يوتيوب.. هل يتحوّل ترامب إلى ساحر البيانات مرة جديدة؟

  • هل تحقق خطة الاستثمار في يوتيوب فوزاً جديداً لترامب أم أن أزمات الإدارة وفضائحها لن تمحوها الإعلانات المشغولة بعناية؟
    هل تحقق خطة الاستثمار في يوتيوب فوزاً جديداً لترامب أم أن أزمات الإدارة وفضائحها لن تمحوها الإعلانات المشغولة بعناية؟

هذا عصر البيانات لا شك والمستثمر الأشرس يوظف حصيلة التحليل ليتفوق على منافسيه في التجارة والرياضة والحروب وحتى السياسة. 

الموضوع لم يكن يوماً نظرياً بالنسبة للرئيس الأميركي ترامب الذي كان السبّاق إلى استباحة بيانات مستخدمي منصة التواصل الافتراضي "فايسبوك" عام 2016 ليفهم اهتمامات الناخبين بصورة فردية شخصية ويتوجه إليهم بدعايات متسهدفة تستميلهم، ما أعطاه الأسبقية على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.

اليوم، يبدو أن ترامب والقيمين على حملته الانتخابية يجدون في منصة "يوتيوب" الفرصة التي يمكنها مساعدة ترامب على حسم المعركة خصوصاً أن المنافس الديمقراطي جو بايدن ليس أفضل من يوظف هذه المنصات وأدواتها.

الشهر الماضي أي شهر آب/أغسطس، وبصورة مفاجئة وملحوظة، خفّضت حملة ترامب الميزانية الشهرية التي يتم إنفاقها مقابل الدعايات الترويجية على شاشات التلفزة. لماذا؟

أسباب تقليص ترامب اعتماده على التلفاز

يمكن الحديث عن جملة أسباب ودوافع تقف وراء خفض حملة ترامب الميزانية التي يتم انفاقها على الدعايات الترويجية على شاشات التلفزة أبرزها:

1-استبدال هذه الدعايات أو دفعها مقابل دعايات موجهة على منصة يوتيوب. في شهري آب وأيلول فقط، أكثر من 60 مليون دولار تم دفعها لدعايات على يوتيوب وغوغل، والقيمون على حملة الحزب الجمهوري قالوا إن معظمها على يوتيوب.

في المقابل مجموع ما أنفقه الحزب الديمقراطي طوال فترة الحملة لم يبلغ 30 مليون دولار. الموضوع لا يقتصر على الدعايات. ترامب يدرك أيضاً ضرورة صناعة المحتوى الخاص به وبحملته organic content، وينشر من قبل حملته أو الداعمين له، وحتى الناخبين، لأنه ببساطة كلما كان إنتاج المحتوى المرتبط بموضوع أو وسم محدد أكبر، فإن هذا كفيل بتفوقه على محتوى آخر، بحسب محركات البحث. 

هنا تبرز أسماء ونماذج عديدة سمحت بتفوق الجمهوريين في حرب صناعة المحتوى مثل مارك دايس وبن شابيرو كأفراد يروجون لأفكار يمينية متطرفة أو كصفحة براغر يو (prager U) النموذج الأخطر في توليف وصناعة محتوى يغيّر التاريخ والحقائق ليصنع زوايا تستميل الناخب بصورة ممنهجة ومترابطة ضمن حلقات معرفية مبسطة من مؤثرين. 

2-تحقيق نوع من الاستقلالية عن الإعلام التقليدي، وخصوصاً أن ترامب يكرر أن الإعلام التقليدي كاذب وأنه يحارب حملته. من خلال الاستفادة من منصة يوتيوب كمساحة أساسية في بث مواد الرئيس الأميركي يتحول ترامب إلى ناشر مستقل للأخبار. المضي بهذا الخيار أصبح واقعاً لأن حملة ترامب تفعّل نشاطها في نشر المواد والدعايات على منصة يوتيوب كلما اقتربنا من النهار الانتخابي حتى أنها حجزت الصفحة الرئيسية في يوم الانتخابات وهي طبعاً أغلى مساحة إعلانية رقمية.

3-استجابة تقنية تلقائية لمتطلبات المرحلة واستغلال ظروف إلغاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي معظم التجمعات البشرية والتركيز على البث المباشر أي انتقال الحملات الرئاسية لعام 2020 إلى تجربة رقمية في الغالب. التركيز سيكون على قنوات الحزبين في منصة يوتيوب، وبالتالي تتعزز إمكانية تمرير رسائل ضمن الدعايات للتأثير بالناخبين. حتى أن حملة ترامب تفوقت في موضوع بث المؤتمر ففي حين تم تقطيع المداخلات بصورة ذكية تسمح للمتابع بمشاهدة المتحدث الذي يريده مع سهولة تحميل ونشر المقطع على باقي المنصات، قام الحزب الديمقراطي بعرض المؤتمر دفعة واحدة ليظهر الضعف باستراتيجيات توسيع الانتشار انطلاقاً من محتوى يويتوب.

4-تغيير السردية السلبية القائمة في التغطيات الإعلامية نتيجة تفشي الوباء والمشاكل الاقتصادية المرافقة لها. على منصة يوتيوب يسعى القيمون على حملة ترامب إلى زرع الأفكار الايجابية والمواد التي تستعيد التفاؤل والحيوية على عكس ما يجري على الشاشات التقليدية وحتى منصات التواصل الاجتماعي حيث التفاعل حول الأخبار والآراء. هذا النفس الإعلامي قد يشكل رافعة لترامب في حملة إعادة انتخابه لأنه يجعل صورة الرئيس الأميركي مقرونة بأمور إيجابية من قوة وانجازات تساعده على تسويق أدائه بصورة أقوى.

ما الهدف من هذا الاستثمار؟

من بين كل 10 أميركيين، 9 منهم على الأقل يستخدمون يوتيوب في الفئة العمرية بين 18 و29. هذا يعني أن ترامب يريد الوصول إلى عدد أكبر من الناخبين الشباب. ففي حين لا يتعاطى كثيرون مع منصة يوتيوب كباقي المنصات (أي تويتر وفايسبوك وغيرها) لأنها ليست تفاعلية بالأسلوب والشكل نفسه إلا أنها تكتسب أهمية غير عادية مع تحول معظم المؤتمرات والتجمعات للانعقاد بصورة افتراضية وتوجه الناس لقضاء وقت أكبر معزولين إلا من شاشات الموبايل.

خلاصة:

أسابيع قليلة تفصلنا عن المشهد الانتخابي وكما درس الخبراء تأثير فايسبوك على رأي الناخب الأميركي عام 2016 سيكون الدور الذي لعبته يوتيوب أساسياً في فهم المشهد الانتخابي بعمق هذه المرة. فالحقيقة أن يوتيوب هو محرك بحث في المقام الأول ومن بعد البحث يعرض الفيديوهات، وبمحاولة للبحث عن خبر أو موضوع اليوم، ينتهي بك الأمر بالحصول على مادة يمينية تتغذى بالقوة بدلاً من الأخبار والمعلومات الموضوعية.

في جبهة الإعلام الافتراضي، المرشح المقنع هو الذي يتصل ويتواصل مع الناس، يلفت انتباههم ومن ثم يقنعهم. ولكي يحصل هذا الأمر هو بحاجة إلى تكامل عناصر اللعبة من صناعة محتوى إلى دعايات تضخم الصوت وتسمح له بالوصول.

أما العنصر الأهم فهو العفوية، تماماً كما يفعل مؤيدو ترامب بصناعة ونشر المحتوى على قنواتهم المختلفة.

إذا كان استثمار ترامب في بيانات فيسبوك أسهم في وصوله إلى البيت الأبيض، فهل تحقق له خطة الاستثمار في يوتيوب فوزاً جديداً أم أن أزمات الإدارة وفضائحها لن تمحوها الإعلانات المشغولة بعناية؟