الوعي الجمالي وهوس الحب ومراتب القرب

حينما نتوقّف عند عالِم الوجود سنُدرِك أن للأشياء ذوات وهذه الذوات لا تظهر، إلا من خلال استنطاق لمكنوناتها الجمالية باستخدام هَوَس الحب (كما يُسمّيه أفلاطون).

  • الوعي الجمالي وهوس الحب ومراتب القرب
    الوعي الجمالي وهوس الحب ومراتب القرب

يُشكّل الوَعي الجمالي أحد أهمّ المباحِث الفكرية والفلسفية التي كانت موضِع اهتمام العديد من الفلاسفة والباحثين على مرّ العصور، حيث نجدها حاضِرة في متونٍ بحثيّةٍ مُتنوِّعة، وأهّمها مَبْحَث الأكسيولوجيا (القِيَم) الذي يُمثّل، بالإضافة إلى المعرفة والوجود، رافِداً أساسياً في تشكيل عُمق وشموليّة الفكر الفلسفي. كما أن عناصر الجمال والخير والحق تُشكّل الركائز الأساسية لمَبْحَث القِيَم، فعنصر الجمال يكون بذلك رافِداً من روافِد الفكر الفلسفي؛ والإنسان بطبيعته الخلقية كائن يحمل ميولاً فطرية تشدّه نحو الجمال الذي هو خُلاصة حال التناغُم والإنسجام والتكامُل بين عُنصريّ الصورة والجوهر، بين الشكل والمضمون. 

هذا يقود إلى حالٍ من التداخُل بين الكثير من الأنساق الفلسفية مع فلسفة الجمال، لتنتج أبعاداً معرفية مُتنوِّعة تُمثّل أساسيّات يوميّة في حياة الإنسان. 

إن فلسفة الجمال لها شأنها وخصوصيّتها، فهي ليست كمنطق العِلم والتفكير العقلي في تعاطيها مع الأشياء، وليس للفعل البَصَري الذي يؤدّيه العقل دوراً جوهرياً في تحديد الخِبرة الجمالية، إنما هو ذلك الشعور المُمْتِع الناتِج من تفعيل المُحدَّدات التي تؤثّر في صوغ الوعي الجمالي من خلال إشغال المساحة الواقعة بين الذِهْن والخيال. تلك المساحة التي تتحرَّك فيها الحواس الجسدية لتربط مَلَكة الخيال بمَلَكة العقل والتي تُعنى بمبادئ الجمال. 

وهذا الوعي وإن كان للحسّ الفُطري أثر في تنشئته، إلا أنه ومن أجل أن تكتمل معاييره ومُحدَّداته، لا بدَّ من تربيةٍ سلوكيةٍ واجتماعيةٍ خاصة. إنه وَعي يتجاوز حدود الماديّة الصامِتة، إنها اللمسات الأخيرة لفُرشاة رسامٍ تُخْرِج اللوحة الفنية من عالم الطبيعة الصامِت إلى عالم الروح والجوهر. إنه الانعتاق من قيود الشكل المُتَحَجِّر إلى فضاء المضمون المُتَحَرِّر. إنها عملية إلغاء التناقُضات والوصول إلى وحدة الانسجام والتكامُل بين الظاهِر والباطِن. 

وعيٌ ينطلق من عِلمٍ إسمه عِلم الجمال (الأستاطيقا)، والذي وضع أُسُسه الأولى الفيلسوف الألماني ألكسندر جوتليب بومجارتن (1714 - 1762) من خلال أطروحته عام 1735م والتي كان عنوانها "تأمّلات فلسفية مُتعلِّقة ببعض موضوعات الشعر"، حيث وصف الجمال بأنه "عِلم الإدراك الحسّي"، فيكون بذلك قد أسَّس لنَمَطٍ معرفي شعوري جديد يختلف عن باقي الأنماط المعرفية (كالعقلية والسلوكية). 

هذه الأنماط والمعايير الجمالية إنما هي في حقيقتها معايير إنسانية، فهي تتفاوت من شخصٍ إلى آخر وتشترك في صوغها المُحرِّكات الإنسانية وأقصد بها العقل والشعور والإرادة لتُساهِم جميعاً في بلورة رؤية جمالية، قد تتدرج لتبلغ مراتب فتصل مرتبة الكمال. 

ولأن المعايير الجمالية وإن كانت تدور بين الشعور الحسّي والميدان العقلي، إلا أنها عند مستوى مُعيَّن تضع المُتأمِّل في آفاق اللامحدوديّة، فتكون بذلك قد أنهكت العقل، وأصابته بالضياع، وأشعرته بالحيرة والعجز في إدرك التفسير الحقيقي، فالمعيار العِلمي قد يكون لوحده قاصِراً في التعامُل مع الذاتية وامتلاك الخبرة الحسيّة المطلوبة لتشخيص الحقائق القابِعة خلف ظواهر الأشياء والتي من خلالها تدرك جواهر الأشياء وجماليّاتها.

لقد حدَّد الفيلسوف كانط أربعة معايير أساسية للحُكم بجمال الشيء وهي: الكَيْف، والكمّ، والجهة، والعلاقة؟ ذلك أن الجمال يتجاوز بُعد النفعية ليُلقي بكيفيّته مُسبّباً شعوراً بالرغبة والمتعة والهوى يغمر كيان الإنسان بأكمله من دون الإتّكال على المعايير العقلية والمنطقية، رغم أن للعقل الدور الاستباقي في رَسْم وتحديد أبعاد الجمال. 

وأما الجهة، فلأن النفس الإنسانية لها طبيعة مُميَّزة يشترك فيها الجميع، وهذا ما يُفسِّر إتفاق الجميع على حالٍ جماليةٍ مُحدَّدة. وأخيراً لكلِ صفةٍ جمالية هناك علاقة وإيحاء بالغائيّة وقد لا تكون هذه الغائية بارِزة. 

وانطلاقاً من رؤيته المثالية انشغل الفيلسوف أفلاطون ولفترةٍ طويلةٍ من حياته بمفهوم الجمال، وكان خُلاصة ما توصَّل إليه هو ما أشار إليه في الحوار فيدروس حيث قدَّم رؤيته في الفن وفلسفتة للجمال بطريقةٍ تعكس السحر والتجلّي، ففي جُملة ما قال: "وأيُّ حبٍ يفوق الخيال لا تُثيره فينا الحكمة إنْ بدت لنا في صورةٍ واضحةٍ للبصر. وكذلك أيضاً بالنسبة إلى سائر الحقائق الأخرى المحبوبة ولكن لا ! فالجمال وحده هو الذي أوتيَ هذا القسط من الوضوح عند الرؤية ولذلك كان أحبّ الأشياء. أما مَن لم يرتد الأسرار بدرجةٍ كافيةٍ أو ترك نفسه للفساد، فإنه لا يُسرِع في الارتفاع إلى العالم العُلوي حيث يوجد الجمال المُطلَق". 

إذن هو البحث عن الحقيقة، والجمال هو عملية إظهار للحقيقة المُتخفيّة، تظهر بعض أجزائها في لوحةٍ فنيةٍ مُعبِّرة تشدّ الناظِر وتقوده نحو الحقيقة المُطلقة. بعض أجزاء الحقيقة يتجلّى جمالاً بأبياتٍ شعريةٍ أو قطعةٍ نثريةٍ تُنير القلوب وتشدّها نحو الجمال المُطلَق. 

وحينما نتوقّف عند عالِم الوجود سنُدرِك أن للأشياء ذوات وهذه الذوات لا تظهر إلا من خلال استنطاق لمكنوناتها الجمالية باستخدام هَوَس الحب (كما يُسمّيه أفلاطون) والذي هو إظهار واستنطاق لجمال الذات المُتخفيّة في الأشياء، عندها فقط سنُدرِك أن هذا اللّهث خَلْف كل ما هو جميل إنما هو من أجل أن يتحرَّر الإنسان من قيود الجهل، وليخرج من ظلام القُبح إلى نور الحقيقة الظاهرة في جمال الأشياء.

والجمال القرآني حقيقة قد بلغ مرتبة الإعجاز، حيث كان للتناسُق والإنسجام في اللغة والمعنى والسياق والغَرَض، وعُمق المفاهيم واتّساع مساحة التفسير والتأويل، والتكامُل الجمالي بين ظاهر القرآن وباطنه، كلها معايير جمالية إنفرد بها القرآن الكريم وحده فكان مُعجزة خالِدة.

وللجمال بُّعد آخر وحقيقة أعمق قد وضّحتها العديد من آيات القرآن الكريم حيث يُخاطِب الله تعالى من خلالها الإنسان ويدعوه إلى السَيْر والنظر والتدبّر والتفكّر؛ خطاب يستهدف الروح والفكر معاً من أجل التفكّر في جمال صنع الله، وأن هذا التذوّق لجمال صنعه هو في ذاته إرتقاء ووعي وتكامُل جمالي. 

 لقد جاء في الحديث القُدسي: (.. فخلقت الخلق لكي أعرف)؛ ولأن الإحاطة الكاملة بالكمال المُطلَق هي من المُستحيلات، ولا يُحيط به أحد ولا يُدرِك كُنه ذاته أحد، فلا يبلغ الذات الإلهية إلا هو بذاته، إنما يُستدلّ عليه جلّ جلاله بأسمائه وصفاته، فهو واجب الوجود لذاته، وهو الوجود المُطلَق الكامِل والجامِع لمُنتهى الصفات الكمالية، والذي من كماله المُطلَق تتجلَّى صفاته وتنعكس أسماؤه في أشرف مخلوقاته، كل حسب درجته ومرتبته؛ وكل جميل في الوجود حينما يُشير إلى المُعطي ويدلّ عليه فهو إنما صورة وانعكاس لجماله المُطلَق، وأن فيوضات مُطلَق الجمال لا تأتي إلا بالجميل فهي من صنعه ومن آثاره، وأن النبيّ وآل بيته الأطهار صلوات الله عليه وعليهم أجمعين هم أعظم تجليّات إسم الله الأعظم، وأنهم مظهر لأسمائه الحُسنى.

إن عِباد الله المُخلصين إنما هم في سيرٍ نوراني وطيّ لمراتب تكامُلية من أجل بلوغ مقام القُرب من الجمال المُطلَق، وهذا السير يتطلَّب الوقوف عند تجليّاته وآياته الجميلة، وكلما ارتفع مرتبة كلما أبصر الأسماء والصفات الإلهية بعين العشق أكثر، فيراها وقد انعكست وتجلَّت في كل جميلٍ، فيرتشف أكثر من عَذْبٍ تلك التجليّات. 

إن مُطلَق الكمال هو دائم الفَيْض على الوجود بأكمله من جماله وكماله، وكل يملأ وعاءه، لذلك فالإختلاف بين الأشياء إنما هو بسبب سِعة الوعاء، فالفيض واحد والمصدر الرحمن، وبمُقتضى نظرية الفَيْض - إن الشيء إذا اكتمل أفاض- فإنك حينما تقف عند شيء جميل قد تجسَّدت فيه صفات الجمال والكمال فإنك إنما تقف عند وَمْضة ورَشْحة من ذلك الجمال المُطلَق، وهذا الشيء كذلك حينما يمتلئ سيفيض جمالاً، ولا غَرابة أن تقف عنده لتملأ وعاءك وتًكمل به سَيْرك نحو مصدر الفَيْض والجمال.

وفي دُعاء عرفة للإمام الحُسين يقول: "إلهي تردّدي في الآثار يوجِب بعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك" ـ إلى أن قال:  "إلهي هذا ذلّي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يُخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك استدلّ عليك، فاهْدني بنورك إليك"، ـ إلى أن قال " إلهي حقّقني بحقائق أهل القُرب، واسلك بي مسلك أهل الجذب" ـ إلى أن قال: " أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك، حتى لم يحبّوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك، أنت المؤنِس لهم حيث أوْحَشتهم العوالِم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالِم، إلهي ماذا وجد مَن فقدك، وما الذي فقد من وجدك؟" ـ إلى أن قال: " إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك ، واجذبني بمنّك حتى أقبل عليك".

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
أكرم جلال كريم

مدير مركز التعليم العالي للبحوث والتطوير الأكاديمي (CHERAD)