لا بدّ للمراقب لأحداث يوم الأرض يوم السبت الثلاثين من آذار (مارس) 2019 من أن يُعيد حساباته وتفكيره وتقييمه لمعظم المسلّمات التي آمن بها بديهياً منذ نعومة أظفاره. الفلسطينيون العزَّل يخرجون وأطفالهم يتحدّون الموت والفقر، ليقولوا للعالم هذه أرضنا وسوف نقضي في سبيلها، بينما يرزح معظم العرب الآخرين تحت وطأة مفاهيم وابتزازاتٍ دوليّةٍ لن تقودهم إلا إلى مزيدٍ من الخُسران والهوان.

والمراقب المُتبصّر لهذه الأحداث يتساءل، أين حدث الخطأ الأكبر؟ وما هي الانزلاقة التي أدّت إلى كل هذا الانهيار؟ وأين حصلت في التاريخ؟ ولماذا لم تتم معالجتها في حينه أو بعد حين؟ ومتى يعود الذين يعتلون الكراسي الفخمة ويسيرون على السجاد الأحمر ليكونوا أصحاب قضيّةٍ قولاً وفعلاً، منذورين لقضايا شعوبهم ولحرية أرضهم وكرامة بلدانهم؟

 

محمد علوش: نعود إلى ضيفنا الأستاذ حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، وأكرّر السؤال نفسه الذي طرحته السيّدة بثينة شعبان في مقالتها، أين حدث الخطأ الأكبر؟ وما هي الانزلاقة التي أدّت إلى كل هذا الانهيار بشكل عام؟

 

حمة الهمامي: أنا أعتقد أنه بعلاقة بسؤالكم، طبيعيّ جداً أنّ الكيان الصهيوني لا يُعير أيّة أهمية لمقرّرات القمم العربية، لأنّه يعرف جيّداً أنّ هذه المقرّرات تبقى حبراً على ورق، ولأنّه يعرف جيّداً ما له من علاقات مع هذه الأنظمة الرسمية العربية في الإطار التطبيعي بينه وبينها، لا يمكنه أن يأخذ مأخذ الجد هذه القرارات والعديد من الأنظمة الرسمية العربية تتسابق للتطبيع معه.

 

محمد علوش: كيف تقيّم الموقف التونسي بشكل عام؟

 

حمة الهمامي: الموقف التونسيّ بشكل عام هو موقف لا طَعم ولا رائحة له، لا وجود لصرامة في هذا الموقف، وهو موقف يتناقض مع الموقف الشعبيّ التونسيّ. الموقف الشعبيّ التونسيّ واضح، يريد الصرامة إلى جانب فلسطين، يريد الصرامة إلى جانب المقاومة في فلسطين.

 

محمد علوش: وأين خذلت تونس القضية الفلسطينية برأيك؟ أقصد في السياسة، أقصد الدولة التونسية، الحكومة التونسية أين خذلت القضية الفلسطينية، خصوصاً في موقعها داخل جامعة الدول العربية؟

 

حمة الهمامي: نحن مثلاً كقوى وطنية وقوى تقدمية في تونس، نحن طالبنا منذ إسقاط الديكتاتورية، نحن طالبنا أن تكون السياسة الخارجيّة لتونس، طالبنا أن يكون الموقف من فلسطين في تونس موقفاً يناسب الثورة التي قام بها الشعب التونسي، وأضعف الإيمان مثلاً أن يقع تجريم التطبيع مع الكيان الصهيونيّ في الدستور. الأغلبية الحاكمة رفضت إدراج بند يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيونيّ في الدستور، هذه نقطة.

نقطة ثانية، في أرض الواقع مظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني كثيرة ومتعدّدة، من طرف النظام الرسميّ التونسيّ. من هذه الزاوية، بطبيعة الحال، تمّ خذلان القضية الفلسطينية، لأننا نحن نعتبر أن تونس الثورة وتونس الشعب، كان المفروض أن تلعب دوراً رائداً في مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، وتلعب دوراً رائداً من الناحية السياسية على الأقلّ في الوقوف إلى جانب مقاومة الشعب الفلسطيني.

 

محمد علوش: إسمح لي سيّد الهمامي، كما ذكرنا في بداية الحلقة، تونس تعيش تحديات اجتماعية، سياسية، اقتصادية، وحتى أمنيّة، وهناك استحقاقات قادمة، لا شكّ في الموضوع، على صعيد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

إلى أيّ حدّ اجتماع القمّة العربية في تونس ينعكس إيجاباً على بعض القوى السياسية من دون أخرى؟

 

حمة الهمامي: لا أعتقد شخصياً أن التونسيات والتونسيين أعاروا أهميةً كبرى لهذه القمّة العربية، وذلك لسبب بسيط، التونسيات والتونسيون أصبحوا على عِلم انطلاقاً من تحرّر وسائل الإعلام، انطلاقاً من الشبكات الاجتماعية، التونسيات والتونسيون يعلمون ما يجري في الساحة العربية والساحة الإقليمية والساحة الدولية، وهم على اطّلاع بمواقف مختلف الأطراف العربية الرسمية من قضايانا الكبرى، من القضية الفلسطينية، من سوريا، من ليبيا، من اليمن، من العراق، من كل قضاياهم، من قضايا شعوبنا الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسية.

لذلك، أنا على دراية بأنّ الرأي العام في تونس لم يكن في معظمه، أو لنقُل في جزئه الذي يتابع الشأن العام والشأن العربي، لم يكن ينتظر جديداً مهماً من هذه القمّة. ربما كانت ثمّة خشية من أن تصدر عن هذه القمّة كارثة جديدة من الكوارث. لذلك، نحن قلنا قبل هذه القمّة، قلنا نحن نرفض أن تكون تونس أرض غدرٍ وأرض خيانة، أرض يصدر منها قرار غدر وقرار خيانة للقضايا العربية.

 

محمد علوش: ربطاً ببعض التحديات التي تعيشها تونس، وهو تأكيد القمّة العربية على ضرورة مواجهة الإرهاب، تونس عاشت لحظات عصيبة أمنياً في أكثر من مرحلة ما بعد الثورة، وهذا التحدّي لا يزال قائماً، تقييمكم ابتداءً الآن، لأداء الحكومة على هذا الصعيد، والدعم العربي الذي تلقّته الحكومة لجهة مواجهة الإرهاب خصوصاً أن تونس تعيش أيضا على حدود يشتدّ عليها الإرهاب، وأقصد في ليبيا المجاورة؟

 

حمة الهمامي: دعنا نكون صريحين. الإرهاب الذي عانت وتعاني منه تونس، من أين يأتي مصدره؟ هذا الإرهاب وهّابيّ الأيديولوجيا، هذا الإرهاب وهّابيّ الفكر، وهذا الإرهاب مرتبط بجماعات وبدول عربيّة ساندته ودعمته ومولّته وسلّحته برعاية استعمارية، برعاية صهيونية، فكيف لنا أن ننتظر على الأقل من الأنظمة العربية المتنفّذة أو من بعض الأنظمة الإسلامية المتنفّذة الإخوانية مثل تركيا، كيف يمكننا أن ننتظر منها دعماً وحلاً لقضايا الإرهاب في بلادنا؟

نحن نعتبر أنّ مواجهة الإرهاب في تونس إنما هي أولاً وقبل كل شيء مسؤولية الشعب التونسي، ومسؤولية القوى الحيّة في تونس. علينا أن نعوّل على أنفسنا، علينا أن نبدّل خياراتنا الاقتصادية، علينا أن نقضي على التبعية، علينا أن نبني اقتصاداً وطنياً قوياً، وعلينا أن نبني مجتمعاً متماسكاً، وعلينا أن نبني مؤسّسات دولة ديمقراطية مدنية قوية، وعلينا أن نعزّز أمننا بعقيدة جديدة، عقيدة أمنية جمهورية وعقيدة عسكرية جمهورية، وعلينا أيضاً أن نعزّز بلدنا بعقيدة دبلوماسية جديدة.

 

محمد علوش: ألا ترى سيّد الهمامي أنّ ما قامت به الحكومة التونسية خلال الفترة الماضية باستعادة نسبية للحياة الأمنية في تونس، هناك تطوّر ملحوظ على صعيد الاستقرار السياسي الناتج أيضاً من استقرار أمني بطبيعة الحال، والذي ربما سينعكس لاحقاً على الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد، ألا يعطي هذا ميزة حقيقية للأداء السياسي للحكومة القائمة؟

 

حمة الهمامي: أعتقد بالنسبة لهذه الحكومة القائمة، ولنكن واضحين هي من أتعس ومن أفشل ومن أخطر الحكومات التي عرفتها تونس ما بعد الثورة، وهذه أزمة سياسية وأزمة اقتصادية مُستفحلة وأزمة اجتماعية أيضاً خطيرة. على المستوى الأمني، علينا أن نُحيّي القوات الأمنية وعلينا أن نُحيّي القوات العسكرية على ما تبذله من جهد، ولكن هذا لا يمنعني من القول بأن الوضع الأمني لا يزال هشّاً، وأنّ الإرهاب لا يزال مستوطناً في تونس، وأنّ مقاومته لا تتوقّف فقط على الجانب الأمنيّ.

حتى نقاوم الإرهاب، لا بدّ لنا من استراتيجية وطنية واضحة، استراتيجية فيها بُعد اقتصادي، واستراتيجية فيها بُعد اجتماعيّ، واستراتيجية فيها بُعد سياسيّ، واستراتيجية فيها بُعد تربويّ تعليميّ، واستراتيجيّة فيها بُعد ثقافيّ، وبطبيعة الحال يضاف إلى ذلك بُعد أمنيّ، وكذلك لا بدّ لنا من أن نعرف من أن نختار أصدقاءنا ونفرز أصدقاءنا من أعدائنا في المستوى العربي وفي المستوى الإقليمي وفي المستوى الدولي.

كل هذا، مقاومة الإرهاب، في كل مرة في تونس تحصل حادثة إرهابية تذكّرنا بأن الإرهاب لا يزال قائماً ولا يزال موجوداً، وأنا أعتبر، صحيح أن الأمن والجيش التونسيّيْن قاما بمجهود كبير في هذا الاتجاه، ولكنني أعتقد أن دور القوى الحيّة أيضاً في تونس، القوى الحيّة السياسية، الثقافية، المدنية، النساء، الشباب، المثقّفون، المُبدِعون، الإعلاميات والإعلاميون، كل هؤلاء كان لهم دور في غاية الأهمية في مواجهة الخطر الإرهابي، التعبئة المدنية، التعبئة الشعبية كان لها أيضاً دور مهم، وهذا منذ الاغتيالات السياسية الكبيرة للسيّد شكري بلعيد والشهيد محمّد لبراهمي.

 

محمد علوش: ألا يُحسَب هذا لجميع القوى السياسية النافذة في تونس، خصوصاً المشاركة في الحكومة؟

 

حمة الهمامي: لا أعتقد، هذه القوى المشارِكة في الحُكم لماذا رفضت تجريم التطبيع مثلاً مع الكيان الصهيوني؟ هذه القوى المشارِكة في الحُكم والتي لها أغلبية في البرلمان، لماذا عطّلت التحقيق حول تسفير الشباب إلى سوريا وإلى مواطِن وبؤر التوتّر؟ ولماذا عطّلت وتعطّل التحقيق في الاغتيالات السياسية في تونس؟

أعتقد أنّ هذه القوى الموجودة في الحُكم ليست قوى جادّة في مواجهة الإرهاب، ولا أيضاً هي قوى جادّة في مواجهة كل المخاطر التي تتهدّد بلدنا، وأكبر دليل على ذلك أنها أوصلت بلدنا إلى أزمة غير مسبوقة في كلّ المستويات.

ومع ذلك، فأنا أعتقد أنّ التفاؤل قائم ولكن التفاؤل يأتي من جهة الشعب التونسي ومن جهة القوى الحيّة في تونس، من جهة شباب تونس ونساء تونس والنقابيين والنقابيات في تونس، والقوى السياسية والوطنية والديمقراطية والتقدمية ومنها الجبهة الشعبية.

 

محمد علوش: هل نفهم من كلامك سيّد الهمامي أن سَيْر الانتخابات القادمة في تونس على الصعيد الرئاسي والبرلماني سيكون مخالفاً لما كانت عليه من نتائج في الاستحقاقات السابقة؟

 

حمة الهمامي: ثمّة مخاطر ربما أثقل من مخاطر سنة 2014، وهذا بالنظر إلى الأزمة الاقتصادية، الأزمة السياسية، ولكن أيضاً بالنظر إلى اليد الموضوعة على وسائل الإعلام العمومية والخاصة، ثمّة استبداد جدّي بالإعلام، وهذا تكشفه كلّ بيانات، وكلّ تقارير النقابة الوطنيّة للصحفيّين التونسيّين. ثمة دور للمال الفاسد سيكون أخطر، وثمّة محاولات أيضاً قانونية لإدراج قوانين جديدة لوضع عتبة 5 بالمئة للوصول إلى البرلمان، وهناك توظيف من جديد وبشكل أكثر كثافة للمساجد، حملات التكفير وحملات السبّ والشتم التي تستهدف القوى التقدمية، لا السياسية فقط وإنما أيضاً المدنية، الاتحاد العام التونسي للشغل، النقابة الوطنية للصحفيين.

ثمّة عودة إلى لغة، لغة الاستبداد من جديد، ولكن في نفس الوقت، أعتقد أنّ الشعب التونسي والقوى الديمقراطية في تونس قادرة، على رغم المصاعب الكثيرة والكبيرة، قادرة على مواجهة هذا الوضع، وفي كل الحالات فإن مثل هذه الانتخابات لن تكون سوى معركة سياسيّة، لأنّ المعركة أشمل من أن تكون معركة انتخابيّة، والحاسم فيها برأيي لن يكون الانتخابات، بل سيكون الميدان، وسيكون الواقع، لأنّ نضالات الشعب التونسي لن تتوقّف. هذا على رغم أهمية هذه الانتخابات، وعلى رغم الدعوة إلى كلّ القوى الديمقراطية والتقدمية والوطنية إلى أن تسعى إلى الاتحاد.

 

محمد علوش: سيّد الهمامي، في حال كان هناك ارتفاع في نسبة المقترعين في هذه الانتخابات لصالح القوى السياسية التي أنتم على خلاف معها والتي هي تشارك في الحكومة وإن كانت تتباين في ما بينها، ألا يُعتبَر ذلك دليلاً على صحة المسار السياسي الذي تسلكه القوى السياسية الفاعلة الآن في المشهد السياسيّ التونسيّ؟

 

حمة الهمامي: لا يمكن الحُكم على فاعلية هذه القوى السياسية إلا من خلال الواقع. هل من الفاعلية السياسية أن تعيش بلادنا أزمة سياسية منذ سنوات كالتي تعيشها الآن؟ هل من الفاعلية السياسية الوضع الاقتصادي الذي تعيشه بلادنا؟ والأرقام لجوجة، الأرقام تكشف عن حال غير مسبوقة في كل المستويات، بمستوى المديونية، في مستوى عجز الميزان التجاري، في مستوى التضخّم، في مستوى انهيار الدينار، في مستوى اجتماعي أيضاً، البطالة والفقر والبؤس، غلاء المعيشة.

الحُكّام الحاليون استغلّوا مثلاً القمّة العربية كي يفاجئوا التونسيين والتونسيات بزيادة جديدة في سعر المحروقات، وهو ما ستكون له انعكاسات في مستوى عيش التونسيات والتونسيين، وهذه الزيادة بالمحروقات هي زيادة مطلوبة، ومملاة من صندوق النقد الدولي. هذا ستكون له انعكاسات على معيشة التونسيات والتونسيين.

هل أنه من الفاعلية السياسية أن تزداد البطالة في تونس؟ وهل من الفاعلية السياسية أن يشهد التعليم في تونس أزمة غير مسبوقة؟ هل من الفاعلية السياسية ما حدث أخيراً من وفاة أكثر من عشرة رضَّع في مستشفى عمومي؟ هل من الفاعلية السياسية أن يفتقد التونسي والتونسية إلى أبسط الأدوية؟ هل من الفاعلية السياسية أن يصبح التونسي عاجزاً عن شراء أبسط المواد الغذائية مثل السمين أو مثل البيض وحتى اللحم والدجاج؟ هل هذه هي الفاعلية السياسية؟

لذلك بطبيعة الحال المشكل كل المشكل برأيي هو يتعلّق بقدرتنا نحن في الجبهة الشعبية وبقدرة القوى الوطنية والتقدمية والديمقراطية، قدرتها على توظيف هذا الوضع وصوغ برنامج قادر على إخراج تونس ممّا هي فيه.

 

محمد علوش: جميل. في المقابل، يقول البعض إنه أيضاً من الفاعلية السياسية التي ينبغي أن تكون ملحوظة وهو إتاحة المجال السياسي أمام الجميع بشكل عام وهذا حصل في تونس، خفض نسبة الفساد في البلاد، ارتفاع أجور الموظفين، لا سيما بعد المفاوضات التي دارت ما بين الحكومة وبين الاتحاد التونسي للشغل الذي حال دون خروج الناس أو الموظفين للشارع للاعتصام، تحسّن الواقع الأمني.

أليس هذا يُعتبَر أيضاً من الفاعلية التي تحسب للقوى السياسية، مع العلم أن هناك تحديات أخرى لكن هي الدولة في عجز عنها، لأنّ الإشكاليات أكبر من قدرة الدولة على مواجهتها في هذا الظرف العصيب؟

 

حمة الهمامي: الدولة، الذين يحكمون هم الذين أوصلوا البلاد إلى ما هي عليه الآن، لأنّ الدولة التونسية مستمرّة بتطبيق خيارات اقتصادية فاشلة، هذه الخيارات الاقتصادية لو كانت ذات فعالية ونافعة، لأفادت بن علي، ولأفادت مختلف الحكومات التي تعاقبت على تونس منذ سقوط الديكتاتورية. هذه الدولة فاشلة لأنها تتبع خيارات اقتصادية واجتماعية فاشلة.

أنت حدّثتني عن الزيادة الأخيرة في أجور الموظفين، هذه ازيادة جاءت عقب نضالات، وهذه الزيادة جاءت بعد ضغط، ولكن دعني أقول بعد هذه الزيادة ما الذي حصل؟ ألم تحصل زيادات في الأسعار؟ ألم تحصل زيادات في الفائدة المديرية التي من شأنها أن تنعكس على القروض التي يقترضها الأجراء والموظفون من البنوك مثلاً للحصول على مسكن أو غيره؟

إذاً، الحكومة الحالية مارست سياسة ما تعطيه باليد اليمنى تأخذه باليد اليسرى. هذا أيضاً وتّر الأوضاع الاجتماعية من جديد، وحدث ضغط من جديد على هذه الحكومة التي لا تمتلك سلطة القرار في ما يخصّ الأمور الاقتصادية والمالية، لارتباطها الوثيق ولخضوعها ولخنوعها للدوائر الأجنبية في الخارج، ولخضوعها أيضاً للوبيات الفساد في تونس. ليس صحيحاً أن الفساد تراجع في تونس، الفساد ضارب أطنابه في كل المستويات، الفساد موجود في الدولة وفي مؤسّسات الدولة، وموجود أيضاً في المجتمع. الفساد لم يتراجع في تونس، بل انتشر وتفاقم، والفاسدون أصبحت لهم صولات وجولات في كل المستويات، في البرلمان وأيضا في مؤسّسات الدولة، لهم لوبيات للتأثير في القرار الرسمي.

أنا أعتبر والجبهة الشعبية تعتبر أنّ الحكم الحاليّ هو حكمٌ فاشل، وحكمٌ بطبيعة الحال أوصل البلاد إلى ما هي عليه، وهو حكم مرتبط بأقليات مافيوية، وأقليات فاسدة في الداخل، ومرتبط بالدوائر الاستعمارية في الخارج. لذلك، إن طال الزمن أو قصر، فنظام الحكم الحاليّ سيرحل، وسيرحّله هذا الشعب الأبيّ.

 

محمد علوش: كل الشكر والتقدير لك الأستاذ حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، كنت معنا من تونس.

ونشكر لكم مشاهدينا حُسن المتابعة، وإلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد