الونيسة

وإذ انبرى بعض أحفادها من فتية العائلة إليه يحاولون الإمساك به، راوغهم كلاعب كرة قدم فذّ وهم وراؤه جميعاً.

  • الونيسة
    الونيسة

"ولا يعلم الغيب إلا الله"            

في صباح بدأ البرد فيه يغزو الأجواء، اجتمعت ثلّة من الناس أمام المنزل، أقارب وجيراناً، في حيّ مُتطرّف عصري.

كان ذلك صبيحة يوم وفاة الأمّ الكبيرة الحاجة الفاضلة. المرأة التي مع أنها عاشت عُمراً مديداً إلا أنها لم تنطق يوماً بكلمة آلمت أحداً، لكأنـّها من عصر آخر، لذا أحبّها الجميع وكانت موضع احترام وتقدير من الأهل والمعارف، ولطول صمتها ظنّها بعض الناس ممّن التقى بها عرضاً في بعض المناسبات أنها خرساء. 

لم يكن الجمع قد اكتمل وانتظم بعد. وكذلك لم تخترمه خطة عمل واضحة وشاملة. لا زال كل من الرجال المُقربين للمرحومة يحاول أن يُدلي بدلوه في المكان الأصلح والأقرب لتلقّي العزاء في الفقيدة. أحد بيوت أولادها العديدة، أو إحدى القاعات المُخصّصة لمثل هذه المناسبات. فالمكان هنا بعيد جداً ومُنعزل عن غالبية دورهم. وإن كان جيرانها من ذهب، إلا أنه لا قريب ولا نسيب لها في هذه الجهة من المدينة الكبيرة.

كانت الليلة السابقة عبارة عن صراع جماعي مع المرض والموت. فلم تـُترك الحاجة لينفرد بها الموت، بل التفّ حولها أحباؤها وحبيباتها جميعاً. وكما لو أن الموقف كان موقف ولادة، استمرّت المُعاناة للـّحظة الأخيرة. وكان جل همّ الحاجة ابنتها الوسطى التي أبت أن تتزوج كي ترعاها، ولا ندري على وجه اليقين أيهما رعت الأخرى في الواقع. كانت الأمّ تحاول أن توصل للحاضرين فكرة عدم التخلّي عن إبنتها ورعايتها مع أنها كانت قادرة على رعاية نفسها جيداً. فما كانت صغيرة أبداً، كما أنها كانت مستقلّة مادياً ومُثقّفة وموظّفة في مركز حيوي، ولكنه قلق الأمّهات. 

من بعيد، ظهرت سيارة تتهادى نحوهم ثم وقفت بقرب الرجال المجتمعين ونزل منها أحد الأقارب وقد عاد بما كـُلـِّف به (شراء الونيسة). جاء بها مع القصاب الذي سيذبحها قبل خروج الجنازة، كما هو مُعتاد - أن تذبح الونيسة ويوزّع لحمها على الفقراء والمُحتاجين قبل خروج الجنازة من المنزل لتؤنس الدفين في وحشة القبر وتُنيره له، كل ذلك قبل التوجّه إلى حيث تـُدفَن، أي إلى مستقرّها الأخير. 

وقف القصّاب وهو بائع الماشية في ذات الوقت وهو يمسك بالحبل المُلتفّ حول عنق الذبيحة (كما تسمّى عندنا وهي لمّا تزل حيّة، باعتبار ما ستصير إليه، وبعد أن تـُذبح). 

كان يمسك الحبل بقوّة ويطبق عليه راحته اليمنى، مُنتظراً أن يكلَّف بالذبح، والملل يبدو على سحنته. وفجأة ومن دون سابق إنذار، فلت الخروف من كفّه وأخذ يجري في الشارع المسفلت مُتلفتاً يميناً ويساراً، كما لو أنه يبحث عن شيء ما والحبل يجري وراءه كأفعى تتلوّى، ولما وصل بوابة المنزل دلف إليها بكل ثقة. 

وإذ انبرى بعض أحفادها من فتية العائلة إليه يحاولون الإمساك به، راوغهم كلاعب كرة قدم فذّ وهم وراؤه جميعاً. ولم يعصمهم من الانفلات في ضحك جماعيّ مجنون إلا الموقف المُحزن الذي هم فيه لوفاة جدّتهم الكبيرة. 

كان ممر السيارة منبسطاً أمام المنزل وطويلاً جداً، ومع ذلك لم يستطع أياً من الشباب الظفر بالخروف ووقفه، لذا اقتحم الخروف المنزل وتجاوز بعض الغرف وصولاً إلى الغرفة التي لا تزال الجثة مُسجاة فيها والتي تجلس حولها بعض النسوة، وهن بناتها وزوجات أولادها الأحياء والموتى، فوق حشايا أعدت بارتجال وعجالة على أرضية الغرفة كما تقتضي التقاليد. 

ترك الغرف الأخرى الخالية مع أن أبوابها جميعاً مفتوحة ومُشرّعة وهرع إلى حيث تجلس النسوة، تجاوزهن جميعاً ثم انعطف وبقوّة إلى حضن الإبنة التي لم تتزوّج بعد، والتي ماتت الأمّ وهي لا تزال تلفظ ما تستطيعه من حروف إسمها لشدّة قلقها عليها.

وإذ فوجئت الإبنة وهي تلتفع بملابسها السود بالخروف يكاد يقفــز إلى حضنها ويقترب وجهه من وجهها جداً، حتى كأنه يريد أن يقبّل وجنتها. رفعت كفيّها بوجهه، مع أنها في غاية الحزن والأسى والإنهاك أيضاً مُبتسمة لطرافة الموقف، فوقف الخروف من فوره هامـــداً يحدّق في عيني الإبنة وسط دهشة وانبهار الجميع. 

وقد دخل في روع الحاضرين جميعاً من نساء وفتية ورجال ولا يزال أن روح الأمّ قد امتطت الونيسة وصولاً لإبنتها الباكر، والله أعلم؟

ملاحظة 

يشهد الله أن هذه القصة من قبيل الواقع لم أتخيّلها ولم أحلم بها ولم أسمعها، بل هو واقع رأيته بأمّ عيني. وحاشا لله أن أسند معجزة أو كرامة لإنسان، أعرف فقط أن هذه المرأة ولحُسن طويّتها قد أكرمها الله في حجّها الأول بأن دخلت جوف الكعبة المُشرّفة ربما عن طريق الصدفة، فهو ما لا يحدث عادة لحجّاج بيت الله. وأن ما قصصته حدث صبيحة وفاتها، ويُشرّفني أن هذه المرأة هي أمّي رحمها الله ورحمنا. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]