كذبة صغيرة

صدّقوني ، لقد كان الجميع في ضيعتنا يثمل حباً.

  • كذبة صغيرة (Simon Kojin)
    كذبة صغيرة (Simon Kojin)

فردتُ جناحي، جناحي الصغيران مثلي، ورحتُ أطير أمام أمّي التي تتكئ على كتف أبي بوجهها المُطمئّن. رحت أحلّق وأجهش بالضحك، بينما يتطاير القمح الذهبي أمامي. أترى تتكئ سنبلة سمراء على زوجها القمحي وتضحك لإبنها وهو يطير أيضاً؟ 

للحظةٍ، نظرت خلال المدى الذي يسمح به طولي، وخلت كل بستان القمح سنبلتين سنبلتين!

ضحكتُ وطرتُ بسرعة أكبر أسابق القمح المُتطاير. الهواء يُراقِص كل هذا القمح الهائِج، يُداعبني أيضاً، لكن هذا لم يمنعني من الركض بسرعةٍ أكبر! صدّقوني لقد ولِدتُ في حقل قمح، ونموت بين سنابل الذهب.

في ضيعتنا كانت هناك طاحونة كبيرة يكسرون بها الهواء. يدور بها ثم يخرج ويُكمِل مُداعبة القمح، قبل أن يأتي دور دفعة هواء أخرى لترقص مع مروحة الطاحونة! 

كنت أرى الهواء يلهو وينتظر دوره ليُراقِص الطاحونة، فأقول هل الريح طفل مثلي أم أنه شاب مُراهِق؟ نعم، هكذا كان يموج البستان كبحرٍ ذهبي! ألم تقل أمّي بأن حقل قمحنا هو المكان الوحيد الذي تلتقي به الشمس والبحر فلا يعود عشقهما مُستحيلاً؟

صدّقوني، لقد كَبِرتُ في ضيعةٍ نمت على طرفها طاحونة يقولون إنها كانت خشبةً صغيرةً، فسقاها أجدادي من عَرَق سواعدهم حتى كَبُرت وصارت وردة يسمّونها الطاحونة. ها هي تقف شامخةً كأنها قامة جدّي، لكنها تضعف أمام الريح وتترك له بتلاتها الثلاث، تماماً كما كان جدّي يترك خدّيه للريح وشاربيه للهواء.

مرةً أمسك الهواء بيدي، فأمسكتُ بيد أختي الصُغرى التي أمسكت بدورها يد أبي. أما أمّي فكانت مُتّكئة على أبي المُمْسِك بفستان جدّتي. جدّتي شدّت ساعد جدّي، فيما هو تناول شارب جارنا. وهذا أمسك خصلة شعر سوداء لحسناءٍ من ضيعتنا. وهذي الحسناء أمسكت بضحكة طفل والطفل أمسك بعجوزٍ والعجوز بصبيةٍ والصبية بفتى تهواه. أما الفتى فتمسّك بأخيه وهذا أمسك ساعد زهر، رقصنا هكذا حتى المساء.

صدّقوني ، لقد كان الجميع في ضيعتنا يثمل حباً. منزلنا الذي يربض على التلّة الصغيرة لا يفصلنا عنه سوى حقل قمح. صدّقوني، حتى لو أخبروكم بأن الطاحونة ذبلت وبأن بحر القمح نضب.

صدّقوني ولو أخبروكم بأن الريح شيخ شائِب، وأن ساعد الزهرة لوته الأيام، وأن آخر قطرة حب قد أكل الزمان عليها وشرب.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]