إيشيغورو ... رابح "نوبل للآداب" حائر بين وطنين

رغم أن المؤسسة الثقافية الإنجليزية تعتبر كازو إيشيغورو كاتباً غير بريطاني، إلا أنه على خلاف الكتاب الآخرين المهاجرين من القارة الآسيوية، لا يجد لزاماً عليه أن يعكس اهتمامات المجتمع الياباني في لندن، أو أن يعبّر عن قضاياه أو يخاطبهم في أعماله.

الأديب البريطاني الياباني كازو إيشيغور

يختلف الأديب البريطاني الياباني كازو إيشيغورو، الحائز على جائزة نوبل للأدب هذا العام، عن أقرانه من البريطانيين الهنود باعتبارهم أبناء مستعمرة بريطانية سابقة. فإيشوغورو المولود في مدينة ناغازاكي اليابانية عام 1954 وانتقل الى بريطانيا عام 1960، سرعان ما اندمج ودرس في الجامعات البريطانية وتضاءلت ذكرياته اليابانية. ولم يعد قط الى الشرق أو الى مدينته ناغازاكي التي تدور فيها أحداث روايتيه الأوليين "مشهد شاحب للتلال" و"فنان من العالم الطليق"، اللتين سمع قصصهما من والديه.

يقول إيشيغورو "دائماً ما كان لدي مشكلة مع المكان، طوال عملي. ففي البداية أردت أن أكتب روايات تدور في اليابان، كانت هناك حاجة عاطفية كبيرة لأصنع يابان تخصني.. لم أكن شغوفًا بالقراءة أو الكتابة منذ صغري، إذ كان دافعي الوحيد للكتابة هو إبقاء اليابان حية في ذاكرتي، من خلال مشاهد تعافي أهلي، وخاصة والدتي، من دمار القنبلة الذرية التي وقعت على ناغازاكي، تولاني إحساسٌ بالذُّعر، وودت أن أُحافظ على نُسختي من اليابان آمنةً، أن أصُونها أدبيًا".

ولعل هذا هو السبب الذي جعل اليابانيين عقب إعلان الجائزة يبحثون في تراثهم الأدبي الحديث عن أديب ياباني اسمه كازو إيشيغورو.

القارئ للأدب العالمي يعرف جيداً أن الكتابة الإبداعية الحقيقة التي تنشر باللغة الإنجليزية والفرنسية لا تأتي فقط من بريطانيا أو الولايات المتحدة وفرنسا، وإنما يأتي الكثير منها من المستعمرات البريطانية والفرنسية السابقة. هذا الأمر يفرض التوقف عند أفكار الاستعمار وما بعد الاستعمار وخاصة أن الأسماء الجديدة في الكتابة الروائية أتت ولا تزال تأتي من تلك المستعمرات. بين هذه الأسماء التي أصبح لها حضور قوي في عالم الكتابة الإبداعية باللغة الإنجليزية: الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر، والهندية آرونداتي روي، التي فازت بجائزة البوكر البريطانية عام 1993، نفس الجائزة التي فاز بها إيشيغورو، والبنغالية مونيكا علي، والمصرية أهداف سويف، والجنوب أفريقي جون كوتسيا، والباكستاني حنيف قريشي، والهندية آنيتا ديساي وابنتها كيران ديساي، وليلى أبو العلا (السودان)، وأهداف سويف (مصر)، وتشينوا آتشيبي النيجيري، والكاتب الصيني جيان الذي كتب كل رواياته باللغة الفرنسية عن الصين التي تركها ليعيش في فرنسا.

واللافت للنظر في كل هذه الروايات أن حمولتها أو محتواها تعكس بلده الأصلي وليس بريطانيا أو فرنسا أو غيرها من الدول الغربية التي هاجروا إليها.

كان يمكن القول إن إيشيغورو هو كاتب ياباني يعيش في بريطانيا مثله مثل أي أديب هاجر من المستعمرات  لولا التغيير الكبير والواضح في روايته "بقايا اليوم" التي تدور أحداثها في داخل المجتمع البريطاني العتيق بنبلائه وخدمه، وهي رواية لايمكن أن يكتبها إلا الكلاسيكيون من أدباء بريطانيا الذين عاشوا في المجتمعات الراقية.

ففي رواية "بقايا اليوم" تداخل وتقاطع بين الذاكرة الفردية والتاريخ الوطني من خلال عقل رئيس الخدم ستيفنسن الذي يعمل في قصر إنجليزي عريق من دون أن يهتم بحياته الخاصة، وهو يرى أنه خدم الإنسانية لا لشيء إلا لأنه سخر كل كفاءته وخبرته المهنية لخدمة رجل عظيم هو اللورد دارلنغجتون. وباستعراض تاريخه في المهنة يكتشف ستيفنسن ما يجعله يضع كل شيء موضع المساءلة: عظمة اللورد، علاقته بالآخرين، معنى حياته التي عاشها في عزلة عن كل شيء باستثناء وظيفته، ومعنى الكرامة المهنية، والزمن المفقود الذي يحاول استعادته. فبراعة الكاتب تجلّت في قدرته على اختيار مفردات الخدم البريطانيين في صياغة الرواية، وهي مفردات مليئة بالوقار والاحترام والسذاجة. وكأن الخادم يتحدث الى أسياده القراء، مثلما يتحدث بالمفردات نفسها الى أسياده في القصور، وهو يعترف أن أفضل ساعات النهار هو المساء الذي يأتي فيه الضيوف.

وما أفصح عنه أكثر في روايتيه الأخريين "لا عزاء لهم"، و"عندما كنا يتامى"، إذ كان العالم إنجليزيًا خالصًا فيعلن عن صرخات متتالية ضد التشوهات التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية قاطبة؛ وأن هذه المجتمعات الاستعمارية فيما سبق، تدفع الآن أثمانًا باهظة مقابل ما فعلته في المستعمرات السابقة.

إن أكثر ما يضايق كازو إيشيغورو، هو الاهتمام به لكونه كاتباً يابانياً، وفي ذلك يقول "إن استخدامي الدقيق والمحدد للغة ليس خاصية يابانية، فقد كانت جين أوستن، وهنري جيمس، يستخدمان الأسلوب نفسه بنجاح كبير، وأنا بطبيعتي أكره الإسهاب والتطويل والتضخيم كما في مسرح الكابوكي وأفلام كيروساوا الملحمية. إنها أعمال يابانية حتى العظم وبعيدة عن الاقتصاد".

وبالرغم من أن المؤسسة الثقافية الإنجليزية تعتبر إيشيغورو كاتباً غير بريطاني، إلا أنه على خلاف الكتاب الآخرين المهاجرين من الهند وبقية دول القارة الآسيوية، لا يجد لزاماً عليه أن يعكس اهتمامات التجمع الياباني في لندن، أو أن يعبّر عن قضاياه أو يخاطبهم في أعماله. يقول إيشيغورو: "لا أعتقد أنني أشارك الكتاب الآسيويين في بريطانيا هموم الهوية. وأذكر أنني عندما جئت إلى هنا كنت أنا الطفل الياباني الوحيد في المنطقة، ولم يكن هناك من يسألني من أي مجتمع أنت. وأنا حتى الآن لا أشعر بروابط مع المجتمع الياباني الذي يعيش هنا، فهو مجتمع عابر، يتكون من مجموعة من رجال الأعمال في شركات متعددة الجنسية، يرسلون أبناءهم إلي مدارس يابانية ويأكلون في مطاعم يابانية، وأنا لا أفهم ثقافتهم، ولا أتكلم نفس اللغة، ولا أعيش حياتي بنفس أسلوبهم. ليس هناك ما يربطني بهم سوى أصلي، وأعيش هنا كما يعيش أي روائي إنجليزي، وليس هناك أي ضغوط سياسية تجعلني أفكر أن أكون متحدثاً رسمياً باسم مجتمع أو جمهور معين".

شكّل اختيار إيشيغورو لجائزة نوبل للأدب مفاجأة. فعدد رواياته المنشورة هي بالضبط سبع روايات، وهو عدد قليل جداً من الإبداع قياساً الى من حصلوا على الجائزة قبله. إلا أن حياته الأدبية الممتازة تعيد الجائزة إلى مكانة أكثر دراية بعد اختيار العام الماضي المثير للجدل للمغني وكاتب الأغاني بوب ديلان. وفي حديثه لقناة "بي بي سي" البريطانية، وصف إيشيغورو الجائزة بأنه "شرف عظيم، لأن ذلك يعني أنني على خطى أكبر المؤلفين على قيد الحياة".

ووصفت السكرتيرة الدائمة للأكاديمية سارة دانيوس كتابة إيشيغورو بأنها مزيج من أعمال جين أوستن وفرانز كافكا "ولكن عليك إضافة القليل من مارسيل بروست إلي المزيج، ثم تخلطه". وقالت إن من رواياته المفضلة لديها "العملاق المدفون" و"بقايا اليوم" مضيفة أنها في أعقاب ضجة العام الماضي فإنها تأمل في أن يكون ذلك الخيار سعيداً للعالم. وتابعت "لقد اخترنا للتو ما نعتقد أنه روائي رائع تماماً".

وفي عام 2008، صنفت صحيفة "التايمز" البريطانية إيشيغورو المؤلف رقم 32 في قائمتها لأعظم 50 مؤلفاً بريطانياً منذ عام 1945. وقالت عن روايته الأولى "مشهد شاحب للتلال" التي صدرت عام 1982، إنها إنجاز كبير، وإن رشاقة اللغة المكتوبة بها تعكس ذكاء الكاتب وحدة ذهنه. بينما قالت صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية عنها، إنها رواية يابانية ذكية. وقد حصلت تلك الرواية الأولى على جائزة "وينفرد هولتباي"، وعندما صدرت روايته الثانية "فنان من العالم الطليق" عام 1986، احتفلت الصحافة الأدبية بظهور واحد من أساتذة الكتابة الإنجليزية المعاصرة. كما حصلت الرواية علي جائزة "ويتبرد" ووصلت إلى القائمة المختصرة لجائزة "بوكر" في العام نفسه.

كما حصل إيشيغورو على جائزة "غراناتا" لأفضل مؤلفين شباب بريطانيين عام 1983 وعام 1993. أما روايته الثالثة بقايا اليوم ١٩٨٩ التي كتبها في أربعة أسابيع حيث أنهمك في الكتابة يومياً في صيف 1987 وفقاً لنهج مكثف من التاسعة صباحاً إلى العاشرة والنصف مساء يومياً خلال تلك الأسابيع. فقد حصلت تلك الرواية علي جائزة "بوكر" وترجمت إلى لغات عدة، وكانت من أكثر الكتب مبيعاً على مدى خمس سنوات (أكثر من مليون نسخة من الطبعة الإنجليزية وحدها في العام الأول). كما حُوّلت إلى فيلم ناجح من بطولة انتوني هوبكنز، وإيما طومسون.

أما روايته الرابعة "لا عزاء  له" التي صدرت عام 1995، فقد حصلت على جائزة "شلتنهام". ثم صدرت له على التوالي رواية "عندما كنا يتامى" عام 2000، ورواية "لا تدعني أرحل"عام 2005، ورواية العملاق "المدفون" عام 2015.

جدير بالذكر أن جامعة تكساس الأميركية كانت قد أعلنت منذ عامين أنها دفعت أكثر من مليون دولار للحصول على الأرشيف الكامل للروائي كازو إيشيغورو حيث سيودع في مركز هاري رانسم في الجامعة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
محمد علي فقيه

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب