الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة

"موتى، موتى، لم يبق غد"، كيف حضرت الأوبئة في نصوص أسلافنا؟ ولماذا يحولنا القلق، لا الخوف، إلى كائنات فردية تسيّرها غريزة البقاء؟

  • الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة
    الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة

الكفاح من أجل البقاء، والصراع بين الأحياء من أجل القوت والمجال الحيوي، والتكاثُر الضروري، قوانين تحكم الكائنات الطبيعية. ولما كان النمو والحركة مُحتاجين إلى الطاقة، فإن الاقتتال بهدف الحصول عليها يجعل كل نوع لا يكترث بتاتاً لا بما حوله ولا بحياة الكائنات الأخرى. الافتراس والقضاء على الخصم هو السِمة الغالبة في العالم الحيواني وفي أثناء كل وباء. 

 

الوباء في النصوص والأدب: موتى، موتى، لم يبق غد

  • الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة
    الكتابة عن الأوبئة وصدى الخوف منها

"يشعر بالذنب بسبب إحضار زوجته إلى هذا المكان، وهي الشابّة الشديدة الهَشاشة، وإلى فخّ الحَجْر الصحّي، وسط هذا الوباء. جعلتني الكلمة أقفز من مكاني مفزوعاً:

وباء؟ وباء ماذا؟

نظر جاك إليّ. هل أنا آخر مَن يعلم ما يجري هنا؟

وباء كل شيء، الملاريا، الجدري، الكوليرا.

يُحدّثني عما رآه هذا الصباح، في قرية العمال الهنديين، الناس المنهكون، المصابون ببرحاء الحمى، ذوو الوجوه المتورّمة، ليس هناك كينين بالقدر الذي يكفي الجميع، واللقاح منعدم. ينبغي أن ترسل من جزيرة موريشيوس الأدوية والمؤونة..".

يلخّص هذا الحوار المُقتَبس من رواية لوكليزيو "الحَجْر الصحّي" (La Quarantaine) عناصر الوضع المُميّز لكل جائِحة: وباء مُنتشِر، وجهل الناس، والحَجْر الصحّي، ونقص الأدوية والتغذية، واللا مُساواة في العلاج والعناية، والشعور بالذَنب.. وبالطبع علاقة غرامية بين شخصيّتين تشكّل مناسبة لتحليل المشاعر المُتبادَلة خلال الأزمات.

تعتبر الأوبئة والجائَحات جزءاً لا يتجزّأ من التاريخ البشري، إذ أنها دائماً ما رافقت الإنسان في حلّه وترحاله. ويرى بعض المؤرّخين بأن للأوبئة دور كبير في تغيير الجغرافية السياسية للعالم، بعد فَتْكِها بالسكان وتدميرها للاقتصاد. وهي أيضاً موضوع للتناول الأدبي لم يتوقّف الكتّاب عن استثمارها لإبراز مهاراتهم في الوصف، وسَبْر أغوار النفس البشرية، وإبراز الأبعاد الإنسانية والبطولية لتحدّي الأخطار، وعرض تأمّلاتهم الميتافيزيقية والأخلاقية.

تزخر مكتبتنا العربية بعديد من الكُتب التي اتّخذت الأوبئة، خاصة الطاعون والجدري، موضوعاً لها

فبعد الشهادات الشفوية التي نقلها المسافرون أو الناجون عن وقائع وبائية، وما حكاه الأجداد لأبنائهم وأحفادهم عن الأمراض الفتّاكة السابقة، انبرى المؤرّخون والمُفكّرون والأدباء للتطرّق إلى الأوبئة ومُعالجتها، مُبرزين فتكها بالنوع البشري بل وحتى بالحيوانات والنباتات. وبالقدر نفسه من الاهتمام، تناول فنّانون عديدون الكوارث الطبيعية والجائِحات في بعض أعمالهم كلوحات "غيريكو" و"رفائيل" و"غويا"، إلخ.

أما مكتبتنا العربية فتزخر بعديد من الكُتب التي اتّخذت الأوبئة، خاصة الطاعون والجدري، موضوعاً لها: لقد حرّر كل من الحافظ بن أبي الدنيا، والعسقلاني، والديباجي، والتلمساني بن أبي حجلة، وإبن طولون، مثلاً، مؤلّفات حول الأوبئة. وجاءت كتب إبن خلدون وإبن بطوطة مُتضمّنة لصفحاتٍ عن تفشّي الطاعون وبطشه وفتكه بالأحياء. وتجدر الإشارة أيضاً إلى الرسائل التي حقّقها محمّد محسن لكل من لسان الدين بن الخطيب "مقنعة السائل عن المرض العائل"، ولأحمد بن خاتمة الأنصاري "تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد"، ولأبي عبد الله محمّد بن علي الشقوري "النصيحة".

  • الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة
    نازك الملائكة 

وغير بعيد منا، تحدّثت رواية الأديب العربي طه حسين "الأيام" عن انتشار مرض الكوليرا في القرية، وعن الكيفيّة التي تعامل بها الناس معه. وبرعت قصيدة الشاعرة نازك الملائكة "الكوليرا" في تمثيل الوباء ونقل صورة شراسته إلى القرّاء: "موتى، موتى، ضاع العدد/ موتى، موتى، لم يبق غد/ في كل مكان جسد يندبه محزون/ لا لحظة إخلاد لا صمت/ هذا ما فعلت كف الموت/الموت الموت الموت/تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت/الكوليرا/في كهف الرعب مع الأشلاء...". 

طعنة الطاعون وصداه

  • الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة
    رواية الطاعون لألبير كامو

في العالم الغربي تعرّضت عدّة أقطار ومدن لأوبئةٍ كان لها أثر كبير على ديمغرافيّتها واقتصادها، حتى أنها تحكّمت في مصيرها السياسي. في إطار تأريخه لحرب البيلوبونيز التي جرت في القرن الخامس ق.م. بين أثينا وإسبرطة، تناول المؤرّخ اليوناني توسيديد (حوالى 465 ق.م.- 404 ق.م.) بالوصف والتحليل الوباء الذي أرغم أثينا على التنازل وطلب السلام، بعدما كانت قوّة يُضرَب لها ألف حساب. 

ولا يُعرَف بالضبط نوع الجائِحة التي فتكت بسكان وجنود أثينا، فهناك مَن قال هو الطاعون، وهناك مَن تحدّث عن التيفوئيد، وهناك من إشار إلى الإنفلونزا. والسبب في ذلك يعود إلى اللغة، إذ إن الكلمة التي استعملها الإغريق آنذاك للإشارة إلى الطاعون، تفيد كل مرض وبائي وليس فقط المُسمّى.  

كانت النتيجة الأولى لهذه الغارة الوبائية الوحشية، أنها قسرت مواطنينا على أن يتصرّفوا كما لو أنهم كانوا خالين من العواطف (البير كامو، رواية الطاعون). 

ومن التوثيق إلى التخييل، جاء أدب الأوبئة الغربي لرَسْمِ معالم ديستوبية لحواضر وأمراض، منها على سبيل المثال لا الحصر، "الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل غارسيا ماركيز، و"العمى" لخوسيه ساراماغو، وقصة "الهوصار (Le hussard)على السطح" لجان جيونو، و"مرضى الطاعون" لمارسيل بانيول، و"نميزيس" لفيليب روث، و"يوميات عام الطاعون" لدوفو، و"الوليمة في أثناء الطاعون" لبوشكين، و"الطاعون" للكاتب الجزائري- الفرنسي ألبير كامو التي نقلت مدينة وهران إلى العالمية.    

تبدأ رواية الطاعون بانطباع عن مدينة وهران الهادئة، وكلما تقدّمنا في القراءة نكتشف أننا أمام اجتياح الوباء للمدينة، والذي حملته ونشرته الجرذان في جميع أرجائها. 

"يمكن القول إن الطاعون أصبح ابتداء من تلك اللحظة قضيتنا جميعاً. فحتى ذلك الحين، كان كل مواطن من مواطنينا، بالرغم مما حملته له هذه الأحداث الفريدة من مُفاجأة وقلق، يتابع شواغله كما يستطيع في مكانه المعتاد. وكان مُقدّراً لهذا أن يستمر من دون ريب لولا أن الأبواب أغلقت، فأدرك الناس أنهم جميعاً...أصبحوا مُتساوين، وينبغي أن يتدبّروا أمرهم. وهكذا أصبح، على حين غرّة، شعور فردي كشعور الانفصال عن كائن حبيب، شعور شعب بكامله، منذ الأسابيع الأولى، ومع الخوف، الألم الرئيسي الذي يحمله زمن هذا النفي الطويل". (ألبير كامو، الطاعون، ترجمة سهيل إدريس، ص 70).

وتحكي الرواية كيف أولت وواجهت شخصياتها، كل واحدة من موقعها وفي تفاعل مع الشخصيات الأخرى، الوباء كشكل من أشكال الشر؛ وكيف عاشت الحَجْر الصحّي. 

ويواصل كامو توصيف المشهد: "الواقع أن إحدى النتائج الأكثر بروزاً لإغلاق الأبواب، كانت الانفصال المُفاجئ بين كائنات لم تُعدّ لهذا الانفصال.. كل أولئك ألفوا أنفسهم فجأة مُبتعدين بلا أمل، محرومين من اللقاء أو الاتصال.. ويمكن القول إن النتيجة الأولى لهذه الغارة الوبائية الوحشية أنها قسرت مواطنينا على أن يتصرّفوا  كما لو أنهم كانوا خالين من العواطف". (ص 70 و71). 

هكذا إذن، يفرض الفيروس منطقه الخاص وتسلّطه الشَرِس على كل مناحي الحياة البشرية البيولوجية والاجتماعية والنفسية والعاطفية، حيث يتابع كامو: "وإذ نحن هكذا نافذو الصبر من حاضرنا، أعداء لماضينا، ومحرومون من المستقبل، فإننا كنا نشبه أولئك الذين كانت العدالة أو البغضاء البشريان تجعلانهم يعيشون خلف القضبان الحديدية". (ص 75). تلك اقتباسات دالّة على وقع الجائِحة على الفرد، وخاصة على سيكولوجيته التي يتنازعها الهلع والقلق في إطار العزل المنزلي.

"أنا أتألّم، وأنا خائف"

  • الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة
    لوحة الطاعون في يافا

الألم الفظيع والخوف الشديد هما جزءان من مشاعر الفرد الذي يصيبه الوباء ويفتك به. يُحدّثنا مفتّش صحّة مديرية أسيوط (مصر) إسماعيل رشدي، في كتابه المنشور سنة 1904 "السر المكنون في أبحاث الطاعون"، عن هذا الوباء القاتل: "لما طرق الطاعون أبواب بلادنا.. خشينا بطشه، ورهبنا فتكه، وصار يتهدّدنا بميكروبه القتّال... ترجف القلوب وترتعد الفرائص عند ذِكر هذا الإسم.. فكم من منازل أخلاها، وعائلات أفناها، وأملاك أصبحت بلا وارث يرعاها.. أما الطاعون الذي حصل سنة 749 ميلادية، فقد عمّ الأقطار، وخرّب الديار، ومكث سبع سنوات يحصد في الناس، وتعدّى منهم إلى الجمال والخيل والحمير والطيور المنزلية والقطط والكلاب وحتى الوحوش الضارية التي شوهِد كثير منها نافقاً بالموت.. وتفشّى في أوروبا في القرن الرابع عشر مرض يُقال له الطاعون الأسود أو الموت الأسود أو الطاعون الجارِف ففتك بأهلها فتكاً ذريعاً، وصنع بهم صنعاً شنيعاً، وكان موته مريعاً حتى إن عدد الهالكين به يزيد عن الخمسة وعشرين مليوناً من البشر". 

بعد تفشّي المرض ينتشر الهلع بين الناس، خصوصاً وأن الأمر يتعلّق بعدو غير مرئي: فممّن سنهرب وإلى أين؟ 

كانت الشعوب القديمة تفسّر الكوارث الطبيعية (طوفان، زلزال، جفاف) والأوبئة، بأسباب غيبية كغضب الآلهة، وكانت تلجأ إلى تقديم القرابين إلى هذه الأخيرة ضمن طقوس دينية خاصة للاعتذار للآلهة والتماس رضاها وعطفها. 

يقول إسماعيل رشدي في الكتاب المشار إليه أعلاه: "ونحن نقول إن أصل الطاعون حيوان دنيء.. وهو لا يُرى إلا بالمنظار المُعظّم، ولذلك كانوا في مبدأ الإسلام يظنّونه جنّاً لأنه لا يُرى". 

لم تختف مثل هذه التفسيرات التي ربطها أوغست كونت بالحال اللاهوتية، إذ نجد اليوم من لا يزال يعتبر الميكروب أو الفيروس "جنداً من جنود الله"، ويرى بأن الوباء "عقاب إلهي" و"ابتلاء" يستوجبان التوبة والرجوع إلى الإيمان المنسي والتشبّث من جديد بالقِيَم الدينية. 

القلق، لا الخوف، هو المشكلة

  • الكتابة في زمن الأوبئة.. نصوص مرتعشة وفردانية متوحشة
    Guy de Maupassant

في قصته "الخوف"، يقول غي دو موباسان: "إننا لا نخاف إلا مما لا نفهمه.. وتبعاً له، فإن ما يفقد الإنسان عقله هو اللا مرئي، وباء من الماضي، من الأزمنة الغابِرة، نوع من الكائن الروحاني الخبيث الذي يعود ويُذهلنا بقدر ما يُرعبنا، لأنه ينتمي، على ما يبدو، إلى العصور البائِدة". 

واستناداً إلى ما ورد في هذا النصّ القصصي، يبدو أن المقصود هو الخوف اللاعقلاني الذي يُضفي المصداقية على الغامِض والمُبْهَم، وخاصة عندما يتعلّق الأمر بوباءٍ فيروسي. 

أما الفيلسوف روجي بل دروا فيُخبرنا بأن: "للخوف موضوع في حين أن القلق ليس له موضوع. ينشأ الخوف من الخارج، بينما ينبجس القلق من الداخل. إذا كان الخوف شعوراً بالفعل، فإنه يبقى موضوعياً نظراً لعلاقته بأوضاع خارجية. على العكس، لا يتحدّث القلق إلا عنا وحدنا، وليس عن العالم المحيط بنا. إنه مرتبط برغباتنا وبدوافعنا (فرويد)، وباضطرابنا كموجودين مُلقى بهم في العالم (هيدغر)، وبحريّتنا المُطلقة (سارتر)". 

وبهذا يوضح دروا إيجابية الخوف، ناصحاً بعدم الخوف من الخوف. لكن المشكل يكمن في القلق الذي يتملّك الفرد في شكل جَزَع وحَصْر نفسي وضيق صدر، فيزيد من تعقيد خشيته من الوباء. 

 إذا كان الخوف شعوراً بالفعل، فإنه يبقى موضوعياً نظراً لعلاقته بأوضاع خارجية. على العكس، لا يتحدّث القلق إلا عنا وحدنا، وليس عن العالم المحيط بنا.

في المُحصّلة، ينبغي أن نثق في العِلم وأن نتسلّح بالصبر، من دون أن نبخس الفن والأدب أهميّتهما ودورهما في نزع الغرابة والغموض عن الوباء، ومساعدتنا على التساؤل الفلسفي حول محدوديّة الإنسان، وعن وجود الشر والألم والموت. 

عبد الرحيم نور الدين

كاتب ومترجم مغربي