عَلَمُ بلادي الجديد

حال جارتي كحال آلاف اللبنانيين اليوم في ظلّ الغلاء الفاحِش لأسعار المواد الغذائية وأسعار اللحوم، وثلاَّجتها الفارِغة واحدة من الآف الثلاَّجات التي فقدت وظيفتها في المنزل كحافظةٍ للطعام وباتت حافظة للمياه والهواء.

  • عَلَمُ بلادي الجديد
    عَلَمُ بلادي الجديد

اليوم لون عَلَم بلادي الأحمر توشَّح بالسواد حداداً على جوع الفقراء وأسوةً بأمعائهم الفارغة. الأرزة في وسطه استبدلت بالدولار الذي بات يُحدِّد مصير بلادنا اليوم ومصير شعب لطالما سقى تراب الأرض دماً ليحافظ على شموخ الأرز فوق الجبال. اليوم لسنا أمام تحدٍّ مع السلاح والموت، وإن كان كذلك، فمَن أبرع منّا نحن شعب المقاومة بالتضحية وبذل المُهَج؟ لكننا اليوم في صراعٍ مع القمح والشعير، وصراعٍ مع ثلاَّجات فارِغة ينام أصحابها خوفا ًمن الاستيقاظ مُجدَّداً على الحال نفسها.

ثلاَّجات فارِغة

جارتي التي ترمَّلت في الثالثة والعشرين وربَّت أولادها الأربعة من دون مُعيلٍ مادّي للعائلة تبلغ اليوم عامها الستين. تُخبرني بابتسامةٍ واسعةٍ تخفي دموعاً حبيسة في زوايا عينيها الزرقاوين أنها تشتهي اللحم منذ أكثر من ستة أشهر. هوَّنت عليها وأخبرتها أن الدجاج مفيد للصحة أكثر ففتحت لي باب ثلاَّجتها وقالت لي:" ماذا عن الثلج؟ فأنا لا أمتلك غيره في ثلاَّجتي".
حال جارتي كحال آلاف اللبنانيين اليوم في ظلّ الغلاء الفاحِش لأسعار المواد الغذائية وأسعار اللحوم، وثلاَّجتها الفارِغة واحدة من الآف الثلاَّجات التي فقدت وظيفتها في المنزل كحافظةٍ للطعام وباتت حافظة للمياه والهواء.

عربة أطفال مقابل عبوة حليب

يبدو أن بعض العائلات، وفي ظلّ تدني قُدراتهم الشرائية، باتت تلجأ إلى المُقايضة. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة منشورات على مواقع التواصُل لعوائل لبنانية تطلب مُقايضة سِلَع من منازلهم مقابل مواد غذائية. من هذه المنشورات منشور لربّة منزل تطلب مُقايضة حذائها مع 5 ليترات من الزيت. ولعلّ أكثر هذه المنشورات ألماً كان منشور لأمِّ لبنانية تطلب مُقايضة عربة أطفال مقابل عبوة حليب لرضيع. 

"خوفي عالأحلام"...

تقول الفنانة جوليا بطرس في أغنية لها "أنا خوفي عولادي من ظلم الأيام عأرضي عبلادي خوفي عالأحلام".

كأن مخاوف جوليا وكل أمّ لبنانية اليوم تجسَّدت وباتت حقيقية بعدما خطفت هذه الأيام الشَغَف من عيون الشباب. تقول صديقتي "الثورية" التي لطالما آمنت بالتغيير ووضعت على جبينها شعارات الأمل والصمود، إنها ختمت نقاشاً دار بينها وبين والدتها بجملة "معش عندي طموح إذا ضلّينا عم ناكل بكون منيح". 

كيف لصديقتي التي لم تتعب يوماً في جلساتنا في المقهى من وعدنا بالتغيير ونفخ نفحات من الأمل في أرواحنا، أن تتفوَّه بكلماتٍ تكاد تسقط نقاط حروفها من شدَّة اليأس والانكسار. كيف لوطنٍ تمثَّل شعبه بحب الحياة وتسلَّح بضحكاته وابتساماته لمواجهة الكثير من الأزمات، أن تخفت أصوات الحياة في أزقَّته ويرفع شعارات اليأس والاستسلام.

الوَعْد الصادِق

يأتي خطاب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله الأخير كجرعةٍ من الأمل يتناولها كل لبناني ليشدّ بمُفرداتها عزيمته ويستمدّ من أنفاسه الصبر. فالسيِّد الذي وَعَدَ اللبنانيين بالنصر وصَدَقَ وعده، جاء بوعدٍ حازمٍ وواثقٍ قائلاً: "لن نجوع". وكيف بنا ألا نُراهن على كلمات مقاوِم وسيِّد الوعود؟ وكيف لأنفاسه ألاّ تنتشلنا من قعر البؤس وتروي على مسامعنا دروس من تاريخ شعب لم يركع أمام دبابات العدو، فهل يركع أمام ورقة خضراء صهيو أميركية؟

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]