في يومها.. كيف "استعاد" أدباء فلسطين أرضهم؟

سعى الروائيون والشعراء إلى تعميق الوعي الفلسطيني بأن الصراع مع المحتل ليس على الأرض فحسب، بل هو صراع ثقافي لا نكسب فيه إلا بمراكمة المعرفة. 

  • في يومها.. كيف "استعاد" أدباء فلسطين أرضهم؟

كما سواهم من العرب، لم يطرق الفلسطينيون أبواب الرواية مبكراً. وقبل تعرّفهم على هذا الشكل من الفن السردي الحديث، كانوا ينظّمون الشعر الموزون وخطا الجيل الشاب منهم أولى خطواته نحو قصيدة النثر. 

لذلك، بقي الشعر البوابة الوحيدة إلى عالم الأدب، والمعبر لإيجاز الواقع والطموحات القومية والوطنية، كما هي الحال مع شعراء مثل إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود ومحمد إسعاف النشاشيبي وآخرين. 

وتشير دراسات أدبية إلى أن القصة العربية والفلسطينية قبل النكبة كانت في مراحلها التجريبية، وما أنتجه أدباء فلسطينيون في تلك المرحلة، ومنهم النشاشيبي وخليل بيدس وإسحاق الحسيني، لم يتجاوز الإطار التربوي.  

لكن منذ مطلع خمسينات القرن الماضي، شهدت الحركة الأدبية العربية والفلسطينية، اندفاعاً متمرّداً للخروج من الموروث نحو أنماط جديدة تلبّي الحاجة إلى التعبير. هكذا تم الانتقال من الشعر التقليدي إلى القصيدة الحرّة، التي تتوسّل الصورة والإيقاع أكثر من البلاغة. وكذلك في الكتابة الروائية والقصصية، حيث برزت مع الوقت أسماء مثل جبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وغسان كنفاني وسحر خليفة وغيرهم الكثير ممّن نقلوا هموم الأدب الفلسطيني إلى العالمية.

ولأن الأدب يخرج من رَحْم المأساة، استطاع الفلسطينيون أن ينهلوا من تربة خصبة للغاية. احتلال، قتل، اعتقال، استيطان، منفى واغتراب، ولجوء حتى داخل الأرض الفلسطينية، فضلاً عن "خطط سلام" مزعومة لم تقدّم لهم سوى المزيد من البؤس. 

صُراخ المُتشائلين

  • اميل حبيبي

يرى الناقد الفلسطيني فيصل دراج، أن الشعر، قبل النكبة، لعب دوراً قيادياً في الثقافة الوطنية الفلسطينية، بينما كانت النصوص المسرحية أو السردية على قلّتها وشكلها شبه التعليمي، مخصّصة لحَظْر بيع الأراضي للصهاينة أو للاحتفال بأمجاد العرب السابقين. 

لكن تطوّر فن الرواية يعزوه إلى الحركة الثقافية النشطة في بغداد وبيروت ودمشق، في حين جاءت المساهمة الأكثر أهمية من جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب روايته الأولى "صُراخ في ليل طويل" (1946) ونشرها في وقت لاحق بعد مغادرته فلسطين إلى بغداد. حيث أرسى هذا الروائي خلال مسيرته حداثة وتجديد غير مسبوقين في الرواية العربية.

لقد نجح جبرا عبر مجموعة من الروايات أهمّها "البحث عن وليد مسعود"، في التعبير عن المأساة الفلسطينية. وإذا كانت الأرض المسلوبة حاضرة بشكل رمزي في روايته المذكورة، فقد رفعها من حالتها المكانية لتتصل بمحيطها الأوسع. حيث البحث الفلسطيني المُضني داخل هذا المحيط عمّن يلملم آثار النكبة. وتصوير رحلة الفلسطينيين الدائمة، ولو ببصيص نور ضئيل، للوصول إلى أنفسهم وهم في شتات لم يقلّ واقعهم فيه سوءاً عمّا هو عليه سواهم داخل الأراضي المحتلة. 

وإذا كان جبرا يبحث عن بصيص أمل في المحيط العربي، فإن غسان كنفاني سرد لنا سيرة اللجوء، منذ اللحظة التي أُخْرِج فيها الفلسطينيون من أرضهم وبيوتهم، إلى المأساة المستمرة في أراضي الشتات. 

شكّلت النكبة وعي كنفاني مواكباً حياة الفلسطينيين. وقدّم لنا في 18 كتاباً توزّعت بين القصة القصيرة والرواية والعمل المسرحي تأريخاً للنكبة ونتائجها السياسية والاجتماعية والثقافية، كما في "عائد إلى حيفا" و"أرض البرتقال الحزين" وأهمّها "رجال في الشمس". 

  • غسان كنفاني

رغم أعماله الروائية، يُعتَبر كنفاني حتى اليوم أحد الأسماء البارزة في القصة القصيرة، إلى جانب أسماء لا تقلّ أهمية ومنها سميرة عزام التي كتبت "الشيخ محمّد باع حجّته" و"العيد من النافذة الغربية" و"قصص أخرى". 

ولا يمكن هنا إغفال إسم يعتبر مكمّلاً لطليعة الروائيين الفلسطينيين. إنه إميل حبيبي صاحب "سداسية الأيام الستة وقصص أخرى" التي صوّر فيها تجربة الفلسطينيين مع هزيمة 1967، وكذلك "المُتشائل" التي ولَّف فيها بين التفاؤل والتشاؤم، مُعبّراً عن حالة فلسطينيي الداخل، بحيث يحمد صاحب هذه الصفة ربه على عدم حصول مصيبة أكبر من التي أصابته، كما جاء في هذا الإقتباس من الرواية: "خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميّز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي: مَن أنا؟ أمُتشائم أنا أم مُتفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيّهما أنا: أمُتشائم أنا أم مُتفائل".

  • سميرة عزام

مثّلت الرواية والقصة الفلسطينية في مسيرتها التاريخية ما يطلق عليه فيصل دراج "أدب المظلومين"، "الذي أعطى الأمل لمَن ليس لديهم"، ويحدّد ذلك في ثلاث سمات رئيسية هي: الأولى: الرومانسية وتجميل للوطن المفقود التي تضع فلسطين التاريخية في قالب فردوسي فريد على الأرض، ويأمر الفلسطيني بأن يعكس صورة مقدّسة لأرضه. وهو ما فعله جبرا الذي واءم بين المسيح والإنسان الفلسطيني. والثانية عند كنفاني الذي اجترح الأساسي من جماليات الإرادة البشرية أو ما يسمّيه "أسطورة السوبرمان". أما السمة الثالثة في الرواية الفلسطينية فهي حصيلة السمتين السابقتين، وتتجلّى في أهمية فترة الهروب والملاذ وهي "فترة ضيّقة وعابرة من الضيق الذي يختبر فيه الفلسطيني نفسه، ثم يعلن عن انتصاره القادم". 

الشعر كجزء من الصراع الثقافي

  • محمود درويش

أُسمّي الترابَ امتداداً لروحي
أُسمّي يديّ رصيفَ الجروحِ
أُسمّي الحصى أجنحهْ
أُسمّي العصافير لوزاً وتين
أُسمّي ضلوعي شجرْ
وأستلّ من تينة الصدر غصناً
وأقذفهُ كالحجرْ
وأنسفُ دبّابةَ الفاتحين 

لا يُذكَر الشعر الفلسطيني إلا ويتبادر إلى الأذهان إسم محمود درويش. هذا الرجل الذي تفتّحت موهبته الشعرية وصقل تجربته في أوج العمل الفدائي الفلسطيني في ستينات وسبعينات القرن الماضي. 

ومثّل شعر درويش مساهمة فلسطينية في الحياة الثقافية العربية والعالمية. فهو إلى جانب كونه شعراً مقاوماً، شكّل صوتاً إبداعياً قرأ التراث الثقافي البشري بأكمله، مُستعيناً بأبعاد جمالية، خلق منها قصائد لا تقف عند حدود الأيديولوجيا، ليتعدّاها إلى الحب والمرأة والوحدة والتأمّل الفردي. 

ينتمي درويش إلى جيل يضم أسماء لامعة مثل سميح القاسم ومريد البرغوثي وإبراهيم نصر الله ومعين بسيسو وغيرهم. 

  • معين بسيسو

لم تكتف قصائد هذا الجيل بالركون إلى الروح الثورية، فكانوا جزءاً من عملية تحديث الشعر العربي، والتأمّل في معنى الشعر ورسائله. وغالباً ما ترافق هذا النشاط الشعري، مع ما حملته القوى الفلسطينية (وتحديداً منظمة التحرير الفلسطينية) من عناوين ثقافية واجتماعية وسياسية عريضة، كتحرير الأرض بالتساوق مع تحرير المجتمع من الجهل والطائفية. 

كما الروائيين، سعى شعراء فلسطين إلى تعميق الوعي الفلسطيني بأن الصراع مع المحتل ليس على الأرض فحسب، بل هو صراع ثقافي لا نكسب فيه إلا بمراكمة المعرفة.