رسالة من إيطاليا إلى أوروبا: هذا ما نعرفه عن مستقبلكم

نحن في إيطاليا، وهذا ما نعرفه عن مستقبلكم. إنها نبوءة مُصغّرة. نحن عرّافون بسطاء.

  • رسالة من إيطاليا إلى بريطانيا: هذا ما نعرفه عن مستقبلكم

تحت عنوان "من مستقبلكم" توجّهت الروائية الإيطالية فرانشيسكا ميلاندري، التي كانت مُحْتَجَزة في روما منذ نحو ثلاثة أسابيع بسبب فيروس "كورونا"، توجّهت برسالة إلى زملائها الأوروبيين، عبَّرت فيها عن كمٍّ من العواطف من المُرجَّح أن الكثيرين سيختبرونها خلال الفترة المقبلة. 

وهنا نص الرسالة:

"أكتب إليكم من إيطاليا، وهذا يعني أنني أكتب إليكم من مستقبلكم. نحن الآن حيث ستكونون أنتم بعد أيام قليلة. فالرسوم البيانية لهذا الوباء تظهر وكأننا مُتضافرين في رقصة واحدة متوازية وجماعية.

زمنياً، نحن على بُعد خطوات قليلة منكم، مثلما كانت ووهان بالنسبة إلينا قبل بضعة أسابيع. نحن نراكم وأنتم تتصرَّفون، كما فعلنا نحن بالضبط. لديكم حججنا نفسها التي تذرَّعنا بها من قبلكم قبل وقت قصير. من بينكم أولئك الذين لا يزالون يقولون "إنها مُجرَّد إنفلونزا ، لماذا كل هذه الضجّة؟"، وأيضاً أولئك الذين فهموا ما حصل فعلاً.

بينما نراكم من هنا، من مستقبلكم، نعلم أن معظمكم يلزمون بيوتهم، ويتداولون اقتباسات لجورج أورويل وبعضاً لتوماس هوبز. لكنكم سُرعان ما ستنشغلون بما يجعلكم تتوقّفون عن ذلك. 

بداية، ستأكلون، ليس لأن هذا هو أحد الأمور القليلة التي لم تزل مُتاحة أمامكم. ستجدون العشرات من مجموعات الشبكات الاجتماعية التي تحتوي على برامج تعليمية حول كيفيّة قضاء أوقات فراغكم بطُرُق مثمرة. ستنضمّون إليها جميعها، ثم تتجاهلونها تماماً بعد أيام. 

ستلتقطون كتباً من مكتباتكم لكنكم ستكتشفون سريعاً أنكم لا تريدون قراءة أي منها. ستأكلون مرة أخرى. لن تناموا جيّداً. ستسألون أنفسكم ماذا يحدث للديمقراطية؟

  • فرانشيسكا ميلاندري

سيكون لديكم حياة اجتماعية متواصلة عبر الإنترنت لا يمكن وقفها. ستشتاقون لأولادكم البالغين كما لم تفعلوا من قبل، وتكتشفون بأنه ليس لديكم أدنى فكرة متى سترونهم مرة أخرى، وأن هذا الأمر يشبه تلقّي لكمة على الصدر. 

المشاكل والحقد الذي حملتموه في قلوبكم طوال السنوات السابقة، ستتيقّنون أنه كان بلا قيمة. ستتصلون بالأشخاص الذين أقسمتم لهم أنكم لن تتحدّثون إليهم مرة أخرى أبداً، وتسألونهم: "كيف حالكم؟". نساء كثيرات سيتعرّضن للضرب في منازلهن. 

ستتساءلون عما سيحدث لجميع أولئك الذين لا يستطيعون الاحتماء بالجدران لأن ليس لهم بيوتاً. ستشعرون بانكشافكم أمام الخطر لحظة خروجكم للتسوّق في الشوارع المهجورة، خاصة النساء منكم. ستسألون أنفسكم إذا كانت هذه هي الطريقة التي تنهار بها المجتمعات. هل يحدث ذلك حقاً؟ وهل تنهار بهذه السرعة؟ ستنفضون رؤوسكم من هذه الأفكار، وعندما تعودون إلى بيوتكم.. ستأكلون مرة أخرى!.

ستزيد أوزانكم وتبحثون عن تدريب لياقة بدنية على الإنترنت. ستضحكون. ستفعلون ذلك كثيراً وتتباهون بروح الدعابة التي لم تكونوا تمتلكونها من قبل. حتى أولئك الذين كانوا يأخذون كل شيء على محمل الجد، سيفكّرون في سخافة الحياة والكون. 

ستضربون مواعيد لأصدقائكم ومَن تحبّونهم في طوابير السوبر ماركت حتى تتمكّنوا من رؤيتهم لفترة وجيزة، مع التزامكم الصحي بالمسافات التي يجب أن تفصل بينكم وبينهم. ستحصون كل الأشياء التي لم تكونوا بحاجة إليها. ستكتشفون الطبيعة الحقيقية لمَن حولكم بوضوح تام. ستتأكّد ظنونكم حيال بعض الأشخاص وتتفاجئون بآخرين. 

العلماء الذين كانوا يحتلون شاشات التلفزة سيختفون، وتصبح آراؤهم فجأة غير ذات أهمية. بعض هؤلاء سيلجأون إلى التحليل العقلاني، لكنه سيكون فاقداً تماماً للتعاطف لدرجة أن الناس سيتوقفون عن الاستماع إليهم. وبدلاً من أولئك، فإن الأشخاص الذين كنتم تتجاهلونهم سيصبحون هم مَن يبثّون الطمأنينة في نفوسكم. سيكونون كرماء وموثوقين، واقعيين وأصحاب بصيرة. 

أولئك الذين يدعونكم لرؤية كل هذه الفوضى كفرصة لتجديد هذا الكوكب، ويساعدونكم على النظر إلى الأشياء بمنظور أوسع، لكنكم في المقابل ستجدونهم مزعجين بشكل رهيب: جميل، كوكب الأرض يتنفّس بشكل أفضل بسبب خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون إلى النصف، لكن كيف ستدفعون فواتيركم الشهر المقبل؟
لن تفهموا حينها، ما إذا كانت رؤية ولادة عالم جديد هي أمر عظيم أم قضية بائسة. 

سوف تقومون بتشغيل الموسيقى من نوافذ وأفنية بيوتكم. عندما رأيتمونا نغني الأوبرا عبر شرفاتنا، فكّرتم وقلتم: "آه، هؤلاء الإيطاليون". لكننا نعلم أنكم ستفعلون الأمر ذاته. ستغنّون بما يساهم في رفع معنويات بعضكم بعضاً. وعندما تقفون خلف نوافذكم وتنفجرون بترديد أغنية "I will survive" سننظر إليكم ونهزّ برؤوسنا تماماً كما فعل سكان ووهان، الذين أطلقوا الأغنيات من نوافذهم في شباط/فبراير، ثم أومأوا برؤوسم أثناء مشاهدتنا نغني.

الكثيرون منكم سيخلدون إلى النوم، ويتعهّدون بأن أول شيء سيفعلونه بمجرّد انتهاء العزل المنزلي، هو الشروع في ملف الطلاق. سيكون هناك حالات حمل كثيرة. أطفالكم سيبدأون تعليمهم عبر الإنترنت. سيتحوّلون إلى مصدر إزعاج رهيب، لكنهم في الوقت عينه سيكونون سبب فرحكم.

كبار السن سيرفضون سماع نصائحكم كأنهم مراهقون غاضبون، ستكافحون لمنعهم من الخروج والإصابة بالعدوى والموت.

ستحاولون ألا تفكّروا في مَن يموتون وحيدين داخل وحدات العناية المركّزة في المشافي. ستشعرون بأنكم في حاجة لأن تنثروا الورد على دروب جميع العاملين في القطاع الطبي. سيخبرونكم أن المجتمع متّحد في جهد جماعي، وأنكم في نفس القارب. سيكون هذا صحيحاً. هذه التجربة ستغيّر نظرتكم إلى أنفسكم بشكل قاطع، وتدركون أنكم أفراد أجزاء من الكلّ الأكبر.

الاختلاف الطبقي، على أية حال، سيصنع الفارق. إذ ليس سيّان، بين أن تعيش العزل المنزلي في بيت واسع مع حديقة جميلة، وبين أن تحيا داخل مشروع سكني مُكتظّ. وليس سيّان أيضاً، بين أن تستمر في العمل من بيتك وبين أن ترى وظيفتك تختفي. القارب الذي ستبحرون فيه من أجل هزيمة الوباء ليس هو نفسه بالنسبة للجميع، وهو في الواقع لم يكن كذلك أبداً.

في مرحلة ما، ستدركون أن هذا صعب. ستخافون. ستشاركون خوفكم مع أحبائكم، أو ستحتفظون به لأنفسكم حتى لا تثقلوا كاهلهم أيضاً. ستأكلون مرة أخرى.

نحن في إيطاليا، وهذا ما نعرفه عن مستقبلكم. إنها نبوءة مُصغّرة. نحن عرّافون بسطاء.

إذا حولنا نظرنا إلى المستقبل الأبعد، هذا المستقبل غير المعروف لكم ولنا أيضاً، يمكننا أن نؤكّد لكم أمراً واحداً فحسب: عندما ينتهي كل هذا، لن يكون العالم هو نفسه".

ترجمة: الميادين الثقافية