بعد انتهاء "كورونا".. هل يخسر السوريون بعض تقاليدهم؟

كيف أثّر "كورونا" في سلوكيات السوريين الاجتماعية؟ وهل تستمر على المنوال نفسه بعد القضاء على الفيروس أم لا؟ 

  • بعد انتهاء "كورونا".. هل يخسر السوريون بعض تقاليدهم؟
    الوباء..  والسلوك الثقافي لدى السوريين!

لم يَعد فنجان القهوة كعادته يجمع نساء الحيّ في الصباحات. ربّما أُعيد ورق اللعب (الشدّة) إلى الدروج بعيداً من أيدي الشباب في سهراتهم الضاحِكة. حال السوريين لم تعد كما كانت قبل آذار/مارس الفائت. 

أكثر من 30 يوماً في الحَجْر المنزلي المفروض عليهم غيّرت الكثير من عادات السوريين وتقاليدهم. وهم كما غيرهم، تأثّروا بما أسفرت عنه جائِحة "كورونا" من تبدّلٍ كبيرٍ في سلوكيات الأفراد الاجتماعية، مع التزامهم بضرورات التباعُد الاجتماعي. ترى كيف أثّر "كورونا" في سلوكيات السوريين الاجتماعية؟ وهل تستمر على المنوال نفسه بعد القضاء على الفيروس أم لا؟ 

كيف تعامل السوريون مع "كورونا"؟

  • بعد انتهاء "كورونا".. هل يخسر السوريون بعض تقاليدهم؟
    جائحة "كورونا" أحدثت تفاوتاً كبيراً بين السوريين في التعامُل مع خطرها 

يلزم السوريون في معظمهم البيوت في محاولة للتكيّف مع الواقع الجديد الذي فرضه انتشار فيروس "كورونا"، وبينما يتعامل البعض بإهمالٍ مع إجراءات الحَجْر، فإن هناك مَن يُبالغ في الخوف والحَذَر، حيث وصل الأمر بالبعض إلى حد تعقيم العملات الورقية. لكن مقابل أولئك وهؤلاء، هناك مجموعة تتعامل بوعي وثباتٍ مع هذا الخطر المُستجد.   

يقول الخبير الاجتماعي أسامة محمّد في حديثٍ للميادين الثقافية إنّ الجائحة "أحدثت تفاوتاً كبيراً بين السوريين في التعامُل مع خطرها المُستجد"، مُضيفاً "الكثير من الناس لا يأخذون هذا الخطر على مَحْمل الجدّ، فهؤلاء لم يُغيِّروا من عاداتهم إلا ما أُجبروا على تغييره نتيجة الإجراءات التي فرضتها الحكومة". 

عايدة سركيس وهي من سكان حيّ باب توما في دمشق، كانت تزور أختها كل يوم خميس لقضاء الوقت مع عائلتها، وهي اليوم، لم تغيِّر هذه العادة، لكنها انتقلت بها إلى العالم الافتراضي، فأصبحت تُجري "زياراتها" عبر مُكالمة فيديو تتناول خلالها فنجان القهوة والمتّة مع شقيقتها وبناتها لنحو ساعةٍ من الزمن، وذلك في محاولةٍ منها لإيجادِ حلولٍ بديلةٍ من العَزْل.

وتقول سركيس للميادين الثقافية إنها "بعد انتشار "كورونا" اضطررتُ أن أُغيِّر من عاداتي وتقاليدي سواء ما يتعلّق منها بالغسيل المُتكرِّر، والتعقيم وارتداء كمَّامة، إضافة إلى الحَجْر الطوعي المُتشدِّد".

وفي هذا السياق يرى الخبير الاجتماعي أسامة محمّد أنّ أول مظاهر التغييرات في عادات السوريين، كانت في تجنّب المُصافَحة والعِناق، وهي أحد أكثر التغييرات منذ انتشار الفيروس، مُشيراً إلى أنه "قد نشهد في سوريا تحوّلاً في طريقة التحيّة من اللمس المباشر إلى رد اليد إلى القلب أو الإيماء بالرأس". 

ويعتقد محمّد أنّ تجربة الحَجْر الصحّي والعزلة الذاتية ستؤدّيان إلى تغييراتٍ حتى في الطُرُق التي نفضّلها في الترفيه عن أنفسنا، من قبيل اشتراك البعض من السوريين في خدمات منصّات البثّ على الأنترنت. 

وبما أنّ الجائِحة طالت جميع جوانب الحياة، فقد كان للطقوس الدينية نصيبها أيضاً، حيثُ أُدْخِلَت تعديلات في سلوك السوريين وطريقة احتفالهم ومُعايداتهم بتلك المناسبات الدينية. 

هذه قصة عبد الفتاح جزائرلي، الرجل السبعيني الذي لم ينقطع عن الصلاة في الجامِع الأموي منذ 50 عاماً، بما فيها سنوات الحرب، إذ يؤكّد أنه لولا إغلاق الجوامِع بسبب الإجراءات الإحترازية الصارِمة لكان استمرّ على عادته، فـــ "الحامي الله". 

ويقول "نحن كدمشقيين، لم نرَ أبواب الجامِع الأموي مُغلَقة، إلا مع انتشار وباء كورونا. حيث أغلق الجامع أبوابه مُنتصف آذار/مارس في مشهدٍ لم يَعتده السوريون من قبل". ويخشى جزائرلي من عدم قُدرته على الذهاب لصلاة التراويح، ذاك الطقس الرمضاني المُحبَّب لدى جميع المسلمين. 

لا تختلف حال جزائرلي عن غيره من السوريين الذين اضطروا للتعامُل بواقعيّةٍ مع الوباء، رغم عدم اقتناعهم أو تعوّدهم على أداء الفرائض الدينية خارج بيوت الله. 

هكذا كان الوضع بالنسبة إلى سامر أبو زخم، الشاب المسيحي الذي اعتاد زيارة قريته الصغيرة (عرنة) بريف دمشق لتأدية طقوس عيد الفصح. لكنه هذا العام، اضطر إلى حضور القدّاس مباشرة على "فيسبوك"، حيث اقتصر الحضور على الخوري والمُرتّلين فقط. أما المُعايدات فكانت تتمّ عبر الهواتف ووسائل التواصُل الاجتماعي. 

لم يقف التغيير على عادات السوريين على الطقوس الدينية فحسب، بل تعدّاها إلى علاقاتهم الاجتماعية ويوميّاتهم. ففي حين كانت نعوات الوفاة تُحدِّد مكان تلقّي التعازي، أصبحت اليوم تُحدِّد رقم هاتف لتقبّلها سواء عبر رسالة نصيّة أو صوتية، في وقتٍ أُلغيَت فيه جميع حفلات الزواج، وهي المناسبات ذات البُعد الاجتماعي العريق بالنسبة للسوريين. 

بفعل الوباء إذاً، أضحى السوريون يعيشون يومهم في فضاءٍ افتراضي، فانتشرت دورات التعلّم عن بُعد، وتحوّل استخدام التكنولوجيا ليس لمُجرَّد الترفيه، بل للتعلّم عبر منصّات مختلفة، ومنها تلك التابعة لوزارة التربية وقناة "يوتيوب" التابعة لجامعة دمشق.

في هذا السياق، يُفْصِح أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دمشق حسين مقلد، أن الوباء "أوقفنا عن العمل، ووضعنا أمام معوقات العمل الالكتروني التي لم نعتد عليها نحن وطلابنا"، منوّهاً في حديثه مع الميادين الثقافية إلى "ضرورة الاستفادة من هذه الجائِحة عبر تغيير ثقافي يختلف عما كان سائداً قبل الوباء، وذلك عبر إدخال التكنولوجيا بمفاهيمها المُتعدّدة في العمل وتطويعها بما يفيد الحال السورية لكلٍ من الطالب والمُدرِّس، من خلال العمل على تغيير السلوكيات السابقة للسوريين". 

ويُضيف أستاذ العلاقات الدولية إنّ تعامل السوريين تجاه "كورونا" اختلف وفقاً لطبيعة المنطقة والجغرافيا. إذ بالمُقارنة بين العاصمة دمشق وبين محافظة السويداء على سبيل المثال، يتبيَّن أن أهالي الأخيرة استمروا بمُشاركةٍ ملحوظةٍ في إحياء الأفراح والأتراح، في حين تعامل سكان دمشق مع هذه المناسبات بحَذَرٍ أكبر بكثير. 

لكن في المُحصِّلة، فإن تقييم مقلد لتعامُل السوريين مع "كورونا" سلبي، لجهة استمرار العديد من السلوكيات السيّئة، مثل المُصافَحة والاجتماعات وتبادُل الزيارات وعدم قدرة الأهالي على التأثير في أولادهم الذين تحوّلوا إلى ضحايا العطالة. 

ما بعد "كورونا".. هل يعود كل شيء إلى سيرته الأولى؟ 

  • بعد انتهاء "كورونا".. هل يخسر السوريون بعض تقاليدهم؟
    تراجع الجانب الاجتماعي للدين إلى الحيّز الفردي

غيَّرت جائِحة "كورونا" العلاقة بين رجال الدين وبين الناس. هذا ما يخلص إليه أسامة محمّد، الذي رأى أنّ جمهور المُتديّنين لم يعد ينتظر اليوم ما يقوله بعض رجال الدين. حيثُ غالبيّة الناس ترى أنّ التهديد الذي يُشكّله "كورونا" على البشرية لا يمكن مواجهته إلا بالعِلم.

ويعتبر محمّد أنّ الدين هو المجال الوحيد للطمأنينة في الأحوال العادية، وقد دفع الخوف من "كورونا" الناس إلى مزيد من التديّن، لكن هذه المرة، من دون وساطة. وعليه، فقد تراجع الجانب الاجتماعي للدين المُتمثّل بإحياء الطقوس الدينية الجماعية (قداس - صلاة الجماعة)، لصالح الحيّز الإيماني والروحي الفردي. 

ويرى الخبير الاجتماعي السوري أنّ هذه الظاهرة مؤقتة على كل حال، إذ سيعود السوريون إلى حالهم السابقة بعد أن تنتهي هذه الجائِحة. 

فالموروثات الاجتماعية التي قامت وبقية حيّة منذ سنين طويلة ستستمر. ولن تترك مُطلَق أية سلطة، سواء اجتماعية أو دينية، استحكام الفراغ، ولذلك فإنها ستستأنف جهدها لاسترداد الضائع من الوقت وسدّ الفراغ.  

الكثير من التغيّرات طالت حياة المواطن السوري اليوم. فهو لا ينام ولا يستيقظ في وقتٍ مُحدَّد كما في السابق، لكن "كورونا" سينتهي ويعود السوري إلى عمله وحياته، لكنه هذه المرة، سيحتفظ لنفسه بالكثير من الخصوصية التي شكّلها خلال عزلته!

حبيب شحادة

كاتب وصحفي من سوريا