السّقوط من أسفل

خُلقْتُ على هذا النّحو، ثقيلاً، ألْهث ملء صدري. الناس من ورائي كانوا يدفعونني بالرغم مني إلى الأمام، ومن بينهم من امتلأت صدورهم شفقة.

  • السّقوط من أسفل
    السّقوط من أسفل

المشهدُ مُضطّربٌ، مُقنِعٌ، مُشبَعٌ وكافٍ. كافٍ جدّاً لسرْدِ حكايةٍ مختلفة من وراء الحلم. سأتركُهَا هكذا بلا إسمٍ ولا أفق لأمجِّدَ الفراغَ، لتخلقَ الصّورةُ نفَسَها بنفسِها، لأنَّ الأرضَ تقولُ اللاشيءَ يريحُ الهواءَ.

أشياءُ الإنسانِ عادةً ما يحملُها كائنٌ شيطاني وفي هذا الوقت ليسَ أمامنا إلا المشاغبة. لم أكن في الأعلى حتّى أسقطَ منه! لقد سقطت من أسفل، سبقني صوتي المُتردّدُ، السّاخطُ والرّافضُ في الأرض، وها أنا أنادي عليه، أصرُّ عليه وأناضل من أجل استرجاعه.

لا أريدُ لصوتِي أن يولدَ على أيدي كائناتٍ مُشوَّهَةٍ، أن يشعرَ بالّلذة في جسدٍ آخر، أن يمتدَّ ويكبرَ في جوْفِ فمٍ لا يعرفُ الضّجرَ، ولا أريدُ لهم أن يحتفوا به وأن ينتقموا من فَقدِه لكبريائه. سأنتزعه من أفواهِهم، سأستردُّه حتماً، سأستردّهُ ولو بعد حين. قلت ذلك وأنا أرى صوَرَهم البعيدةَ تتكسّرُ في رأسي.

هنا أرضُ طفولتي حيثُ أقضي أيّاماً بين مرتفعٍ، منحدرٍ ومنعطفٍ أتعرّفُ على أشياء كنت أعرفها وأحفر إسمي في الأجسام ذات التّجاويف. أحياناً أتذكّرُ أنّني كنتُ طفلاً، أنّني أحببْتُ الأشكال من حوْلي، وأنّني وُلِدْتُ على أيدي عشر نساء لأمٍّ كانت تجبلُ دمعَها بيديْها، فتحت لي ذراعيْها رغم أنّي كنت طفلاً ذا وجهٍ بلا ملامح، مخدوشَ الكبرياء، أتعثّرُ حتّى بأنفاسي.

الحكايةُ كلّها أخبرتني إيّاها أمّي قبل أن تهذي وتصبح بلا ذاكرة. انتظرتني ألف ليلة قبل أن تلدَني في بيت الأرامل الحزانى اللّواتي طوّقْن خصري بتراب الأرض. كانت علاقتهنَّ بالتّراب متينة، يمشيْن حافيات لتلمسَ أقدامهنَّ العارية الأرض. كانت علاقتهنَّ بالتّراب متينة، ردّدت أمّي هذه العبارة على مسمعي آلاف المرّات.

كنّ ذوات وجوه باردة، باهتة ومُتشرّدة، لا تعرف النّعاس، وذوات أشداقٍ مفتوحة ينتظرن موعداً من رجالٍ آخرين ليشعرْنَ مجدّداً بالوجع اللّذيذ. شفتا عجوزٍ منهنَّ، تريدان في شهوةٍ بالغةٍ أن تندفعا إلى الخطيئة، أن تفرحا بالانتشاء، أن تمزجا بين النار والفراغ. 

هنا أرضُ طفولتي حيث ولدتني أمّي المسكينة. أمضت عُمرَها تعبُرُ بين الحافات، وجانبيْ الطّرقات، بين الدّخان والنّار، تسجدُ من الصّباح إلى المساء وتدعو إلى القمر أن يمحو آثارَ خطيئتِها عن وجهي، أن يُعيدَ إليَّ كبريائي المفقود مُضاعفاً، أن يصغي أحدٌ إلى صوتي. 

المسكينةُ أمّي كانت تظنُّ أنّها ولدت طفلاً سيُصبحُ نسراً لكثرة ما بلّلتِ البصقةُ ذراعيْه، لم تكن تعرفُ أنّني سأكبر وسأكون رجلاً بلا رجولة، أو أنني سأدعُ الهواء يخنق روحي. 

جدّي الأكبر، أصلي القديم يعني، راح يتطلّع في وجهي الصّغير بابتسامة باردة ويُغمغم ويمطّ صوته مستاءً، ما كان هذا الّذي ينتظره! لم يستطعْ حتّى أن يلمسَ طرفَ أنفي! مَن جاءَ يرثُ إسمَه كانَ بشعاً وغريباً. النّاسُ عادةً ما تعتادُ الأسماءَ والأشكالَ المألوفة.

تنكّرَ جدّي، أصلي القديم يعني، لوجودي من اللّحظة الأولى ومشى بخطوات وئيدة وهو يلهث بصوتٍ مسموعٍ، متوكّئاً على عصاه الخشبيّة، عائداً إلى ركنه في زاويةٍ اتّخذ منها بيته مع عتاةِ المجرمين ومرتكبي الجرائم.  

أصلي القديم، أي جدّي، ذو وجهٍ مليء بالنّمشِ مع قصرٍ ملحوظٍ في رقبته واستطالة غير عاديّة في أصابعه، وفمٍ مُبلّلٍ باللّعاب تفوحُ منه رائحة كريهة، أعادَ ولادتَهُ  - عن غير قصد - في جسدي لربّما كان يأملُ في الخلاصِ من حياته التّعسة.

كان الأمرُ له تلذّذاً وتعظيماً لكبريائهِ المفقود، هو الذي يشبه القردَ في شعرهِ الكثيفِ حتّى لا يكادُ يتبيّنُ جلدَهُ. كان لجدّي عادة غريبة عندما يفيضُ به الكيْل، فإذا غضبَ يبدأُ بحكّ رأسه وأذنيْه ويصدر أصواتاً غريبة من حلقه.

المسكينةُ أمّي مازالت ندوبُ الكبرياء واضحةً على وجهها. هكذا كلّ الّذين يفقدون كبرياءَهم تخبو عيونُهم وتتراكمُ الأحزان داخلهم. كانت كلَّ مساء تخبرني جزءاً من حكايتي مع هذه الحياةِ الملعونةِ، تستندُ على ساعدِها ولا تقوى حتّى أن تحرّكَ جسدَها الثّقيل.

كنت أعرف أنّها تحاول أن تخبّىء حزنَها في جيْبِها. تقولُ وحيدة عشت مع رائحة الأرض والهواء والماء. وحيدة بحثت عن جذوري حاملةً أحزاني ودموعي. كنت أحاول أن ألبّيَ شهوةَ الإله الذي في داخلي لعلّني أعود بملامح جديدة وقد كانت له الغلبة.

هنا أرضُ طفولتي حيث ولدتني أمّي، في انتشاءٍ وفرحة. ظلّت تصرخ بين السّماء والأرض، وتنهشُ بأسنانها طرفَ ثوبِها إلى أن سمعت صوتَ بكائي يتبدّدُ في السماء. أكادُ أجزم أنّه ومن لحظتها تعوّدَ صوتي الباكي أن يصكَّ السّمعَ عالياً.

المهمّ، أزاحت جانباً خصلاتِ شعرها وبكت مثل الأطفال. وبعد مرور أسابيع على ولادتي، أخذت تتلذّذُ بعدِّ الثّقوبِ الغائرةِ الّتي تملأُ وجهي مع أنّها في داخِلِها كان ترجو إله السّماء أن يأتي بي بملامح جديدة. أتيتُ إلى الأرض بساقٍ مليئةٍ بالنّدوب، ترتعش في وقفتها المقلقة مع ذلك كنت إذا ركضت لا يلاحقني حتّى أسرع الشبّان عدواً.

قارئي المُتفرّغُ، لقد مَلَلْتُ تجاعيدَ جبهتي، وأصابعي المُتّسخة بظلّي، وقدميَّ المُعلّقتيْن بالتّراب، ونوْمي بعينٍ واحدة، وثرثراتي الخائبة وقلبي الذي خرج يبحث عن إلهٍ ولم يعدْ بعد. اسأل الكبار المُحنّكين وأعمارهم الخبيرة المُجرّبة، واسأل الحكمة الأبديّة التي تحملُ ثقلنا، واسأل السّماء صاحبة الفرص عن الكلام العالقِ في حلقِ طفلٍ منكوب، عن الأنفاس المُضّطربة في صدرِه. كلُّ كلامٍ لا يُقال يصْدأُ ويفقدُ قيمته.

لم أكن في الأعلى حتّى أسقطَ منه! لقد سقطت من أسفل، سبقني صوتي المُتردّدُ، السّاخطُ والرّافضُ. سمعْتُ صرخته الجوفاء أكثر حدّةً  فقمت من فراشي ولم أمتلك حتّى أن أضع قدمي على الأرض لأنقذَه من مصيرِه التّعس. كان مثلَ طفل يستغيثُ بأمّه، يبكي مثل الأطفال فأدركْتُ عندَها بشاعةَ ما كان ينتظرِهُ من مصير وأنَّ نهايتَه حتمًا ستكونُ بين أفواهِهم.  

خُلقْتُ على هذا النّحو، ثقيلاً، ألْهثُ ملءَ صدري. النّاس من ورائي كانوا يدفعونني بالرّغم منّي إلى الأمام ومن بينهم بالطّبع من امتلأت صدورَهم شفقةً. المسكينةُ أمّي كانت دائمًا تتبرّمُ استياءً من تمسّكي المبالغِ فيه بأشياءَ بسيطة جدّاً، صوتي كان أحد تلك الأشياء.

كم عانقتُ أكتافاً وكم بقيْت يدي فارغةً! ولأنّ أشياءَ بسيطة يُمكنُ أن تعيدَ الكرامةَ للإنسان فأستركُ المكان لصاحب الأرض، لسُكّانٍ جددٍ، لعشبٍ لا يموت وسأجد أصدقاء جُدداً وسأهدي وردةً إلى خطيئتي أمّي ليس تواطأً عليها، بل لأنّني أريد صورة خطيئتها أجمل.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
هناء الحاج

كاتبة من لبنان