الائمة والمساجد... وصناعة "الثورة"؟

ما أحوج الناس في بلادنا إلى رسالة المسجد، إذا أقيمت على أصولها ولم تتقزّم كما هي حالها هذه الأيام.

  • الائمة والمساجد... وصناعة
    الائمة والمساجد... وصناعة "الثورة"؟

أبدأ مقالتي بهذه القصة الواقعية: "يُحكى أنّه في زمن التخلّف والهزيمة، زمن الدولة العربية المُنبطحة البليدة، كان هناك منصب كبير تحت منزلة الوزير بقليل، هو منصب ناطور النواطير، هو مسؤول عن نواطير المساجد( هكذا هو يراهم نواطير وليسوا أئمة) يُحرّكهم حيث يريد الأسياد والأكارِم، وعندما هرول ناطور دولة الإمارات بكل سفاهة وصفاقة، ولحقت به دولة البحرين بناطورها الأشمّ صاحب السيادة والإمارة، فارتمت في حضن دولة بني صهيون الرفعة والأناقة!

اتصل سيّد مخابرات البلد بناطور النواطير وطلب منه أن يهاجم هذه الهرولة في خطبة جمعة في مسجد المدينة الكبير، وأن يبثّها على تلفاز البلد المباشر وأن يُعمّم موضوعها على كل الأئمة والمساجد، وعليه أن يسبّ ويشتم ويُلعن "سنسفيل" هذه الدول المارِقة ولا يُبقي ولا يَذَر إلا ويرميهم من سجّيل قاموسه ويقذفهم بأكبر قنابله وحممه البركانية خاصة دولة الإمارات الإسرائيلية (على حدّ تعبيره) والدولة المارقة البحرينية.

ولكن سيّدي كنا من سنين طويلة نوقف كلّ إمام يُلمّح على هذه الدول ونعتبره اعتداء صارِخاً على المصالح الوطنيّة. لديّ إمام مثلاً وبعد خدمة أربع وعشرين سنة هجرية طردناه شرّ طردة من ديوان الأئمة لأنه لمّح على السعودية حيث بلّغنا ناطورنا هناك بأنه اعتدى على سياستنا الشرعيّة، حيث وصف الدولة التي ترعى الحجيج الذين يطوفون حول الكعبة بأنها تطوف في الفلك الأميركي و"الإسرائيلي".

كفى هراء، منذ متى تناقشنا؟ أنسيت كيف عيّناك وجعلناك ناطوراً على كلّ النواطير، حضرتك تنفّذ ولا تُناقش أبداً وإلا كان مصيرك مصير ذاك الإمام".  إلى هنا تنتهي هذه القصة.

لماذا يُمسخ دور الإمام بهذا الشكل المُهين، فقط يريدون له أن يكون ناطوراً كما هم مُجرّد نواطير لمَن هو أعلى منهم، ولمَن يرسمون السياسات ويريدون قيادة القطيع إلى حيث يريد أسيادهم، شعوبنا أعلى وأجلّ من أن تكون قطيعاً كما يريدون فمن يقول لا إله إلا الله وهي عماد هذا الدين وروح هذه المساجد ينبغي أن يتحرّروا من كلّ شيء سوى الله، ينبغي لمَن يعتقد بهذه الكلمة ويحمل التوحيد راسخاً في قلبه أن يكون أعظم الناس حريّة وأكثرهم حرصاًَ وفعلاً على أن يعيش هو وأمّته معيشة الحريّة وفي أوطان تقدّس الحرية وتقيمها على أصولها راسية قوية، تماماً كما فَهِمَها عُمر بن الخطاب من معين كلمة التوحيد وقالها لمَن أراد أن يستعبد الناس ويسوقهم كما يُساق القطيع: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً".

فالمسجد هو المكان الذي تترسَّخ فيه كلمة التوحيد وبالتالي هو المصنع الذي يصنع الحريّة كقيمة عُليا في الحياة ثم يتقن زراعتها في قلوب المُصلّين، والإمام هو حادي مسيرة الحرية والأحرار، ينبغي أن يكون هو حرّاً أولاً ليتسنّى له زراعة الحرية في قلوب الناس، والإمام الذي يرضى العبوديّة لنفسه لا يمكن أن يزرع الحرية في قلوب العباد. 

فلنبدأ إذاً بتحرير الأئمة ولا نتعامل معهم هذا التعامل الرخيص الذي يجعل منهم عبيداً ومُجرّد نواطير: يفتح المسجد ويحرسه من كل عين لأمّة ومن كلّ كلمة حرّة ويرعى الناس حيث المراعي التي تريدها الدولة ويجنّبهم أيّ مرعى يزرع فيهم الثورة. 

لماذا هذا المسخ للأئمة في رواتبهم المسحوقة والتوجيهات والتعاليم الموتورة التي تجعل منهم مُجرّد أداة طيّعة لا حول لها ولا قوّة ولا رأياً ولا اجتهاداً ولا إبداعاً ولا أيّ خروج عن سطورهم المُنبطحة المسقوفة بالعجز والجُبن والخور، لا خروج عن السطر إلا إلى حيث الزنازين والطّرد من رحمة الوظيفة وشقائها وشغف العيش وسوء العاقبة. 

لماذا هذا المسخ للأئمة تحت سياسة العصا والجزرة، مطرقة الراتب وسندان مخافة الفقر. هناك آيات وسوَر قرانية يخشى الأئمة أن يتناولوها في دروسهم وخُطبهم خشيتهم من الفقر أو الموت، فالدين إما أن يكون دين ثورة أو أن يكون دين تنويم وأفيون للشعوب كما قالها ماو ستي تونغ، ديننا بالعكس تماماً دين ثورة وتفعيل كامل لإرادة الحياة والتغيير والصلاح والسيادة والحرية وتحقيق الكرامة.

وإن لم يُتقن الإمام هذا الفَهْم ويصدّر خطابه بهذه الروح راح للحديث عن الطلاق والميراث وعدّة المرأة وحيضها ونفاسها وبعض المظاهر الاجتماعية والعادات السلوكية التي لا تغضب أحداً، تصبح هناك معادلة وتفاهم ضمني بينه وبين سياسة الدولة، الحُكم والسياسة والمال والقوّة والجيش والأمن والقصر لقيصر ولإمام المسجد ألا يتعدّى خطابه عتبة المسجد.

وما أحوج الناس في بلادنا إلى رسالة المسجد إذا أقيمت على أصولها ولم تتقزّم كما هي حالها هذه الأيام: 

فالمسجد بالإمكان أن يكون مؤسّسة بإدارة تطوّعية من قِبَل الكفاءات الموجودة إذا تحرّك الإمام بقدرات إدارية جيّدة فهو بيت الله بمعنى أن فيه الملاذ إلى الله وهذا يعني أن مَن يلوذ إليه من المُفترض أن يجد مَن يحاول تحقيق حكمة الله من وجود المسجد في الحياة العامة وأهمها الأخوّة الإيمانية التي يتحقّق فيها التكافُل والتعاضُد الاجتماعي كالجسد الواحد كما وصفه الباني الأوّل للمسجد رسول الإسلام.

هذه الأيام تجد مَن يُصلّي ويرتاد المسجد سنوات من دون أن يحاول التعرّف على أحد ، هناك فصل بين العبادة والمظهر الاجتماعي للعبادة، أوّل أهداف المسجد أن يُحقّق المظهر الاجتماعي للعبادة ليُحقّق مجتمعاُ مُتكافلاً خاصة هذا المجتمع الذي يقع تحت ويلات الاحتلال فيأتي المسجد ليُخفّف عن المكروبين والمُتضرّرين وليشبّك بين الفقير والغنيّ والمكروب والميسور ... الخ. 

بإمكان المسجد أن يُحقّق بيئة تربوية ترعى الأخلاق وتنبت مَن يلوذ إليه نباتاً حسناً خاصة الأطفال والفتيان والفتيات، بسهولة يرعى المسجد دور القرآن فهماً وتدبّراً لا اقتصاراً على الحفظ والتسميع لأنهم في خوف من المراقبة والسلطان، عندما يعتاد أطفالنا ارتياد المساجد وتجد هناك مَن يرعاهم تربوياَ ويزرع في قلوبهم قِيَم الحرية ودور الإسلام العظيم في الحياة فإنك تنشئ جيلاً للنصر والتحريروالنهضة والتغيير، هذه الأيام مع تجفيف الينابيع عن المساجد ومُلاحقة الكفاءات الدينية الحرَّة، ساءت الأخلاق وانتشرت الجريمة وأصبح المجتمع مريضاً بأمراض لا يسهل علاجها من دون إعادة المسجد إلى دوره الريادي.

وبإمكان المسجد أن يكون مُنتدى ثقافياً مفتوحاً للناس لنقاش القضايا المهمة ولتلاقُح الأفكار وتطوير ثقافة المجتمع في كل مناحي الحياة فقط مُجرّد تشكيل لجنة ثقافية من نُشطاء المسجد ورَسْم خطة ووضع برنامج ثم انظر ماذا ستنتج، إذا كانت اللجان الثقافية في السجون الإسرائيلية قد نجحت نجاحاً باهراً وصنعت في واقع الأسر مساحة للحرية ارتقى فيها الأسرى ثقافياً فما بالنا في المساجد؟ ألا نستطيع فعل ذلك لو أدركنا حقيقة دور المسجد ورسالته الشاملة في مجتمعاتنا. 

وهذا يرجعنا إلى دور الإمام حيث ينبغي أن يكون قائداً ومُرشداً وموجّهاً ومُعلّماً ومُطوّراً ومُديراً لمؤسّسة تشرف على هداية الناس وإيصالهم إلى سُبل الرشاد.. هو الذي يُعيد للمسجد روحه ودوره المنشود، فليعمل وليستفيد وليُدير الكفاءات التي تُصلّي خلفه وليفتح لها المجال للتطوّع وسيجد ذلك أن أراد مهما كانت الظروف صعبة وقاسية. فما توقّف مطلب أنت طالبه بربّك. 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
وليد الهودلي

روائي من فلسطين وعضو إتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين