رحيل سهيل زكار.. تلميذ برنارد لويس أحيا تاريخنا ودافع عنه

الباحث والمؤرخ السوري سهيل زكار يرحل بعد مسيرة عقود، تاركاً لنا نحو 150 ألف صفحة من تاريخ العرب والمسلمين.

  • سهيل زكار

عن 84 عاماً، رحل الباحث والمؤرخ السوري، سهيل زكار، يوم الأحد المنصرم، بعد مسيرة دامت عقوداً، مخلّفاً لنا نحو 150 ألف صفحة أوغل فيها بدراسة تاريخ العرب والمسلمين.

المؤرخ المولود في حماه في العام 1936، بدأ رحلته مع التاريخ في جامعة دمشق، وكان موضوع رسالته في مرحلة الماجستير "إمارة حلب في القرن الحادي عشر للميلاد"، قبل أن يسافر إلى لندن في العام 1964، ساعياً إلى الحصول على شهادة الدكتوراه. 

يُجمع من نعى زكار على أنه واءم بين الأكاديمي والتطبيقي في شغله البحثي، متعالياً على ما يثيره العمل الأكاديمي، التاريخي خصوصاً، من حساسيات دينية وطائفية، فقد سبر خلال مسيرته البحثية أغوار معتقداتنا الدينية وأسرارها في منطقة تعتبر مهد الحضارات الإنسانيّة، وشهدت بسبب موقعها الكثير من الحروب والاحتلال خلال التاريخ. 

هكذا، قدّم لنا زكار "الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية"، و"مدخل إلى تاريخ الحرب الصليبية"، و"ماني والمانوية"، و"مختارات من كتابات المؤرخين العرب"، و"تاريخ العرب والإسلام"، و"تاريخ يهود الخزر"، راداً على ما أثارته أعماله من ردود فعل، قائلاً في حوار أجري معه: "أنا لا أحترم إنساناً في القرن الحادي والعشرين يحمل هوية الانتماء إلى وطن، وهو لا يزال مخلصاً في الحقيقة للطائفة، وليس مخلصاً للوطن. أنا أزدري هذا النوع من الناس، ولا أقيم لهم وزناً".

وأضاف: "أنا أنتمي إلى قرمط وإلى عائشة. أنتمي إلى كل ماضي هذه الأمة. أنا محصّلة من محصّلات الحضارة العربية التي صنعها السني والشيعي والمسيحي وكل أفراد هذه الأمة. هذا الانتماء يجعلك حيادياً بين الجميع. أنا أكتب في التاريخ، ولا أصدر فتاوى. لا أكفّر، ولا أمنح شهادات إيمان، وإنما أحاول بقدر ما يمكن أن أكون علمياً ووثائقياً، ويبدو أنّ العلمية والوثائقية تغضب كثيراً من الناس".

حلم المؤرخ السوري كثيراً بأن تكون مكتبته الضخمة في الغوطة مركز بحث عن القضية الفلسطينية، لكنها تعرضت للتخريب بسبب الحرب في سوريا، فاحترق جزء كبير منها، ذلك أن جميع أعماله كانت تسعى إلى تقديم إسهامات في خدمة الأمة العربية وتراثها الإنساني، بما فيها القضية الفلسطينية.

وعزا تفرّغه للبحث في تاريخ الجماعات الدينية إلى أنَّ "كل الدنيا الآن مثارة بالأبحاث والعقائد الدينية. وما سمعناه من مشكلة الدنمارك (الصور المسيئة إلى الرسول) يعتبر جزءاً من الجو العام في العالم كله. لذلك، وبصفتي باحثاً في التاريخ، لا بدّ من أن أعيش في أجواء الدنيا. كل هذا يجتمع مع بعضه البعض، ويؤدي إلى نشر كتب وترجمتها"، مؤكداً أن تعامله كمؤرخ مع اليهودية التي ترجم الكثير عنها، هو "تعامل علمي"، مؤكداً أنه "عدو للصهيونية".

  • سبر خلال مسيرته البحثية أغوار وأسرار معتقداتنا الدينية

لكن ماذا عن علاقته بالاستشراق وبالمؤرخ والمستشرق البريطاني برنارد لويس؟ 

في حوار له مع صحيفة "الرياض" في العام 2009، رأى المؤرخ الراحل أن "شمس الاستشراق غابت في كلّ أنحاء الدنيا". وعلى الرغم من الإسهامات التي قدّمها، "لكن لا يوجد مستشرق يمكن أن نسميه منصفاً وصديقاً للحقيقة العربية، إلا ويمتلك نوازع".

  • برنارد لويس

وفي حين كان جلّ المستشرقين الأوائل من رجال الدين، أكد زكار أن "كل الأعمال الاستشراقية اليوم تقريباً تحت إشراف رجال من الصهاينة".

اعترف الراحل بأن لبرنارد لويس فضل عليه، إذ تأسّس أكاديمياً في جو من الحرية العلمية. ويقول: "للإنصاف، عندما أعددت رسالة الدكتوراه - كانت حول حلب (1004-1094) - لم يتدخّل أستاذي المشرف (لويس) في آرائي وتوجهاتي".

ويضيف: "عرفت لويس في العام 1964 عندما سافرت إلى لندن. كان رئيس قسم التاريخ وأستاذ تاريخ العرب والإسلام. وقد سجّل معه أكثر من 17 طالباً من مختلف البلدان العربية والإسلامية، وكنت واحداً من هؤلاء الطلبة. عندما ذهبت في البداية إلى إنجلترا، لم أكن أعرف سوى بضع كلمات باللغة الإنجليزية... لويس يهودي، لكن خلال وجودنا معه، لم نشعر في يوم من الأيام، كطلبة، بتعصّبه أو عدم حياديته. على العكس، أذكر أن زميلاً عراقياً قُطع عنه مرتبه الشهري من العراق، فسألني لويس عنه، فقلت إنه يعيش معاناة. عندها، طلب من الجامعة أن تنفق عليه، وهذا ما جرى، والحق يقال".

وفي حرب العام 1967، وبعد عودته إلى بريطانيا من سوريا، كنت قد "حضرت الحرب في سوريا وشهدتها. وعندما رجعت، سألني فقط: ما الذي حصل؟ ولم يبدِ أي شماتة".

لكن زكار يتذكّر في نهايات العام 1968 عند وصول أحد الطلاب اليهود من أميركا، وإفصاحه له بأنه مكلّف من قبل "السي آي إي" بأخذه إلى الولايات المتحدة، وهذا ما حصل، إذ طلّق لويس زوجته في العام 1971، وذهب إلى أميركا ليعلن نفسه من هناك صهيونياً ومبغضاً للعرب والإسلام.

  • الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية

وحول هذه النقطة، قال زكار حينها: "الصورة التي شكّلناها أثناء إشرافه علينا وتعاملنا معه، اختلفت نهائياً. لقد تجاوز الرجل التسعين عاماً، وهو الآن، كما سمعنا، مخطّط ومستشار، وله تأثير في البيت الأبيض. هكذا قيل. وفي المحصلة، كتب كتابات مقيتة جداً".

وعى المؤرخ السوري الراحل تراجع الاهتمام بدراسة التاريخ في عالمنا العربي، وخطر ذلك على الذاكرة والحضارة. ولذلك، علّق آماله على الشاشة الصغيرة لتقديم "التاريخ الصحيح". 

من هنا، ساهم زكار في مراجعة الأعمال التلفزيونية السورية التي تعيد سرد التاريخ، ومنها مسلسلات "فارس بني مروان"، و"هارون الرشيد"، و"البحث عن صلاح الدين".