عبد العزيز القطي - نائب في البرلمان التونسي

 

المحور الأول

 

فتون عباسي: مرحباً بكم.

بدءاً من تجاذبات أفرقائها السياسيين في الداخل، وصولاً إلى محيطها العربي المغاربي في الجزائر وليبيا، تبدو تونس مقبلة على مرحلةٍ صعبةٍ محمّلةٍ بتعقيداتٍ جديدةٍ على أكثر من مسار.

استمرار الحاجة إلى التحالفات الحزبية لم يكن ترفاً سياسياً في المرحلة السابقة، وطبيعة العلاقة ما بين النهضة والرئيس الباجي قائد السبسي ستؤثر في المشهد السياسي في المرحلة المقبلة.

من المنستير، عبّر الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن عدم رغبته في الترشّح لولاية رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في تشرين الثاني (نوفمبر) من هذا العام، الرئيس الداعي لتجميع القوى الوسطية لخلق التوازن السياسي في مواجهة النهضة.

ما بين تشخيصها بأنها تسعى إلى إحراج الشاهد، أو محاولتها سحبه من جديدٍ من تحالفه مع النهضة، تختلف الآراء في تحليل خطوة الرئيس الطالبة من حزبه رفع التجميد الحزبي عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد. قرار الحزب يأتي بالموافقة، والكرة تصوَّب إلى ملعب رئيس الحكومة الذي كانت النهضة قد أعلنت بدورها عن شروعها في الإعداد لشراكةٍ معه.

مؤتمر حركة نداء تونس الانتخابيّ وانعكاساته في المشهد السياسي العام، مواضيع نناقشها وغيرها، مع النائب في البرلمان عن حركة نداء تونس عبد العزيز القطي.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

فتون عباسي: أهلاً ومرحباً بك أستاذ عبد العزيز القطي.

المشهد الضبابي بالنسبة إلى الداخل في حركة نداء تونس، هو مشهد ضبابي حتى هذه الساعة، لا قائمة توافقية تضمّ نواب البرلمان لحركة النداء متفق عليها بشكل واضح، الطعون بلغ عددها 15 طعناً أيضاً بحسب نائب رئيس الحركة أو المؤتمر، وهو هذا المؤتمر لا يزال متواصلاً الآن للنظر في موضوع الطعون.

بماذا تشي إذاً المؤشّرات الأولية لكل ذلك؟

 

عبد العزيز القطي: شكراً على الاستضافة. صباح الخير لكم ولجميع مشاهدي قناة الميادين.

 

فتون عباسي: أهلاً بك.

 

عبد العزيز القطي: أولاً وقبل كل شيء، ما وقع من فاعليات لمؤتمر نداء تونس كان بإجماع كل المراقبين وكل الإعلاميين، كان عرساً انتخابياً، وكان مؤتمراً في مستوى تطلّعات سوى مناضلي وقواعد حركة نداء تونس، وكذلك المراقبين والإعلام. كان هذا المؤتمر مفتوحاً لكلّ الإعلاميين من الداخل والخارج، كان كذلك درساً في الديمقراطية، باعتبار أنه كان مؤتمراً انتخابياً بأتمّ معنى الكلمة، وبقينا يوم الإثنين الفائت إلى الساعة الرابعة صباحاً ونحن نقوم بعملية الاقتراع حول بعض القائمات التي لم يقع فيها التوافق، باعتبار أننا انتخبنا مجلساً مركزياً، سيكون هو بمثابة البرلمان، يمثل كل الجهات، وكل جهة لديها عدد من الممثلين عنها حسب عدد نواب البرلمان في الجهة، وكان كذلك هناك البارحة اجتماع لهذه اللجنة المركزية من أجل انتخاب والموافقة وتزكية القائمة التوافقية التي كان فيها 32 عضواً، والتي تسمّى بالمكتب السياسي، والتي ستقود المرحلة القادمة.

هذا كلّه كان بملاحظة وبتأكيد كل المراقبين، وعليه، فإنّ المسألة أو العملية التي تمّت في نداء تونس ومؤتمر نداء تونس هي أول شكل ديمقراطي انتخابي يقع في كل الأحزاب الموجودة في تونس، وأول مرة مؤتمر لحزب سياسي يبنى على هذه الطريقة وبهذه الشفافية وبهذه النزاهة، هذا بالإضافة إلى حضور عدول إشهاد وعدول تنفيذ لتوثيق كل ما تمّ إقراره داخل المؤتمر. وعليه، فإننا نعتبر بأنّ نداء تونس قد نجح في إنجاز هذا المؤتمر الأول، وبرهن بأنّ من خلال المشاركة القوية، سواء في الافتتاح وخلال خطاب السيّد رئيس الجمهورية بأنّ نداء تونس، إلى حدّ الآن له عمقٌ شعبيّ، وهو يُعتبَر رقماً صعباً في المعادلة السياسية، وكذلك من ناحية رقم عدد المؤتمرين الذي كان 1850 مؤتمراً شاركوا في هذه العملية، في فاعليات المؤتمر لمدة ثلاثة أو أربعة أيام.

وبطبيعة الحال، تعرفون جيّداً أنّ أيّ مؤتمر انتخابي ديمقراطي، شفاف ونزيه، بطبيعة الحال ستكون فيه بعض المشاكل، وبعض التجاذبات، وهذا هو عمق المسألة الديمقراطية، وكذلك هناك بعض الأشخاص الذين لا يجدون أنفسهم، أو يتمّ إبعادهم عن طريق الصندوق، وهذه مسألة ديمقراطية عادية. هناك كذلك باب الطعون، وهو مفتوح لكل من يريد أن يطعن، وهناك لجنة، وهي لجنة مستقلة، لجنة محايدة.

 

فتون عباسي: وفي هذه النقطة تحديداً، إلى أين توصلتم في قضية الطعون؟

 

عبد العزيز القطي: لا، هذه مسألة هي بيد لجنة المؤتمر، رئيسة المؤتمر واللجنة والمكتب الذي معها، تقبّل الطعون، سينظر فيها وسيدلي بدلوه في الساعات القادمة، من أجل تقديم هل إنّ هذه الطعون تستوفي الشروط، هل هي جدية، وهل يمكن أن تُقبل أو لا. وعلينا، فنحن بالنسبة إلينا في نداء تونس قمنا بهذا المؤتمر، مسألة الطعون، مسألة الذهاب حتى إلى القضاء، من أراد ذلك فهذه مسألة طبيعية، وهذا ما يقع في كل الديمقراطيات العريقة، وكل الأحزاب التي تحترم نفسها، ولنا قضاء، لنا نظام داخلي، لنا قانون أحزاب، لنا كذلك مؤسسات اليوم تستطيع أن تفصل في مثل هذه الأمور، وأنا أعتبر بأنّ نداء تونس قد نجح وبرهن مرّة أخرى بأنّه يبقى الرقم الصعب، خصوصاً بعد ما قاله السيّد رئيس الجمهورية، وما أكّده في خطابه، وما أكّده كذلك المؤتمر من خلال النقاشات التي تمّت في فاعليات المؤتمر، بأنّ نداء تونس هو القاطرة من أجل توحيد العائلة الوسطية، وأنه سيبقى دائماً السدّ المنيع أمام الإسلام السياسي الذي تقوده حركة النهضة بطبيعة الحال.

 

فتون عباسي: لكن رغم كل هذه المحاولات الرئاسية للملمة الصفوف في حركة نداء تونس، لا يخفى على أحد بأنّ هناك خلافات واضحة ما بين الندائيين، وهنا أسأل، الخلاف بين الندائيين، ما هي حقيقته؟ إلى أين وصل؟ وما هو سقفه؟

 

عبد العزيز القطي: هو إلى حد الآن، نعتبر بأنّ صفحة الخلافات قد طويت، واليوم هناك صفحة جديدة، صفحة جديدة قد تمّت كتابتها من خلال مؤتمر نداء تونس الذي أكّده المؤتمرون فيه بأنّ نداء تونس أولاً هو حزب منفتح، هو حزب يستطيع أن يستوعب كل من يريد الالتحاق. كانت هناك الدعوة موجهة من قبل المؤتمرين بأنّ نداء تونس هو اليوم يقبل أو يستطيع من خلال المؤسسات التي تمّ تركيزها باعتباره اليوم أصبح بعد المؤتمر حزب مؤسسات بأتم معنى الكلمة، أن تستوعب كل من يريد الالتحاق، كل من يريد الرجوع إذا كان قد خرج من نداء تونس أو انشقّ من نداء تونس، أو كان غاضباً، لأننا قمنا بكل المراجعات، والأيادي الآن مفتوحة.

كذلك مسألة أخرى، هي أنّ كلّ من كوّن حزباً أو كلّ من كوّن كياناً سياسياً في تونس، ويريد أن يقرب إلى نداء تونس، يريد أن يتحالف، يريد أن ينصهر، اليوم لنا مؤسسات تستطيع أن تحسم في هذه المسألة، وأيادينا مفتوحة، وقادرون اليوم على أن نقبل الجميع، أن نتفاوض مع الجميع، بطبيعة الحال في حدود المشترك الذي يكون بيننا، والقواسم المشتركة التي تجمعنا.

 

فتون عباسي: وأنت أتيت مباشرة في مداخلتك الأولى إلى ذكر النقطة المتعلقة برصّ صفوف القوى الوسطية، وهذا يطرح مباشرةً النقطة المتعلقة بطلب الرئيس الباجي قائد السبسي من حزبه، رفع تجميد عضوية الشاهد، يوسف الشاهد رئيس الحكومة، وهنا نذهب أكثر للدرس في أسباب هذا الطلب، لكن بعد أن نستمع إلى الشروق التونسية، وما جاء فيها.

وضعه في موقفٍ حرج، عنونت الصحيفة، الباجي نصب فخاً لتوريط الشاهد.

 

الشروق التونسية: وضعه في موقع حرج... الباجي نصب فخاً لتوريط الشاهد

طرحت الدعوات العلنيّة المتكرّرة الصادرة عن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى يوسف الشاهد بالعودة الى حزب حركة نداء تونس، الكثير من الأسئلة، ولعل أبرزها، هل سعى إلى توريطه في خيارين ملغومين؟

دخل الباجي في مسار علني كان يمكن أن يُناقَش بينه وبين الشاهد قبل الإعلان عنه، لكنه أراد أن تكون مساعيه علنية بغض النظر عن موقف رئيس الحكومة من مقترحه، ما جعل الأخير هو المسؤول بعد ذلك عن موقفه من النداء، وبالتالي من الطرح السياسي، وخاصة لهذا الحزب، فهل سعى مؤسّس النداء لحشر الشاهد في الزاوية أم لإعادته فعلياً، أم أراد وضعه بين أمرين لتحميله المسؤولية؟ وهنا تطرح مسألة لماذا؟ وهل الدعوة لمصلحة نداء تونس أم لمصلحة إبن الرئيس أم لغاية أخرى، وخاصةً أنّ الشاهد ما زال متردّداً في مسألة الترشّح لمنصب الرئاسة؟

هل هناك فخ في مسعى رئيس الجمهورية؟ فإن قبل الشاهد العودة سيتخلى عن حزبه الجديد الذي لم ينتمِ رسمياً إلى صفوفه بعد ويعود جزءاً من حزب لطالما هاجمه، وإن لم يعد فسيكون قد خسر مَن ناصره من المتردّدين، حيث لن تكون له حجّة معهم، كما أنّه سيكون ضد التوجّهات الجديدة للنداء والتي أقرّها المؤتمر الانتخابي الأول، فماذا سيكون خيار الشاهد؟

 

فتون عباسي: أستاذ عبد العزيز، بعد تقلّبات وجفاء في العلاقة ما بين الطرفين، وهنا أقصد بطبيعة الحال رئيس الحكومة يوسف الشاهد والرئيس الباجي قائد السبسي، طرح الرئيس موضوع رفع تجميد عضوية الشاهد وأنه إبن النداء، بطبيعة الحال.

هذه الخطوة من قِبَل الرئيس هل هي محاولة لإحراج الشاهد أم إصرار حقيقي على عودته؟ ولماذا؟

 

عبد العزيز القطي: لا أظنّ أنّ المسألة فيها إحراج، أو أنّ النيّة هي إحراج يوسف الشاهد. يوم 20 مارس بمناسبة عيد الاستقلال، تحدّث رئيس الجمهورية عن الوحدة الوطنية، وأكّد أنّ لا تونس لا يمكن أن تُدار إلا بوحدةٍ وطنية، وهذا على المستوى الوطني، وهذا بطبيعة الحال كان موقف السيّد رئيس الجمهورية منذ توليه منصب رئاسة الجمهورية، كذلك لمّا كان رئيساً لحزب نداء تونس، وأعتقد أنّ هذه الدعوة لكل القوى الوطنية أن تتوحّد من أجل مصلحة البلاد، تأتي، تختزل كذلك على المستوى الحزبي، وأراد السيّد رئيس الجمهورية أن يعطي إشارة إلى المؤتمرين وإلى المسؤولين في نداء تونس بأنّه اليوم، الصفحة يجب أن تطوى، وأن نعيد صفحة جديدة نفتحها جميعاً من دون إقصاء، من دون تجميد، من دون أي طرد، وهي كذلك إشارة إلى باقي من انشقّ أو خرج عن نداء تونس بأنّ نداء تونس هو البيت الذي يجمعنا جميعاً، وبأنّ نداء تونس لا يمكن له أن يتخلّى عن أبنائه، ورغم كلّ الإكراهات، ورغم كلّ الإرهاصات التي وقعت، فإنّ السيّد رئيس الجمهورية برهن بأنّ نداء تونس يجب أن يكون بيت الجميع، وأنّ رجوع السيّد يوسف الشاهد فيه إشارة كذلك ودعوة كذلك إلى بقية الأطراف وبقية المسؤولين الذين لربما غادروا نداء تونس، بعد أن نقوم بمؤتمرنا الذي نجحنا فيه، وأصبحت اليوم قيادة الحزب شرعية تستطيع أن تتفاوض، تستطيع أن تتّخذ القرارات، وأعتبر أنّ هذه الدعوة هي دعوة جدية لا مناورة فيها.

 

فتون عباسي: لكن، لو نشرّح أكثر في الأسباب واختلاف الأسباب لهذه الدعوة، هناك من يعتبر بأنّ هذه الدعوة إن كانت تأتي من إطار الإحراج، فهي لزجّ يوسف الشاهد أمام خيارين، في حال قَبِلَ هذه الدعوة وعاد من جديد إلى النداء فهو سيبرهن بأنّه لا يزال مع القوى التقدمية الحداثية، لكن إن لم يعد وبقي في الاصطفاف إلى جانب النهضة في ما بعد، فهناك شريحة معيّنة من التونسيين، ستجرّده من اصطفافاته التي تتّسم بالحداثة.

من هذا المنطلق، هل فعلاً يحاول الرئيس محاصرة الشاهد وأيضاً بطريقة أو بأخرى، محاصرة النهضة وسحب البساط من تحت قدمها؟

 

عبد العزيز القطي: السيّد رئيس الجمهورية عبّر في العديد من الخطابات التي ألقاها أو الحوارات التي قام بها، أنّ هذه الحكومة هي حكومة النهضة، وأراد، وبالفعل، وهذا ليس بالمناورة، وإنما أراد أن يفهم السيّد يوسف الشاهد أنه لا ينتمي إلى هذه العائلة، هو إبن العائلة الحداثية، هو إبن نداء تونس، وهو إلى الآن لم يعلن انضمامه إلى أيّ حزب كان، ولو أنّ هناك حزباً تكوّن من أجل استيعابه أو مساندته، وأراد كذلك أن يوصل له الرسالة بأنّ الشرعية الانتخابية ما زالت قائمة، والأحزاب التي فازت في الانتخابات هي الوحيدة القادرة اليوم على إتمام المرحلة، إلى حين الوصول إلى الانتخابات القادمة في شهر أكتوبر المقبل، وكذلك أراد أن يعطيه فرصة حتى ينقذ نفسه من هذا التخندق الذي أصبح واضحاً اليوم مع حركة النهضة، وأعتبر أنّ هذه نصيحة يقوم بها أب لإبنه، وكذلك محاولة لإخراجه من هذا الإطار الضيّق، والعزلة التي أصبح عليها السيّد رئيس الحكومة، حتى يرجع إلى حضن حزبه، وأن يكمل المسار معه، وبطبيعة الحال، هذه دعوات من قِبَل رئيس الجمهورية، والسيّد رئيس الحكومة سديد النظر في اتخاذ القرار الذي يرضيه.

 

فتون عباسي: إلى أي حد تؤرقكم شراكة الشاهد مع النهضة؟

 

عبد العزيز القطي: لا، هي لا تؤرق نداء تونس، هي تؤرق تونس بأكملها، باعتبار أنّ النهضة اليوم هي في صدد استغلال هذه الشراكة من أجل المزيد من التمكّن والتمكين في أجهزة الدولة، وهذا ما يلاحظه الجميع، ونعرف جيّداً بأنّ حركة النهضة لا تعتبر شركاءها شركاء استراتيجيين، وإنما هم شركاء ظرفيّون، ومصالحها الحزبية الضيقة، والشخصية لقيادتها، هي أولويتها، وليست المصلحة الوطنية. وعلينا فإننا نريد أن ينتهي هذا التحالف، أو لربما يكون بموازين قوى أحسن وأكبر وأضخم من جانب القوى الوطنية الديمقراطية الحداثية، وعدم ترك السيّد يوسف الشاهد نفسه لعبةً أو أداةً بيد الإسلام السياسي، وأعني بذلك حركة النهضة طبعاً.

 

فتون عباسي: لكن يوسف الشاهد أليس قادراً فعلاً، وهو وراء طبعاً تأليف تحيا تونس، أليس قادراً على أن يمسك العصا من المنتصف بطريقة أو بأخرى؟ أي ليس من الضروريّ إن تشارك مع النهضة، بأن يكون أداة بيد النهضة. أنتم تشاركتم في السابق مع النهضة.

 

عبد العزيز القطي: نعم، نحن تشاركنا، ولكن كنّا نحن من له المقود، نحن كنّا من يحمل النهضة إلى مربع المدنية والحداثة وهذا يعرفه الجميع، نحن كنّا من نفرض الرأي الذي يمثّل أغلبية الشعب التونسي، نحن من أبعد وأنقذ البلاد من العديد من المطبّات التي كانت لربما تخطّط لها حركة النهضة، وخاصة في البرلمان على مستوى التشريعات، ولكن حركة النهضة كانت قد تضايقت من هذا الوضع، وحاولت أن تجد شركاء جدداً، ووجدت بطبيعة الحال وللأسف، واليوم هذا الحزب الذي تكوّن لا نعتبر أنه يستطيع أن يكون في وجه حركة النهضة، وما نشاهده من تقديم تنازلات كبيرة على مستوى أجهزة الدولة الآن لصالح حركة النهضة، على مستوى تمثيليتها الوزارية، على مستوى تمثيليتها في مستوى وزارة الداخلية، في الوزارات الهامة، وكذلك في تمكّنها من مقاليد الدولة، يجعل الجميع يخشى أن تكون هذه الشراكة هشّة أولاً، وأن تكون موازين القوى فيها ليست في صالح تونس، وإنما في صالح حركة النهضة والإسلام السياسي، وهذا ما يقومون به الآن، وما يلعبون عليه الآن.

 

فتون عباسي: على كل حال، سنعرض الآن مقالاً جاء في العرب اللندنية، لنتابع أيضاً في الشأن بالتحدّث عن هذه الشراكة ما بين النهضة ونداء تونس سابقاً، وقطع العلاقات الآن نهائياً ما بين الطرفين.

المقال تحت عنوان "نداء تونس يقطع نهائياً مع النهضة وفروع الإسلام السياسي".

 

العرب اللندنية: نداء تونس يقطع نهائياً مع النهضة وفروع الإسلام السياسي

قرّر المؤتمر الأول لحركة نداء تونس القطع نهائياً مع الإسلام السياسي، وذلك في موقف وُصِف بـ "المُنعرَج الحاسم" في مسيرة هذه الحركة التي أربكتها الانقسامات والانشقاقات الناتجة في جزء كبير منها من تحالفها مع حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، التي بدأ هامش المناورة يضيق من حولها داخلياً وإقليمياً.

وجاء هذا القطع واضحاً في اللائحة السياسية التي وافق عليها بالإجماع هذا المؤتمر الذي تجري أعماله تحت شعار "الإصلاح والالتزام"، لتستعيد بذلك هذه الحركة هويتها التي فقدتها خلال السنوات الماضية بسبب توافقها "المغشوش" مع حركة النهضة الإسلامية.

وتضمّنت هذه اللائحة السياسية فقرةً تفرض القطع وعدم التعاطي أو التحالف مُجدّداً مع الأحزاب ذات المرجعية الدينية، والتمسّك بالخط الوطني البورقيبي لحركة نداء تونس التي أسّسها الرئيس الباجي قائد السبسي في العام 2012.

القرار بصيغته الواضحة لا يقتصر على حركة النهضة الإسلامية فقط، بل يشمل أيضاً كافة فروع الإخوان وتنظيمات الإسلام السياسي بمختلف تلاوينها ومشتقاتها الحالية أو التي ستبرز لاحقاً. ولم يُستبعَد في هذا السياق أن يتمحور الخطاب السياسي لحركة نداء تونس خلال هذه المرحلة التي تستعد فيها البلاد لانتخابات تشريعية ورئاسية مصيرية، حول هذا التوجّه الذي يستند إلى "الخط الوطني الذي سبق أن انتهجه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة" الذي يُوصَف بأنه مؤسّس الدولة المدنية في تونس.

 

فتون عباسي: أستاذ عبد العزيز، أنت قلت في مداخلاتك بأنّه عندما كنتم متشاركين مع النهضة كان لكم القرار. إذاً منطقياً لماذا تقطعون الآن مثل هذه الشراكة؟ لماذا تعوّمون خطاب أنّ القوى الوسطية في مواجهة القوى الأخرى الموصفة بالقوى الإسلامية، الإسلام السياسي؟ هو تعويم بقصد الكسب في الانتخابات، إن كان التشريعية أو حتى الرئاسية في ما بعد؟

 

عبد العزيز القطي: أولاً وقبل كل شيء، الشراكة مع حركة النهضة لم يكن نداء تونس وحده فيها، كانت هناك حكومة أولى فيها أربعة أحزاب، ثلاثة أحزاب مدنية بما فيها نداء تونس وكذلك حزب حركة النهضة، وفي الحكومة الثانية، في وثيقة قرطاج الأولى، كانت حكومة وحدة وطنية فيها تسعة أحزاب وأربعة مساندة من قبل المنظمات الأربع الوطنية الكبرى، أي أنّ الشراكة لم تكن شراكة بين النهضة والنداء، وإنما كانت شراكة بين مجموعة من الأحزاب المدنية وكذلك حركة النهضة. وهذا يؤكّد بأنّ منطق الوحدة الوطنية ومنطق أننا كنّا بين النهضة والنداء، ليس بالواقع، وإنما الجميع الآن لا يتحدّث الآن إلا عن حركة نداء تونس، وما حصل داخل حركة نداء تونس من انشقاقات ومن مؤامرات كانت تحاك حول نداء تونس من أجل إضعافه، أربك بطبيعة الحال أداء نداء تونس، أربك المشهد السياسي.

 

فتون عباسي: تريد ان تقول بأنّ النهضة هي التي كانت تحاول إثارة القلاقل في داخل نداء تونس وإضعافه؟

 

عبد العزيز القطي: لا، بقطع النظر هل كانت أو لم تكن، ولو كان لها اليد في بعض الأحيان في ذلك من خلال بعض الأشخاص وبعض الأطراف، وإنما النتيجة كانت إضعاف نداء تونس، وكذلك أصبحت تتصدّر حركة النهضة من خلال تلك الانشقاقات، وكان هناك العديد من الأطراف من داخل نداء تونس خرجوا وكوّنوا أحزاباً وانشقوا لأنّ حركة نداء تونس قد تحالفت مع حركة النهضة في حكومة وحدة وطنية، ونجدهم الآن متحالفين معها ومع السيّد يوسف الشاهد في هذه الحكومة الحالية التي تهيمن عليها حركة النهضة. وعليه، فإنّ حركة نداء تونس ارتأت واعتبرت بأنّ الثمن كان باهظاً من خلال هذا التحالف الذي لم يكن إلا لأجل مصلحة البلاد، وذهبت إلى القطعة مع ذلك منذ مدة وليس الآن، وتمّ إقرار ذلك من خلال لائحة المؤتمر السياسية، وعليه، فإنّ حركة نداء تونس اليوم تعتبر بأنّها موجودة وبقيت في هذا الموقع، موقع الأحزاب التقدمية والمدنية، وتدعو كل الأحزاب الأخرى وكل الأطراف التي انشقّت إلى العودة بعد انتفاء سبب خروجها، أن ترجع الأمور إلى نصابها، وأن نتصدّى لهذا الغول الذي يستطيع اليوم أن يأتي على الأخضر واليابس من أجل مصالحه الحزبية ومصالحه الشخصية الضيّقة.

 

فتون عباسي: لكن، النهضة أيضاً هي تدعو إلى إرساء المصالحة الوطنية الشاملة، ودعت إلى ذلك أيضاً في المناسبة الأخيرة، وقالت يجب علينا أن نحرص على إنجاز الاستحقاقات الانتخابية القادمة بعيداً عن كافة أشكال العنف والتعصّب والتطرّف والأحقاد واستبعاد كل الحسابات الحزبية والفئوية والشخصية والضيقة.

كيف تفهمون هذه الدعوات؟

 

عبد العزيز القطي: هذا يبقى دائماً في منطق ازدواجية الخطاب والمناورة ومحاولة تمرير بعض الرسائل الملغومة. المصالحة الوطنية كانت تطلبها الأحزاب التقدمية وعلى رأسها نداء تونس منذ تكوينه سنة 2012، عندما كانت النهضة وكانت الترويكا في الحكم. عندها، كانوا يريدون إقصاء التجمعيين، كانوا يريدون إقصاء الأطراف اليسارية، وكانوا يدعون إلى معاقبة وإلى إقصاء وإلى سحل وإلى كل أشكال العنف، ونعرف جيّداً ما حصل في تونس في سنوات الترويكا من تعدٍ على الحقوق المدنية، حقوق المتظاهرين، الاغتيالات السياسية التي وقعت والاتهامات الموجّهة إلى حركة النهضة رأساً بأنّها مشاركة فيها، وما أقرّه وما قدّمته لجنة الدفاع عن الشهيدين من وثائق، والملف هو مفتوح أمام القضاء. الآن كلّ هذا لا يجعل من حركة النهضة أنّها اليوم تقدّم مثل هذا الطرح، المصالحة الشاملة، ونعتبر نحن بأنها مناورة سياسية لا أكثر ولا أقلّ.

 

فتون عباسي: لكن، إن كنت الآن تشير بأصابع الاتهام بهذه الطريقة إلى النهضة، وهذا ما يفعله أكثر من نائب ضمن النداء، وبشكل عام كلّ حركة النداء أو جل حركة النداء، هناك من يسأل حتى في المجتمع التونسي، أنتم كنتم في شراكة معهم، ألم تعرفوا أنّ كل هذه الممارسات يمارسونها إن كنتم الآن تتّهمونهم؟ لماذا لم توقفوهم؟

 

عبد العزيز القطي: نحن أولاً وقبل كل شيء، لم نكن في شراكة معهم، نحن كنّا ضمن ائتلاف وطني، وكنّا ضمن حكومة وحدة وطنية، كان هناك تشارك في الحكم وفي الحكومة فقط، لكن على مستوى المواقف، على مستوى الملفات، كان لكلٍّ ولكلّ حزبٍ مواقفهم، وكنّا نعارضهم في العديد من التصريحات والمواقف، وهذا يعلمه الجميع. المسألة الأخرى، هذه الملفات هي بيد القضاء، وليس لنا لا نحن ولا غيرنا القدرة على التدخل من أجل الحسم فيها، ولكن نحن نعتبر بأنّ القضاء اليوم هو قضاء مستقلّ، ورغم بعض الضغوطات التي تمارس عليه من قِبَل بعض الأطراف المنتمية إلى حركة النهضة أو التابعة لحركة النهضة، باعتبار أنهم كانوا في عهد الترويكا يمتلكون وزارة أو لهم وزارة العدل، واستطاعوا أن يجعلوا من جزء من هذا القضاء موالياً لهم، ولكن اليوم نحن جميعاً، مجتمع مدني، أحزاب سياسية، ندفع بأن يتمّ كشف الحقيقة للتونسيين، ولا يمكن المرور، نحن نقول لا يمكن المرور إلى المراحل القادمة من دون معرفة حقيقة الجهاز السرّي، حقيقة الاغتيالات السياسية، وهذا لا يكون إلا بالقضاء. نحن نقدّم رأينا، وهذا رأينا منذ اليوم الأول. نعم، لربما تعطّل العديد من الملفات، ولكن ذلك هو الواقع، وذلك هو الوضع الذي نعيشه في بلادنا.

 

فتون عباسي: تشرذم نداء تونس جعله أضعف من أن يواجه النهضة في تلك المرحلة؟

 

عبد العزيز القطي: لا، المسألة لا تتعلق بنداء تونس أو بحزب آخر. نحن نتفاعل إيجابياً.

 

فتون عباسي: على المستوى الحزبي، على مستوى المفاعيل الحزبية على المجتمع.

 

عبد العزيز القطي: نعم، لربما هذا، بطبيعة الحال، إضعاف نداء تونس وضعف نداء تونس كانت له تداعيات على المشهد، كانت له تداعيات على مسألة التوازن السياسي وخاصة داخل البرلمان، باعتبار أنه بعد الانقسامات التي وقعت في كتلة نداء تونس النيابية، هناك تصدّر للمشهد النيابي من قِبَل حركة النهضة، هذا بالإضافة إلى حلفائها الجدد، والذين كانوا ضدّ تحالف نداء تونس مع حركة النهضة. اليوم هم الآن حلفاء معها في حكومة هجينة، حكومة لا تعبّر عن نتائج الانتخابات، وإنما هي حكومة تسيطر عليها حركة النهضة، ولا علاقة لها بالإرادة الشعبية والإرادة الانتخابية التي مورست في 2014.

 

فتون عباسي: سيد عبد العزيز القطي تبقى معنا رجاءً، وسنعود إليك لكن بعد فاصل قصير.

إذاً فاصل قصير ونعود مشاهدينا لاستكمال هذه الحلقة من حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

فتون عباسي: من جديد، أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا إلى القسم الثاني من حوار الساعة، وأجدّد الترحيب بضيفي مباشرةً من تونس عبد العزيز القطي النائب في البرلمان التونسي، عن حركة نداء تونس.

أهلاً ومرحباً بك أستاذ عبد العزيز.

 

عبد العزيز القطي: أهلاً وسهلاً.

 

فتون عباسي: سنستمع سوية إلى ما جاء في القدس العربي رجاءً، ومن ثمّ نعود للمناقشة أكثر في حيثياته ونقاط أخرى.

الرئيس التونسي يستبعد نفسه وإبنه من الترشّح إلى الرئاسة.

 

القدس العربي: الرئيس التونسي يستبعد نفسه وإبنه من الترشّح إلى الرئاسة

عبّر الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي صراحةً، عن عدم رغبته في الترشّح لدورةٍ رئاسيّةٍ ثانية في الانتخابات المقرَّرة نهاية العام الحالي، وبدا أنه يستبعد كذلك إبنه حافظ، النافِذ في المحيط الرئاسي، من السباق.

وعلّل الباجي رغبته في إفساح المجال أمام الشباب والكفاءات التونسية لتسيير البلاد من بعده. ويأتي هذا الإعلان في وقت يشهد الوضع في منطقة المغرب العربي توتّراً مع استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعد عقديْن من الحكم مدفوعاً بضغط الشارع.

وأقرّ السبسي في خطابه السبت الماضي، بالصعوبات التي اعترضت مسار الحزب، داعياً إلى "تجميع القوى الوسطية" لخلق التوازن السياسي في مواجهة حزب "النهضة" الإسلامي. وطالب السبسي السبت قيادات الحزب برفع التجميد عن الشاهد وإعادة عضويته "بحكم أنّه ندائي"، داعياً للعمل من "أجل تجميع القوى الوسطية في البلاد".

ويسعى الرئيس التونسي الى إعادة تشكيل قطب وسطي قوي باستطاعته خلق توازن في المشهد السياسي في البلاد. ولم يردّ حافظ قائد السبسي على مقترح الأب عودة الشاهد، إلا أنه عبّر عن انفتاحه على الطلب، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية.

وبذلك، تكون الحملة الانتخابية قد انطلقت في تونس قبل أوانها، وبدأ السجال السياسي من القمّة.

 

فتون عباسي: أستاذ عبد العزيز، إلى أيّ حد الوضع الراهن الآن في الجزائر ألقى بظلاله على الرئيس السبسي لجهة حسم قراره بعدم رغبته في الترشّح إلى ولاية ثانية؟

 

عبد العزيز القطي: أظنّ أنه لا يمكن المقارنة بين الوضع في الجزائر والوضع في تونس. تعرفون جيّداً، اليوم تونس قد وقعت فيها ثورة سنة 2011، هناك دستور جديد يضبط كل المسائل الانتخابية، ليس هناك أي مانع لأن يترشّح السيّد رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي إلى الانتخابات القادمة، لأنّ الدستور يمكّنه من الترشّح لمرّتين، وهذا يعني بأنه له الحق في ذلك. على المستوى الصحي، السيّد رئيس الجمهورية هو الآن في صحة جيدة، والجميع يقرّ بذلك. ليس له أيّ مانع آخر، ولكن هذا يبقى قراره الشخصي، وقد عبّر عن ذلك، وقال بأنّه لا يرغب في الترشّح ولا علاقة لذلك بما يحدث في الجزائر، لأنّ الأوضاع تختلف بصفةٍ جوهرية، على جميع المستويات. وعليه فإننا في تونس اليوم، تعيش ديمقراطية، ديمقراطية وانتقال ديمقراطي يقوم على قواعد دستورية وقانونية واضحة، هناك برلمان، هناك مؤسّسات، هناك أجهزة مستقلة تعمل حول المسألة الانتخابية، وعلى رأسها الهيئة المستقلة للانتخابات، ولا يمكن أن نتحدث لا على توريث ولا على فرض أمر واقع. اليوم تونس تعيش انتقالاً ديمقراطياً وديمقراطية بأتمّ معنى الكلمة. وعليه فإنّ مسألة الترشّح هي شخصية.

 

فتون عباسي: إذاً لماذا اتّخذ الرئيس مثل هذا القرار في كل الظروف المحيطة داخلياً أو حتى خارجياً، تحديداً لجهة المنطقة المحيطة المتعلقة بالتطوّرات في الجزائر والتطوّرات الأخيرة في ليبيا؟ لماذا اتخذ مثل هذا القرار؟

 

عبد العزيز القطي: على كلّ حال، أظنّ أنّه بعد نجاح القمّة العربية وما وقع في القمّة العربية من ناحية التنظيم ومن ناحية المخرجات ومن ناحية هذا المشهد الذي كان في تونس والذي استبشر به الكثيرون والدور الذي لعبه رئيس الجمهورية في تقريب وجهات النظر بين كل الفرقاء العرب، أظنّ أنّ المنطقة تحتاج إلى مثل خبرة وحنكة الرئيس الباجي قائد السبسي، خاصة على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الدولي، وهذا ما تمّ وما قام به وما نجح فيه السيّد رئيس الجمهورية خلال عهدته الرئاسية، وتحسين صورة تونس بعد أن تمّ المساس بها من قِبَل الترويكا ورئيس الجمهورية في وقت الترويكا. ولكن مسألة الترشّح من عدمه تبقى مسألة شخصية، وأرى بأنّ رئيس الجمهورية له من الحكمة وله من الرؤية التي يرى بها المصلحة العليا لتونس، واليوم هو أبدى رغبته في أن يتمّ إعطاء المشعل إلى الشباب حتى يكمل المسيرة، وأظنّ أنّ هذا رأيه، ولربما في مرحلة أخرى، وعند بلوغ آجال تقديم الترشّحات، لا يقدّم رئيس الجمهورية ترشّحه، وهذه مسألة شخصية تعنيه هو مباشرةً.

 

فتون عباسي: هل هناك توجّه رئاسي حقيقي لأن يكون المرشّح المقبل للنداء إن عاد هو رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، على اعتبار أنّ الرجل مقبول داخلياً وقوي، هناك نوع من التوافق الإقليمي والدولي عليه؟

 

عبد العزيز القطي: لا أظنّ أنّ هناك توافقاً إقليمياً ودولياً عليه، هذا لم نشاهده ولم نسمع به أولاً، كذلك ليس هناك توافق داخلي عريض كما تقولين عليه، هذا غير صحيح.

 

فتون عباسي: لم أقل توافقاً. قلت مقبولاً، قلت مقبولاً، وأيضاً هو ذاهب للشراكة مع النهضة، وهي خصمكم السياسي الآن على ما يبدو في المرحلة المقبلة. من هذا الباب، يمكن أن يكون ترشيحه في ما بعد.

 

عبد العزيز القطي: نعم، هو مقبول من حركة النهضة، وعبّرت وقالت حركة النهضة بأنها ربما تسانده في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكن نحن إلى حدّ الآن لم نقدّم مرشّحاً للانتخابات الرئاسية. سيكون ذلك بعد النقاشات التي ستتمّ بين المؤسّسات الشرعية التي تمّ انتخابها في مؤتمر 6 أبريل الفائت. وعليه فإنّنا في الأيام القادمة سنعلن بحول الله عن مرشّحنا وعن استراتيجيتنا في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.

 

فتون عباسي: لكن أنتم بحاجة إلى مرشّح قوي في النهاية، خصوصاً إن تقدّم السيّد راشد الغنوشي إلى الترشّح إلى الانتخابات المقبلة.

 

عبد العزيز القطي: لا، إذا تقدّم السيّد راشد الغنوشي، فنحن لسنا بحاجة إلى مرشّح قوي. أي مرشّح سيغلب راشد الغنوشي.

 

فتون عباسي: أوف. لماذا؟ على ماذا تعوّلون؟

 

عبد العزيز القطي: لأنّه لا يظهر حتى في سبر الآراء، وكذلك الرأي العام التونسي والتونسيون لا يقبلون براشد الغنوشي رئيساً للجمهورية، ولا أظنّ أنّه سيترشح لأنّه يعرف جيّداً بأنه سيخرج من الباب الصغير.

 

فتون عباسي: من تعتقدون بأنه يمكن أن يترشّح من النهضة؟

 

عبد العزيز القطي: لا أعرف، إلى حد الآن النهضة لم تحدّد، هي دائماً تقول بأنها تدعم مرشّحاً ربما من الخارج، من خارج النهضة، كما فعلت في انتخابات 2014، ولا أظنّ بأنّ حركة النهضة ستتقدّم مباشرةً بمرشّح من حركة النهضة، لأنها تعرف جيّداً بأنه لا يمرّ، ولا يمكن له أن ينجح في الانتخابات.

 

فتون عباسي: لكن هناك أكثر من جهة تتحدّث فعلياً عن أنه يمكن أن يعوَّم إسم يوسف الشاهد من قِبَل نداء تونس في ما بعد إن عاد الرجل من جديد إلى هذا الحزب. هل لديكم أية مؤشّرات فعلية على إمكانية استجابته وعودته إلى الحزب بعد الموافقة على رفع هذا التجميد عنه؟

 

عبد العزيز القطي: لا يمكن أن نتحدّث عن مؤشّرات باعتبار أنّ العودة من عدمها هي مسألة شخصية تهمّه. يجب أن يخرج الآن ويصرّح ويقول إنّه سيرجع إلى نداء تونس، أم أنه سيبقى كما هو الآن، أم أنه سيلتحق أو يلتحق رسمياً، ولو أنه هو مؤسّس لتحيا تونس من وراء الكواليس، يقول بأنّه التحق بذلك الحزب، وهذا شأنه، ولا يمكن أن تكون لا مؤشّرات أو غيره، إلا إن نطق بذلك بلسانه، حتى تتّضح الرؤية للجميع.

 

فتون عباسي: التحالفات في المشهد التونسي ليست ترفاً سياسياً نهائياً في البلاد، إنما هي ضرورة وواقع ونهج يجب أن يُتّبَع لأنّ له اليد الطولى في تشكيل الحكومة، في ما بعد، إن تمّت هذه التحالفات.

مع مَن ستتحالفون وأنتم تروّجون لفكرة أنه يجب عودة أو إعادة رصّ القوى الوسطية ما بين مزدوجين كما تسمّونها للمواجهة في الساحة التونسية في ما بعد؟

 

عبد العزيز القطي: النظام السياسي الحالي والذي وضعته الترويكا في المجلس التأسيسي، كذلك قانون الانتخابات، يجعل من المشهد السياسي، وخاصة من البرلمان، الذي هو الذي يمنح الثقة لأية حكومة تتشكّل، يجعله مشتّتاً ويجعل حركة النهضة دائماً هي رقم صعب داخل كل معادلة سياسية أو توافقية تحصل بعد أية انتخابات. ولكن اليوم، نداء تونس بعد التجربة المريرة التي خاضها والتي استخلص دروسها، هو يدعو بعد مؤتمره إلى توحيد القوى الوسطية، لأنه بعد التجربة التي عشناها، لا يمكن لنا أن نكون رقماً أو أن نكون بالفعل تكتلاً سياسياً يستطيع أن يواجه حركة النهضة والإسلام السياسي، إلا إذا وضعنا اليد في اليد، وتمّ تجميع كل هذه القوى، وهذا ما عبّر عنه رئيس الجمهورية، وما اكتشفناه بعد التجربة التي وقعت.

اليوم نداء تونس يعتبر أنّ تجميع العائلة الوسطية التقدمية هو مسألة حياة أو موت، ومستقبل هذه البلاد هو رهينة هذه العملية. نداء تونس يفتح يديه من أجل أن نذهب في الانتخابات القادمة كتلةً واحدة، يداً واحدة، وإن لزم حزباً واحداً، حتى نستطيع أن تكون لنا الأغلبية داخل البرلمان، وعليه يمكن أن نقوم بتحالفات ليست بالهجينة، وإنما تحالفات بين كل هذه القوى، قادرة على أن تضع حداً لتغوّل حركة النهضة والإسلام السياسي في تونس.

 

فتون عباسي: هل نستطيع أن نفهم منك بأنّ فعلاً نداء تونس يعترف الآن بأنه هو الأضعف من النهضة في المشهد السياسي الحالي؟

 

عبد العزيز القطي: هو، نعم، بالمشاكل التي وقعت، بالانقسامات، بالانشقاقات، بعدم إنجاز مؤتمره قبل 6 أبريل، لأننا اليوم نتحدّث عمّا قبل 6 أبريل وما بعد 6 أبريل. ما قبل 6 أبريل، نعم، نداء تونس كان لربما ضعيفاً نوعاً ما، باعتبار أنه لم يقم بمؤتمره، الانشقاقات، ضعف الكتلة البرلمانية، وخروج العديد من النواب، ولكن الآن بعد 6 أبريل، أعتبر أنّ هناك العديد من التغييرات التي ستقع، والمشهد لن يبقى كما هو الآن، سيتغير بشكل جدّي وبشكل كبير، خاصة بعد ما قام به نداء تونس، وسيكون محور هذا العمل المشترك بطبيعة الحال نداء تونس لأنه يبقى الحزب الأقوى في العائلة التقدمية الديمقراطية، خاصةً بعد أن ركّز هياكله، بعد أن ركّز مؤسّساته، وستكون هنالك العديد من المفاجآت التي سيتمّ التصريح بها في الأيام والأشهر القادمة، والتي ستكون في صالح هذه العائلة وتكوين هذا.

 

فتون عباسي: مفاجآت مثل ماذا؟

 

عبد العزيز القطي: تقارب وتقريب وإرجاع العديد ممّن خرجوا على نداء تونس، ممّن انشقوا، ممّن قاموا بتجارب ولربما هذه التجارب لم تفض إلى نتائج، ممّن كانوا يعتبرون أنفسهم بدلاء على نداء تونس، ولكنهم فشلوا في ذلك، كل هذه القوى سيتمّ الدخول معها في حوارات من أجل الرجوع إلى البيت الأصلي، نداء تونس، وكذلك مدّ اليد إلى الأحزاب الأخرى بصفة جدية، حتى نذهب مع بعضنا إلى الانتخابات القادمة، مع تقديم كل التنازلات من أجل مصلحة تونس، ومن أجل أن يكون سداً منيعاً أمام المزيد من تغوّل الإسلام السياسي وحركة النهضة.

 

فتون عباسي: هل تعتقدون بأنّ نداء تونس قادر فعلاً على أن يجمع كل هذه الأحزاب التي يصفها طبعاً بالتقدمية والوسطية حول طاولة واحدة إن جاز لنا التعبير لتكون في صفّ موحَّد ضدّ القوى الأخرى التي تسمّونها بأنها قوى الإسلام السياسي؟

 

عبد العزيز القطي: على كل حال، جميعنا، كل الأحزاب، سواء التي انشقّت من نداء تونس أو التي تكوّنت من خارج نداء تونس، هي اليوم واعية بخطورة الوضع، واعية بأن الانتخابات القادمة إذا لم نتّجه إليها صفاً واحداً، فإنّ النتائج ستكون مخيّبة لكل الآمال، وسنبقى في نفس المشهد، وعليه فإنّ الدعوة هذه هي دعوة تُقبَل من الجميع. نحن سنحاول، نحن سنتّجه ونذهب إلى الجميع بأيادٍ مفتوحة من أجل أن ننقذ ما يمكن إنقاذه، وأن نتقدّم إلى الانتخابات القادمة بطريقةٍ موحَّدة، وبصيغٍ نستطيع بها أن تكون لنا الأغلبية الواضحة في البرلمان في المرحلة القادمة إن شاء الله.

 

فتون عباسي: أريد أن نختم هذه الحلقة فعلياً بتونس التي تشكّل جزءاً من الواقع العربي، ولا سيما المغاربي، مع الوضع الذي تشهده الآن الجزائر بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأيضاً ما يحدث في ليبيا لجهة العملية العسكرية التي يقوم بها المشير خليفة حفتر في طرابلس.

كيف تتأثر تونس الآن، ليس فقط في المشهد الأمني، وإنما في الانعكاسات على الوضع السياسي؟

 

عبد العزيز القطي: نعم، بطبيعة الحال، تونس تتأثر بجوارها، نحن اليوم وكل البلدان تتأثّر بالبلدان المجاورة، وخاصة بالنسبة إلى تونس، فهي بلد صغير بين بلدين عملاقين كالجزائر وليبيا، أمننا الداخلي من أمن الجزائر، أمننا كذلك من أمن ليبيا، المسألة الاقتصادية مهمة جداً، باعتبار أنّ تونس اليوم تعيش أزمة اقتصادية، ونحن بحاجة إلى جوارنا، ونحن بحاجة إلى ليبيا، وبحاجة إلى الجزائر. كل هذه التقلّبات التي تعيشها هذه البلدان نحن نراقبها، تأثيراتها وتداعياتها أكيد جداً بأنها ستكون مباشرة علينا في تونس، سواء على المستوى الاقتصادي، وكذلك على المستوى السياسي. ولكن تبقى تونس دبلوماسيتها هي دبلوماسية الحياد، نحن ننتظر، نحن نراقب، نحن نتدخل من أجل تقريب وجهات النظر بين الفرقاء، نحن نتعاون بين شركائنا كذلك.

 

فتون عباسي: وفي نداء تونس كيف تقاربون الوضع الجزائري والوضع الليبي، كل على حدة لو سمحت؟

 

عبد العزيز القطي: بالنسبة للوضع الجزائري، على كل حال، المسار الذي يقع الآن هو مسار عقلاني، هناك استقالة لرئيس الجمهورية، البارحة تمّ تنصيب السيّد رئيس مجلس النواب رئيساً للجمهورية بالنيابة، أظنّ أنّ المسار يمرّ بطريقةٍ سلسة، وهذا ما نريده. نحن لا نتمنى أن تقع أية قلاقل أو أية اشتباكات أو أية محاولات لاستغلال هذا الحراك الشعبي، أو كذلك هذه الأزمة، من أجل تأجيج الأوضاع أو دخول الإرهابيين كما وقع قبل ذلك، وكما حصل في بعض البلدان مثل ليبيا، وكما أرادوا أن يحصل وحصل جزء منه في تونس. نحن نريد استقرار الجزائر، أن يبقى مستقراً، أن الشعب الجزائري أن يأخذ قراره بيده، وأن تبقى الجزائر واحدة وموحّدة.

كذلك بالنسبة لليبيا، نحن نريد أن يقع توافق بين الأطراف والفرقاء، نحن نؤكّد على أنّ الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة والوفاء الذي يحصل بين الفرقاء الليبيين مهم جداً دعمه، ولا يمكن أن ننحاز لأيّ طرف، وإنما ننحاز للمصلحة العليا لكل بلد يجاورنا.

 

فتون عباسي: إجابة دبلوماسية. أشكرك كل الشكر عبد العزيز القطي النائب في البرلمان التونسي عن حركة نداء تونس، كنت معنا مباشرةً من العاصمة التونسية.

الشكر الأكبر لكم مشاهدينا على متابعتكم لهذه الحلقة من حوار الساعة، وعلى متابعتكم لكل ما تقدّمه الميادين من مساحات إخبارية، حوارية وتحليلية.

ألقاكم على خير، دمتم سالمين.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد