إصبع منيرة أبو زيد في الجرح من سفر التكوين حتى الراهن

باكورة أعمال الروائية الفرنكوفونية الصاعِدة الدكتورة منيرة أبو زيد روايتها باللغة الفرنسية "العودة إلى سفر التكوين" (Le retour à la genèse )، عن دار الفارابي 2017، تستعيد صور مرحلة صعود الحركات اليسارية، والعديد من شخصياتها، وتعالج إشكاليات إيديولوجية على صلة بتلك المرحلة، ولا تزال الإشكاليات قائمة لكنها تقع في الصفوف الخلفية من الاهتمام العام. في لقاء أجراه الميادين نت معها، تستعرض أبو زيد بعضاً من همومها، وهواجسها، منها المُكتسب بالثقافة التاريخية لمرحلة لم تعايشها، ومنها ما تعيشه اليوم في ظل مفهوم ثقافي أشبه ما يكون بالمخضرم، جامعاً بين الماضي اليساري الكلاسيكي، والحداثة اليسارية اللاحزبية، المفتوحة على مختلف الأفكار والآراء والرؤى.

لماذا العودة إلى سفر التكوين؟

لماذا العودة إلى سفر التكوين؟

من خلال العودة إلى سفر التكوين، نجد أننا في رسم لوحة حواء في هذا السفر التوراتي، نعيد إحياء اللحظة الدينية، حيث بذلك يتم رسم امرأة تجسّد حواء. إنها أشبه باللحظة الدينية التي يعيشها بعض الناس بالفعل، وكأنها شيء حقيقي، بينما هي لم تعد شيئاً حقيقياً. لذلك، أحببت أن تكون الطريقة مجازية، وأن أظهر العودة إلى الدين بطريقة مجازية من خلال الفن، وبنفس الوقت بطريقة أنتقد فيها ذلك، أي أنه لم يعد ممكناً لنا أن نعيش في سفر التكوين بالنتيجة، بل علينا أن نعيش في الواقع.

تضمّنت روايتك صوراً لشخصيات من قبل مرحلة الحرب الأهلية. لماذا؟ وما المقصود؟

هذه الشخصيات شخصيات من الحرب الأهلية، وعايشت الحرب الأهلية، واخترت ذلك لكي تكون روايتي طريقة لكي أعبّر عن كل مخاوفنا بالحرب، خاصة أن هناك شخصية الطبيبة النفسية التي تعالج الأطفال الذين عانوا من الصدمات في الحرب، كأن الرواية أو الكتابة هي وسيلة لإخراج كل مخاوفنا التي عشناها في الحرب.

 

 

لماذا كان انهيار الاتحاد السوفياتي فكرة محورية في روايتك؟

لأن انهيار الاتحاد السوفياتي شكّل تحولاً كبيراً في حياة الكثيرين السياسية، إذ كان نهاية لدولة جسّدت مثالاً أعلى ونموذجاً. إنها اليوتوبيا، العالم المبني على الأفكار الفلسفية المثالية. لقد اخترت أن أضفي على هذه الفكرة لوناً ورائحة ونكهة بهدف جذب الناس إليها، إذ أن الرائج اليوم هو التوجّه نحو العالم الاستهلاكي الذي تطغي فيه الاندفاعات الغرائزية، وكل أشكال المنافسة. ونلحظ في الرواية عجز الرسام مارسيل عن رسم الفكرة التي باتت خارج المنال فينتهي به الأمر برسم حواء وكأنه انتصار الدين على الأفكار الفلسفية في بداية القرن الواحد والعشرين.

هناك شخصية محورية في الرواية تدعى أبو خالد. فمن هو؟

هناك شخصية محورية في الرواية تدعى أبو خالد. فمن هو؟

أبوخالد هو صاحب المقهى واسمه خليل، اخترت أن أسمّيه أبو خالد تيمّناً بجمال عبد الناصر الذي نعرفه شخصية مهمة جداً في تاريخنا العربي، محفور بمخيّلتنا، ومترسّخ في وجداننا، وأشعر  أن الحقبة التي كان فيها جمال عبد الناصر مهمة جداً، وبدأت تنتهي، ولذلك تعبيراً عن رمزيّة انتهاء تلك الحقبة، يقفل مقهى أبو خالد في نهاية الرواية.

رمزيّة المقهى هي المكان، يعني أن الانسان إذا لم يكن عنده مكان، يخسر كل شيء. بنهاية الرواية، أقمت تشبيهاً لنهاية أبو خالد وشبّهتها بنهاية فلسطين، لأن الانسان الذي يخسر مكانه، يخسر وجدانه، وكيانه السياسي، وهويّته، فلكل مكان هوية، ولذلك، هناك حدود بين الدول. وعند خسارة الحدود تخسر بلادك. الإنسان يحتاج لمكان، وهذه هي رمزية مقهى أبو خالد.

 

هل من سبب آخر لإقفال المقهى؟

أقفلت المقهى أيضاً لأن هناك العديد من المقاهي الثقافية في لبنان، خصوصاً مقاهي الحمراء، وطرابلس، أقفلت، وتنتهي معها رويداً رويداً هذه الهوية. أحببت أن أتطرّق إلى هذه الإشكالية، وهناك بعض الأماكن حافظت على هويتها، وكيانها، لكننا نعرف أن مقاه مثل الهورس شو، والويمبي، وكافي دو باري، وسواها أقفلت، وظهرت مكانها مطاعم ومقاه بهوية جديدة.

نزعة رفض الحياة الاستهلاكية ... لماذا؟

نزعة رفض الحياة الاستهلاكية ... لماذا؟

أنا أكثر ميلاً للروحانيات، وأفضّلها على الحياة الاستهلاكية، لكن أولويّتي أن أظل يسارية الهوية السياسية، لكن بين الروحانيات والحياة الاستهلاكية، أفضّل الروحانيات، يكفي لأنني من بلدة إهدن ذات الجمال الرائع. ولديّ صديق يعيش وحيداً في منزل على كتف الوادي، وهو يعيش حياة روحانية عميقة، وقد استوحيت منه شخصية الرواية الأساسية ألبير. وهناك شخصية جان الذي يحب الحياة الاستهلاكية، ويحاول الإندماج فيها، فهناك بعض الإشارات في الرواية تدلّ على ترافقه مع العنف والتخبّط النفسي، مثلاً حين يضرب جان حبيبته ليز، التي تشير إلى البرجوازية الثرية، وتحاول أن تعلّمه كرة المضرب، فيضربها بالكرة على رأسها أثناء تلقينها له للعبة، وكأنه يحاول رفض دمجها له في عالمها، ويصبح أكثر عنفاً أيضاً اثناء ممارسته الجنس معها، لأنها تحاول أن تدمجه في عالمها الاستهلاكي البرجوازي الثري.

لماذا انطلق سفر التكوين من فرضيّة المرأة المُذنبة- حواء؟

لأنه في سفر التكوين حواء هي التي تأخذ لآدم الخطيئة، وهي التي تأكل التفاحة، وتكون حليفة الشيطان. يصوّر السفر المرأة وكأنها هي جذبت البشرية، وأخذتها إلى الهلاك والخطيئة، لتنظيم المجتمع بحدود شديدة على المرأة، وألا تعيش حريتها، فيتنظم المجتمع بطريقة أن المرأة يسيطر عليها الرجل، ويظلمها انطلاقاً من النصوص الدينية.

 

لماذا ربطت موضوع روايتك بسياق سياسي؟

لماذا ربطت موضوع روايتك بسياق سياسي؟

أنا أفتخر كوني إمرأة تكتب في السياسة، وأشجّع كل النساء على التطرّق إلى مواضيع سياسية. وقد تداخلت المواضيع الشخصية بالواقع السياسي في الرواية لأنني كنت أصلاً أعمل في الصحافة حيث تأرجحت كتاباتي بين السياسة والفن والثقافة.

هل لديك مشاريع مستقبلية في الكتابة؟

نعم، بالطبع. فالكتابة لا تنتهي، تدوم حتى نهاية العُمر. وأنا إن شاء الله سيكون عُمري طويلاً وسوف أكتب كثيراً. عندي رواية جديدة، فكرتها "أوريجينال"، تتراوح بين الخيال والواقع، وأحكي فيها مع شخصيّتي.   

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت