بين شهيق وزفير

فلأنها أمواج، وقد أحبّت الشاطئ، كان عليها أن تقضي عُمرها بين مدٍّ وجَزْر، أن تروح وتجيء بين البحر والشاطئ.

  • بين شهيقٍ وزفير (Lili Znak)
    بين شهيقٍ وزفير (Lili Znak)

ركضت الأمواج كطفلةٍ صغيرة، هرعت بكل تقلّباتها وتموّجاتها ترفع ثوبها الأزرق كسماءٍ عن ساقيها الفضّيين، وتحمل رسالة حبّها بكلتا يديها إلى الشاطئ. 

قالت أحبّك فوجدتها قليلة أمام حبٍّ كبير. ثمّ خجلت، فكيف تعبِّر كلمة مُكوَّرة صغيرة عمّا يختلج في صدرها؟ كيف يمكن لبضعة حروف أن تبرِّد ناراً تشتعل في قلبها وتستعر؟ 

عادت أدراجها صامتةً حزينةً وبريق عينيها يُخبِّئ دمعاً وحَسَرات. عادت إلى البحر تبحث وتجوب عن قصاصةٍ ما، عن رسالة حبّ ضائعة.

بقيت هكذا حتى رأت سمكة تسبح وترقص بخفَّة. تفتح فمها الصغير وتغلقه بطريقةٍ سحريّةٍ عجيبة، فحملتها معها ورمتها على طرف الشاطئ. 

هناك، فتحت السمكة المسكينة فمها وشهقت، كانت على وشك أن تموت، حين أسرعت الأمواج إليها وأعادتها إلى البحر قائلة: أيّ حبّ هذا الذي يقدِّم روح الغير قُرباناً؟ أيّ حبّ هذا الذي يقتات على الأرواح والمُهَج؟ عادت الأمواج حاسرةً إلى القاع، وهناك تعثَّرت بنجمة. نجمة البحرالجميلة بخمسة سواعد تمدّها في كل اتجاه. نجمة لا تنتظر الليل لكي تطلع. 

أمسكت الأمواج بها ورفعتها من قاع البحر إلى الشاطئ. لكنها عادت وتراجعت وقالت في نفسها: ما فائدة النجمة إنْ لم تكن روحي تُضيء لياليه؟ ما نفعها إن لم يكن نوري دليل أيامه وحارس وحدته؟

ثمّ حملت قنديلاً. قنديل البحر المُضيء ورجعت وقالت: أشعلت عُمري سِراجاً لعُمرك، فلأي شيء يكون القنديل؟ وإنْ كنت أضأت دمعي سراجاً لأيامك فبماذا بعد يفيد الفتيل؟ وإنْ كنت تركت روحي عند رصيف أحلامك، فلماذا لا يكون لنا غد جميل؟ جلست الأمواج حزينة وقد أضناها الوَجْد. عندها وفي أعماق البحر، سمعت محارة بالحكاية، فبكت دمعة كريمة ما هي إلا لؤلؤة عاجيّة. دمعة الحب المُختبئة النادرة التي سكبت من قلب صدفة مجروح. قدَّمتها للأمواج علّها تكون رسالة الحب الموعودة. حملتها الأمواج جيّداً وأخذتها إلى الشاطئ، لكنها تراجعت وقالت ما نفع الآلام إنْ لم أكن أنا التي قدَّمتها، وما نفع الدموع الثمينة إنْ لم أكن أنا التي ذرفتها؟ عندها، خرجت الأمواج إلى الشاطئ فارِغةً من كلّ شيء، ومُمتلئةً بكل شيء.

حملت إليه النجوم في عينيها والقنديل في قلبها وقد عرفت بأنّ قَدَرَها أصبح محتوماً ومكتوباً على جبينها. قَدَرها أن تبقى حبيسةً بين البحر والشاطئ. تؤرِجح أيامها الطويلة على كفّي العُمر. وبقدر ما كانت آلام الحب شديدةً ومن شدِّة الوجيب والخفقان، أخذ قلب الأمواج ينتج زبداً فضّياً يترقرق كالزّلال صافياً. فما زبد البحر سوى عُصارة الحبّ الخالِصة!

من شدَّة الألم، كانت الأمواج تحضر خلاصة هذا الحب كلّ يوم وتنثرها أمام الشاطئ، وقد كانت هذه أعظم هديّة وأقدس قُربان تقدّمها الأمواج بصمت وعظيم وجع! 

في سكون الليل كانت الأمواج تعرِّش فوق جسد الشاطئ بهدوء، تغمره بلطف وتنام. فينساب عطرها البحريّ فوق أجزائه وينتثر، وهكذا كان يسكن وينام مُلْتَحِفاً بجسدها المُرتَعِش.

كانت تُهَدْهِد له وتمسح عنه آلامه وأحزانه. تمسح عنه كل حرّ وتعب وتنام بطمأنينة. وقد كان الشاطئ سعيداً للغاية، لأنّه يعلم بأنّ الأمواج مهما ابتعدت ستعود إليه دوماً. 

هذه القصّة كتبتها كنه الأمواج عليها، فلأنها أمواج، وقد أحبّت الشاطئ، كان عليها أن تقضي عُمرها بين مدٍّ وجَزْر، أن تروح وتجيء بين البحر والشاطئ. كانت الأمواج تركض وتركض وترتمي في أحضان الشاطئ، تعود إليه كل عشيّة كطفلةٍ صغيرةٍ هدَّها التعب. 

وقد كانت تحمل له في قبلتها عمق البحار وملح الأسرار. لقد كانت قبلتها مالِحةً كسرٍّ لا يمكن أن يبوح به صاحبه، مُبتلّة مُحمَّلة بكل ما يحمله البحر من كنوزٍ وطوايا. لقد كانت تحمل في داخلها كل التناقضات، وكانت تقبّله بحبٍّ وإصرارٍ بهدوءٍ واضطراب. وهل تعلم معنى هذا؟ وماذا يُمثّل هذا الشعور؟ أن تأخذ قبلةً مُعتّقةً في أعماق البحر؟ قبلة صاخِبة وساكِنة؟ تأوَّه البحر بعد أن ثمل بقبلةٍ وقال: أوَّاه، في أيِّ قلبٍ عتّقت هذه القبلة؟ من أيّة قارورة خمر خرجت؟ وكم مرّ عليها من الزمن حتى تفتحت وصارت وردة؟ لقد أحبّها الشاطئ بجنون، أحبّ فوضاها وقلبها المليء بالمُغامرات والحكايات العميقة والقديمة، أحبّ قُدرتها العجيبة على الغَوْص في المياه العميقة وفي أن تطفو على السطح بخفَّةٍ كفُقاعة! وقد كانت هي بكلّ حيرتها وقلقها طمأنينته الوحيدة. حتى أنّها كلما همَّت بالرحيل اجتذبها إليه مرة بعد مرة.

أمسك الشاطئ بيد الأمواج ثم تنهَّد وقال: "لِمَ العجالة؟ إبقي قليلاً يا حبيبتي، مسِّدي شعري بيديك الباردتين، فقد علق فيه رمل الساعات الطويلة وصدف الأيّام القاسي. بئساً لعُمرٍ أحياه بعيداً عنك، بئساً لأيامٍٍ تمضي من دون أن أسمع هَمْسَك في أذني. أيّتها الشقيّة الصاخبة، الهادئة الساكنة. إمسحي عنّي تعبي، فقد شخت باكِراً، عديني يا حبيبتي الصغيرة أن تعودي دائماً كي لا يضنيني فراق"! 

أجابته الأمواج:"حبيبي، أتراه يمضي يوم لا أعود فيه إليك، وكيف يهنأ لي النوم بعيداً عن قلبك الحنون وانتظارك الطويل، الممتدّ نحو الأبدية. أنت أماني ومرساي، كلما تعبت من لَطْمِ الأيام، كلما تعبت من الغرق ومن تخبّط السنين والليالي، عدني يا حبيبي أن تظلّ في انتظاري دائماً فلا يُطفئ لهيبي شيء إلا أنت". 

وهكذا كان الشاطئ يجلس هناك دائماً بانتظارها. إنها قصّة هيام بين مدٍّ وجَزْر، بين شهيق وزفير، يولَد زَبَد البحر، خلاصة آلام الحب. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
ساجدة طراف

كاتبة من لبنان