أصوات داخلية: معرض البحث عن الذات في زمنه

تأتي اللوحات تعبيرات عن مسار حياةٍ تواجه فيه الفنانة، كأيّ إنسانٍ في العصر العابِر، صعوبات وضبابيّة وغموضاً في البحث عن وضوح.

  • أصوات داخلية: معرض البحث عن الذات في زمنه
    انكفاء

في معرض تشكيلي هو الأول مُنفرداً للفنانة اللبنانية بتينا جبور، تقصٍ عن أصداء "أصوات داخلية"، بحسب عنوان المعرض، وأسباب هذه الأصوات، ومصادرها، وتجلّياتها صوَراً وألواناً وأشكالاً، حيناً واضحة المعالِم، وأحياناً مُتماهية، إن هي في تعقيدات التساؤل عنها إلا أفكار، وهواجِس إنسانة تعيش عصر التخبّط، والضَياع، وغياب القِيَم التي تجعل الحياة مُتَّسِقة، والمصير قبل الرحيل واضِح المعالِم والمآل.

يقوم المعرض في "غاليري زمان" في الحمراء، بمجموعة لوحات يطغى فيها الشكل المُعمَّم بتنويعاتٍ مُتعدِّدةٍ، كلها لأشخاصٍ، أو لشخصٍ واحدٍ، وربما كان هذا الشخص هو عينه في لوحةٍ واحدةٍ، مُتكرِّراً كتسلسل صوَر فيلم تُعطي تنويعاته حركة هادِفة، ومعانٍ مُتجانِسة.

  • أصوات داخلية: معرض البحث عن الذات في زمنه
    صداقة

يطغى على المعرض التجريد المُخفَّف ببعض انطباعيّة، في تقنيةٍ تبدو أن مقصدها هو ضبابية المُعاناة مع تلميحٍ للمشاعر والهواجِس والأفكار، في تقنيةٍ شاءت الفنانة جبور أن تتحدَّث بها عن نفسها، وما تعيشه في دوَّامة العصر من ضياعٍ، وإبهام آفاق.  

تبحث جبور عن ذاتها، في المجتمع، وفي الكون، في المُثير في الدنيا، والمصير في الآخرة، فتعود إلى ذاتها دائماً، تُقيم عُزلة بينها وبين نفسها، تنكفىء، أحياناً عقلياً، وأحياناً جسدياً، وأحياناً تكون مُنعزِلة حتى في مكانٍ صاخِبٍ. تكون ساعتها في حال عودة غير مُحدَّدة المسافة والزمن، لنفسها، تتساءل باحِثة عن مكامِن القلق وسؤال المصير. 

بتينا جبور في معرضها، وما يكتنفه من تساؤلاتٍ، وتعابير، تُعبِّر عن مُعاناة جيلٍ لبناني، هو نموذج لأجيال العالم، ضائِعة الرؤى، في قرن العولَمة المُتوحشِّة المُنتَهكِة لكل قِيَم الإنسانية، ولأجيالٍ لبنانيةٍ لم ترَ في حياتها إلا الاضطراب والتوتّر، وإن هو إلا ارتداد لعالمية المُعاناة، وغياب آفاق البدائل لأجيالٍ صاعِدةٍ تبحث عن ذاتها، فلا تجد إلا الأصداء، تتردَّد كالأصواتِ الداخلية، في ضبابيّةِ الجواب، أو غيابه التام.   

لا تعتبر جبور نفسها تعاني مشكلة شخصية ممزوجة في الانفعال العاطفي، وثقل التساؤل، واستعصاء الجواب رغم أن تعابيرها الفنية توحي بإنسانة مُضطرِبة، ضائِعة، مُتشاكِسة مع نفسها، ومع محيطها، تريد العزلة ليس هرباً، وإنما مساحة تأمّل، تتصارع مع ذاتها لعلَّها تجد وضوحاً لصورةِ هواجِسها حول الحياة.

تعبيريّة المعرض تعبر لوحاته كافة، بأشكالٍ لا تُتيح التمتّع بجمالياتٍ فنية، لكن المتعة فيه هي البحث في كل لوحةٍ عن فلسفةِ حياة، وما في اللوحات من همّ، وما وراءها من مقاصِد.  

كل اللوحات أجساد ووجوه، وتحدّي النزعة الجمالية المباشرة لمدارس الفن التقليدية، لا تأبه لاستغرابٍ من بشاعة، ولا لعرضٍ قاتِمِ اللون والأضواء والظِلال. كأنها تُلقي في كل لوحة ما استخرجته في عُزلتها المقصودة، وفي كل مرة بطريقةٍ مُختلفةٍ، تعبيراً عن مشاعرها في تلك اللحظة.

  • أصوات داخلية: معرض البحث عن الذات في زمنه
    ذات

هكذا تأتي اللوحات تعبيرات عن مسار حياةٍ تواجه فيه الفنانة، كأيّ إنسانٍ في العصر العابِر، صعوبات وضبابيّة وغموضاً في البحث عن وضوح، تعثر على لِمام له، لكنها لا تعثر عليه صورة مُتبلوِرة.

  • أصوات داخلية: معرض البحث عن الذات في زمنه
    أصوات داخلية: معرض البحث عن الذات في زمنه

إنها انعكاس مباشَر لفوضى العصر المُضطرِب القائِم على الطَمَع المادي، غايته تبرِّر وسيلته، لا همَّ لديها أن تقتل الإنسانية، وتنتهكها، ولا تتردَّد في المزيد الذي يبدو على حدود شهواتها، مؤبّداً، غير مُتناهٍ، خصوصاً في غياب بدائل تطرح إمكانية نهاية له، شهد نماذج لها عصر ما قبل "ما بعد الحَداثة"، وبغياب هذه النماذج، استعصى الراهِن على السقوط، والرحيل إفساحاً في المجال لبدائل أفضل وأرقى على غرار ما شهده عصر الحَداثة قبل الثورة الفرنسية، وبعدها بقليل، وشهد نماذج منها عصرنا الراهِن.  

المهارة الفنية لجبور تكمُن في نجاحها في تحويل الاهتمام من المتعة الشخصية الفنية المباشرة، إلى تحدّي فَهْمِها إنسان العصر الراهِن، وفي قُدرة ريشتها على خَلْقِ الصورة المُتمِّمة لفكرة البحث عن الذات.

جبور فنانة ناشِئة، درست الفنون في معهد الكفاءات، وتواصل اختصاصها الفني في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، لها تجارب وخبرات في مجالات التسويق الفني، وعرضت أعمالها في مختلف أصناف الفنون التشكيلية في مهرجان فني في بيروت، وفي معرض بلدية الحازمية لخرِّيجي الفنون، بين نيسان/ أبريل وأيار/مايو 2018.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت