أبواب

صمدت للتعب الذي اعتراها والفزع أربك جوانب صدرها واستوطن عقلها بلا جدوى.

  • أبواب (Lubaina Himid)
    أبواب (Lubaina Himid)

وصلتها الدعوة الكترونياً. كانت في وضوح الشمس المكان والوقت كلاهما في غاية الوضوح. غير أن السبب لم يحدّد وكذلك المناسبة. ما كان لها إلا أن تلتزم إن لم يكن لشيء فللكشف عن ماهيّة الداعي وعن سبب دعوته لها. لذا أصرَّت على الكشف ومضت بلا تردّد إلى مكان الدعوة في الزمن المطلوب وقد نسخت العنوان على قصاصة ورق بيضاء كي لا تنسى ولا تغفل عن بعض التفاصيل والتي يمكن أن تضلّ من دونها.

تأهّبت لمفاجأة من نوع ما، ودّت لو كانت المفاجأة رائعة وغريبة لتهزّ تمثال الحجر الذي أمست عليه مشاعرها وجسدها المُحنّط بلا واجهة للعرض ولا متحف. وما أن وصلت وتيقّنت من صحة العنوان حتى رأت ألا أحد في استقبالها وبينما وضعت أصبعها لتضغط الجرس الجميل والكبير على جانب الباب الأيمن لاحظت صرير الباب الموارب. بعد دقائق انتظار بدا أن الباب يكلّمها ويقول: "ادخلي". 

امتثلت للأمر ودخلت على وَجَل وجدت في قبالتها ممرين طويلين ودلفت مذهولة حيث لا نأمة ولا صوت يدلّ على حيّ. في ذلك البناء تقدّمت في أيمن الممّرين فلم تجد غير الجدران وأبواباً تتشابه حجماً وشكلاً وقد صنعت كلها من مادة واحدة في ارتفاع معيّن وعرض واحد.

لم تكن أيما إشارة على أيّ منها تميّزها وتدلّ على ما فيها تقدّمت أكثر لترى  الأمر يتكرَّر على منوال واحد فكّرت أيّ باب تطرق لا تدري، وأخيراً استقرّ رأيها على أن تطرق أقرب باب إليها وتقدّم نفسها آنذاك ربما ستحصل على جواب يحدّد مَن طلبها أو يدلّها عليه. انتظرت برهة غير أن الباب أصرّ على صموده فلم يتحرّك مطلقاً لذا كرَّرت الطرق بظاهر كفّها فلم يستجب أحد وهنا زمّت شفتيها وفتحت الباب عن آخره.

كانت في مواجهتها منضدة مكتبية فاخرة خلفها كرسي مريح وبجانب المنضدة كرسي آخر، وعلى جدار جانبي بضعة رفوف شاغرة أحسّت بفراغ هائل في معدتها تجاوباً مع خلوّ الغرفة من أية دلالة على الحياة. لذا انسحبت مسرعة وهي تعلم ألا أحد ليجيبها عن تساؤلها ولا ليدلّها على مَن طلب مقابلتها.  

وهنا كان عليها أن تختار باباً آخر تلجه بعد طرقه، غير أن الأمر تكرَّر على نفس الوتيرة مرة ومرتين وأكثر. من هنا توصّلت إلى أن عليها أن تطرق كل الأبواب وتلجها وألا تفوّت باباً واحداً، وقد تلبّسها نوع من الخشية تحوّلت بالتدرّج إلى خوف ثم إلى فزع يرافقه فراغ في الجوف، جعلها تنحني مثل سنبلة مثقلة تنتظر الحصاد. 

وهي في انغمارها في فتح الأبواب ومن ثم في إغلاقها فجأة انتبهت إلى الممر ولاحظت إنحناء بسيطاً مستمراً في جدرانه وفي أرضه، وأخذ شكل البلاط عند اتصاله بالجدران يختلف، وبعد عدّة أبواب أُخرى عاد إلى الانتظام من جديد بخطوط بيّنة واضحة. 

عرفت تلقائياً أنها الآن في الممر الآخر، وانتظرت لعلّ تغييراً يطرأ على الأمر ولعلّ غرف هذا الجانب تنطق لتخبرها عن الدعوة التي تلقّتها والداعي الأصمّ والأخرس والغامض الذي جاء بها إلى هذا الهيكل المنسي والغارق، في علامة استفهام كبيرة حيث لا طائل من وجوده فهو والعدم سيّان وعلى خط واحد. 

صمدت للتعب الذي اعتراها والفزع أربك جوانب صدرها واستوطن عقلها بلا جدوى. حيث إن الغرف الأُخرى لم تختلف عن مثيلاتها في الممر الأول، غير أن حمى من نوع ما ظلّت تلازمها وهي تهرع من باب إلى آخر لتتلقّى نتيجة واحدة لا وجه ثان لها.

لم تكفّ ولم تتوقّف حتى أتت على كل الأبواب التي سلّمتها أخيراً إلى باب الخروج وهي منهكة جسداً يمتّصها الهلع وقد نبتت في دماغها شجرة معمّرة من الاستغراب والوحشة، كأنها خرجت تواً من مقبرة بليدة في صحراء مجهولة مقبرة لا تسكنها الجثث. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سمية العبيدي

كاتبة وشاعرة من العراق