في ذكرى "أسد الصحراء" عمر المختار

عندما تمكّنت قوات الاحتلال الإيطالي من إلقاء القبض على "عمر المختار"، ردّد عند إعدامه "نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عُمري سيكون أطول من عُمر شانقي".

في ذكرى رائد المقاومة وأسد الصحراء عمر المختار
في ذكرى رائد المقاومة وأسد الصحراء عمر المختار

في مثل هذا اليوم 16 أيلول/ سبتمبر عام 1931، تدلّى جسد الشيخ الشهيد عمر المختار في السن (73 عاماً) ، من حبل المشنقة بعد عروض مُغرية رفضها، ثم محاكمة صوَرية قضت بإعدامه، لتبقى صورته مُعلّقةً على المشنقة رمزاً للكفاح لأجيالٍ تلت.

ولِدَ الشهيد عمر المختار عام 1862، وكان والده مختار بن عمر من قبيلة المنفة من بيت فرحات ، وكان مولده بالبطنان في الجبل الأخضر، ونشأ وترعرع في بيت يلتزم التقاليد العربية والإسلامية وينتمي إلى تعاليم الحركة السنوسية القائمة على كتاب الله وسنّة رسوله.

توفّى والد عمر المختار مُبكراً في مكّة أثناء تأدية فريضة الحج، وأثناء مرضه أوصى للشيخ حسين الغرياني (شيخ زاوية جنزور الواقعة شرق طبرق) أن يتعهّد بتربية ولديه عمر ومحمّد، وتولّى الشيخ الغرياني رعايتهما ، وأدخلهما مدرسة القرآن الكريم في الزاوية، ثم ألحق عمر المختار بالمعهد الجغبوب الديني لينضمّ إلى طلبة العِلم من أبناء الأخوان والقبائل.

تميَّز عمر المختار بنبوغه منذ الصِغَر. وقد درس لمدة 8 سنوات في معهد واحة الجغبوب، التي كانت وقتها عاصمة للدعوة السنوسية شرقي ليبيا، فدرس فيه على مدى ثماني سنوات، الفقه والحديث والتفسير واللغة العربية، على يد كبار علماء ومشايخ السنوسية، وفي مقدّمهم الإمام المهدي السنوسي قُطب الحركة السنوسية. وشهد له شيوخه بالنباهة ورجاحة العقل، ومتانة الخلق، وحب الدعوة، وكان يقوم بما عليه من واجباتٍ عمليةٍ أسوة بزملائه.

وكان أساتذة المعهد يبلغون الإمام محمّد المهدي السنوسي أخبار الطلبة وأخلاق كل واحد منهم، فأكبر السيّد محمّد المهدي السنوسي في عمر المختار صفاته وما يتحلّى به من مناقب.

كان عمر المختار منذ شبابه على قدرٍ عالٍ من الفطنة والذكاء، فهو على إلمامٍ واسعٍ بشؤون البيئة التي تحيط به وعلى جانب كبير في الإدراك بأحوال الوسط الذي يعيش فيه وعلى معرفة واسعة بالأحداث القبلية وتاريخ وقائعها ، ومعرفة الأنساب والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض، وبتقاليدها، وعاداتها، ومواقعها.

وتعلّم عمر المختار من بيئته التي نشأ فيها وسائل فضّ الخصومات البدوية وما يتطلّبه الموقف من آراءٍ ونظرياتٍ، كما أنه أصبح خبيراً بمسالك الصحراء وبالطُرُق التي كان يجتازها من برقة إلى مصر والسودان في الخارج وإلى الجغبوب والكفرة من الداخل، وكان يعرف أنواع النباتات وخصائصها على مختلف أنواعها في برقة، وكان على دراية بالأمراض التي تُصيب الماشية ببرقة ومعرفة بطُرُق علاجها نتيجة للتجارب المتوارثة عند البدو.

تولّى المختار في بداية حياته العديد من المناصب، ففي سنة 1897 أصبح بتكليفٍ من المهدي السنوسي شيخاً (بمثابة والٍ) لبلدة تسمَّى زاوية القصور ، التي تقع في منطقة الجبل الأخضر (شرق)، كان فيها مُنصِفاً حكيماً لما يعلمه من فنون فضّ النزاعات بين الناس.

وحين بلغ مرحلة الشباب، انتقل عمر المختار، إلى بلاد "التشاد" الإفريقية، حيث زاوَج بين نشر تعاليم الدين الإسلامي ومقاومة المُستعمِر الفرنسي عندما بدأ استعمارهم لتشاد عام 1900،  كما انتقل أيضاً إلى أنحاء شرق إفريقيا والصحراء الكبرى، جيث بنى المساجد والزوايا فيها ليعلّم الناس دينهم وينشر الإسلام بينهم.

وعمل عمر المختار في دولة السودان سنوات طويلة نائباً عن المهدي السنوسي، الذي قال فيه بإعجاب قوله المعروف: "لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم"، وذلك لما أبداه الرجل من حكمةٍ وفراسة.

وأقام المختار في "قرو" (غرب السودان) مدة من الزمن، ثم عيّنه السيّد المهدي شيخاً لزاوية "عين كلك"، فاستمر المختار في السودان وقتاً طويلاً نائباً عن السيّد السنوسي، وكان يقوم بتعليم أبناء المسلمين، وينشر الإسلام في هذه البقاع النائية. وشارك في القتال الذي نشب بين السنوسية والفرنسيين في المناطق الجنوبية في السودان.

وحصل عمر المختار على لقب "سيدي" عمر، الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ الحركة السنوسية الكبار (دعوة إسلامية أسّسها الشيخ العالِم المُجاهِد محمّد بن علي السنوسي)، وذلك لحكمته ومكانته التي اكتسبها، إضافة إلى علاقته وقُربه من العائلة السنوسية.

بعد وفاة محمّد المهدي السنوسي، ثاني رجال الحركة السنوسية عام 1902، عاد عمر المختار مجدّداً إلى برقة بطلبٍ من القيادة السنوسية، ليُعيَّن مُجدّداً وللمرة الثانية شيخاً لبلدة زاوية القصور، والذي أحسن إدارتها لدرجة أن العثمانيين (كانوا يحكمون ليبيا وقتها) رحّبوا بإدارته للمنطقة التي جلب إليها الهدوء والاستقرار.

وقد تميَّز عمر المختار إضافة إلى الإجتهاد في طلب العِلم، بقدرته على ركوب الخيل في الصحراء والجبال الليبية، التي ساعدته نشأته فيها على تعلّم جميع مسالكها.

دُعيَ في سنة 1908  للمشاركة في المعارك بين الكتائب السنوسية والقوات البريطانية على الحدود الليبية المصرية في مناطق البردية والسلوم ومساعد، وخاض معركة السلوم التي انتهت بوقوع البلدة في أيدي البريطانيين.

 


انطلقت مسيرة عمر المختار في المقاومة الشرِسة ضد المستعمر الإيطالي، الذي أعلن في 29 أيلول/ سبتمبر 1911 الحرب على الدولة العثمانية التي كانت ليبيا حينها جزءاً منها، بدأت قواته في النزول في مدينة بنغازي الساحلية في 19  تشرين الأول/ أكتوبر 1911، حيث سارع شيخ المجاهدين حينها إلى جمع حوالى 1000 مقاتل من قبيلته وكوّن حركة الجهاد ضد الغزاة الإيطاليين، مؤسّساً أول معسكرات منطقة الخروبة (جنوب مدينة المرج القديمة) قبل أن ينتقل إلى الرجمة (شرق بنغازي) ، ليشاركوا في معركة السلاوي أواخر 1911، لتبدأ معركة الكرّ والفرّ والتصدّي لقوات الاحتلال حيث حدثت مناوشات في سنة 1912، إلى جانب العديد من المعارك والغارات وأساليب الكرّ والفرّ التي استمرت ما يُقارب 20 عاماً.

أنزل عمر المختار بالإيطاليين خسائر فادحة، تركّز معظمها على مدينة درنة (شمال شرق)، منها معركة "يوم الجمعة" 16 أيار/ مايو 1913، دامت يومين، وانتهت بمقتل 70 جندياً إيطالياً وإصابة نحو 400 آخرين.

كما دارت في 6 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه معركة "بو شمال" في منطقة عين مارة، وفي فبراير عام 1914 معارك "أمّ شخنب" و"شلظيمة" و"الزويتينة"، كان خلالها المختار يتنقّل بين جبهات القتال ويقود المعارك.

ومن أشهر المعارك التي قادها المختار، هي معركة يوم الرحيبة في شرق ليبيا، في 28 آذار/ مارس 1927.وهي من أكثر المعارك التي حصدت فيها إيطاليا خسائر فادحة وانفضح أمرها في روما وبات المختار شبحاً  يتمنّى جميع الإيطاليين الوصول إليه، ورصدت جائزة مالية بلغت قيمتها 200.000 فرنك لمَن يأتي بالقائد عمر المختار ويقوم بتسليمه إلى الإيطاليين.

في إحدى المعارك التي اندلعت في شهر أيلول/ سبتمبر 1931، تمكّنت قوات الاحتلال الإيطالي من إلقاء القبض على أسد الصحراء "عمر المختار"، الذي اقتيد وحيداً وسط الجيوش المسلّحة إلى مدينة بنغازي وتمّ سجنه واعتقاله والتحقيق معه بتِهم مقاومة الإيطاليين لعشرين عاماً، ليُردّد عند إعدامه ببسالة "نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عُمري سيكون أطول من عُمر شانقي".

يرجع محمّد الطيب الأشهب صاحب كتاب سيرة "عمر المختار"صلابة وقوّة عمر المختار في جهاده إلى مدوامته قراءة القرآن يومياً.

يقول الاشهب أن الشيخ الشهيد عمر المختار، روى له في سنة 1926م بأوجلة (جنوب بنغازي) أنه أستأذن من الشيخ محمّد بن حسن البسكرى المثول بين يديّ السيّد الإمام محمّد المهدي عندما خيَّم الركب في موقع بئر السارة فأذن له وكان في نيّة الشيخ الشهيد عمر المختار أن يُجيزه السيّد محمّد المهدي بقراءة الأوراد السنوسية وهي الأدعية الخاصة بشيوخ السنوسية.

وقال الشيخ الشهيد إنه دخل على السيّد محمّد المهدي وقبّل يده فتناول السيّد محمّد المهدي مصحفاً كان بجانبه وناوله إياه وقال له : هل لك شيء آخر تريده ، فقال له الشيخ الشهيد : يا سيّدى إن الكثير من الإخوان يقرأون أوراداً معيّنة من الأدعية والتضرّعات أجزتموهم قراءتها وأنا لا أقرأ إلا الأوراد الخفيفة عقب الصلوات فأطلب منكم أجازتي بما ترون ، فأجابني بقوله : ( يا عمر وردك القرآن ) ، فقال: إنه قبّل يده وخرج يحمل الهدية العظيمة ولم يفارقه ذلك المصحف من ذلك اليوم ، وصار مُداوِماً على القراءة فيه يومياً حيث يختم قراءة المصحف كل سبعة أيام.

ويروي المجاهد الليبي محمود الجهمي الذي حارب تحت قيادة عمر المختار وصاحبه كثيراً، في مذكّراته: أنه كان يأكل معه، وينام معه في مكانٍ واحدٍ، ويقول: (لم أشهد قطاً أنه نام لغاية الصباح، فكان ينام ساعتين أو ثلاثاً على أكثر تقدير، ويبقى صاحياً يتلو القرآن الكريم، وغالباً ما يتناول الإبريق ويسبغ الوضوء بعد منتصف الليل، ويعود إلى تلاوة القرآن، لقد كان على خُلُقٍ عظيم، يتميَّز بميزات التقوى والورَع، ويتحلَّى بصفات المجاهدين الأبرار.

ولقد صاحبَهُ حالُه في التلاوة حتى النفس الأخير، وهو يُساق إلى حبل المشنقة، وهو يتلو قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة ُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً *} [الفَجر: 27-28] ـ