بيروت... هلّا حضنتني؟

أبكي ولستُ أدري أيّهما أقسى، فِراقٌ من جديد أم وصالٌ والحالُ هكذا. 

  • بيروت... هلّا حضنتيني؟
    بيروت... هلّا حضنتيني؟

لو كنتُ أُدركُ يا بيروت أنّي سأعود بعد شهور أربعة لأجدك على هذه الحال، لأبطأتُ مشيتي الأخيرة في شوارعك على الأقل، أو لأكثرتُ من خطواتي وركَّزت تأمّلاتي. لو كنتُ أعلم، لما ركضتُ كالمجنونة في الشارع في يومي الأخير معك، خوفاً من أن يفوتني الباص المُتّجه إلى القرية. لو همستِ ليَ هَمْساً فقط وأخبرتني أن فِراقنا سيطول، وأن بعد هذا الفِراق وجعٌ مرير، لبكَيتُ بينما أمشي في شوارعك حينها، مُستبقة بكاء طويلاً مريراً. كنت تأمّلتُ مبانيك وطُرقاتك وزحمتك ووجوه الناس تأمُّلَ المُفارِقِ بلا رجعة. فالتي عدتُ إليها بعد الشهور الأربعة ليست بيروت التي أعرف.

لو عرفت يا بيروت بما سيحلّ بك، لهَمَسْتُ لك أنني سأشتاقك كثيراً، وتركتك لأدخُلَ ُمُبكراً في نوبةٍ من الوجع لا تنتهي. نوبةٌ أدركتها من دون سابق تصوّر، والوجع يكون وقعه أشدّ حين يُصيبنا على حين غُرًّة.

لم يكن في تصوّري حين أطفأت نور غرفتي في "السكن" في بيروت بداية شهر آذار أنّ الغياب سيدوم طويلاً هكذا. كل شيء يُشير إلى هذا، كل ما تُرِكَ على حاله وعُدتُ لأجده على حاله، يدلّ على أنه كان يترقَّب غياب أيام قليلة، أسبوعين على أكثر تقدير، لم أكن أعلم أن الغياب هذا سيطول مئة وعشرين يوماً، أربعة شهور، ثلُثَ عام بحاله.

لم أكن أعلم يا بيروت أن حبّك يتسلّل إلى القلب بتلك الخفَّة، رويداً رويداً يتَّخذ مكانه في القلب، يستقرّ ويكبر من دون أن أشعر. وفجأة، بعد فَراقٍ طويل، يغدو ألماً حارِقاً. أكتشف بقعة مُتعبة في قلبي، بقعةٌ اسمها بيروت.

تموز 2020

أمشي في الطُرقات، أراقب انعكاس صورتي على زجاج واجهات المحال. كل ما حولي يئنّ. أتجاهل العيون، "لا تتأمّلي" أقول لنفسي، "لن أبكي في الشارع اطمئني"، أجيبُ نفسي محاولة تجاهُل انقباض قلبي وحرقة في صدري وغصّة تخنقني.

أمشي في الشارع، "كل شيء على ما يرام". أقدّم الجملة لنفسي كعبارات التعازي التي لا تردّ ميتاً ولا تبرِّد قلباً. "من محل الورد هذا اشترينا باقة الورد لحفل تخرّج زينب في تموز العام الماضي"، أستذكر، أختنق.

على يساري الباتيسري الذي هاتفناه أوّل الشتاء الماضي بعد مُنتصف الليل، وكنا نعزم أن نخبره أن ثمة سيّدة حاملاً "تتوحَّم" على الكعك كي يُلبّي طلبنا في ذاك الوقت المُتأخّر. كذبةٌ بيضاء عامِلة الهاتف سدَّت عليها الطريق قبل أن نتمّ ما خططنا له. أضحك على فعلتنا. أستذكر ليالي "السكن"، أختنق.

تسألني بيروت "أتبكين؟" أبتسم، "لا"، أردّ مُكْمٍلة المسير.

لم أطلب من عامل الصندوق إعادة احتساب سعر الأغراض التي اشتريت، لم يصدمني الرقم، بل لعلّه صدمني، لعلّنا اعتدنا الصدمات.. لم أطلب منه ذلك، كنت أعرف أنه ولو أعاد العملية ألف مرّة، سيكون الرقم عينه "ما الدولار كل مانو بطلوع"، لذلك أدفع المبلغ، أبتسم، أبتلع صدمتي، وأختنق.

منذ أيام أيضاً ابتسمتُ من خلف كمّامتي حين دفعت لسائق سيارة الأجرة المال حسب التسعيرة الجديدة. ابتسمت حين ارتديت ملابسي بلا كيّ لأن لا كهرباء لأشغّل المُكواة، "لا دولة ولا موتور"، ثمة شحّ في المازوت، وابتسمت بينما أخبر صديقتي "الحمد لله، المهم عنا بيت وعايشين منيح" هذه قناعتي، أعتبر حياتي مُترْفَة. ماذا عن مَن لم يعد بمقدوره تأمين قوت يومه وغذاء أبنائه؟ ماذا عن مَن يُهدِّده صاحب البيت بالرمي في الشارع إن لم يدفع إيجار الشهر؟ يعتصر قلبي، أبتسم مُتدارِكة نوبة بكاء. "لن أبكي".

"بيروت، أتبكين؟" أسألها، تبتسم هي الأخرى، تعضّ على أوجاعها، كم فكّاً تحتاج لتعضّ على كل الأوجاع؟ "فكٌ واحد" تقرأ أفكاري وتُجيب. "كحضني الواحد يسعُ كل أبنائي" تُكمل.

آخ يا بيروت.. آخ..

أستذكر أوّل فترة لي في بيروت، من أربعة أعوام، "شرّيرة" كنتُ أقول عنها. عدلتُ بعد الأعوام الأربعة لأقول "أمٌ صارِمة".. سامحيني يا بيروت، سامحيني، لم أكن أدرك أنينك، لم أكن أدرك أنك أوّلنا في حمل ثقل الوجع وتحمّله، لم أكن أدرك أنّك تبتلعين غضب وسَخْط ولَوْم الجميع. "بيروت ما بتنحمَّل صايرة" تُصفَعين بها في اليوم عشرات المرات، تُؤلمكِ الصفعة، "هذا ليس صنيعي" تهمسين بجزع، تكتمين شهقة وتختنقين بغصّتك، تتأمّلين بعض أبنائك يتسلّلون من بين يديك، يركضون بعيداً، منهم مَن يستدير لينظر إليك مودِّعاً، ومنهم مَن يُدير ظهره من دون التفاتة أخيرة، وأنت تبتسمين، تبتلعين غصّتك، وتهمسين "حضني لكم متى ما عدتم".

 أمشي في الشارع، أتأمّل الوجوه وقد اختلط فيها الخوف باليأس والحزن، "إذا مش كورونا جوع وإذا مش جوع كورونا" يُتَمْتِم أحد المارّة بينما يُثبّت كمَّامته على وجهه.

أمشي، أتأمّل المحال المُغْلَقة، "ما في بيع" أسمعها كل ما دخلت أحد المحلات، أتأمّل واجهات مَن صمد منها "نرجو وضع الكمَّامة قبل الدخول". أتأمَّل الوجوه المُتحرِّرة من الكمَّامات، أتخيَّل الحال إن انتشر الفيروس بشراسةٍ كالتي انتشر بها في دول أوروبا والقارّة الأميركية، كم سنصمد؟ أسأل نفسي، ينقبض قلبي.

أستذكر طفولتي، حين كنتُ أبكي في الطريق من القرية إلى بيروت، كنتُ أتعب من طول  الطريق وبُعد المسافة وأسأل باكية "مطوّلين لنوصل؟ وينا بيروت؟".. أمشي في الشارع بلا هدف، هذا المكان غريبٌ عنّي، يعتصر قلبي باكياً سائلاً "وينا بيروت؟" أبتسم، أختنق. أبكي، أبكي بحرقةٍ، يؤلمني قلبي.

أستذكر يوم قلتُ لأصدقائي "فيكم تسمّوني بيروت" بعد أن شعرتُ أنّ بيني وبينها نقاط تشابُه والتقاء. أستذكر، أبتسم، وأختنق.

"أتبكين؟" تسألني بيروت، "أتبكين أنت؟" أسألها، أشعر بها تبتسم، تنكمش على نفسها، لا تقوى بعد على كتم شهقة الوجع داخلها، أشعر بها تبكي. تبكي بيروت، وأبكي، ونختنق. كم نشبه بعضنا الآن حقاً يا بيروت.

أبكي ولستُ أدري أيّهما أقسى، فِراقٌ من جديد أم وصالٌ والحالُ هكذا. 

أخلعُ عن وجهي ابتسامات النهار، أبكي، وكأنّي خُلِقت للبكاء ليس سواه، أبكي وكأنّ البكاء طقسي المُقدَّس الذي لا أجرؤ على تفويته، أبكي كمَن عليه نذرٌ بالبكاء طيلة عُمره...

"بيروت، هلّا تحضنيني؟ يؤلمني قلبي"، تبتسم، أبكي. وأغفو بين يديها في الليل الحزين.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
حوراء زيتون

صحافية من لبنان