صالح علماني.. "كولونيل الترجمة" يترجل عن حصانه

المترجم الفلسطيني السوري صالح علماني يرحل بعد أن «ألَّف الظّلّ» لأكثر من مئة رواية بلغة سربانتس.

  • صالح علماني.. "كولونيل الترجمة" يترجل عن حصانه
    المترجم "صالح علماني" رحل بعد أن «ألَّف الظّلّ» لأكثر من مئة رواية بلغة سرفانتس

كما أن أي نص يشهد ولادةً ثانيةً عند ترجمته إلى لغة أخرى، فإن المترجم الفلسطيني السوري صالح علماني الذي غادرنا أمس الثلاثاء في إسبانيا عن 70 عاماً، له تاريخا ميلاد؛ الأول بعد النكبة عام 1949 حين أنجبته والدته في باحة مدرسةٍ ضمن "مخيم الوافدين" بمدينة حمص السورية، والثاني بعد ذلك بثلاثين عاماً يوم صدور أولى ترجماته عن الأدب الإسباني لرواية غابرييل غارسيا ماركيز "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"، والتي أعلنت بداية ورشةٍ استمرت طيلة 40 عاماً فاقت فيها ترجمات علماني المئة رواية، ونال عنها العديد من الألقاب: "عرّاب أدب أميركا اللاتينية إلى لغة الضاد"، و"كولونيل الترجمة عن الإسبانية"، و"ثروة وطنية ينبغي تأميمها"، كما قال عنه محمود درويش بعدما قرأ ترجمته لأشعار رفائيل ألبيرتي.

أربعة عقود من العمل الدؤوب في الترجمة فجَّرَت بدايتها "مئة عام من العزلة"، ففي بداية سبعينيات القرن الماضي سافر علماني إلى برشلونة لدراسة الطب، ثم تركها لصالح الصحافة التي لم يبق فيها أكثر من عام، عمل بعدها في الميناء مختلطاً بعالم القاع كأي متشرد. وبينما كان يتسكع في أحد مقاهي برشلونة ذات مساء، نصحه صديق بقراءة كتاب، كان الطبعة الأولى من "مئة عام من العزلة" لماركيز. عندما بدأ بقراءتها، أصيب بصدمة لغتها العجائبية التي شدته بعنف صفحة بعد صفحة، فقرر ترجمتها إلى العربية. 

وبعد أن أنجز فصلين منها عَلِمَ بصدور نسخة عربية منها، لذلك تركها، لكن بعد عودته إلى دمشق، ظل أدب ماركيز يشده، فترجم قصصاً قصيرة له، نشرها في الصحف المحلية، ثم انكب على ترجمة "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" عام 1979. هذا الكتاب الذي لفت انتباه الناقد حسام الخطيب، فكتب أن شاباً فلسطينياً يترجم أدباً مجهولاً لقراء العربية، لتقود هذه الملاحظة علماني إلى امتهان الترجمة، لا سيما بعد قراره الذي طالما تحدَّث عنه بالقول: "أن تكون مترجماً مُهِمّاً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً"، وهو ما دفعه لتمزيق مخطوط روايته الأولى من دون ندم، مُنخرطاً في ترجمة روايات الآخرين بوتيرة قوية، لدرجة أنه كان يقضي 10 ساعات يومياً في نقل أدب اللغة الإسبانية إلى العربية. 

  • صالح علماني.. "كولونيل الترجمة" يترجل عن حصانه
    المترجم "صالح علماني" رحل بعد أن «ألَّف الظّلّ» لأكثر من مئة رواية بلغة سرفانتس

أعيش الرواية

ترجم الراحل صالح علماني كل أعمال ماركيز باستثناء "خريف البطريرك"، مُبرِّراً اهتمامه بهذا الأديب أكثر من غيره بـأن "قراءة ماركيز سهلة لكن ترجمته صعبة، إذ يغرق في التفاصيل ويمزج الوقائع بالشعر. في المقابل، أشعر أثناء ترجمته بأنني أعيش الرواية كما لو أنني أكتبها، فحين عملي على (مئة عام من العزلة) أحسست كأنني لا أزال مع (فلورينتينو اريثا) ومعشوقته (فيرمينا داثا) نبحر في رحلة ذهاب وإياب مدى الحياة، والأمر ذاته وجدته في أعمال ماريو بارغاس يوسا، لدرجة أنني أثناء انهماكي بترجمة روايته (توما في الأنديز)، اتصل بي أحدهم سائلاً: أين أنت؟، فأجبته مباشرةً: أنا في الأنديز". 

إلى جانب ترجماته الماركيزية لـ"الحب في زمن الكوليرا"، "قصة موت معلن"، "ليس لدى الكولونيل من يراسله"، "مئة عام من العزلة"، "عشت لأروي"، "ذاكرة غانياتي الحزينات"، "ساعة الشؤم"، "الجنرال في متاهة"، ترجم ليوسا "حفلة التيس"، "دفاتر دون ريغوبرتو"، "رسائل إلى روائي شاب"، "امتداح الخالة"، "من قتل بالومينو موليرو"، "شيطنات الطفلة الخبيثة"، ولإيزابيل الليندي كل من "إنيس.. حبيبة روحي"، "ابنة الحظ"، "صورة عتيقة"، "حصيلة الأيام"، "باولا"، ومن ترجماته أيضاً كتب: "كل الأسماء" و"انقطاعات الموت" لجوزيه ساراماغو، و"مدينة الأعاجيب" لإدواردو ميندوثا، و"رؤى لوكريثيا" لخوسيه ماريا ميرينو، و"ساعي بريد نيرودا" لأنطونيو سكاراميتا، وترجم كتباً لإدواردو غاليانو، وخوان رولفو، وغيرهم من أبرز كتّاب القارة اللاتينية. لكنه كان يرغب بأن يُسدِّد بعض ديونه لمجموعة من الكتاب المغمورين من أمثال الأرجنتيني توماس ايلوي، والأورغوياني خوان كارلوس وينتي الذي يُعتبر الأب الشرعي للواقعية السحرية، إلى جانب كل من أوغوستو روا باستوس، وجيوكاندا بيللي، وسيرجيو راميرث الذين يمثلون موجة ما بعد الواقعية السحرية في الأدب الإسباني، لكن رغبات دور النشر لم تتوافق مع رغبته. 

  • صالح علماني.. "كولونيل الترجمة" يترجل عن حصانه
    المترجم "صالح علماني" رحل بعد أن «ألَّف الظّلّ» لأكثر من مئة رواية بلغة سرفانتس

النبض الأصلي

صحيح أن علماني نقل أكثر من 100 رواية عن لغة ثربانتس، لكنك تشعر بأنها كُتِبَتْ من قبل شخص واحد، إذ لطالما اشتغل المترجم الفلسطيني باعتباره "مؤلف الظل"، مؤكداً أكثر من مرة بأن "الأسلوب هو المترجم"، معتبراً أن المُهمّ، كما صرَّح في أحد حواراته، هو "الدقة في التقاط النبض الأصلي للنص، والحدس في اكتشاف المعنى الدقيق للجملة، الذي يصبح ضرورةً مع لهجات محليّة تتطلب معرفة خاصة بمقاصد الكُتّاب، بحيث أن أمانة المترجم لا تبرّر تخريب النص الأصلي، وبالطبع، هذا لا يعني تغيير أفكار النص. فلكل لغة منطقها الخاص، وليس بالضرورة أن يتقاطع المنطقان بلاغياً، المهم ألا تُفسد النكهة الأصلية للعمل، فمهما كان المترجم بارعاً، لن يصل إلى ذروة اللغة الأصلية بسبب اختلاف القواعد. لكنه يحاول إيجاد معادل لها. خوليو بالتزار مثلاً يحطم في أعماله القواعد، ويلعب ببنية الجملة مثل بهلوان. في هذه الحال، على المترجم أن يقوم بالألعاب ذاتها وبمنطق لغوي مشابه". 

  • صالح علماني.. "كولونيل الترجمة" يترجل عن حصانه
    المترجم "صالح علماني" رحل بعد أن «ألَّف الظّلّ» لأكثر من مئة رواية بلغة سرفانتس

جغرافية النص

هذا اللعب اللغوي الذي مارسه الراحل صالح علماني في مقاربة أساليب المؤلفين الذين يكتبون بالإسبانية، وتوحيدهم في بوتقته بلغة الضاد، بعد صقلها بشعرية مُبهرة توصل القارئ إلى اللذة بأبهى حُلَلِها، كان يتم بعد قراءته للنص 5 مرات، ثم تأتي الترجمة المباشرة على الكمبيوتر، وعندما كان ينجز بضعة صفحات، يقرأ ما ترجم بصوت عالٍ لمعرفة جرس الكلام المتخفي وراء جمله، مؤكداً أن الأهم في الترجمة هي الدقة، من دون أن يعني ذلك الترجمة الحرفية التي يرتكبها البعض كجرائم لغوية لا تُغتفر.

ذلك أن الأجدى هو تشكيل جغرافيا النص جمالياً، بعد معرفة أسرار اللغتين: اللغة الأم واللغة المترجم عنها، لأنه من دون ذلك لا يمكن "إثراء التراث الإنساني عبر الترجمة" وتالياً لن تكون ذاك الجسر المتين للتواصل بين الثقافات، كما كان يردد علماني. 

نُشرت ترجمات المترجم الفلسطيني في بيروت ودمشق وعمَّان والكويت والقاهرة وتونس وأبو ظبي والرياض والدوحة، كما أشرف بشكل دوري على ورشات عمل تطبيقية في الترجمة الأدبية بمعهد ثربانتس في دمشق ما قبل الأزمة. 

وفي العام 2013، كرّمته مدرسة المترجمين في طليطلة بجامعة "كاستيا لامنتشا" الإسبانية، كما كرمه اتحاد الأدباء والكتاب العرب خلال احتفالين في مدينتي طنجة المغربية وأبو ظبي الإماراتية عام 2015، وفي العام نفسه، نال جائزة "خيراردو دي كريمونا" الدولية للترجمة. وحصل على جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولية للترجمة (فرع جهود الأفراد) عام 2016. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

بديع صنيج

صحافي من سوريا