في حضرة سيدي لخضر بن خلوف

أسمع صوتك يا مصطفى، أين أنت؟ أنا لا أراك؟ كل مناج يرى حبيبه في المنام، وأنا رأيتك مع سيدي لخضر.

  • في حضرة سيدي لخضر بن خلوف (Albert B. Wenzell)
    في حضرة سيدي لخضر بن خلوف (Albert B. Wenzell)

اكتشفت مؤخّراً بفضل السّيد "غوغل" أنني أعاني من حال انكار للتمكّن من تحمّل كل المآسي التي مررتُ بها في حياتي. لم يكن الانكار سيّئاً للدرجة التي يتصوّ     رها أصدقائي. فقد كان خدعتي السحرية لتجاوز أيامي الكئيبة. عشت عشر سنوات في عالم أرسمه وأمحيه وأُعيد تشكيله بالطريقة التي أشاء.

تعبتُ من السير والجو حار جداً. عادة تصطفّ سيارات الأجرة بالقرب من المُنْتَجع السياحي، لكن لا أحد سواي اليوم في هذا الشارع الطويل، وفوقي هذه الشمس الحارِقة وأشجار الأركان الصامِدة أمام التغيّرات التي أصابت المدينة العتيقة.

أسمع صوتك يا مصطفى، أين أنت؟ أنا لا أراك؟ كل مناج يرى حبيبه في المنام، وأنا رأيتك مع سيدي لخضر، صدّقني، لهذا جئت إليك، خالتي سعدية فسَّرت لي المنام وقالت بالحرف الواحد "راهو يخمم فيك". جئت بعد غياب طويل عن مستغانم لأطلب منك التوقّف عن التفكير بي. أريد أن أحمي نفسي من الجنون. جئت أودَّعك لآخر مرة، فقد كان لقاؤنا الأخير عاصِفاً. لم نُنه هذه العلاقة العالِقة في جسدي كرصاصة. أريد المُضيّ وأنت تُعيدني في كل مرة إلى نقطة البداية. إلى هنا.

تخيَّل لها أنه يمشي خلفها أو أنه ظلّها. التفتت بسرعة كطفلة أضاعت والديها للحظة. لم يكن هناك. تذكَّرت وابتعلت دموعها. مرَّت من أمام ذلك النادي. توقَّفت وضحكت ثم بكت بحرقةٍ شديدة. لليوم الثالث نفس المشاهد تتكرَّر، هذا اليوم تجرَّأت ودخلت إلى هناك، لربما كان ينتظرها!

الجميع ينظر إليها بنفس النظرة وكأن الزمن توقَّف، دَهْشة وفضول وانتظار لحَدَثٍ يجهلونه ولكن يتوقّعونه. لا شيء تغيَّر في هذا المكان رغم مرور عشر سنوات. لم تدقِّق في الوجوه، ليس مهماً، إنها وجوه وفيّة للأماكن التي تحتضنها. ضحكات نسائية مُصْطَنعة وعيون رجالية تعيش في عالمٍ ترفضه خارجاً!

وجهها كان شاحِباً. اقترب منها رجل يبدو في حال هَذَيان، خرجت بسرعةٍ، مَن يكون؟ هي مُتأكِّدة أنها لا تعرفه، لربما اعتقد أنها هارِبة من أهلها.

كانت تأمل أن تراه ولو في ذلك المكان المشبوه الذي دخلاه يوماً بالصدفة، وجلسا فيه مُحْرَجين بسبب إصرار صاحبه.

تنظر من نافذة السيّارة، أشياء كثيرة تغيَّرت في صلامندر. وجوه باهِتة والأركان تشيخ لكنها أشجار لا تنكسر كأهلها. أصوات الشيخ حمادة والشيخ الجيلالي والشيخ بوعجّاج غائبة كلياً عن كل الأماكن التي مرَّت بها. وحده صوت الراي يصدح من السيارات والمحلات والشواطئ. تغيَّر كل شيء تقريباً. المدينة تبدو أكبر وأكثر ضجيجاً. كانت هادئة تعيش في عُزلةٍ حتى عن ناسها. مدينة ترفض مَن يهزّ عاداتها وتصوّفها وموسيقاها الهارِبة من الأندلس. 

إنها مدينة المسرح والبحر ومجانين الفن والحب، وفي ما مضى كانت أيقونة للمقاومة ضد المُستعمِر بالسيف والبندقية والشعر، خصوصاً الشعبي، مدينة مولاي سيد لخضر أحد حرَّاس المدينة.

***

وصلت إلى مطعم علي.. وفيّاً لطاولته، على يمينه البحر وقُبالته لوحة للراحِل عبد الرحمن كاكي، ويحلم ككل يوم في يقظته أنه واقف على خشبة المسرح!

- "ما لك يا فاطمة.. وجهك مُصْفَّر؟"

- "اشتقت لمصطفى، اشتقت لقصّتنا المكبوتة، لعلاقتنا التي انتهت من دون وداع، كون غير مارحتش يا عليلو"

- "هل عدت أيضاً للبحث عنه في المدينة؟"

- "لماذا تفعلين هذا بنفسك؟" 

- "Je ne sais pas"

- "كيف لا تعرفين؟ مصطفى لن يعود إليك، علاقتكما انتهت منذ عشر سنوات، وأنتِ تعيشين حال نُكران منذ ذلك الوقت. عليكِ أن تقلبي هذه الصفحة للأبد، بل عليك تمزيقها. تزوَّجي. نعم تزوَّجي يا فاطمة من صديقك هذا الكاتب اللبناني المُغْرَم بك!". 

- "علي، أنا متأكِّدة أن مصطفى هنا، لقد رأيته في المنام".

-  "لكان أخبرني قبل قدومه، هو صديقي وليس إبن خالتي فقط!".

- "أنصت جيّداً، حلمت لثلاث ليال على التوالي أن سيدي لخضر يطلب مني الحضور إلى مقامه ومعي قطعة قماش وشمعة وحنّاء، وكان مصطفى يقف خلفه، يجب أن أذهب إلى هناك!".

- "حسناً، برأيي اذهبي واستريحي الآن، أنتِ مُتْعَبة جداً، غداً صباحاً، سنذهب إلى الظهرة ونزور سيدي لخضر".

******

جلست إلى جانب النخلة التي تتوسّط الساحة قبل الدخول إلى قاعة الضريح. أخذت قليلاً من التُراب ووضعته في كيس ثم في حقيبتها. لطالما كان هذا المكان الأقرب إلى قلبها. إنه السكينة التي تبحث دائماً عنها ولا تجدها إلا هنا. المقام يشهد على حزنها قبل أن تقرِّر الرحيل الى العاصمة. لم تكن تتحمَّل الهزائم المُتتالية.

حملت الكيس الذي يحتوي طلبات سيدي لخضر وسارعت بالدخول إلى المقام، علي واقف أمامها وابتسامة عريضة على وجهه.

- "وش بيك خير؟ راك تضحك عليّا، أعرف ماذا تقول في نفسك، مجنونة صحيح!"

أومأ برأسه ثم أشار بيده إلى الضريح، كان مصطفى جالساً أمام ضريح مادِح النبي، الوليّ الصالح الذي أفنى حياته في الحرب والشعر، الصوفي الكبير، الذي يتبارك به ملايين الناس.

واقفة لا تعرف ماذا تفعل، ليست متأكِّدة أنه هو أو لا تريد أن تصدِّق، اقتربت من الضريح ووقع الكيس من يديها، صاحت مصطفى!

قام والتفت نحوها، كان هو ولكن الشيب غزا رأسه والتجاعيد ملأت وجهه، احتضنها بقوَّة وخرجا بسرعة، خوفاً من لعنة حارس المقام.

- "كنت أعرف ان أمير المُرابطين سيدي لخضر لن يخذلني".

- "فاطمة، جئت إلى هنا لأني رأيتك في المنام واقفة إلى جانب سيدي لخضر".

- "وأنا أيضا يا مصطفى، والله العظيم وحق ربّي!".

 قلبه يعتصر من الحزن، ولكنه مُتأكِّد أن الحب وحده لم يكن كافياً لعلاقته بها، فاطمة كانت الزلزال الذي دمرَّه من الداخل. اختلفا كثيراً ولم يستطع حينها احتواءها. لم يقرب منها، بل تركها تتخبَّط في أحلامها وأوجاعها الدفينة. لم ينقذها من نفسها. اختار الطريق الأسهل وهو الانفصال والهجرة إلى فرنسا.

- "لماذا جئت؟ هل فقط لأنك رأيتني في الحلم؟"

- "علي خائف عليك، يقول إنك تعيشين حال نُكران ولا يعرف ماذا يفعل، حرام عليك. ليس مضطرَّاً للسفر أسبوعياً للعاصمة من أجل الاطمئنان عليك. يا فاطمة، أنا منستهالكش، أنت طيّبة ومُبْدِعة ومُحبّة، كنت أنانياً وقد تركتك وحيدة بعد وفاة والديك". 

- "وحبّنا يا مصطفى؟"

- "سنلتقي يوماً مثلما التقينا اليوم ببركة سيدي لخضر، خسرتك سابقاً ولا أريد اليوم أن أخسر زوجتي وأطفالي!".

حاولت استجماع فتات قلبها الذي تناثر في الساحة، كان تريد أن تقول إنها سامحته وأنها لا تريد شيئاً سوى البقاء معه، ولكنها لم تفعل.

ابتعدت عنه قليلاً، وقالت بصوتٍ بالكاد سمعه: ربما سنلتقي يوماً ما في حياة أخرى!

بسرعةٍ خرجت من المقام، لحقها علي واستقلاّ السيارة، لم تقل شيئاً، أوصلها إلى الفندق وفي اليوم التالي عادت إلى العاصمة حتى من دون توديعه.

*****

لم تنم ليلتها، كان بيتها موحِشاً، مثل الليلة التي توفّى فيها والداها في حادث مروري. ليتها قالت لمصطفى إنها كانت تختلق المشاكل وتستفزّه حتى ينفصل عنها. كانت خائفة أن يتركها مثلما تركها والداها إلى الأبد. الخشية من الفُقدان المُفاجئ هو ما دفعها من دون وعي إلى ارتكاب الكثير من الحماقات التي جعلته ينفصل عنها، ثم سافر إلى أكثر مكان تكرهه وهو باريس. 

"إنه قدرك يا فاطمة وعليك التصالُح معه"،  حاولت تهدئة نفسها بهذه العبارات وهي تتوجَّه إلى المطبخ لتحضير فنجان قهوة.

كانت بحاجةٍ إلى التصالُح مع نفسها، حتى تفتح قلبها لمجد، صديقها الأربعيني الذي يحبها بصدقٍ والذي يتقبَّل مزاجها الصعب وبكائها الطفولي وجنونها الإبداعي. إنها تحبه أيضاً ولكن كان عليها إنهاء هذه القصة، لتعود إلى الحياة. 

فتحت تلغرام، رسائل كثيرة منه، آخرها كانت: "أغار عليك من مستغانم، أغار عليك من كل مدينة ومن كل وجه قد تحبينه، بانتظارك دوماً!".

اشتقت إلى رائحتِك التي تصلني دائماً مع كلماتِك 

- "اشتقت إلى صوتك!"

- "أين أنتِ؟"

- "عدت مساء أمس إلى العاصمة"

- "هل أنتِ سعيدة الآن بعد ذهابك إلى مستغانم"

- "ربما الحنين هو ما يجعلني سعيدة"

- "لم أفهم؟"

- "مستغانم تفعل بي أشياء لا أعرفها إلا من خلالها، تُشاكسني بالكثير من المشاعر والانفعالات المُتقلِّبة والمُتواتِرة".

- "هو الحنين لحبيبٍ إذن؟"

-  "لقد استعدت ذكريات وحذفت الكثير منها وأنا في طريقي إلى العاصمة".

- "هل زرت مقام الوليّ الصالح، ماذا طلبت منه؟"

- "أوه .. طلبت الكثير، ولن أقول شيئاً!"

- امممممم ههههه

- "هل تستهزئ بي؟" 

- "بالطبع لا.. ماذا قلت له بالضبط؟"

- "يا رب لا تخيِّب ظنّي بجاه صاحب الشفاعة"

- "هل أنت مُتفائِلة؟"

- "أتعرف.. سيدي بن خلوف، جاء إلى الحياة بعد تضرِّع والدته لله أمام سيدي محمّد لكحل أن يرزقها صبياً بعد سنوات من الحِرمان واستجاب لها، أنا مؤمنة أن الله سيستجيب لي". 

- "اشتقت إليك كثيراً يا فاطمة" 

- "هل تتزوَّجني؟"

- "موافق هههه.. إفتحي الباب"

- "عدت للاستهزاء؟"

- "أنا هنا أمام بيتك.. أرجوكي إفتحي الباب"

كاد يُغمى عليها من شدَّة الدَهْشة، بقيت مُتَسَمِّرة في مكانها، بينما هو دخل من دون استئذان، وجلس على أقرب أريكة.

- "أحضرت لك هدية، رأيتك في المنام وقد طلبتها مني".

 اقتربت منه.. "ماذا يجري؟ ما قصّة الأحلام هذه الأيام؟" 

- "ماذا تقصدين؟"

- "لا شيء.. لماذا لم تخبرني أنك ستأتي إلى الجزائر؟"

- "تقصدين، لماذا لم أخبرك أنني أتيت لطلب يدك للزواج رسمياً ومباشر وصريح"

 لم تقل شيئاً .. فتحت الهدية: شمعة وحناء وقطعة قماش!

- "أتتزوَّجيني يا فاطمة".. رفعت رأسها نحوه وكان يحمل خاتماً!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية