"حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح

نصادفها يومياً خلال تنقلاتنا.. عربات قرر أصحابها أن يحولوها إلى مساحة للبوح. تعالوا معنا لنكتشف بعضها.

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    سنعيش صقورا

مُتنقلاً في الشوارع، كثيراً ما تصادف سيارات أو باصات أو ناقلات بضائع (بيك آب) أو شاحنات تحمل عبارات تتراوح بين الفُكاهي والربّاني والجميل، وبين الحب والكره، أو الجلف والرقيق، غالبها باللغة العامية، وكثير منها المُقفّى أو الموزون كالزجل. 

ولشدّة تنوّعها، يخال العابِر خلفيات السيارات خربشات دفاتر أدبية، لكن في الكثير منها شَذَرات أدبية ولا شك، في حال اعتمد تعريف الأدب بالتعبير عن الأنا، والمُعاناة الشخصية، وتداول الأفكار النابعة من التجربة الذاتية. 

يتساءل المرء عن ماهيّة هذا الكلام؟ هل يمكن لهذا المجزوء، أو الجلف، أو الفطري أن يكون نزعة من نزعات الأدب، أو نفحة من نفحاته، من خارج الأصناف الخمسة الرسمية المُتعارَف عليها كالرواية، والشعر، والقصة القصيرة، والمقالة، والخطاب، والتي تفترض لغة صحيحة، وعبارات مُتماسِكة، وتساوقاً سردياً يوصل إلى فكرة مُعيّنة "ما"؟

إزاء هذا التساؤل، تخطر في البال رواية ذلك الراعي البدوي الذي أراد ذات مرة مدح الخليفة، زمن المتوكّل العباسي في العراق، فقَبِل الخليفة الاستماع إليه، ولما مَثَل أمامه، قال له: أيها الخليفة، أنت كالكلب في الوفاء، وكالدلو في العطاء، وكالتيس في قراع الخطوب"، (بتحفّظ على دقّة العبارات والكلمات المُتداولة شعبياً بطُرُقٍ مختلفة). 

وتفيد الرواية أن حاشية الخليفة، وحرّاسه، همّوا بقتل الشاعر لاعتبارهم أن ما قاله إهانة للخليفة، لكن الخليفة بفطنته وذكائه، عرف أن الشاعر استخدم الأوصاف والصوَر المتوافرة في بيئته الصحراوية، ولمس فيه نزعة شعرية فطرية، فأعطى الشاعر مسكناً حضرياً عايش من خلاله العديد من الشعراء والفئات.

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    الرجل ليس خائنا

وبعد مرور زمن، طلب الخليفة مقابلته، فحضر وأعاد ما قاله في المرة الأولى بطريقةٍ مختلفةٍ، وفيها: "أيها الخليفة، أنت كالصديق في الوفاء، وكالبئر في السخاء، وكالسبع في قراع الخطوب".

أما المراجع الأدبية فتنسب الرواية إلى الشاعر العراقي علي بن الجهم، الذي عاش زمن المتوكّل، وقال له الأبيات: أنت كالكلب في حفاظك للود، وكالتيس في قراعك للخطوب، أنت كالدلو لا عدمناك دلواً، من كبار الدلاء كثير الذنوب"، والمقصود بالذنوب هي فيض الماء المُتصبّب من الدلو لحظة سحبه من البئر، وهي إشارة إلى الغزارة، أي الكَرَم.

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    لا جميل يبقى

خلاصة القول إن ما تحمله خلفيّات الناقلات تشبه إلى حد بعيد رواية الشاعر العراقي، فالكلام على العربات هو نتاج بيئة السائقين الذين يمتلكون العربات، واختار كل منهم ما يناسبه من عبارات، أو ما يختلج في صدره من مشاعر.

العبارات على زجاج السيارات، والباصات، وأقفية سيارات "البيك آب"، يمكن تصنيفها وفق نوعها، بين التحبّب، والتودّد، وبين الإيمان والرجاء، وبين التجارب والفكاهة، وصولاً إلى ما يشي بالكراهية والانتقام، وسوى ذلك من تصنيفات.

ولعلّ أكثر ما يتبادر إلى الذهن، لأنه الأكثر رقّة هو ما حملته إحدى ناقلات الخضار: "ما جيت كحّل رمشي، جيت أحملك وأمشي". لا يكتفي القائل برؤية الحبيبة، بل يريد أن يحملها، ويذهب بها إلى بيته، غاية كل حب، وإعجاب، وشَغَف.

ثمّة ناقلة أخرى أوردت الكلام عينه بإزالة حرفين في العبارة كلها، فغيّرت المعنى برمّته، ووضعته في وجهة أخرى، ما يشير إلى غنى اللغة العربية، إذ يقول: ما جيت كحّل رمشي، جيت حمّل وأمشي"، أي أنه يريد الوصول إلى مُبتغاه بشراء الحمولة، والمضيّ بها من دون تَلَهٍ بالتفرّج على البضاعة المُعبّر عنه ب "تكحيل الرمش". 

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    ما جيت كحل رمشي

وفي الحالين، يستخدم السائق عبارات مجازية جميلة تعبِّر عن رقّة مشاعر، وبلاغة لغة فطرية على المستوى الشعبي غير المُتخصّص.

وتظهر صفحات الزجاج الأدبية الكثير من الرقة في الحب لدى شباب الفئات الشعبية، الذين يغرقون في ودادهم، وصدق مشاعرهم تجاه حبيباتهم، واحترامهم للمرأة، مثل: "كن أهلاً لمَن تركت أهلها لأجلك"، أو "عيوني.. أسيل"، أو "بيبي.. أنتي عمري" وقد وردت بصيغة الأحرف اللاتينية (BIBI ENTE 3OMRI).

وتمضي شؤون الحب نحو التعمّق بالتجربة، وفارِق في مستوى اللوعة، فتقول عبارات: 

"هناك فرق بين مَن يحبك، وبين مجنون يحبك، فالحب قد يتكرّر، أما المجنون بك، فلن يرى سواك".

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    بدعيلك بالجنة

ويكاد العاشق، لشدّة الوَلَه، أن يُقيم عرساً وصلاة على زجاج سيارته الخلفي: ولما أراد الله أن يهبهما الحب قال لملائكته ضعوا قلبه بقلبها، وانثروا الحب بينهما واربطوا وقينه (وتينه) بها.

وبالانتقال في مجالات الحب، والعلاقات العاطفية، تتّخذ بعض الأقوال معاني الفكاهة، كالقول:"الرجل ليس خائناً. هو فقط حنون، يحب جميع النساء".

ولمَن أصابت غيره لوعة الحب بشيء من الصدمة كتب:"أصبح الحب تمثيل، وسوف ننتقم  في الحلقة الأخيرة"، أو "ما في وفا" (MA FI WAFA).

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    ما في وفا

وفي صدمات الحب انقلاب نحو ردّ الفعل، يعبَّر عنه بعبارات الكره، والانتقام، مثل: "مالك نصيب بدنيتي، بغيابك زادت فرحتي"، أو

"بدعيلك بالجنة، بلاقي النار أدفالك".

ومنه كلام آخر يعبَّر به عن اضطراب العلاقات العاطفية، وعدم قدرة كثيرين على إيجاد أُسُس تفاهم قابلة للمضيّ قُدُماً، والاستمرار، بعبارات مكتوبة باللاتينية:، I have a girlfriend، Do not disturb، I am already، very diturbed.

"حِكَم"

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    حكم

تكثر الحكميات على خلفيات السيارات والشاحنات على أنواعها، ولعل أكثرها شيوعاً، أقوال مأثورة، مثل: "الله مع أبو علي"، و"يا رضا الله ورضى الوالدين"، أو توغل في الحكمة مثل: "إذا زاد همّك، خود رضا أمّك"، أو "الأمانة تجر الرزق، والخيانة تجر الفقر"، و"إن لم تستطع قول الحق، فلا تصفّق للباطل"، إشارة إلى التزام الأخلاق.

ومن هذه "الحِكَم" أيضاً: "مالك الملك إذا وهب، لا تسألن عن السبب، الله يرزق من يشاء، فكن على حد الأدب".

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    أصبح الحب تمثيل
  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    ما لك نصيب بدنيتي

أو نصيحة بالعيش الجميل: "لا جميل يبقى.. ولا ماضي يعود"، "عيشو كما تريدون"، ولعزّة النفس والكبرياء المتوافرة في الأدب والشعر، مَن يقول: "سنعيش صقوراً طائرين، وسنموت أسوداً شامخين".

  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    I have a girlfriend
  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    "بيبي انتي عمري"
  • "حِكَم" متنقلة.. عن عربات باتت مساحة للبوح
    كن أهلها

وتنتهي الأقوال تمنيات للخروج من اليأس، في حال اللبنانيين الذين دأبوا على الصعوبات والمرارات الكثيرة: "يوماً ما ستحلو الحياة"، 

وقد كتبت باللاتينية: YAWMAN MA SAT7LO AL 7AYET

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت