نيرون السوري يُحرقُ نفسهُ

أيتها الحبيبة، الأمّ، الصديقة، ماذا بقيَ من حُسنك، وجه أرملة فقدت نصف أبنائها؟

  • نيرون السوري يُحرقُ نفسهُ
    نيرون الايطالي

مَن يكسر هذا الإسفين؟

مَن يملأ أقداحي بماء الياسمين؟

مَن يُعيد لي براءتي الأولى؟

أيها الرحيل .. هوّن عليك 

"فما الوجود إلا خيط وَهْمي بين عدمين

خلف كواليس كل هذه المُمكنات ثمة مُستحيل ينتظر 

وراء هذا الخشوع المريض هناك امرأة تتعرّى 

مابين أناي وأناي.. يمتد جسر لا مُتناهٍ من الأضرحة

*** 

نيرون التائه المسكين 

ينزع عن نفسه ورقة التوت الأخيرة 

يقطف تلك التفاحة العَفِنَة

 ليدخل في الظُلُمات 

مُستدرِكاً دروب اليقين 

نيرون ... الجائِع لكل شيء 

اليائس من كل شيء 

الباحِث عن أي شيء 

يستنطق روحه.. أما تعبت من تعبي؟

كيف تظلّين شابّة وأنا هَرِم ينخر سوس المطلق جسدي ؟

كيف تظلّين شابّة وقد خرجتِ من ضلوعي؟

نيرون، يغرق  

يتوهّم،

يتآكل .. مدى السنين

*** 

أيتها الحبيبة، الأمّ، الصديقة 

ماذا بقيَ من حُسنك 

وجه أرملة فقدت نصف أبنائها؟

ماذا بقي من شمسك

 نجم آفِل؟

ماذا بقي من أرضك؟

أكوام حجارة تُذكِّر بميراث تيمورلنك 

ماذا بقي من فستان عرسك؟

قطعة قماش تُكفّنين بها جسد إبنك الشهيد؟

ماذا بقي من حبّنا؟ بربّك أخبريني 

ياسمينة يتيمة قتلتها لهفتنا العابِثة وجحودنا البارد 

ماذا بقي من روحنا؟ 

صورة بانورامية لدم يسيل في داحِس والغبراء 

يد نوح تمتد لتنقذ ولده الغارِق في عماء الحرب 

وجه كُليب يكتب بكفّه الدامي.. لا تصالح

 *** 

يعود نيرون لطرح الأسئلة كالمجانين ولا يهتدي إلى دليل 

يحاول طرح إشكالية المفردة - القيمة 

المعنى - الشخص, والذات الكلية - الصورة 

يضيع نيرون بين سببيّة تفتقد لروح الضرورة 

وغائيّة تسير على غير هُدى في صحراء البَداهة المُعلَّبة 

فيصير التغيّر إنشاء، والغيرية صفراً معرفياً 

يستريح نيرون في كهفه مُتلحِفاً صقيعه 

حيث لا آلهة ولا شياطين

***

لأنني أحبّك.. صرت لي أمّاً تجلس قرب سريري 

توسّد شعريّ الأشعث، تواسي قلقي 

وتقرأ لي قصة لأنام 

لأنني أكثر من كوني أحبّك 

حينما غادرت لم أحمل كل أمتعتي معي 

لقد أخذت فقط حاجة المُسافِر، وشوق الغريب 

ينبثق نيرون من قلب هذه الجحيمية 

من لجّة هذا التيه والحنين 

راكباً حماره الأعْرَج 

يصوِّب سهماً على طاحونة خرابنا 

ويصرخ نيرون البائِس الحزين 

لأن هذا العصر الجليدي الذي يملأ أديم نفسي.. لا يذوب

اختلقت الصيف 

لأن أنفاسك الطاهرة شاركتني غيبوبتي في ذلك الغار 

زارني الله، ونطقت بالنبوّة

*** 

كيف تصغين إلى هذه السوناتة الحارّة؟

وهل تقنعك هذه الاستعادة المجنونة لروح التجريد؟

ولماذا تصير كل قضايانا في دوّامة التشظّي؟

عبارة حائِرة بين مزدوجين 

لكم تشعر بالغثيان منا تلك القابِضة على أرواحنا 

العارِفة بأنسابنا 

تلك التي زرعت بذرة أصلابنا في رَحْمها 

الوارِثة عرش أصفهان، وكبرياء روما 

الحائِزة على ختم الأبدية 

السيّدة الأولى في قصر المُعْتَمِد 

العارِفة جيّداً مصير إبن تاشفين 

لكم تشعر بالغثيان منا 

التي هزّت جذع النخلة في ظهيرة يوم قُدسي 

لتمنحنا نعمة الحياة 

اللاهِثة عن نقطة ماء في صحراء ملعونة

لتروي عطش رضيعها 

القائِلة: لا تذهب إلى الموت يا بنيّ 

فليس هناك سوى الموت 

***

وفي الموت تُقْرَع الطبول، ويُعْلَن النشور 

ويصعد النذير المنبر، ويسقط الناموس عن عباده 

ويُطْلَق العنان لذئب السهوب، ألا أقتل 

بسمل بثالوثك المُقدّس واقتل 

صوت أذان يعلو في أرجاء تورا بورا 

يُسْمَع صداه في أرض الشام 

سقوط حرّ لنيرون من عدميّة الفراغ - المطهر 

إلى سدرة المُنتهى –الجحيم 

لا برد، لا سلام، لا مُريدين

عينان تنتحبان، رأس تحت المِقْصلة 

فهل كنت حقاً تعلمين؟

يُنادي صمت الضجيج الحكيم 

أكلتم يوم منحتم أعنّتكم رياح الخماسين 

أكلتم حين حشرج صهيلكم تحت حدّ السكين

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علاء زريفة

شاعر وكاتب من سوريا