"جندي الخفاء" الذي انتصر على السرطان وتحدى كورونا

عينا ابنتك فاطمة تدوران في المكان وتبحثان عنك. تنظر إلى الباب، وتنتظر عودتك لتغمرها وتأخذها إلى عيادة الطبيب الذي يتابع حالتها، ففاطمة تعاني تأخراً ذهنياً جعلها عاجزة عن النطق، ولكن هذا العجز لم يمنعها من مناداتك اليوم "بابا".

  • المهندس محمد حمود.. انضم إلى أسرة الميادين عام 2011.. انتصر على السرطان.. وتحدى كورونا
    المهندس محمد حمود.. انضم إلى أسرة الميادين في العام 2011. انتصر على السرطان وتحدى كورونا

أبكرت في الرحيل يا محمد. أسرجت المنون بلا سؤال أو سابق إنذار. رحلت بصمت، فأججت نار اللوعة في نفوس عائلتك وزملائك. هذا الصباح مرٌّ في أفواهنا يا محمد. يصعب علينا ابتلاعه. تعتمر الصدمة وجوهنا، ويعصر الحزن قلوبنا، فلا يريد أحد منّا أن يصدق أن الزميل الخلوق الطيب لم يعد موجوداً بيننا، وأننا لن نصادف بعد اليوم ابتسامته الهادئة ونحن نتجول في أروقة "الميادين".

المنزل باردٌ في غيابك يا محمد. يسكنه الحزن ويعلو فيه صوت بكاء لا ينقطع. هذا ما أخبرتني به زوجتك حنان. عينا ابنتك فاطمة تدوران في المكان وتبحثان عنك. تنظر إلى الباب، وتنتظر عودتك لتغمرها وتأخذها إلى عيادة الطبيب الذي يتابع حالتها، ففاطمة ابنة الأعوام الستة تعاني تأخراً ذهنياً جعلها عاجزة عن النطق، ولكن هذا العجز لم يمنعها من مناداتك اليوم "بابا".

مهما تحدثنا عن المهندس محمد حمود، زميلنا في قسم الإشراف الهندسي في قناة "الميادين"، فلا يعرفه أحد كزوجته؛ تلك السيدة الصابرة التي شاركته أوجاع المرض وتحديات الحياة وهموم الأطفال. في اتصال مع "الميادين. نت"، تقول هناء: "هو رفيقي وزوجي ووالد أطفالي الثلاثة؛ ياسمينا وفاطمة وعلي. كان عطوفاً ومتفانياً ومعطاء. يحرص على ألا ينقصنا شيء. كان يسعى إلى مساعدة كل محتاج، وكان الجميع يحبونه. أصيب في العام 2017 بمرضٍ خبيثٍ في رأسه ورئتيه، فحاربه بكل قوة وإصرار، ولم يعرف الاستسلام والعجز. كان متيقناً من الشفاء. وبالفعل، شفي منه، ولكن المرض أثر كثيراً في رئتيه، ولم تعودا تعملان إلا بنسبة 25%".

بين جملة وأخرى، كان بكاء هناء يقطع الحديث، ثم ما تلبث أن تستغفر الله وتتابع قولها: "في الأسبوع الماضي، فاجأتنا إصابته بفيروس كورونا، على الرغم من أنه شخص حريص جداً وملتزمٌ بكل التدابير والإجراءات الوقائية، وما زلنا حتى اللحظة لا نعرف مصدر الإصابة. بعد التأكد من الأمر، جهّزنا غرفة في المنزل بكل المعدات والأجهزة التنفسية المطلوبة. لم يكن يريد أن يفارقنا. كان يريدنا أن نبقى أمام عينيه، وتحديداً ابنتنا فاطمة، ولطالما كان يقول لي: فاطمة كاسريتلي قلبي يا هناء، متى ستتحدث!".

وتردف هناء قائلة: "كان منزعجاً جداً في اليومين الماضيين، ولكنه بقي مصراً على المقاومة والتحدي، إلى أن تدهورت صحته بشكل سريع صباح أمس، وأصبح في عالمٍ آخر. كان ينازع ويقاوم، ولا يريد الرحيل. استدعينا الإسعاف. توقف قلبه، ثم عاد إليه النبض لنصف ساعة. كان عنيداً متمسكاً بالحياة والأمل بالبقاء من أجل أطفالنا. كان مدرسة في التحدي. يخفي ألمه ووجعه، ويكابر أمامنا كي لا يحزننا".

المهندس محمد حمود من مواليد العام 1979. هو جندي الخفاء في قناة "الميادين". انضم إلى أسرتها منذ انطلاقتها في العام 2011، وعمل في قسم الإشراف الهندسي. كان موظفاً مثالياً ومتفانياً في أدائه. لم يمنعه المرض الخبيث من مزاولة عمله. كان يصرّ على الحضور بالعزيمة نفسها، وبابتسامة ثابتة تغمر وجهه وتملأه طاقة إيجابية غريبة كان يستمدها من إيمانه بالله، وبأن كل بلاء هو خير من عنده.

يقول الزميل علي قاسم: "عندما أخبرنا محمد بمرضه، لم نصدق. بقي متفائلاً ومصراً على التواجد في القناة. لم يرغب في المكوث في المنزل، كما أنه تابع تحصيله العلمي في مجال الهندسة. كان نموذجاً وقدوة لكل من عرفه والتقاه، وكان يواكبنا دائماً بتفاصيل علاجه ومراحل مصارعته للمرض. في أحد التسجيلات الصوتية قبل أسبوعين، زفّ لنا خبر شفائه. كانت الفرحة ظاهرة في نبرة صوته. أخبرنا بأنه سيعود قريباً إلى "الميادين"، ولكن للأسف".

نعلم يا محمد أنَّ الموت حق، وأن المسافة بينه وبين الحياة قابلة للطي في أي لحظة، ولكننا نحسبه بعيداً عنا وعن المقربين إلينا. ليس ضعف إيمان أو نكراناً لحقيقة الوجود، وإنما هرباً من صدمة الفاجعة وألم الفراق ووجع الرحيل الصامت.

نقف في طابورٍ طويلٍ لا نهاية له. نجهل متى سيقع الدور علينا في هذا الزمن الموبوء بفيروس كورونا. تُحصد الأرواح من مقدمته، ونعتقد بأننا وأحبتنا بعيدون عن متناول يديه. وفجأة، يأتي خبر الرحيل كالصفعة على وجوهنا. يشدنا من أكتافنا. يهزنا بقوة زلزال يعجز مقياس ريختر عن تحديد درجاته، ليوقظنا من ثباتنا، وليبعثر دواخلنا، وليذكّرنا بأن المسؤولية في مواجهة وباء العصر تقع على الجميع، فارحموا أحبتكم كي لا تترحموا عليهم. وداعاً محمد.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]