لُعبة الكاشكاش

"جيمس" تدخّل في صورة المُصْلِح ذات البَيْن. اقترح عليهم للخروج من هذه البوتقة بدء اللعبة من جديدٍ بإشراك صديقيه دافيد وإسحاق. أوصلهم الغُلّ إلى قبول أيّ شيء.

  • لُعبة الكاشكاش (روان عناني)
    لُعبة الكاشكاش (روان عناني)

كانت السماء مُلبَّدة بالغيوم. الجو مليء بالعواصِف التي تتلاحَق في أنينٍ جارف. هناك كانت تسكن عائلة مُزارِعة تتألَّف من أربع إخوان. يُحكى أن أبناءهم تفرَّقوا أيدي سبأ. أما الآباء فلا أثر لهم منذ نكبة بعيدة.

أكبرهم إسمه "آل حماد" والثاني "حسني عبده" والثالث "علال". ويُقال إن أخاهم الرابع ياسر قد لازَمَ الفراش مُصاباً بمرضٍ خطير، وانقطعت أخباره في المستشفى البعيد.

أما الإخوان الثلاثة فكانت لعبتهم المُفضَّلة والدائمة هي لعبة الغميَّضة" cache-cache ". يفنون النهار على طوله وبعض الليل في التسلية بها. لا يغادرون حقلهم إلا لدافعٍ ضروري جدّاً.

حَدَثَ مرة أن زارهم بعض الغُرباء ذوي بشرة رومية، ولهجة غريبة عن آذانهم. إنهم بشر من بلاد  بعيدة. رحَّب بهم الإخوان الثلاثة...تبادلوا التَرحاب، الأسماء والأماكن الأصلية. أجلسوهم بجانبهم آمنين مُطمئّنين.

جيمس يقطُن في بلاد بعيدة جدّاً، ما وراء البحار. أما دافيد وإسحاق فقد سافرا من بلادٍ إلى أخرى هرباً من ويلات الحرب. وقيل إن سبب اجتماعهم، هو تجديد المودَّة والصداقة في أرض الميعاد. 

وكان الميعاد مُحدَّداً في هذا الحقل المُخْضَوْضِر المُزْهَر كَرْماً وزيتوناً.

جلس هؤلاء الغُرباء تحت شجرة وارِفة الظلّ قُرب آنيةٍ تُستعمَل في لعبة الغميَّضة. استمرّ الإخوة في اللعب. أما الغُرباء فأخذوا يتأمَّلون في هذه اللعبة المُسلّية، ويُلاحِظون حركاتهم وقوانين لعبتهم بدقَّة. 

تقدَّم "جيمس" نحو "آل حماد" وطلب منه أن يدع له دور المُفتِّش. سُمِحَ له بذلك من دون عِلْم الآخرين. سار ليختبىء إلى جانب أخويه حسني عبده وعلال. لكنهما تجنّباه واختبآ عنه حتى لا يراهما. هكذا تسلَّلا حَذِرين من شجرة إلى أخرى، يحاولان الوصول إلى الآنيَّة حتى يفوزا عليه.

فجأة وقعا في الفخّ! إذ وجدا أنفسهما أمام مُفتّشٍ جديد، لم يكن في الحسبان. ضرب "جيمس" الآنيَّة على الصخرة مُعلناً انكشافهما، وهزيمتهما في الوصول إلى الآنيَّة. انزعج الأخوان من تصرّف آل حماد، وبدآ يشتمانه بأقذع السباب، حتى خرج من مخبئه مُضطراً. فانكشف هو الآخر. حينها حمي الوطيس بين الإخوة الثلاثة، فتحوَّلت المُشادَّات الكلامية إلى شِجارٍ حقيقي.

"جيمس" تدخّل في صورة المُصْلِح ذات البَيْن. اقترح عليهم للخروج من هذه البوتقة بدء اللعبة من جديدٍ بإشراك صديقيه دافيد وإسحاق. أوصلهم الغُلّ إلى قبول أيّ شيء، فاختاروا إدماج هذه العناصر الجديدة في اللعبة. وكل واحد منهم يودُّ أن تستقرّ حُصاة القُرعة في يد أخيه ليتسنّى له الانتقام.

دارت الحُصاة دورتها بين اللاعبين، وأخيراً استقرَّت لدى علال. فانطلقت حينها ضحكات ساخِرَة لآل حماد وحسني عبده. أما الغُرباء فابتسموا هازئين، وشجَّعوهم على هذه الحماسة التي تجعل من الغميَّضة لعبة مُسلِّية جميلة.

جلس علال تحت الشجرة لبدء اللعبة، أغمض عينيه وبدأ يعدُّ إلى العشرة. انطلق الأخوان بصحبة الثُلاثي الغريب وَسْط خميلة البستان، يدوسون على المزروعات ويبصقون في وجه العشب. ولما ابتعدوا عن أنظاره، أعلن جيمس خطَّته للفوز باللعبة. فانطلق دافيد وحسني عبده نحو مكان كثيف الأشجار. وسار جيمس وإسحاق في الاتجاه الآخر، برفقة آل حماد المُتحمِّس للوصول إلى الآنيَّة. 

سأله إسحاق عن حماسته المُفْرِطة ضدّ أخيه. فأجابه مُتعَصِّباً: "أريد أن يبقى ذاك السلوقي ضحيَّة هذه اللعبة".

ضحك جيمس وقال له ساخِراً: "حسناً، حسناً، تقدَّم نحو صديقي إسحاق.

مافتئ يُدير وجهه لتجديد السلام حتى وجد نفسه مُضرَّجاً بالدماء، خائِرَ القوى لم ينبس ببِنْتِ شفة. أراد أن يصرخ لكن بلا جدوى. لم ير أمامه إلا سحابة رمادية اللون قد أغشت بصره، ثم خرَّ هامِداً.

في الجهة الأخرى لكَزَ دافيد ظهر حسن عبده بشكلٍ مُفاجئ، لتصدر منه صرخة مُجَلْجِلة أثارت انتباه علال، الذي ركض نحو مصدر الصوت مُسْرِعاً للكشف عن وجوده وإعلان انتصاره. لكنه فوجِئ من الجهة الأخرى بجيمس وإسحاق اللذين قرعا الآنيَّة بقوَّة على الشجرة. وأعلنا فشل علال في اللعبة. ما سيُحتِّم عليه - وفق قانونها- إعادة الكرة من جديد.

أغمض علال عينيه مرة أخرى، والحقد يأكله تجاه أخويه. تطايرت من فمه أرقام غاضِبة. فرح حسن عبده بهذه الخطَّة البارِعة لهزيمة علال، وإبقائه في دوره السيزيفي. انطلق مع الغُرباء الثلاثة في إرقال وتبغيل على الأعشاب اليانعة. والتُرب تتطاير من تحت حوافِرهم التاتارية، خطوات يتطاير منها الحماس. اختبأوا في خميلة وارفة الظل، استلقى على الأرض ليُداري نفسه عن عيون علال المُترَبِّص به. 

فجأة ارتمى عليه إسحاق وجيمس، وألقيا عليه بكلكلهما، وبطعنةٍ غادرةٍ من دافيد خرَّ صَريعاً مُضرَّجاً بالدماء كظبيّ معزول بين سرب ضِباع مُتوحِّشة.

تقدَّم جيمس نحو علال، مُبتسماً كثعلبٍ في زيّ الواعظين وقال له: "لا تتغاضي عن رؤيتي.. أعرف جيّداً أنك ترغب في توريط إخوانك.لا بأس. هناك طريقة أخرى. دعني ألعب دورك، وانطلق أنت لتستمتع بهذه اللعبة الجميلة، نكاية فيهم".

انطلق علال كالسهم لاحتضان الغريبين ومُباغتة أخويه. فجأة لمح جثتيهما تحت أقدامه. تذكَّر حينها أفلام "الكاوبوي". الأخوان هنود حُمر قد ظلمهم المُخرِج. صوَّرهم هَمَجاً مُتوحّشين لا يستحقّون الحياة ولو في تردّد شهر نيسان/أبريل. الغريبان "الكاوبوي"، أبطال منقذون للبشرية من وحوش آدمية، موعودون بأرضٍ جديدة. لم يصدِّق ما رأته عيناه. أحسَّ بقشعريرةٍ باردة ممزوجة بصَعْقةٍ كهربائيةٍ ذكَّرته بطفولته المريضة.

حاول أن يتراجع إلى الخلف. حاول أن يُدير جسده بسرعةٍ لولبيةٍ كاملة. عجز كل العجز، كأن الأرض تشبثَّت بقدميه، تقبّلهما، تتمسَّك بتلابيبه كي لا يفرّ ويتركها وحيدة مع الغُرباء. بسرعة الشَبَح أو الميراج وقف جيمس وراءه. ربما قرأ أفكاره قبل ورودها إلى ذاكِرته. ربما يمتلك قُدرة الحَدَس العنكبوتي، أو قمراً صناعياً يراقب بلا رقيب.

ضحك جيمس ساخِراً مُربّتاً كتفه: "لا تخف يا علال، إسحاق ودافيد رجلان مسالمان، طيّبان إلى درجة لا تتصوَّر. أما أخواك فأنت أكثر الناس تودّ التخلّص منهما. ألم يتشفّيا في هزيمتك ويسخرا من فشلك في لعبة صغيرة؟ إنهما لا يستحقّان اللعب معك. لا يستحقّان هذا الظلّ وهذه الأرض النديّة التي أمامك".

دخلت هذه الكلمات مع أذني علال باردة أو دافئة، اختلطت عليه الأحاسيس. كيف لا؟ وجيمس أعلن السلام الدائم. اطمأن لكلماته المعسولة. التفت ليُعانق إسحاق ودافيد. فجأة انقلبت كلمات الدفء والبرد إلى ألمٍ جارِفٍ في أمعائه. الدم ينزف مُتدفّقاً من فمه. عيناه تنظران إلى أشجار الزيتون والكرم والرمان، تتقلّص أمامه مغشيّة بظِلال الموت الزؤام. تذكَّر حِكمة كليلة ودمنة، قصّة الثور الأبيض، التي حكتها لهم جدَّتهم لما كانوا صغاراً، وتعلّموها في المدارس لما صاروا كباراً. 

تردَّدتْ قُربه ضحكاتهم المُتقطِّعة وكلامهم الذي لن يفهمه أهل الجنّة. تذكَّر شقاوة الطفولة وبراءتها حين كان الكِبار يستدرجون الصِغار بقِطَع الحلوى. 

تذكَّر إبن بلدته محمود الذي كان يتحدَّث عن أسطورة أناس يبحثون في أشلاء وطنهم عن وطن. علت وجهه ابتسامة أخيرة وخرَّ ساقطاً على صدره، بصوتٍ خافتٍ قد لا تسمعه إلا الأشجار والعصافير والتُرب، ربما كما قال محمود هو الوطن حقيبة، أو ربما هو وطن مسافر حتماً سيعود.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
عبد الرحيم لعرب

كاتب من المغرب