الموناليزا المُقنّعة

هل نتّجه في نهاية المطاف نحو مجتمع "من دون تلامُس" يكاد ينعدم فيه الإحساس؟ 

  • الموناليزا المُقنّعة
    الموناليزا المُقنّعة

ما قيمة الموناليزا المُقنّعة، والموناليزا من دون ابتسامتها؟ رياح "كوفيد 19" تُزْعِج العلاقات. وساوِس وهواجِس تهدم الطقوس التقليدية للتفاعُل بين الأفراد. تطفو فوق السطح "إيماءات الحاجِز": "لا تقترب مني". علاقات حَذِرة  تُقاس بالمتر. شكّ وارتياب وخوف. الكل يُكمِّم فاه. إنها قيود تفرض نفسها، ولكن المشكلة الكبيرة غداً بعد التحرّر من قيود الحَجْر. غَسِل أيدينا أمر عادي، لكن قيوداً أخرى ستكون. المُصافحة التي كانت منذ فجر التاريخ أترى ستعود؟ وهل يُمحى اللمس والقبلة واقتراب الوجوه من بعضها؟  سيصير العالم أكثر غموضاً وغرابة. أشبه بعالم أشباح.

سيكون هذا القِناع حالة أكثر تعقيداً وقد يُغطّي وجوهنا إلى الأبد. ماذا سنجني من حياتنا؟ من روابطنا الإنسانية؟ من كل هذه الوجوه المخفيّة؟ 

الوجه المُقنَّع ليس مُحايداً. وكيف ستغدو خصوصية كل فرد فَقَدَ وجهه؟ لم يعد يُسمَح للناس بالنظر إلى الآخرين. كيف يتصرَّف بتثبيت رَمْز علاقة جديدة بملامِح وجهه؟ والوجه في الحياة أمر أساس وبالقِناع سنفقد ذاك الاعتراف المُتبادَل.

كيف نعرف مَن هو هذا الذي ننظر إليه جنساً وعُمراً ولوناً؟ وكيف يكشف عن هويّته؟ وكيف سيتحمّل عدم مُبالاة الناس به؟

إن إظهار وجه الشخص والنظر إلى وجه الآخرين يخلق تبادُلات عواطف وتجاوبات وإشارات بملامِح وتقاسيم الوجه، ما يوطِّد الرابطة الاجتماعية ويُغذّي التعارُف والاعتراف المُتبادَل والاهتمام والحميميّة والمحبّة الإنسانية والاطمئنان.

فالوجه منطقي مُنْسَجم مع تعابير وجهه، عبوسه، ابتسامته والعديد من أنواع التعبير الأخرى. إنه يشبه مشهد تمثيل لكل فردٍ في علاقاته مع الآخرين. وهو نوع من الأبجدية البسيطة حيث تعمل النظرة كجهاز فكّ تشفير مُتبادَل، ولكن مع القِناع.

سيطرأ في العلاقات الاجتماعية العديد من التغييرات، إذ يمكن للفرد المجهول الهوية  المُختبئ وراء القِناع أن يفعل أيّ شيء، لأنه بطريقةٍ ما يصبح "غير مرئي"، لدرجة أنه لم يعد من الممكن تحديده. غداً، في عالمٍ مجهول، مع أقنعة، لن يكون هناك المزيد من الأفراد. إنه يُثير العديد من القيود الاجتماعية من خلال تحرير اللا مُبالاة، وإشاعة العدوان لأنه يسمح برَفْع قيود الهوية أو التحايُل عليها، ولن يتمّ تقييد الإغراءات المكبوتة. 

مع القِناع، يمكن للفرد أن يشعر بعدم النظر في الوجه أكثر من تعرّضه لنظرة الآخرين. أليس القِناع المُعمَّم والسهل إخفاءً للهوية وخطراً مُهدّداً للأمن والسلام؟

إن هذا بلا شكّ فاصل أنثروبولوجي خطير سيُغيِّر ويحوِّل أنماط حياتنا من تقارُب إلى تباعُد، ومن ائتلاف إلى اختلاف وجفاء. ولعلّ فُقدان الاتصال بالعين، هو الذي يُعطّل الطريقة التي ننقل بها مشاعرنا ونردّ بها على الآخرين.

هل نتّجه في نهاية المطاف نحو مجتمع "من دون تلامُس" يكاد ينعدم فيه الإحساس؟ 

لقد درس عُلماء النفس وعُلماء الاجتماع هذا السؤال، وبيَّنوا أن اللمس ليس ثانوياً؛ بل على العكس، فهو ضروري لتطوير الفرد طوال حياته. لماذا؟ لأنه يولِّد الأمان العاطفي لنفسه وفي العلاقات مع الآخرين. الحاجة إلى الاتصال - ملموس ومرئي - يُترجِم الحاجة إلى الرابطة الاجتماعية. أخشى أن يفقد العالم إنسانيّته فيصير عالماً آلياً ممسوخاً بلا أحاسيس.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
عبد العزيز أبو شيار

شاعر وكاتب من المغرب