عباس كياروستمي.. لوحة سينمائيّة وتصوّف شاعر

المخرج الإيراني "عبّاس كياروستمي" هو مخرج عالمي إعتُبِر من أهم صانعي الأفلام في التسعينيات من القرن الماضي خلال أكثر من إحصاء. أخرج أكثر من أربعين فيلماً، بينهم أفلام وثائقية وقصيرة.

قصائده مشاهد سينمائيّة، والسينما مناخها شعري وتشكيلي وفلسفي.
الكلب يعوي/ إثر غريب وصل لتوّه/ في ليلة بلا نجوم

(من شعر "عباس كياروستمي")

قصائده مشاهد سينمائيّة، والسينما مناخها شعري وتشكيلي وفلسفي. 



يعتبر المخرج الإيراني "عبّاس كياروستمي" من مخرجي الموجة الجديدة في إيران. لن نتوسّع بالتّكلّم عن سيرته، فقد انهالت وتكرّرت المقالات التي تحكي عنها، بعد وفاته مساء 4 تمّوز الحالي للتعريف به وبفنّه. سنقوم بقراءة لفيلمين من إخراجه وتأليفه، "طعم الكرز" فيلم طويل نال عليه جائزة السّعفة الذّهبيّة في مهرجان كان السينمائي عام 1997..  وفيلم قصير"الكورس" 15 دقيقة.

فيلم "طعم الكرز" مدّته ساعة وحوالي أربعون دقيقة.  

عندما أفكّر جيّداً/ لا أفهم/ سبب كل هذا الخوف/ من الموت


هذا البيت من قصيدة ل"كياروستمي" الذي بالحقيقة، يختصر مناخ فيلم "طعم الكرز"، فإلى جانب كونه مخرج وسيناريست، هو شاعر ورسّام، وهذا بالضبط ما تحتاجه السينما وما يحتاجه أي مخرج يطمح للتميّز. التميّز ليس بالمبالغة في استعمال التقنيّات والإنتاج العالي، أو بالإبهار البصري على الطريقة الهوليوديّة، التي يبالغ صناع أفلامها بلفت الإنتباه الموفّق أحياناً، لكنه لن يُغري المتذوّق العميق للفن.  

يبدأ فيلم "طعم الكرز" بحركة الشّارع. رجل يقود سيّارة، ومشاهد إطارها متحرّك، من خلال النافذة. ينظر الرّجل متفحصّاً الناس بهدوء. يقترب بعض العتّالين ليعرضوا خدماتهم. لا يجد طلبه. يُكمل طريقه حتى يصبح في منطقة ترابيّة نائية، هو المكان الذي سيعتمده المخرج طوال الفيلم. نشاهد من حين لآخر بعض المباني والتجمّعات السكنيّة البعيدة قليلاً. عماذا يبحث هذا الرجل، يمشي المشاهد معه بهدوء. الهدوء سمة الفيلم، تنسى ضجيج العالم وتدخل بصمته وتمشي بسيّارته. المكان جاف، تراب وورشات عمل تصادفها بجولتك مع البطل. ليس هناك موسيقى تصويريّة تتدخل بمشاعرك. تطلع الكاميرا من إطار السيّارة ليتّسع إطارها. يتسنى لعينك أن تبتعد في تأمّلها. يصادف البطل أكثر من شخص، ويطلب منهم الصعود ليوصلهم إلى المكان الذي يقصدوه. الحوار قليل. يأخذ وقته ليفهمنا ما الذي يجري، وتأخذ وقتك كمشاهد في التأمّل. إنه حوار الداخل. حين تشاهد هذا الفيلم لايجب عليك أن تكون مستعجلاً بشيء. اعتبره وقت للتأمّل.

الكاميرا تأخذ السيّارة من الأعلى، من بعيد، من مسافة قصيرة، تضيّق الكادر أحياناً وأحياناً يتّسع، وتدخل إلى سيّارة البطل. بكلمات وأسئلة قليلة يتعرّف على وضع من يصعد معه، بالتأكيد هم فقراء كما عبّر الجندي الذي صادفه، والآت من قرية بعيدة في أفغانستان، ليتدرّب ويتقاضى راتب ضئيل "ما الذي يأتي بك إلى مكان لا شيء فيه سوى التراب والغبار" وهناك من أتى لكي يعمل بالورش. ثلاثة أشخاص نزلوا من سيّارته هاربين من عرضه، أن يدفنوه في القبر وهو حي، مقابل مبلغ كبير من المال، بعد أن يأخذ حبوب منوّمة "تأتي أنت في الصّباح كالأخ الرحيم، وتغطّيني في التراب"كما قال.

في النهاية يصعد مسن ليوصله إلى مكان عمله، وخلال الطريق يدور حوار، هو الشعر، الفلسفة، التأمّل، وماذا تحتاج بالتأمّل سوى فضاء وصمت، وإن تحدّثت كأنك لا تتكلّم. وإن تكلّمت تنطق شعراً. 

تعدّدت الأسباب واليأس واحد

يطرح المخرج والكاتب "عباس كياروستمي" من خلال الفيلم، أسئلة عن الحياة وكيف لا يكون لليائس الحقّ بإنهاء حياته "فقراره رحمة له،  والله رحيم" طرح هذا السؤال على إنسان بسيط كما يطرحه على فيلسوف. لم يدخل بأيّة تبريرات أو معزوفة ميلودراميّة، وكأنه يقول تعدّدت الأسباب واليأس واحد. بطل فيلم "طعم الكرز" "همايون إرشادي" لم يبالغ بأية تعابير، كان مقنعاً بآداء دوره بشكل طبيعي، ونجح بإظهار هويّة الشخصيّة التي يلعبها وهو شبه صامت. إنسان ذكي ومثقّف ويائس، متناغم مع النص والإخراج. إنه فيلم الرجل الواحد مع مرور سريع لباقي الشخصيّات التي أدّاها الممثّلون ببراعة إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل إن كانوا شخصيّات واقعيّة أم هم ممثّلون محترفون.

تمر الكاميرا على شجيرات صغيرة، وتلال من التراب، أما المسن التركي والراكب الأخير، وبعد موافقته على تنفيذ رغبة الرجل في الصباح، لحاجته للمال لإنقاذ إبنه المريض، يخبره عن تجربته الشخصيّة مع الإنتحار. وجه معبّر أبدع بتأدية دوره. يؤكد للبطل عدم محاولته إقناعه، في العودة عن قراره بالإنتحار، فالآخر يرفض أيّة مواعظ وكلام عن السبب. يخبره المسن حين جلس مرّة، يائساً تحت شجرة التوت التي وقعت منها حبّة وأكلها بلذّة، والكاميرا تمر على المنطقة القاحلة، يتمنى المرء فيها حبّة توت أو حبّة كرز، فتنزل على المشاهد الكلمات لتشعره بالإنتعاش، يخبره عن الربيع الذي سيأتي ويتساءل إن كان لا يرغب برؤيته، عن الماء والشمس والشروق والسماء، والكاميرا تبرم في الأرض القاحلة، هذا التضاد الجميل، الذي يعطي مجال للخيال أن يذهب إلى مكان آخر، وسيّارة وشخصين أحدهما يبحث عن الموت. يأتي الليل وباختصار يضيء ويطفئ أنوار البيت من خلف الستائر وكادرات هي لوحات فنيّة، وأجواء شعر وتأمّل وتصوّف. يشقّ الفجر..

لن نحكي عن النهاية، التي وبكل حال تركها المخرج ملتبسة، لكن ما بعدها، بصمة المخرج وظهوره مع فريق العمل كان جميلاً، في الأرض التي تحوّلت إلى ربيع بنهاية تصوير الفيلم.   

الفيلم القصير "الكورس"

 بجولة سريعة لعربة يجرّها الخيل وحشرجة صوتها، يعرّفنا المخرج "عباس كيرايوستامي" بالحي الذي يبدو على بيوته القدم وجدران رطبة. 

رجل مسن يمشي ويصل إلى السوق الشعبي، يتجوّل فيه. هو القصّة بأكملها. يستفيد المخرج من المكان التي تحبّه الكاميرا لغنى زواياه وعناصره. بائعي خضار إلى جانبهم حدّادين، ويبدو مصلّح للأحذية، يقف بقربه الرجل، يحدّثه وهو يعمل وصوت مطارق العمّال يضج. يبدو عليه الإنزعاج فيرفع السمّاعة عن أذنه وتختفي الأصوات. عتمة في الداخل، ونار الحدادين الكادحين وتعابير وجوههم، والرجل يمشي في ضوء النهار. يقترب منهم، يتحدّثوا. لستَ بحاجة للترجمة فالصورة تعبّر، وهو ليس بحاجة لسماعهم.

ما بين نهاية العمر وبدايته

 الكاميرا على البيت القديم الذي يصل إليه العجوز ويطلع الدرج. عين ترسم الإطار بدقّة، ولعبة الظل والضوء يعتمدها المخرج بإخفاء عناصر وتفاصيل في المنزل لا تهمّه، فالتّركيز على المسن الذي يرفع السمّاعة من جديد، هروباً من ضجيج تسبّبه آلة الحفر في الحيّ الضيّق. نعيش بصمته، نور النافذة هو الوحيد الذي يصله بالخارج. الرجل يأكل من باقة الفجل وهو ينظّف أطرافها، ونشاهد وعاء صغير  على النار. الحيّ من جديد، لكن هذه المرة مبهج أكثر مع قدوم الأحفاد من المدرسة. يدقوا على الجرس في الأسفل ويندهوا للجد الذي لا يسمعهم. يتصرّف بهدوء ويصنع الشاي ويشربه في جو قاتم. يزداد ويزداد عدد الأطفال، علّ الصوت يرتفع أكثر. أخيراً يضع السمّاعة ويطل من النافذة، يبتسم لرؤية الأطفال. الكاميرا في الخارج، تأخذ النافذة والزجاج المقفل، وكورس من الأطفال في ثيابهم الملوّنة يردّدون بإيقاع جميل، "يا جدّي إفتح الباب".. تضاد ما بين الطفولة والشيخوخة. ما بين الصّمت والضّجيج، وقساوة التقدّم بالعمر.

 

ومرّ مبدع متعدّد المواهب، مخرج خَسِرَه العالم "عباس كياروستمي"

من شعره بعض المقاطع التي يبرز فيها التضاد الصائب بالعمق، وبمناخ تشكيلي ومشهد سينمائي لا لبس فيه.

الفزّاعة/ تتصبّب عرقاً تحت قبعة الصّوف/ في نهار يوم صيفي حار/

خط أحمر على بياض الثّلج/ طريدة جريحة تعرج/

مهر أبيض/ ولد من فرس سوداء/ في مطلع الفجر/

فزّاعة حقل بلا معطف/ في ليل الشّتاء البارد

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سهى صباغ

كاتبة لبنانية