القُبلة في تونس أخطر من "القتل" والسرقة"

لا شك أن حرية الجسد والفكر إذا اجتمعا فسينتجان الحرية بأسمى معانيها والتي نطمح لعيشها ونقاوم لأجلها. قُبلاتي للعاشقات والعاشقين ..وإلى قُبلة أخرى !

أقرّت الأمم المتحدة 13 نيسان/أبريل يوماً عالميّاً للتقبيل

إذا ألقيت نظرة على الأرقام الرسميّة حول منسوب الجريمة في تونس، حول منسوب الانتحار خاصة في صفوف الشبّاب، حول منسوب الفقر وارتفاع استهلاك المخدرّات والكحول، حول "الحرقة"، فإنّ تحوّلاً خطيراً أخذ يتجسّد أكثر في طبيعة المجتمع التونسي وتظهر بشاعته كلّ يوم، في حدث قد يُعتبر عرضيّاً لكنّه مؤثّر تمام التأثير على صيرورة المجتمع وبناه الفوقيّة.

من المعهود دائماً في الدراسات الاجتماعيةّ أن تشرّح تشريحاً ميكروسكوبيّاً طبيعة المجتمع وظواهره العابرة والعميقة انطلاقاً من حدث عرضيّ أو محوّل، إذ قضت المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة بالسجن 4 أشهر ونصف الشهر على مواطن فرنسي، وثلاثة أشهر لصديقته التونسية بتهمة "التجاهُر بالفاحِشة". هذه الفاجعة التي مسّت واقع الحرّيات الفردية في البلاد أثارت الكثير من الحِبر والنقاشات، في الاعلام المرئي والمسموع. ولعلّ أدناها وأسقطها هو ما سمعناه أن القُبلة بين الحبيبين أو العاشقَين عرّفت على أنّها "المُجاهرة بما يُنافي الأخلاق الحميدة في الطريق العام، هو تعدّ على أخلاق المجتمع وضرب في هويّته ونشر للفساد بين أفراده، وهذا يستحق معاقبة مُرتكبه" (الكلام لسيّدة السواد: نهى عبدولي). هذه الجملة القاتِلة، لخّصت في أسود حللها واقعاً مقيتاً لنظرة ساقطة تونسيّة خالصة للجسد القروسطيّة، غاب عن سيّدة السواد أن القُبلة تجسيد عال للحبّ، وعليه خصّص الإنسانيون، الذين حاربوا لأجل الحريّة والإنسانيّة يوماً عالمياً كل سنة من 13 نيسان/أبريل علاوة على أن الأمم المتحدة أقرّته يوماً عالميّاً أُطلق عليه "يوم التقبيل العالمي". " Journée Internationale du baiser" . . . الأشنع أن الحيوانات تجاوزتنا "إنسانيّة وتآلفاً"، لعلّ أبرزها الفِيلَة التي تتبادل القُبل بخرطاميها (وبالتأكيد أن أغلبنا شاهد قُبَل الفِيلَة في حديقة الحيوانات).

الأمر ليس غريباً على المجتمع التونسي فقد سبق ووجدوا تعلّة لأكثر الجرائم وحشيّة ودناءة، فلم تلتحم جراح ذاكرتنا من واقعة اغتصاب الفتاة مريم من قِبَل ثلاثة أعوان الشرطة، وإذ بنا نجد تبريراً قبيحاً أخلاقاويّاً تحت عنوان "إش مخرّجها في الليل مع صاحبها؟".

خوف التونسيين وأجهزتهم الرسميّة من الحريّة، من التقبيل، خوفهم من تلاحم شفتين يذوبان في سكّر الحب بين المرأة والرجل، يؤدّي بهذا النظام المُتعفّن إلى الموت في خرائبه ، أأقبّلت يا ربّي تؤدّي بنا للسجن؟ يحبسون عصافير الوجد في أقفاص مع المجرمين والساديين، أعاشقون أنتم "للبراكاجات" و"القتل" و" الطلاق"  و"الانتحار"؟ هل غابت عنكم تلك الحوادث والإجرام، أما إنها أكثر خطورة من نفاقكم؟

أفلا تستحون أن تتاجروا بأجساد نساء تونسيّات في أوكار دعارة (كارتيّات) لتنكحوا ما طاب لكم من بنات فقيرات، أميّات، من دون أن نسمع ضجيجاً حول هذا الموضوع أو إثارة أكثر من إثارتكم لقُبلة؟ أيّ  نفاق ودناءة هذه؟ هل غاب عن كبتكم إننّا نحتلّ المرتبة الأولى في مشاهدة الأفلام الإباحيّة التي شيّأت الجسد وباعت قيمة العاطفة للدولار؟

كيف أجمع الأميّ وقُبلة بين العاشقين تموت تحت أحذية البوليس، وبين منظومة فاسدة أخلاقية مُنافقة نعيشها كل يوم أكثر ؟ لا شك أن حرية الجسد والفكر إذا اجتمعا فسينتجان الحرية بأسمى معانيها والتي نطمح لعيشها ونقاوم لأجلها. قُبلاتي للعاشقات والعاشقين ..وإلى قُبلة أخرى !

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]