من الموت إلى الموت

كان الظلام شديداً، تظهر الأجساد كأنها أشباح، وفجأة انقلب المركب بما فيه من ركاب.

  • من الموت إلى الموت (Khetib Sid Tlemcen)
    من الموت إلى الموت (Khetib Sid Tlemcen)

ولِدَ بوشعيب في ثمانينيات القرن الماضي في قريةٍ تُدعى سُفْلى في جبال الأطلس، حيث الحياة صعبة، والطبيعة قاسية. وحيد لدى أبويه، ولسوء حظّه ماتا وهو في السنة العاشرة من عُمره. تكفّل به أحد أخواله، لم يتابع الدراسة بسب الفقر الذي كانوا يعيشونه، كما أن معظم أهل القرية يعتبرون الدراسة ضياعاً للوقت.

كان بوشعيب يعمل راعياً للأغنام عند خاله مقابل قوته اليومي، يسعى فقط إلى إشباع بطنه، وماذا غير ذلك سيطلب! لقيَ معاملة قاسية من مُتَكَفِّله، فقد اعتبره خادماً له، وحُرِم بوشعيب من الحب والحنان، وعاش وفي نفسه ذلك النقص. 

كَبُرَ وكره ذلك الوضع الذي يعيش فيه وفكّر في الذهاب إلى المدينة للبحث عن العمل، وفي الصباح توجّه إلى الشيخ عُمر ليخبره أنه ذاهب إلى المدينة، فلم يبق له عمل في هذه القرية البئيسة، وقد كان أهل قرية سُفلى يستشيرون الشيخ في أمورهم، فهو كبيرهم، ولذلك توجّه إليه بوشعيب ليأخذ رأيه. 

نصحه الشيخ بالبقاء في القرية وأن يزرع الأرض التي تركها له والده عملاً بالمثل الدّارجي "حرفة بوك ليغلبوك". تعجّب بوشعيب من كلام الرجل وقال: عن أية أرض تتحدّث سيدي عمر؟ أنا لا أمتلك أية أرض!

أجابه الشيخ: بلى، لقد ترك لك والدك أرضاً خصبة بجانب الوادي، تلك الأرض التي يزرعها خالك إنها لك، إذهب إليه ليسلّمها لك ويردّ الأمانة إلى أهلها، لقد بلغت أشدّك.

تعجّب بوشعيب من كلام الشيخ وتوجّه في الحال إلى خاله يطلب منه أمانة أبيه، أقسم خاله بأغلظ الإيمان بأن الأرض المجاورة للوادي أرضه، وأنكر أن يكون أبوه قد ترك له أرضاً، نهره وأخرجه من منزله عنوة. أحسّ بوشعيب بظلمٍ كبيرٍ فقد حُرِم كل شيء وأُخِذ منه كل شيء، أصبح وحيداً. توجّه إلى مسجد القرية وقضى فيه الليلة، ولما ارتفع الدُجى خرج وسار مُترجّلاً قاصداً المدينة لعلّها تكون له بلسماً لجروحه.

كان يمشي مُطرَق الرأس، مُتثاقل الخُطى أنهكه العياء، دلف إلى أحد المقاهي الشعبية، طلب صحناً من العدس، جلس والتهمه في دقائق وقدّم بعض الدُريهمات للنادل وخرج ليبحث عن العمل. كان يسير في أحد الشوارع المحفورة وعيناه تجوب المكان بحثاً عن العمل، لمح بناية في طور التشييد وفي داخلها مجموعة من العمال، قُذِف شيء من الأمل إلى داخله، خاصة أن بُنيته الجسدية تناسب هذا النوع من العمل، كيف لا وقد عاش في بيئةٍ صعبةٍ ظروفها، وقاس مناخها، فمنذ صِغَره تعوّد على الشدائد. 

تقدَّم إلى داخل البناية، وجد أحد المسؤولين، كلَّمه واستجدى منه العمل، وافق المسؤول لما رأى فيه من قوّة بدنية، ووجّهه للاشتغال مع أحد "المعلمين".

اشتغل بوشعيب عاملاً للبناء مع مجموعة من الشباب الذين دفعهم الفقر إلى العمل رغم صِغر سنّهم مساعدة لأسرهم المعوزة، قضى بوشعيب ثلاثة أشهر من العمل المضني وحصل على أجرٍ زهيدٍ مُقارنة بذلك المجهود الذي كان يبذله. 

ترك البناء وفكَّر في شيء آخر يكسب منه المال، فكَّر في أن يُنشئ تجارة بواسطة ذلك المال الذي جمعه، واستقرّ رأيه في النهاية بأن يقتني بعض الملابس المستعملة ويُعيد بيعها، كذلك فعل في اليوم الموالي.

اشترى السلعة وتوجّه إلى أحد الشوارع الرئيسة للمدينة، فرش "كرتونة" على الأرض وضع عليها السلعة وعرضها على الرصيف. باع بعضاً منها في اليوم الأول وربح شيئاً من المال، امتلأ صدره فرحاً واستشرف خيراً. 

في اليوم الموالي أعاد العملية نفسها ولسوء حظه برمجت ذلك اليوم زيارة لأحد الوزراء لتلك المدينة، فقامت الجهة المعنية بحملةٍ لتطهير الشوارع من الباعة الجائلين، فحجزوا كل ما كان معروضاً على الأرصفة ومنه سلعة بوشعيب، أحسّ بظلمٍ شديدٍ؛ لقد ذهب الربح ورأس المال، لم يتبق له شيء، عاد إلى الصفر مرة أخرى. قضى ليلة باردة تحت أحد الأسقف وبات يفكّر في ما حصل له، وصار يردّد: لماذا لم يتركوا سلعتي!

بجانبه كان ينام أحد المُتسكّعين، إسمه جامع، كان مخموراً، أيقظه بوشعيب من ثمالته، وتبادلا أطراف الحديث يحكي كل واحد قصته للآخر، فجامع خرج من السجن قبل أسابيع، كان يتاجر في المخدّرات، وحكى لبوشعيب ما كان يجنيه من المال نتيجة ذلك العمل، فهي تجارة توفّر المال الكثير بالجهد القليل. 

اندمج بوشعيب مع جامع وفكّرا جدّياً في الاشتغال معاً في بيع الممنوعات، خاصة وأن جامع كانت له تجربة وكان يعرف أصدقاء في المجال، وفي اليوم الموالي توجّها إلى بائع للمخدّرات، عرضا عليه الخدمة واتفقوا على الأرباح.

أخذا البضاعة وقصدا الأحياء الشعبية، فمعظم سكانها من الطبقة الهشّة، وأغلبهم بلا عمل ولا شغل، ففي مثل هذه الأمكنة، تكثُر الجرائم والسرقة وتُباع فيها المخدّرات، هذه الأخيرة التي كان يتعاطاها جلّ شباب هذه الأحياء، ظنّاً منهم أنهم سينسون مرارة الحياة القاسية، لكن ما أن يزول تأثير المخدّر حتى يعودوا إلى حياتهم البئيسة، يعيشون بلا هدف، لقد تحطّمت كل آمالهم واصطدمت أحلامهم بالجدران الفولاذية فاستسلموا للواقع.

استمرّ بوشعيب وجامع في تجارتهما للمخدّرات سبعة أشهر، وجنيا مالاً وفيراً، فالمال الحرام يسهل الحصول عليه، ففي بضعة شهور تتحوّل حال الشخص من فقرٍ مُدقعٍ إلى غنى فاحش. أُخبر بوشعيب وجامع من قِبَل بعض زبائنهما أن الشرطة تبحث عنهما، خاصة وأن جامع ذو سوابق، أحسّ بالخوف، فهو لا يريد العودة إلى الزنزانة، لقد أَلِفَ شيئاً من الرفاهية فتجارة المخدّرات مُربحة.

أوقف بوشعيب وجامع نشاطهما التجاري وتفرّقت بهما السُبُل وذهب كل واحد إلى حال سبيله، فصار بوشعيب يبحث عن طريقة للخلاص، أراد العودة إلى القرية، لكن ماذا سيفعل هناك!

وبما أنه جمع مالاً لا بأس به فكّر في الهجرة السرّية إلى أوروبا. استراح بضعة أيام، حلق لحيته وارتدى جلباباً من الصوف لتغيير هيئته وقصد شاطئ عروس الشمال، هذا المكان الذي تنتشر فيه تجارة تهريب البشر، التقى بـأحمد أحد المُهرّبين، ناقشا الأمر، وأغراه أحمد بالحياة في أوروبا وأن سماء هذه الأخيرة ستمطر عليه الأورو وسيصير ثرّياً، وطلب من بوشعيب مبلغاً من المال بالكاد يقارب المبلغ الذي جمعه في تجارته للممنوعات.

حدّدا موعداً للهجرة، وفي ليلة يوم السبت عند الساعة الواحدة ليلاً اجتمعا ومجموعة من الأشخاص الآخرين، وامتطوا جميعاً زورقاً مطّاطياً، أبحروا باتجاه إسبانيا وصار كل شيء على ما يرام، ولما وصلوا إلى عرض البحر فوجئوا بقاربٍ صغيرٍ يقترب منهم، كان راكبه أحد أصدقاء أحمد، أطفأ هذا الأخير المُحرّك وقفز إلى قارب صديقه، ورجعا عائدين إلى شاطئ طنجة.

لقد سقط بوشعيب والمهاجرون الآخرون في فخّ أحمد، تركهم على الزورق المطاطي تتقاذفهم الأمواج بلا دليل، كان الظلام شديداً، تظهر الأجساد كأنها أشباح، وفجأة انقلب المركب بما فيه من ركاب ومعهم بوشعيب وغرق الجميع في الماء، لقد انتهت آماله وانطفأت أحلامه، لقد انتهت حياته وأصبح طعاماً للحيتان الجائعة، وصار نسياً منسياً.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
أيوب قراو

كاتب من المغرب