هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟

ليست "الملك لير" المسرحية الوحيدة التي تشير إلى الطاعون أو الوباء، وهو واقع دائم لشكسبير ومعاصريه.

  • هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟
    هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟

كان الوباء منتشراً في زمن شكسبير. أغلقت المسارح وتوقفت الحياة الاجتماعية. فهل كتب الشاعر والمسرحي الإنكليزي الشهير مسرحيته "الملك لير" بينما كان في العزل الصحي؟ فلنتحقّق من الأدلّة.

في حين أننا نعيش اليوم في زمن العزلة الطوعية، تجنّباً للوقاية من فيروس "كورونا"، حيث يعمل بعضنا من بيوتهم، فيما البعض الآخر يمضون أوقاتهم في مُشاهدة مقاطع الفيديو وغيرها، إنتشرت على وسائل التواصل "ميم - meme" تدّعي أن شكسبير، كتب مسرحية "الملك لير" خلال فترة العزل الذي قضاها في بيته أثناء انتشار الطاعون. 

يُفترض أن شكسبير استفاد من تلك العزلة الطويلة التي عاشها معظم سكان العالم حينها، للاستفادة من مسودّات مشاريعه الأدبية التي كانت لم تزل حبيسة الأدراج، ليخرج لنا لاحقاً "ماكبث" و"أنتوني" و"كليوباترا". 

من المُنصف القول، إن مهنة شكسبير، الكاتب المسرحي، تأثّرت بالطاعون الدبلي* بطُرُق يصعب تصوّرها الآن. 
بعد أشهر من ولادته، نجا شكسبير الرضيع من المرض الذي تفشّى في بلدته، في صيف العام 1564، وأسفر عن وفاة ربع سكان البلدة. عندما كبر، كان شكسبير قد سمع قصصاً لا نهاية لها حول هذا الحدث المروّع، وركع مع المُصلّين في الكنيسة خلال إحياء الذكرى الرسمية للمفقودين. 

عندما أصبح شكسبير ممثلاً مُحترِفاً ، ثم كاتباً مسرحياً ومُساهماً في "شركة لندن"، مثّل انتشار الطاعون بالنسبة له تهديداً مهنياً ووجودياً. حينها، لم يكن لدى الأطباء أية فكرة عن أن المرض ينتقل عن طريق براغيث الفئران، وفي اللحظة التي تفش ى فيها الطاعون خلال أشهر الربيع أو الصيف، حيث تكون مواسم المسارح في ذروتها- وجدت السلطات صعوبة في حَظْر التجمّعات. وبالنظر إلى أن السلطات وقتها، كانت تشك بأن المسرح يمثل تحريضاً على الأخلاق الدينية وتكريساً للفجور والضلال، فقد تم إقفالها قبل أية أماكن اختلاط أخرى مثل الحانات وغيرها.

هكذا، بين الأعوام 1603 و 1613، وعندما كانت سلطات شكسبير ككاتب في أوجها، أغلق مسرح "غلوب" وغيرها في لندن لمدة 78 شهراً.

  • هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟
    هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟

كانت هذه فترات مُظلِمة للمسارح بأكثر من معنى. فقد تم إجبار الممثلين على امتهان أعمال أخرى غير التمثيل، وبطبيعة الحال، توفى الكثير منهم (كان الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام ومنتصف الثلاثين من العمر عرضة للخطر بشكل خاص). 

حسناً، ماذا عن نظرية "الملك لير"؟ ليس الأمر مًُستبعداً أو مستحيلاً على أية حال. إذ من المعلوم أن المسرحية تم تمثيلها أمام الملك جيمس الأول في العام 1606، وهو يرجّح احتمال أن تكون قد كتبت في العام نفسه أو في العام الذي سبقه. 

هذا ما يشير إليه المؤرّخ المسرحي جيمس شابيرو، قائلاً إنه "كان هناك حدث طاعون كبير في لندن في صيف 1606، ما أدّى إلى إغلاق جميع المسارح. لم يكن تفشّي المرض سيّئاً، كما حدث قبل ذلك العام بثلاث سنوات حيث مات أكثر من عُشر سكان لندن، لكنه عاد وأصبح أكثر انتشاراً وحدّة خلال الصيف وأوائل فصل الخريف، وكانت أبرشية لندن حيث عاش شكسبير واحدة من المُتضرّرين". وشهد شكسبير في ذلك العام موت صاحبة المنزل الذي يُقيم فيه، ماري ماونت جوي.

عندما نعرف هذه التفاصيل، يبدو من الصعب عدم سماع أصداء "الملك لير"، تلك المأساة الكئيبة التي كتبها شكسبير. إذ لا بد من أن المزاج السائد في المدينة كان مروّعاً حيث الشوارع المهجورة والمحلات المغلقة، والكلاب حرّة الحركة، وأجراس الكنائس تقرع إلى ما لا نهاية للجنازات. يبدو أن شيئاً شبيهاً كان يحدث في عالم المسرحية. حيث النص المُشبَع بصوَر الموت والفوضى والعدمية واليأس. 

لا نعلم يقيناً إن كان لير يمثل نصاً "طاعونياً" صريحاً- فهو ليس واضحاً جلياً كما جاء في كتاب "الكيميائي" لبن جونسون، أو كتيب الصحافة المثير للسخرية لتوماس ديكر "The Wonderful Year"، الذي يرتبط بالأحداث المروّعة لعام 1603 - لكنه يبدو كذلك بالتأكيد.

ليست "الملك لير" المسرحية الوحيدة التي تشير إلى الطاعون أو الوباء، وهو واقع دائم للكاتب المسرحي ومعاصريه. وعلى الرغم من عدم وجود العديد من الإشارات المباشرة إلى الطاعون الدبلي في نصوصه، إلا أننا نستطيع تلمّس إشارات حول وجوده، وذلك عبر الشعور به أكثر من رؤيته. أحياناً، يكون ذلك في الحبكة كما في مسرحية "روميو وجولييت"، حيث يؤدّي تفشّي الوباء إلى إصابة الرسول الذي أرسله الراهب لورانس ويجبره على التزام الحَجْر الصحي. وهذا يعني أن الرسالة التي تحمل أخباراً أن جولييت زورت وفاتها لا تصل إلى روميو. 

وكذلك الحديث في بداية المسرحية على لسان "ميركوتيو" الذي يقول "وباء في منزليك!"، وإن كان ربما يشير حينها إلى مرض مميت آخر في ذلك الوقت، وهو الجدري.

لكن في المسرحيات المكتوبة لاحقاً بعد التفشّي المُرعِب للطاعون عام 1603، يبدو أن الكثير من الاستعارات المَرَضية كانت واضحة في أعمال شكسبير. هذا ما نلاحظه في مسرحية "تيمون الأثيني" التي لم تعرض كثيراً، والتي تتمحور حول رجل يختار منفاه بنفسه، حيث لا تكاد كلمة "الطاعون" تغادر شفتيه: "الأوبئة"، "لقد تتوّجوا بالوباء"، "ردّوا إليهم الوباء". 

أما مسرحيته التراجيدية "ماكبث"، التي يتوقّع أنها كُتِبَت خلال وباء عام 1606، فقد صيغت على شكل خطاب قصير ومعقّد كان سيثير الخوف لدى العديد من المتفرّجين لو عُرِضَت في حينها.

وكما يلاحظ شابيرو فإنه "على الرغم من أن الخطاب المسرحي لا يتعدّى 4 أسطر، يبدو أنه لا يوجد وصف أفضل للرعب الذي يحمله الوباء". 

  • هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟
    هل كتب شكسبير "الملك لير" وهو في العزل الصحي؟

لكن الخطاب المسرحي في "الملك لير" كان مباشراً وأكثر وحشية، حيث يصرخ كينت، اليد اليمنى للملك، أمام الخادم أوزوالد بما معناه: "فليأخذ الطاعون بوجهك!"، أما الملك لير فيصف "الأوبئة التي تتدلّى في هذا الهواء النابض"، مشيراً إلى النظرية الشائعة القائلة بأن المرض يمكن أن ينتشر عبر الهواء. وفي أحد صيحاته العديدة، يطلق الملك لير على ابنته غونيريل "قرحة الطاعون، جمرة منقوشة في دمي/ التالف" في إشارة إلى تضخّم الغدد الليمفاوية، وهو أحد أعراض الطاعون الدبلي. 

من الجدير بالملاحظة أيضاً، أنه وخلال تفشّي الطاعون الرهيب في العام 1592، عندما تم إغلاق المسارح لمدة ستة أشهر تقريباً، تحوّل شكسبير إلى كتابة الشعر، فنظّم قصائده السردية الطويلة مثل فينوس وأدونيس واغتصاب لوكريس خلال ذلك الوقت، ربما لأنه كان يائساً من إمكانية حصوله على دخل من مصدر آخر غير المسرح. يبدو أن هذا كان جيداً بطريقة ما، إذ لولا عزلته، لكان شكسبير قد ظل شاعراً ولم يخرج لنا "لير" و"روميو وجولييت" و"هاملت" وغيرها من كنوز المسرح العالمي.


• الطاعون الدبلي: الطاعون الدبلي " bubonic plague" هو مرض حيواني المنشأ وينتشر بين القوارض الصغيرة "الفئران والجرذان" والبراغيث. يقضي هذا المرض على ثلثي المصابين في حال عدم خضوعهم للعلاج اللازم.