منذ مئة سنة ناضلت "عنبرة" لتخلَع النّقاب.. والآن ما الذي جرى؟

"عنبرة سلام"، من عائلة بيروتيّة عريقة. أول إمرأة تتجرّأ على خلع النّقاب في العام 1927 وهي المولودة عام 1897. كانت البلاد لا تزال ترزَح تحت الاحتلال العثماني الذي دام 400 سنة. رفضت الزواج من رجلٍ قبل أن تلتقيه وتتعرّف إليه. طالبت بحقّ المرأة في التعلّم وناضلت لنشر الوعي في المجتمع. أُعدِم خطيبها عبد الغني العريسي صاحب جريدة المفيد في ساحة بيروت حين كان جمال باشا السفّاح حاكم بلاد الشّام الفعلي.

عنبرة سلام من عائلة بيروتيّة عريقة هي أول إمرأة تتجرّأ على خلع النّقاب
حفيدة "عنبرة" المخرجة عليّة الخالدي تستعيد سيرة جدّتها المُناضلة في مسرحيّة بعنوان "عنبرة" بدأ عرضها على خشبة مسرح بابل في بيروت.

عن فكرة المسرحيّة تقول الخالدي في حوار مع الميادين نت "منذ خمس سنوات عدت إلى لبنان بعدما عشت لسنوات طويلة في الخليج العربي ما بين السعوديّة ودبي، رغم الفرق الشاسع بين البلدين. وجود اللون الأسود من حولي كان قوياً جدّاً وانعكس عليّ بطريقة جد سلبيّة. بعد عودتي فكّرت بـ"عنبرة"، جدّتي لوالدي التي عرفتها عن قُرب ونشأت معها. عدت بالزّمن إلى ما عاشته جدّتي وإلى ما كان يُحيط بها.. وكنت أسأل نفسي "أين أنت يا عنبرة لتشاهدي ما أنا فيه؟" هل يا تُرى ما قامت به منذ مئة عام لسنا قادرين على تكراره اليوم؟ خطوات جريئة وتحرّر سياسي من الحكم العثماني وفي ما بعد الانتداب الفرنسي.. 

وتضيف إن فكرة المسرحيّة ولدت بالتّزامن مع الحِراك الشعبي في لبنان منذ سنة حيث الحضور النسائي كان بارزاً. وتلفت "لقد لفتني خبر في العراق أيضاً حين لم يُسمح لسيّدة بتجديد جواز سفرها وهي تضع صورة شخصيّة من دون حجاب.. كل هذا استوقفني. فتذكّرت جدّتي".

تتساءل الخالدي.. ولكن هل عدنا إلى الوراء؟.. إن مفهوم الدين في حياتنا اليوم مُرعب جدّاً. إذا تأملنا تاريخ الشعوب نجد أنه في الماضي في المسيحيّة التي أتت قبل الإسلام كانوا يتعاملون مع المرأة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الآن من يتذرّع بالإسلام. لقد عذّبوها كثيراً واتّهموها بالشعوَذَة وكانت مُتحجّبة و"مُلفلفة".. صُلِبَت وعُذّبت.. لكن اليوم تغيّرت النظرة إلى المرأة في الغرب وأعطوها حقوقها. لكني مازلت أتساءل إن كانت المرأة المُسلمة ستحتاج إلى أكثر من 500 كي يرأفوا بها؟

وصلت المرأة إلى أعلى المراكز ولا زالت بلا قرار

عنبرة رفضت الزواج من رجل قبل أن تلتقيه وتتعرّف إليه
- في ذلك الوقت كانت الدعوة إلى السُفور تُعتبر جريمة ومن ساند "عنبرة" هو والدها أي الذكر وليست والدتها، رغم أن الوالدة كانت مُتعلّمة بل والجدّة أيضاً. كيف يفسّر ذلك؟ 

 عائلة والدة عنبرة هي "بربير" كانت على درجة راقية من العلم أكثر من عائلة سلام. كيف حدث  ذلك لا أعرف وليس لديّ مراجع. ولكن ربّما والد عنبرة لم يشأ تكرار تجربة ابنته البكر التي تزوّجت باكراً جدّاً ولم تكن حياتها الزوجيّة سعيدة، لذلك أعطى "عنبرة" فُسحة أكبر من الحريّة. كان والدها مرشدها الثقافي و"جوليا طعمة" معلّمتها. علّمتها على الكرامة الذاتيّة. اليوم تجدين نساء متعلّمات وفي مراكز عالية وليس لديهن قرار أمام سلطة الزوج.

وتتابع.. أخبرتني إحدى النّساء المعمّرات بأن المثل كان يُضرب بـ"عنبرة" وكانت عمّتها تنبّهها قائلة "شوفي ما تروحي بكرا تتسفّري (تخلع النقاب) متل عنبرة سلام".

 

- ولكن إلى أي حدّ كان تأثير الأديب قاسم أمين كبيراً في المجتمع العربي.. عنبرة كانت تقرأ له هل تأثّرت بكتاباته حين دعا إلى السُفور؟ 

الأديب والشاعر قاسم أمين دعا إلى السُفور لكني أنا بقيت مُتحفّظة، فأنا أحترم خيارات الآخرين لكن دعيت لرفع النّقاب (الفيشة) عن الوجه، رغم أنني في نهاية المسرحيّة جعلت عنبرة تخلع النّقاب والحجاب معاً.. تضيف أن الدين لا يُجبر على الحجاب.

مسرح القصّة.. والشاشة تُظهر التعابير

المثل كان يُضرب بـ"عنبرة"
- في مسرحيّة "عنبرة" تسردين قصّة.. في أيامنا هذه أصبحنا نفتقد إلى هذا النوع من المسرح.. ماذا تقولين؟  

أنا أحب أن أشتغل على مسرح الممثّل، الرواية، القصة والإحساس، وتطوّر الأحداث والحبكة. أنا أشاهد الكثير من الأعمال المسرحيّة. لا أشعر بهم يُخاطبوني يُحدّثوني للأسف.

 

- ولكن إن بعض الأعمال المسرحيّة أصبحت تركّز على الشكل والتقنيّات وتنسى المضمون. أجد مسرحك متواضعاً بذلك أليس كذلك؟

صحيح مشهديّتي واقعيّة وليست متطوّرة ولا تترك مجالاً واسعاً للخيال. أنا أحبّها أن تشبه المسرح فعلاً مع أنني أحب خيال الظلّ فالمادّة التي أعلّمها هي تاريخ المسرح العربي.

 

- يكاد لا يخلو أي عمل مسرحي في هذه الأيّام من الشاشة التي تشبه السينما والتي ما عادت اكتشافاً جديداً. أنتِ استخدمتها أيضاً.

لقد أردت أن أجرّب هذه التقنيّة وأقوم بدمج ما بين السينما والمسرح. رغم أنه من المهم جداً أن يكون المسرح مسرحاً وتشعرين بِنَفَس الممثّل، بروحه. في الوقت عينه أنا أحب السينما لذلك أدخلت الشاشة، تقنيّتها جميلة إن استُعملت بمكانها. مثلاً، جميل أن يُنقل على الشّاشة مشهد حميم ليتسنّى لنا رؤية تعابير الوجوه عن قرب. توظيف الشاشة فقط هو للحاجة بالنّسبة إليّ.

 

- هناك حركة مسرحيّة لا بأس بها في البلد ومحاولات لا زالت خجولة في السينما. هل هناك عودة إلى المسرح وحنين إلى السينما بعدما شدّ التلفزيون إليه كل الانتباه وبعده الإنترنت؟

ليس لديّ جواب. المسرح في بلادنا مُغامرة مكلِفة جداً، وأنا في ورطة.. إن كان ليس هناك إقبال مستمرستكون مشكلة كبيرة بالنسبة إليّ.

 

- هل أصبح العمل المسرحي يُعتبر مغامرة. هناك تكاليف وأنتم أحياناً لستم قادرين على تغطيتها. فلماذا لا زال هناك من يدرس المسرح وأنتم مصرّون على الأستمرار بالعمل في هذا المجال. على ماذا تعوّلون؟

أنا أفهم بالإخراج والنص والصّوت، بآداء الممثل، بالبصريّات. أما القضايا الماديّة فليس لديّ أدنى فكرة عنها ولا يوجد فريق يساعدني في التسويق. وصلتُ إلى طريق مسدود وربّما لن أستطيع الاستمرار. ليس هناك دعم من المؤسسات وأنا لا أفهم بالوساطات التي تُعتمد في البلد مع أن عائلة "سلام" هم أقربائي لكنني لا أعرف مدّ اليد.

سايكس بيكو.. "بشحطة قلم" غيّر حياتنا

في نهاية المسرحيّة  عنبرة تخلع النّقاب والحجاب معاً
- لنعُد إلى المسرحيّة. ما هي ردّات فعل الناس لطرحك موضوعاً دقيقاً كهذا أي خلع النّقاب؟

لم أجد إلى الآن أيّة ردّات فعل سلبيّة، كذلك الكثير من المحجّبات شاهدن مسرحيّتي وكان يبدو عليهن الارتياح. أنا أوضحت منذ البداية بأنني لست ضد الحجاب ولكنني ضد تغطية الوجه، فعلى المرأة أن ترى "وجه ربّها" أقل تقدير. هناك من تساءل كيف إن لم يكن لديهم أدنى فكرة عن "عنبرة"، وعن تفاصيل كثيرة من تاريخنا.

 

- هناك نقطة هامّة في حياة "عنبرة" حين تزوّجت من رجل فلسطيني وذهبت لتعيش في فلسطين، لم تكن تعتبر بأنها انتقلت من بلد إلى آخر أو شعرت بالغربة، وذلك طبعاً قبل الاحتلال الإسرائلي. كانت بلاد الشام مفتوحة على بعضها وليس هناك من حدود. جميل أن نتحدث عن ذلك.

سايكس بيكو، "بشحطة" قلم قسّم وغيّر حياتنا.. كانت تأتي عنبرة لتلد أولادها عند أهلها وتعود إلى بيتها بعد أن ترتاح. وهناك أمور أخرى شغلت "عنبرة" غير السًفور، فقد اهتمّت بتوعية المرأة على أهميّة التّعلم وتشجيعها على العمل من أجل الحصول على استقلاليتها.  لقد واكبت الحركة النضاليّة ضد الظلم في ظل الاحتلال العثماني.

وتتذكّر المُخرجة عليّة الخالدي فتقول "لقد سمع جدي الفلسطيني الذي يعيش في القدس عن "عنبرة" وهو كان خريج الجامعة الأميركية في بيروت وبحث عنها. أراد التعرّف إليها، لكن عنبرة كانت ترفض التقرّب من اي أحد بعد إعدام الأتراك خطيبها شنقاً. ولكنها بعد فترة أعطته فرصة وتزوّجا.

 

- نعرف أن الجدّات تحكي القصص فهل تتذكّرين قصّة من قصصها..

ليس هناك قصّة معيّنة لكن آداءها معي ومع بقيّة الأحفاد كان مميّزاً. كنّا نقضي العطل المدرسية في بيتها وكان لديها قوانين. طبعاً كنا نتناول الطعام في توقيت محدّد وثابت ونلعب حتى الظهر فيحين موعد القراءة، ما جعلنا نحب القراءة والكتاب. كما أنها علّمتنا حب الطبيعة والاهتمام بالزرع.

 

تختتم المخرجة الخالدي اللقاء بمقولة لجدّتها "عنبرة" تخاطب فيها المرأة "لا تنتظري من الرجل أن يُنهضكِ مُطلقاً، فهو مهما قَدِر لا يقدر أن يشعر معك تماماً بحالتك وآلامكِ".


مسرحيّة عنبرة كتابة وإخراج "عليّة الخالدي". دراماتورجيا "نورا السقّاف".

الممثّلون: نزهة حرب، سارة الزّين، فادية التنير، هاني الهندي، دانا ضيا، عبد الرحيم العوجي، نجوى قندقجي، عمر الجباعي وزياد شكرون.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سهى صباغ

كاتبة لبنانية