سيلفادور دالي ومسز ريفز شرّفا لبنان

وأخيراً شرّفت "مسز ريفز" لبنان، وقد عَلِم بها مكتب مكافحة السّرقات الدّوليّة، في قوى الأمن الدّاخلي، من خلال مراقبتهم لبعض التجّار الذين كانوا يسعون لبيعها، وذلك في13 تشرين الأوّل الجاري، وتمّ الوصول إلى اللوحة القيّمة؛ وحسب بعض الخبراء، تأكّد أنها اللوحة الأصليّة.

لوحة "مسز ريفز" لسفادور دالي

"مسز ريفز" لوحة الفنّان التّشكيلي الاسباني "سلفادور دالي" (11ايآر 1904_ كانون ثاني 1989) رسمها في ال 1954 وحين انتهى من رسمها، رفضت السيّدة "ريفز" دفع ثمنها للفنّان، لتعود لاحقاً وتسرقها، كما تقول إحدى الروايات؛ ومن بعد تلك السرقة، اُعيد سرقتها عدّة مرّات. آخر ظهور لها كان بمزاد علني في لندن في الغاليري المعروف "سوسبيز" وهي تقدّر بملايين الدولارات.

وأخيراً شرّفت "مسز ريفز" لبنان، وقد عَلِم بها مكتب مكافحة السّرقات الدّوليّة، في قوى الأمن الدّاخلي، من خلال مراقبتهم لبعض التجّار الذين كانوا يسعون لبيعها، وذلك في13 تشرين الأوّل الجاري، وتمّ الوصول إلى اللوحة القيّمة؛ وحسب بعض الخبراء، تأكّد أنها اللوحة الأصليّة.  كيف تمّ فحص اللوحة والتّدقيق، لم يتمّ الإعلان عن ذلك، ولم يدقّق أحد بهذا الموضوع، لفقر ثقافة المجتمع ككل بموضوع الفن التّشكيلي، ولم نعرف ما هي الإجراءات التي ستتمّ ومن هي الجهّة التي من حقّها تسلّم اللوحة.

سيلفادور دالي رائد من روّاد السرياليّة

ظاهرة السرياليّة عند دالي كانت في المرحلة الأولى من حياته الفنيّة

كما هو معروف، فالمدارس والتيّارات الفنيّة تظهر وتتبلور، جرّاء أبحاث عمليّة يقوم بها الفنّانون، على مدى الأيام والسّنين. وهي نتيجة من نتائج عملهم المستمرّ. تجلّت السرياليّة في مجالس الأدب والفن، وقد انضمّ إلى هذا التيّار، الكثير من المبدعين بمجالات الأدب، والتشكيل والسينما والشّعر وغيره.. ليس للفن السّريالي من أسلوب موحّد، لكنه سلوك أو طريقة خاصّة في التّفكير، والعيش والشعور. تشترك السرياليّة مع الحركة الدادائيّة، في رفضها لكل ما يقوم على المفهوم المنطقي والعقلاني.

جسّد الأفكار الفلسفيّة والتّحاليل النّفسيّة

السرياليّة بالنّسبة لدالي، حالة هذيانيّة

ظاهرة السرياليّة عند دالي كانت في المرحلة الأولى من حياته الفنيّة، والتي تمتدّ حتى أواسط الثّلاثينيّات (ليعود بعد ذلك إلى أسلوب قريب من الكلاسيكيّة الحديثة، بل وهو أسلوب "دالي" خاص)، وقد أغنت تجربته هذه السرياليّة بظواهر التّحليل النّفسي.

السرياليّة بالنّسبة لدالي، حالة هذيانيّة. فلسفة، خيال، وجموح ليس له حدود، يتجسّد بلوحاته، ومنحوتاته، وأعماله المتنوّعة الأخرى. مثلاً (لوحة لوجه، العيون والفم والأسنان فيه، عبارة عن جماجم).

كان الفنّان الاسباني دالي متعدّد المواهب والاهتمامات. صمّم قطع مفروشات، ومنها الكنبة الحمراء الشهيرة، على شكل شفاه إمرأة، وخلفها لوحتين، وأمامها ستارة، لتؤلّف كاملة وجه امرأة؛ كما أنه صمّم زجاجات عطر وصمّم الأزياء، وكتب عدّة أفلام سينمائيّة سرياليّة، منها فيلم "العصر الذّهبي"، إخراج "لويز بونويال".

رسم دالي أعمالاً تشبه الكوابيس والأحلام. جسد الأفكار الفلسفيّة والتّحاليل النفسيّة. جرأته وجنونه لا يحدّهما شيء.

حضوره بحدّ ذاته عرضاً فنيّاً

ر

كان سلفادور دالي، حين يخرج للمجتمع، يفاجئ النّاس بمظهره وثيابه وتصرّفاته، التي لا تخطر على بال، ليكون حضوره بحدّ ذاته، عرضاً فنيّاً سرياليّاً. اشتهر بشاربيه الطويلين المفتولين، يربطهما بأشكال مختلفة أو يضع عليهما وردتين، وأشكال أخرى مجنونة وحرّة، لا يوانيه عن القيام بها أي شيء. يضع على عينه شكل عين محاطة بحبوب الماس ودمعة، وأشكال أخرى ذات مدلولات جنسيّة ساخرة.

يستعيض عن غرامه للوركا بالمرأة التي أخذت عقله

كانت حياة سلفادور دالي العاطفيّة، متميّزة.

كما هي أعماله الفنيّة، كذلك كانت حياة سلفادور دالي العاطفيّة، متميّزة. ربطته علاقة صداقة كبيرة مع الشاعر الثّائر "لوركا" وعشق كبير، لم يتحوّل عنه وعن شذوذه، إلا حين دخلت "غالا" حياته، فأتاه بامرأة رائعة الجمال، كي لا يُفطر قلبه. "غالا" تلك المرأة التي فُتِن بها دالي من اللّحظة الأولى التي التقى بها، كانت برفقة زوجها وصديقه الشّاعر "بول إيلوار"، حتى جاء اليوم التي هجَرَته وأتت عند دالي وتزوّجت منه، واعدة إلوار أن لا تتخلّى عن حبّها له مدى الحياة، لتكون قصّة هؤلاء الثّلاثة غريبة وسرياليّة أيضاً. تعذّب إيلوار كثيراً حين هجرته امرأته الروسيّة "غالا"، التي التقاها بأحد المصحّات فترة علاجهما من مرض السلّ. أُخِذَت غالا بالمظهر المغري لدالي، وكان قد أصبح ثرياً محاطاً بالأضواء، وتوّلت الترويج لأعماله، كونها مغرمة بالمال، وحثّته على تصميم المجوهرات والعطور وغيرها، بقصد الرّبح المادي.

تلذّذت غالا التي لم  تكن تتمتّع بجمال خارق، في هيام رجلين مبدعين بها، أحدهما ينظم لها الشّعر حتى بعدما رحلت عنه، والآخر، أصبحت موديله في أغلب رسوماته. كانت غالا تكبر دالي ب 11 عاماً واستطاعت امتلاك قلبه أكثر من أربعون عاماً، لدرجة أنّها حين توفّيت، قال محدّثاً إيّاها، بأن ما كان يخشاه قد حصل، ورحلت قبله.

من الأعمال التي تربّعت غالا على عرشها لتخلّدها، لوحة فتح (أو غزو) أميركا، حين وصل أسطول كريستوف كولومبس إلى الشاطئ، وكانت هي واقفة بشموخ على شراع كبير ترتدي ثوباً أبيضاً، وبلوحة أخرى تحمل الأشرعة على كتفيها وبيديها وهي على شاطئ البحر، كما أنه رسمها بعشرات اللوحات و في حالات، وأماكن، وأوضاع مختلفة.

الزّمن ونسبيّة أينشتاين

رسم دالي أعمالاً تشبه الكوابيس والأحلام

أكثر أعماله شهرة، لوحة السّاعات التي تشبه ساعة الجيب، موزّعة بمكان يشبه الصحراء، موضوعة بأشكال مختلفة، مائلة أو مطعوجة، وكأن الوقت نائم لا يمشي. اعتقد الباحثون أن اللوحة ترمز إلى نظريّة "أينشتاين" النسبيّة، حين كانت هذه النّظريّة في ثلاثينيات القرن الماضي، تعتبر نظريّة ثوريّة، حيث عرض مفهوم جديد للزمن، كشيء نسبي ومعقد، وليس ثابت يسهل تتبّعه بأجهزة بدائيّة مثل ساعة الجيب.

دالي المعجب بالديكتاتور والنازيّة

كان دالي من المعجبين بابن بلده الفنّان بابلو بيكاسو، ولم يلبث الثّاني أن غَضِب من مواقفه السياسيّة، بسبب إعجابه وعلاقته القريبة من الديكتاتور فرانكو. كذلك كان دالي يُجهر ولفترة من الزّمن عن هوسه بشخصيّة هتلر، ما جعل بابلو بيكاسو يشمئزّ منه ويبتعد عنه، وهو الذي كان مكروها من النازيين وهرّب لوحته الشهيرة "غيرنيكا" التي تفضح مجازرهم، كي لا تقع بين أيديهم، وصرّح بأنه لن يعيدها إلى بلاده إلا بعد سقوط حكم فرانكو. تُذَكّرنا علاقة دالي وبيكاسو، بما يجري الآن في بلادنا العربيّة من تباين بالمواقف بين المثقّفين والفنّانين والمبدعين. ومن الأعمال التي تدلّ على شخصيّة دالي المريبة والقاسية أحياناً، حين رسم نفسه وهو يضع إحدى يديه في آلة فرم اللحمة، وتنزل الدّماء في وعاء، يبلّل فيه ريشته ليرسم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سهى صباغ

كاتبة لبنانية