إيطاليا المنكوبة.. ماذا قدمت لأوروبا؟

قضية "كورونا "جاءت لتُعيد إلى الذاكِرة أمجاد إيطاليا، حيث تعالت أصوات إيطالية تُعيد إلى الأذهان ثراء هذا البلد على مختلف المستويات، لتتفاقم قضيتها، ولتصبح المأساة مُضاعَفة لا تقتصر على الحال الصحية فحسب، بل لتُعيد للذاكِرة أمجاد هذا البلد المنكوب.  

  • الاصطراع في باحة الكولوسيوم

باهظة أثمان الضربة التي تلقّتها إيطاليا بسبب فيروس "كورونا"، والثمن لا يُطاول الحال الصحية في البلد الذي يختزن تاريخاً وإرثاً إنسانياً كبيراً، لا تمتلكه دولة أوروبية أخرى. وبغضّ النظر عن روما التي أنشأت إحدى أكبر الامبراطوريات في التاريخ، وهي الامبراطورية الرومانية، إلا أن ما قدَّمته إيطاليا للعالم، من علومٍ وفنونٍ وجمالٍ وابتكارات، يفوق كل وَصف، وقد لا تتّسع له دائرة معارف خاصة بها.

قضية "كورونا "جاءت لتُعيد إلى الذاكِرة أمجاد إيطاليا، حيث تعالت أصوات إيطالية تُعيد إلى الأذهان ثراء هذا البلد على مختلف المستويات، لتتفاقم قضيتها، ولتصبح المأساة مُضاعَفة لا تقتصر على الحال الصحية فحسب، بل لتُعيد للذاكِرة أمجاد هذا البلد المنكوب.  

وإذا شئنا أن نستحضر بعضاً من إنجازات إيطاليا، فيمكن اختيار نموذج واحد يُعبِّر عن مكنونات هذا البلد، ونجد بالعودة إلى القرن الخامس عشر، وتحديداً على يد العالِم، والفنّان ليوناردو دافنشي، ما يختزل تطوّر هذا البلد على مختلف الصُعُد، حيث تشير إنجازات دافنشي إلى التطوّر العلمي والتقني والهندسي والفني المُكْتَنِز في أعماله، واختراعاته، وتالياً في تطوّر العلوم والفنون لدى الإيطاليين في النصف الأول من الألفية الثانية.

  • سفينة حربية
  • إيطاليا المنكوبة اليوم.. ماذا قدمت لأوروبا؟

فقد وثّقت "مؤسَّسة دافنشي" في فلورنسا أعماله، وكلّفت الفني كارلو نيكولاي بوضعِ تطبيقاتٍ لتصاميمه، فأسَّس مع مجموعةٍ من حرفيي فلورنسا شركة اختصَّت بصناعة أعمال دافنشي، وتعتمد النماذج على تصاميم شديدة الدقَّة، والتفصيل لتظهر أهمية الأعمال على حقيقتها، كما تركز على استخدام المواد التي كانت مُتوافِرة في عصرها كالخشب، والقطن، والحديد والحبال.

الأعمال المُنفّذة تشير إلى أن دافنشي كمُمثلٍ للتطوّر الإيطالي، هو مؤسِّس سَبّاق لأهم النظريات العلمية الهندسية، والفيزيائية، وعلوم الرياضيات، والتشريح والموسيقى، وتجلَّت اختراعاته في العديد من الآلات، ومجالات الحياة التي صُنِّعت بعد قرون من الزمن، كالطائرات والمروحيات والسفن والمدافع والجسور، وتحويل الطاقة المخزّنة بالنوابض (الزنبرك)، إلى حركة تؤسِّس لتحريك الدواليب وصولاً إلى السيارة. 

بالإضافة إلى اكتشاف القياسات التناسبية في العلوم والفنون والعلوم الطبيعية والطبيعة.

  • إيطاليا المنكوبة اليوم.. ماذا قدمت لأوروبا؟

أبرز تصاميمه نموذج طائرة مُستوحاة من حركة طيران الوطواط ذي الأجنحة الطويلة والجسم الصغير. وطائرة مروحية تعتمد على أجنحةٍ لولبيةٍ من القماش المقوَّى، والخيوط الحديد، ويمكن لأربعة أشخاص تحريكها بطريقةٍ دائريةٍ فترتفع بهم في الفضاء. وسيارة تعمل بضغط الزنبرك. 

والأنبوب المُسهِّل للغطس تحت الماء. والجسر المُنحني المصنوع من أعمدة خشب مُتداعمة. والمدفع، والدبابة. 

 

تناسب جسم الإنسان

  • إيطاليا المنكوبة اليوم.. ماذا قدمت لأوروبا؟

وفي دراسات، وتشريح لجسم الإنسان، اكتشف دافنشي مناسيب قياسية فيه، ووضعها في تصميم "الرجل الفيتروفي"، منها أن طول يدي الإنسان وهما ممدودتان تساويان ارتفاعه (طوله)، وأن القسم من جذور شعر الإنسان (أعلى الجبين) إلى أخمص ذقنه (الوجه) يشكّل 10% من طوله، ومن أسفل الذقن إلى قمّة الرأس ثمن طول الإنسان، ومن أعلى الصدر وحتى جذور الشعر هو الجزء السابع من الجسم، ومن الحلمات إلى قمّة الرأس هو القسم الرابع، واليد بكامل طولها هي الجزء العاشر من الجسم، والمسافة من أسفل الذقن حتى الأنف ومن جذور الشعر حتى الحواجب هي المسافة عينها، وهي كالأذن، ثلث وجه الإنسان.

ولا تُخفى أعماله الفنية من رسومٍ ونحوتٍ، لكن أبرزها الموناليزا، والعشاء السرّي، وبشارة الملاك جبريل للسيّدة العذراء.

يُذكَر أن "مؤسَّسة دافنشي" نظّمت جولة على العالم عارِضة أعماله، ونال لبنان حصّة في معرض جرى سنة 2012 في صالة "بالاتييا" في كسروان.

وإذا شئنا اختيار نموذج صارِخ للتطوّر الإيطالي تاريخياً، فإننا نجده في الفيلم الوثائقي الفني "أسرار الكولوسيوم" الذي يظهر بالتفصيل بناء "الكولوسيوم"، وتجهيزاته، وهو المبنى المسرحي الكبير الذي يعرض أهمية  التطوّرات العلمية والهندسية التي شهدتها إيطاليا عبر التاريخ.

من استدارة "الكولوسيوم"، وبنائه على عدّة طبقات، وجرّ المياه إليه لتحويله لحظة من اللحظات إلى ما يشبه البحر، وتشغيل أنشطة هامة فيه بالمياه، ومسرحه الضخم الذي تحفّ به المدرّجات، والتقنية التي اعتمدت في التنقّل بين طبقاته هي سبّاقة للمصعد الحالي، وبواسطتها كان يتم نقل الحيوانات الكاسِرة إلى المسرح من دون أن تلحق أذى بالجمهور، بالإضافة إلى عناصر كثيرة أخرى، تدلّ على أن العلوم الإيطالية لم تكن مُقتصرة على عصر دافنشي في القرن الخامس عشر للميلاد، بل تعود إلى حقبات أبكر بكثير، وربما لقرونٍ قبل ذلك الزمن.

  • إيطاليا المنكوبة اليوم.. ماذا قدمت لأوروبا؟

برج بيزا من العناصر الإيطالية المُميّزة، ومن عجائب الدنيا السبع، متاحف الفنون، والمنحوتات الكُبرى، والحدائق العامة الزاخِرة بها في كل ناحية من نواحي إيطاليا، وصولاً إلى الموسيقى والشعر والأدب والتمثيل، وفي العصر الراهِن إلى أجمل تصاميم الأزياء، وأشهر وألطف العطور.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت.